الانتقال الى المشاركة

 
الحقوق الاسلامية للشيخ حسين ابوالخير  ( الردود: 0 | المشاهدات :32 | بواسطة الشيخ حسين ابوالخير ) من يكون اللوجوس فى التفاسير المسيحيه  ( الردود: 0 | المشاهدات :39 | بواسطة ميدو الفارس ) من يكون اللوجوس فى التفاسير المسيحيه  ( الردود: 0 | المشاهدات :27 | بواسطة ميدو الفارس ) القول المنير فى الاسراف والتبزير للشيخ حسين ابوالخير  ( الردود: 0 | المشاهدات :30 | بواسطة الشيخ حسين ابوالخير ) نشوز الزوج . ونشوز الزوجة  ( الردود: 0 | المشاهدات :46 | بواسطة السعيد شويل ) الإماء ( ملك اليمين )  ( الردود: 6 | المشاهدات :310 | بواسطة السعيد شويل ) إحياء الموتى .. وبناء أو هدم القباب  ( الردود: 2 | المشاهدات :293 | بواسطة السعيد شويل ) الكفاءة فى الزواج والمحرمات من النساء  ( الردود: 1 | المشاهدات :56 | بواسطة عبدالملك السبيعي ) دورة متخصصة في مقاومة التنصير الأخ حسن داسكي حفظه الله  ( الردود: 0 | المشاهدات :87 | بواسطة وليد المسلم ) سلسلة الدليل البين على ان عيسى ليس هوالله - الشيخ شادي أبو يوسف  ( الردود: 0 | المشاهدات :73 | بواسطة وليد المسلم ) سلسلة يا أهل العقل هل هذا كلام الله للشيخ شادى ابو يوسف  ( الردود: 0 | المشاهدات :68 | بواسطة وليد المسلم ) شرح كتاب محاضرات فى النصرانية للشيخ عبد المنعم الشحات  ( الردود: 0 | المشاهدات :65 | بواسطة وليد المسلم ) محاضرات الداعية وسام عبدالله  ( الردود: 0 | المشاهدات :63 | بواسطة وليد المسلم ) مسلمون جدد  ( الردود: 0 | المشاهدات :67 | بواسطة وليد المسلم ) شبهة فحص الجارية قبل شراؤوها  ( الردود: 0 | المشاهدات :92 | بواسطة طلال _saudiarabia ) دورة تعليمية كيف تحاور مسيحي  ( الردود: 0 | المشاهدات :88 | بواسطة وليد المسلم ) سلسلة شرح كتاب تقرير علمي - الشيخ عبد المنعم الشحات  ( الردود: 0 | المشاهدات :81 | بواسطة وليد المسلم ) شرح كتاب محاضرات فى النصرانية الشيخ خالد منصور  ( الردود: 0 | المشاهدات :76 | بواسطة وليد المسلم ) كتب ناطقة  ( الردود: 0 | المشاهدات :70 | بواسطة وليد المسلم ) نماذج التناقض فى الكتاب المقدس  ( الردود: 0 | المشاهدات :79 | بواسطة وليد المسلم )
   

  من حديث : "إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ"


- - - - -
عدد الردود : 0
 

#1 مهاجر

    عضو ماسي

  • الأعضاء
  • PipPipPipPipPipPipPipPipPipPip
  • 2,172 المشاركات

تاريخ المشاركة : 10 March 2011 - 01:02 AM

ومن قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ" :
فصدر السياق بالتوكيد اللفظي ، وجاء المسند إليه : اسم الله الأعظم ، جل وعلا ، فمعنى الجلال فيه أظهر ، فالألوهية مئنة من الخضوع ، كما الربوبية مئنة من العناية ، فمعنى الجمال فيها أظهر ، واسم "الله" جل وعلا : جامد في اللفظ من وجه كما استدل لذلك ابن الجوزي رحمه الله بعدم جواز تثنيته أو جمعه وذلك رسم الاسم الجامد غير المشتق ، مشتق في اللفظ على وجه آخر ، فمادته : "وله" وهي مئنة من الشوق ، أو الحيرة ، فالقلوب تشتاق إليه وهي مع ذلك تحار في كنه ذاته القدسية وصفاته العلية ، وذلك مما يعظم به معنى الجلال في القلب فيحصل الابتلاء بالإيمان بأعظم غيب ، فالإيمان به قد وقر في القلب فصار شهادة حق ، فنطق اللسان بالتوحيد شهادة معنى ، وإن لم تر العين رؤية حس ، فذلك علم اليقين الجازم الذي ينزل منزلة علم البصر الشاهد ، فالله ، جل وعلا ، أعظم الغيوب وأشرفها ، ودلالة اسمه الأعظم على ذاته القدسية ومعنى التأله معا : دلالة مطابقة ، ودلالته على بقية معاني الكمال الثابتة له جل وعلا : دلالة لزوم ، فاسم "الله" : أعظم اسم فإليه ترد بقية الأسماء فهو الأصل ، واسمية الجملة : "إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي" ، مما يزيد المعنى تقريرا فضلا عن دلالة اللام فقد زيدت في الخبر المسند "ليملي" : توكيدا ، فضلا عن تكرار الفاعل معنويا ملفوظا فالمبتدأ : "الله" : فاعل في المعنى ، ولفظيا مضمرا في الخبر المسند : "ليملي" ، فحصل الإطناب بالتكرار فهو من صور التوكيد كما سبقت الإشارة إلى ذلك في أكثر من موضع ، وجاء المسند "ليملي" : مضارعا مئنة من التجدد والاستمرار فهو من أفعال الجلال التي تتعلق بالمشيئة ، فيمكر ، جل وعلا ، بالظالم ، فسنته الإمهال والاستدراج ، ولو سنين بل وعقودا عجافا ! ، يعظم فيها الوزر ، ويثقل الحساب فهو عسير في الأولى والآخرة ، فيأتيه الرب ، جل وعلا ، من حيث لا يحتسب ، بجند ضعيف خفي ، يقوض أركان ملكه الجائر ، فهو هش وإن بدا صلبا ، فصورته صورة السلطان الكامل ، وحقيقته حقيقة المغرور الجاهل ، فلسان حاله بعد زوال ملكه وجاهه :

من بات بعدك في ملك يسر به ******* فإنما بات بالأحلام مغرورا .

والإملاء مئنة من التأجيل ، فقال : "الليث إِنه لفي ملاوة من عيش أَي قد أُمْلِيَ له والله يُمْلي مَن يشاء فيؤجِّله في الخَفْض والسِّعة" . اهــ من "اللسان" ، فيؤجله برسم المكر والاستدراج ، ومئنة من الإمهال ، فــ : "أَمْلاه الله إِياه ومَلاَّهُ وأَمْلى اللهُ له أَمْهلَه وطوَّلَ له" . اهــ من "اللسان" ، ومئنة من السعة والإطالة ، وهي ، أيضا ، مما تعظم به العقوبة فسعة برسم الاستدراج يليها الأخذ برسم الاستئصال فذلك مما تعظم به النكاية ، فــ : "أَمْلى للبعير في القَيْدِ أَرْخى ووَسَّع فيه وأَمْلى له في غَيِّه أَطالَ" . اهــ من "اللسان" ، فاستعير المعنى المحسوس وفيه دلالة ظاهرة على نقص مدارك من يملى له فيسهل استدراجه فالبعير يرخى له في القيد ، والظالم يرخى له في الأجل ، فاقترانه به في الوصف مئنة من الذم ، فاستعير المعنى المحسوس للمعنى المعقول ، فحصل بذلك مزيد نكاية في الظالم فحاله في الجهل بالعاقبة حال البعير الذي لا عقل له فيسهل استدراجه ، فكذلك الظالم قد طمس الله ، جل وعلا ، على بصره وبصيرته ، فلم يعرف حقا من باطل ، ولم يعرف صوابا من خطأ ، فجاء عمله على حد السفه إذ علمه على حد الخطأ ، فالتصور فاسد والحكم باطل ، وما ذلك إلا لطبع الرب ، جل وعلا ، على قلبه ، فلا يفقه الدقائق بل لا يعلم البدائه فأفعاله ، لا سيما في الشدائد ، قد بلغت من السفه ما يحير الناظر ، فأفعال الصبيان منها أرشد وأحكم ! ، فــ : (مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ)، فكان ذلك من تمام المكر الإلهي بالإملاء زمانا ثم الأخذ تماما ، فيملي للظالم ، و : "أل" فيه : جنسية لبيان الماهية ، فمعنى الظلم هو الوصف المؤثر في تعليل الحكم ، وهو معنى عام يشمل جميع صور الظلم في العلم والعمل ، في القول والفعل ، في الحكم والولاية ، خصت أو عمت ، فكل قد توجه إليه الأمر بالعدل ، فــ : "الْمُقْسِطُونَ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ عَزَّ وَجَلَّ وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وَلُوا" ، فهم المقسطون ، وهو من الرباعي : "أقسط" فالزائد مئنة من الإزالة ، فقسط الثلاثي بمعنى جار وظلم ، وأقسط الرباعي بمعنى أزال الظلم ، على وزان قولك : أعجمت الكتاب أي : أزلت عجمته ، فــ : "يقال أَقْسَطَ يُقْسِطُ فهو مُقْسِطٌ إِذا عدَل وقَسَطَ يَقْسِطُ فهو قاسِطٌ إِذا جارَ فكأَن الهمزة في أَقْسَطَ للسَّلْب كما يقال شَكا إِليه فأَشْكاه" . اهــ من "اللسان" ، فلهم المنبر الظاهر من النور الباهر عن يمين الرحمن ، جل وعلا ، وجاء الاحتراز مئنة من توهم النقص في وصف الرب ، جل وعلا ، فوصف يده اليمين ، وهي من وصف ذاته الخبري فيثبت له جل وعلا حقيقة لا مجازا على الوجه اللائق بجلاله فالمعنى المطلق يثبت في الذهن فاليد وصف ذات يتبع الموصوف كمالا أو نقصا حقيقة وكنها فالله جل وعلا أكمل موصوف وأشرف معلوم وهو ، عز وجل أعظم الغيوب فلا يدرك كنه ذاته ووصفه إلا هو ، فــ : "الأئمة ينفون علم العباد بكيفية صفات الله وأنه لا يعلم كيف الله إلا الله فلا يعلم ما هو إلا هو , وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم : { لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك } وهذا في صحيح مسلم وغيره وقال في الحديث الآخر : { اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك } وهذا الحديث في المسند , وصحيح أبي حاتم وقد أخبر فيه أن لله من الأسماء ما استأثر به في علم الغيب عنده فمعاني هذه الأسماء التي استأثر بها في علم الغيب عنده لا يعلمها غيره . والله سبحانه أخبرنا أنه عليم قدير سميع بصير غفور رحيم ; إلى غير ذلك من أسمائه وصفاته . فنحن نفهم معنى ذلك ونميز بين العلم والقدرة وبين الرحمة والسمع والبصر , ونعلم أن الأسماء كلها اتفقت في دلالتها على ذات الله مع تنوع معانيها فهي متفقة متواطئة من حيث الذات متباينة من جهة الصفات" . اهــ بتصرف من "التدمرية" ، فدلالتها دلالة التكافؤ ، فهي مترادفة من وجه ، فكلها أعلام على ذات واحدة ، متباينة من آخر فتتنوع معانيها التي تثبت في الذهن مطلقة ، ولا توجد في الخارج إلا مقيدة ، فكذلك وصفه واليد منه ، فالكلام فيها فرع على الكلام في ذاته القدسية ، فتقييد المطلق الثابت في الذهن مجردا ، تقييده بذاته القدسية في الخارج يصرفه بداهة إلى أشرف وصف فهو على حد الكمال مطلقا فرعا على الذات التي قام بها ، وأخفى وصف فلا يعلمه إلا الرب العليم الخبير اللطيف ، تبارك وتعالى ، فاليد وصفها اليمين فكلتا يديه : يمين ، إذ الشمال مئنة من النقص الذي تنزه عنه الرب جل وعلا بداهة ، فلا يقال يمين وشمال ، وإنما يقال يمين وأخرى ، فكلتاهما يمين ، كما تقدم ، وأما الرواية التي ورد فيها لفظ الشمال فهي معلولة ، كما أشار إلى ذلك الحافظ البيهقي رحمه الله بقوله : "ذكر : (الشِّمال) فيه ، تفرد به عمر بن حمزة عن سالم ، وقد روى هذا الحديث نافع وعبيد الله بن مقسم عن ابن عمر ؛ لم يذكرا فيه الشِّمال وروى ذكر الشِّمال في حديث آخر في غير هذه القصة ؛ إلا أنه ضعيف بمرة ، تفرد بأحدهما: جعفر بن الزبير ، وبالآخر : يزيد الرقاشي وهما متروكان ، وكيف ذلك ؟! وصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سمَّى كلتي يديه يَمِيناً" . اهــ ، ثم جاء حدهم بعد التقديم باسمهم ، فحصل التشويق بالاسم المجمل فالحد المبين ، فحدهم : "الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وَلُوا" ، فجاء التعريف بالموصول مئنة من العموم ، فمعنى العدل الذي اشتقت منه الصلة معنى عام يصح تعليق الحكم عليه فيدور معه وجودا وعدما ، فالثناء يدور مع الوجود منطوقا ، والذم يدور مع العدم مفهوما ، فالنص يدل بدليل خطابه على ذم الظالم في القول والعمل بحرمانه من تلك الدرجة الرفيعة والرتبة الشريفة ، فلا يخلو الخبر من دلالة إنشائية فالوعد مئنة من الحث على الفعل منطوقا والتحذير من ضده مفهوما ، فلا حظ للظالم من التكريم في الآخرة ، إذ لم يكن في الدنيا أهلا لقبول آثار التشريع امتثالا في النفس فيعدل في حكمه العلمي ، وأشرفه : التوحيد فهو أعدل حكم عقلي وإن لم يرد به شرع منزل ، فالطبع يقتضيه بداهة ، فلا يسوي العادل بين الكامل والناقص ، فذلك مما ينقض بدائه العقول الضرورية ، وأعظم صور الجور في هذا الباب الجليل ، التسوية بين الخالق ، جل وعلا ، والمخلوق ، فذلك أعظم الظلم ، وعليه حمل الظلم في قوله تعالى : (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) ، وقوله تعالى : (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) ، فيظلم بتسوية غير الرب ، جل وعلا ، به في ربوبية ، فيضاهي خلقه أو يعارض شرعه بآخر محدث ، في شعيرة أو حد أو سياسة ، كما هي الحال في الأمصار التي حجبت فيها شمس الرسالة بغيم الظلم في القول والحكم ، فظلم المخلوق الجاهل بجنايته على مقام الخالق الشارع ، جل وعلا ، فليس له من العلم ما للرب ، جل وعلا ، الذي أحاط بكل شيء علما أزلا وأبدا ، أولا في الغيب تقديرا وكتابة ، وثانيا في الشهادة مشيئة وخلقا وإحصاء في صحف الحفظة ، الكرام الكتبة ، فنازع في الحكم وليس له من الوصف المؤثر فيه شيء ، بل هو على الضد منه ، فيجهل المآل وإن أدرك الحال ، فلا يدرك المآل ، وإن قرب في الدنيا ، إلا خرصا ، فلا يدركه حقا وصدقا إلا الرب ، جل وعلا ، فإدراك العبد له شك أو ظن ، وعلم الرب ، جل وعلا ، به يقين وجزم ، والعقل الصريح يقضي بداهة بتقديم اليقين على الشك ، والجزم على الظن أو الوهم ، ففي العلميات يقدم المتواتر على الآحاد ، فدلالة الأول : يقين ، ودلالة الثاني : ظن ، وإن رجح وأوجب العلم والعمل ، فليس العلم المستفاد منه كالعلم الضروري المستفاد من المتواتر القطعي ، وفي العمليات يقدم اليقين فلا يزول بالشك ، فتلك من كليات الشريعة الجامعة ، فكذلك الشأن في التشريع والحكم ، فهو للأعلم بداهة ، فعلمه يقين ، وعلم غيره شك ، فلا يفتقر الأول إلى تعديل بحذف أو إضافة ، كما هي الحال في دساتير البشر ، التي يرد فيها الحكم لجملة من العقول المضطربة المتفاوتة فمنها النابه ومنها الغافل بل والفاسد ، فيستحسن ما قد أجمعت الشرائع والعقول بل والطبائع على قبحه ، فقد صار للفواحش المغلظة حظ من الإقرار في دساتير بعض الأمم لما فسدت الطبائع والفطر ، فكيف يرد الأمر إلى عقول هذا حكمها ؟! ، وهل ذلك إلا ذريعة عظمى لفساد الأرض بظهور الشرك في الحكم والتشريع وظهور الفحش في القول والعمل ، فالفساد قد عم التصور والحكم ، ففسد التصور ابتداء بمضاهاة حكم العليم الخبير ، وفسد الحكم تبعا بنقض شريعة المليك المقتدر ، فصاحبه قد نقض وصف الجمال علما وحكمة ، ووصف الجلال ملكا وقدرة ، فلا يحكم بداهة إلا الملك القادر ، ولا يصير أهلا لذلك إلا إن كان عالما ، فالعلم حتم لازم لحصول الرياسة التامة في دين أو دنيا ، ولله المثل الأعلى ، فهو العليم بالأقدار الكونية النافذة في أمر الدنيا ، العليم بالأقدار الشرعية الحاكمة في أمر الدين ، فحكمه قد ثبت برسم الإحكام فلا يفتقر إلى تعديل ، فهو معدن العدل والحكمة ، بل ما نسخ منه إنما نسخ برسم العلم لا البداء ، فعلم الرب ، جل وعلا ، وجه الخير في بقاء الحكم المنسوخ حينا ، وعلم وجه الخير في الناسخ عقيبه ، فأثبته ورفع به المنسوخ ، ثم أحكمت الرسالة بقبض صاحبها صلى الله عليه وعلى آله وسلم فمنها المحكم لذاته ابتداء كأصول العقائد والشرائع والأحكام فلا تقبل النسخ بداهة فهي من العلوم الضرورية التي أجمعت عليها الشرائع السماوية ، فالنبوات قد تواطأت عليها يقينا جازما ، وأولها وأعظمها التوحيد ، فاليقين الحاصل بنقله المتواتر أعظم يقين ، واليقين الحاصل بدلالته أعظم يقين ، فهو قطعي الثبوت والدلالة ، فــ : (مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) ، ومنها المحكم لنص قد دل على إحكامه ، فلا يقبل النسخ شرعا وإن جاز عقلا ، كالجهاد فهو ماض إلى يوم القيامة ، فــ : "لن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله" ، ومنها المحكم لغيره وهو جملة الشرائع والأحكام ، قطعية كانت أو ظنية ، فيستوي في ذلك المتواتر والآحاد ، فكل قد أحكمت دلالته بعد قبض صاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم لامتناع النسخ بعده ، فلا ينسخ الإجماع بل هو الدليل على الناسخ ، فلا بد له من مستند من الوحي الشارع ، ولا ينسخ القياس من باب أولى ، بل قد يخص به النص ، والتخصيص يباين النسخ بداهة وإن كان كلاهما من صور البيان ، كما قد قرر ذلك أهل الأصول ، وتلك الضوبط الدقيقة في هذا الباب الجليل مما امتازت به الرسالة الخاتمة ، فليس فيها تفريط اليهود بالمنع التام ، وليس فيها إفراط النصارى بالإباحة التامة لغير الرسل عليهم السلام من الباباوات الذين لهم حق التحلة بتحليل ما قد حرم بل قد أعفوا اليهود من جناية السعي في دم المسيح عليه السلام ! كما قد صنع البابا السابق وأقره البابا الحالي ! ، والقساوسة والرهبان فقد نسخت الشرائع بالمنامات بل ونسخ أصل التوحيد الذي لا يقبل النسخ شرعا أو عقلا بتثليث محدث مستنده حال المم الوثنية المتقدمة فحمله بولس في جملة ما حمل لتبديل دين المسيح التوحيدي الخالص .

والشاهد أن النسخ الشرعي ليس من جملة ما يقع في دساتير البشر من إثبات ورفع لتعارض المصالح وتناقض العقول التي تتباين في تقدير المصالح فما استحسنه عقل وقبله ، استقحبه آخر ورده ، وذلك مظنة اتباع الهوى ، وهو مما قد نهي عنه جزما ، فــ : (لَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) ، فاتباعه الذريعة إلى الضلال العلمي بالشرك أو العملي بالفحش ، فيضل العقل في أودية الشبهات والأهواء ، وتضل الإرادة في أودية الشهوات والأذواق ، ولا يفصل النزاع بينها في العلم والعمل ، في التصور والإرادة والحكم إلا كتاب منزل فهو الدستور المحكم الذي لا يفتقر إلى تعديل مواده ، فرسمه العدل المطلق ، فهذا حكم الرب ، جل وعلا ، وأما حكم غيره فمواده تعدل وتطرح للاستفتاء ، ففيها من جور السلطان ما فيها ، فلا تحسن المشاركة إلا إزالة لمنكر قد عظم وفحش فصار الحكم في أمر الأديان والأبدان في يد جاهل متكبر له من طلاقة اليد ما قد آذى به الخلق في معاشهم ومعادهم ، فلبس عليهم أمر دينهم وأفسد عليهم أمر دنياهم ، ولعل مسالك العسكر المتسلط في زماننا خير شاهد على ذلك ففي الجمهورية الأتاتوركية ، رجع الناس في حقبة السبعينيات إلى دينهم رجوعا أحمد ، فصادر العسكر حريتهم في انقلاب 1980 ، فلم يستح القوم ، كما يقول بعض المؤرخين المعاصرين ، من التصريح بأن سبب تدخلهم هو وقف المد الإسلامي المتنامي على يد حزب السلامة الوطني بزعامة الراحل نجم الدين أربكان ، رحمه الله ، وخرج رئيس الأركان ليتبجح بأن للجيش قوة يقطع بها لسان كل من يتهجم على أتاتورك فله من القداسة عندهم ما قد صيره إلها معبودا ، وصاغوا لهم دستورا ملفقا في 1982 ، جعلوا الأمر والنهي فيه لهم ، فلهم من الصلاحيات ما يضمن حل المجالس النيابية والدعوة إلى انتخابات جديدة وفرض قانون الطوارئ ، ذلك الكابوس الجاثم على صدور البشر في كل نظام مستبد يتعلل بالحفاظ على الأمن ومحاربة التطرف والإرهاب ! ، فلهم نقض الدستور الوضعي إن تعارض مع المبادئ العلمانية فهم جند جمهورية أتاتورك ، وقل مثله في عسكر مصر ، فالدستور الذي لفقه ثم بدله عسكر انقلاب يوليو 52 ، قد صيرهم من جنس الفراعنة ، فآبادهم في الحكم آبدة ! ، وسلطانهم مطلق ، فهم رؤساء الدولة وأجهزتها من جيش وشرطة ، ولهم تكليف الوزارة وحلها ، واختيار المحافظين بل ورؤساء الجامعات ، مع أنهم من أجهل الناس بالدين والدنيا ! ، ولهم ولهم .... ، فهم القادة لكل شيء ، وهم الفقهاء في كل نازلة ، وهم الحكماء في كل بادرة من قول أو فعل ، وإن كان حكمهم ظاهر الفساد ، فليسوا من أهل العدل الممدوحين في الحديث : "الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وَلُوا" ، فحكمهم على الضد من ذلك : جائر ظالم ، بل وفاسق مارق من الديانة ، فيصدرون الحكم بالقتل والتنكيل بمن عارض ، ولو كان الحق معه يقينا فالشرع بل والعقل له شاهد ، ويستبيحون الدماء برسم العموم ، فلا يعنيهم إلا ديمومة ملكهم الجائر ولو على أشلاء البشر الثائر ، كما يصنع المجانين من لدن نيرون روما إلى نيرون طرابلس ، فتحسن المشاركة في تقييد هذا السلطان المطلق ، فلو كان المتولي عادلا فقد أمنت الفتنة ابتداء ، وإن كان على الضد قيد التعديل جوره وظلمه ، فيرفع المنكر قدر الاستطاعة ، فزوال الأعظم منه مراد شرعي ، وإن لم يزل بالكلية ، لا سيما في الأعصار المتأخرة التي عم فيها الفساد ، فتعذر في العادة زواله حالا ، فحسن في الشرع السعي في إزالته تدريجا .

فالمقسطون يعدلون في حُكْمِهِمْ : فذلك عموم يشمل القول والعمل ، وَأَهْلِيهِمْ : فذلك خصوص الولاية الصغرى على الأهل فالرجل قوام على أهله وولده فتلزمهم الطاعة إلا في المعصية ، وَمَا وَلُوا : فذلك خصوص آخر فهي ولاية أعظم فتلزم الرعية أيضا الطاعة إلا في المعصية ، فيكون التذييل بالولايتين عقيب الحكم مما يجري مجرى الخصوص عقيب العموم إطنابا في البيان وتنويها بالمذكور فأظهر صور الحكم : الحكم في الأهل لأصحاب الولايات الخاصة فهي الصغرى ، والحكم في الرعية لأصحاب الولايات العامة فهي العظمى ، فلا يتولاها إلا المقسط ، والمقسط لا يكون إلا مؤمنا وأعظم صور الظلم والجور ، كما تقدم ، الشرك والكفر ، فكيف ساغ لبعض من ترسم برسوم العلم أن يقول بجواز تولي النصراني ، وهو كافر أصلي ، ولاية مصر من الأمصار ، فجعل الدخول في حكمه من جنس دخول يوسف عليه السلام في حكم الملك الكافر ، وهل كانت الدار زمان يوسف عليه السلام دار إسلام ابتداء ، فأحكامها وعموم الرعية فيها على رسم الكفر فلا تستوي مع دار عموم أهلها مسلمون وإن لم تكن أحكامها على رسم الشرع المنزل ، لا سيما على القول بأن الدار بأهلها .

والشاهد أن ذلك من جملة ما يدخل في عموم الظلم الذي دلت عليه "أل" في : "الظالم" ، فيملي الرب ، جل وعلا ، للظالم في القول والفعل ، فالمعنى يعم سائر أجناس الظلم ، كما تقدم ، فالماهية معنى مطلق له عموم يشمل معاني المعرف بــ : "أل" الجنسية التي هي لبيان الماهية ، فيشمل كل معاني الظلم والجور ، فــ : إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ : فذلك من وصف الجلال ، برسم الاستئصال ، فإذا أخذه لم يفلته جزما ، فالإفلات مئنة من الخلاص ، كما ذكر صاحب "اللسان" رحمه الله في مادة "فلت" ، فلا خلاص له من العقوبة الربانية في الدنيا بخلع أو قتل ....... إلخ ، ولا خلاص له في الآخرة إن لم يتب ويرد المظالم .

والله أعلى وأعلم .





عدد القراء الحاليين لهذا الموضوع : 1 ، الأعضاء:0 ، الزوار:1 ، الأعضاء المجهولين:0