الانتقال الى المشاركة

 
كتاب : منحة القريب المجيب في الرد على عباد الصليب  ( الردود: 9 | المشاهدات :10418 | بواسطة عبد الملك بن عطية ) تزييف الحقائق التاريخية  ( الردود: 0 | المشاهدات :16 | بواسطة السعيد شويل ) مقالة قوية ورصينة حول إثبات النبوة:المعجزات الحسية...الثبوت والدلالة  ( الردود: 0 | المشاهدات :80 | بواسطة مجرّد إنسان ) وضوح اليقين  ( الردود: 0 | المشاهدات :75 | بواسطة السعيد شويل ) دواء وشفاء  ( الردود: 0 | المشاهدات :86 | بواسطة السعيد شويل ) كتاب نقل جبل المقطم معجزة أم خرافة - الأستاذ علي الريس  ( الردود: 5 | المشاهدات :13702 | بواسطة عبد الملك بن عطية ) للتذكرة  ( الردود: 0 | المشاهدات :70 | بواسطة السعيد شويل ) شرح وضع موضوعات كثيرة فى المنتديات بروابط مباشرة بطريقة سهلة مبسطه  ( الردود: 0 | المشاهدات :221 | بواسطة وليد المسلم ) ## مغلق : النبى تزوج عائشة فى سن 18 والدليل فى البخارى  ( الردود: 0 | المشاهدات :298 | بواسطة مسلم عربى ) الإعجاز العلمى للإسراء والمعراج  ( الردود: 1 | المشاهدات :366 | بواسطة محمد الدباغ ) New record: A couple have become Britain's youngest parents after a girl aged 12 gave birth  ( الردود: 0 | المشاهدات :359 | بواسطة عبد الملك بن عطية ) IslamQA | ( اقرأ باسم ربك ) أمر بالقراءة من المحفوظ وليس من المكتوب .  ( الردود: 1 | المشاهدات :342 | بواسطة السعيد شويل ) اخلاق الرسول مع الضعفاء للشيخ حسين ابوالخير  ( الردود: 0 | المشاهدات :279 | بواسطة الشيخ حسين ابوالخير ) التزامات الزوج فى طلاقه لزوجته  ( الردود: 0 | المشاهدات :278 | بواسطة السعيد شويل ) الحياء كله خير للشيخ حسين ابوالخير  ( الردود: 0 | المشاهدات :237 | بواسطة الشيخ حسين ابوالخير ) IslamQA | ما هي الشريعة ؟  ( الردود: 0 | المشاهدات :285 | بواسطة عبد الملك بن عطية ) IslamQA | تحقيق الإسلام لا يكون إلا باتباع الكتاب والسنة .  ( الردود: 0 | المشاهدات :306 | بواسطة عبد الملك بن عطية ) هل الرسول صلى الله عليه و سلم يعرف الكتابة?  ( الردود: 10 | المشاهدات :5742 | بواسطة عبد الملك بن عطية ) أمية الرسول صلى الله عليه وسلم دليل إلهية القرآن  ( الردود: 3 | المشاهدات :5026 | بواسطة عبد الملك بن عطية ) الإيلاء و الخلع  ( الردود: 0 | المشاهدات :244 | بواسطة السعيد شويل )
   

  ومن قوله تعالى : (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا)


- - - - -
عدد الردود : 0
 

#1 مهاجر

    عضو ماسي

  • الأعضاء
  • PipPipPipPipPipPipPipPipPipPip
  • 2,172 المشاركات

تاريخ المشاركة : 22 March 2013 - 10:53 AM

ومن قوله تعالى : (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا) ، فتلك هداية البيان والإرشاد ، ولا تخلو من معنى الإلهام ، إذ ألهم ، جل وعلا ، الإنسان بما ركز فيه من قوى التدبر والتعقل ، وبما طبعه عليه من حياة وحس وإرادة ، فهو بها يختار السكون أو الحركة ، ولا يَنْفَكُّ ، كما تقدم مرارا ، يتحرك بالإرادة الاختيارية الفاعلة التي لا تخرج عن إرادة الرب ، جل وعلا ، الخالقة ، فَخَلَقَ ، جل وعلا ، الإرادة والقوة والفعل ، فهو خالق كل شيء ، ففعل بأبرهة وجيشه ما فعل ، فنسبة الفعل إليه حقيقة ، فهو الذي ألهم الطير ، فذلك ، أيضا ، يندرج في هداية الإلهام ، وإن اضطرارا ، فهي جند مأمور بما قضى به الرب المعبود ، تبارك وتعالى ، فنسبة الفعل إليه حقيقة إذ هو الخالق ، ونسبته إلى الطير حقيقة إذ هي السبب الذي قدره الرب ، جل وعلا ، لوقوع المسبَّبِ من إهلاك أبرهة وجنده ، فالجهة قد انفكت ، إذ جهة الخلق غَيْرُ جهة الفعل ، فالرب ، جل وعلا ، فاعل بمعنى الخلق ، والسبب فاعل بمعنى المباشرة فَعَنْهُ يصدر المسبَّب بما ركز فيه جل وعلا ، من قوى الفعل المؤثر ، وبذلك تَبْطُلُ شبهة المجبرة وشبهة القدرية النفاة ، فذلك قول فصل يجمع ما عند الفريقين من حق وينفي ضده من الباطل ، إذ نظر المجبرة إلى وصف الجلال ، فغلبوا القدرة وأهدروا الحكمة ، فالرب ، جل وعلا ، يشاء لا لحكمة ، وإنما يشاء مطلقا ، فله مشيئة التكوين المطلقة ، وذلك ، حق ، ولكنه لا يَنْفَكُّ يَقْتَرِنُ بحكمة بالغة ، فـ : (لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ) ، فلا يسأل لكمال القدرة والحكمة ، لا لِمَحْضِ المشيئة فلا يحصل الثَّنَاءُ المطلق إلا بِاقْتِرَانِهَا بالحكمة ، فالرب ، جل وعلا ، الجليل المجيد والقدرة من وصف جلاله ، الجميل الحميد والحكمة من وصف جماله ، فَلَهُ الكمال المطلق جلالا وجمالا ، فغلط المجبرة إذ غلبوا القدرة فجعلوها مطلقة بلا حكمة فلا يسأل عما يفعل لكمال القدرة ، وذلك حق ، كما تقدم ، ولكنه لا يَنْفَكُّ يَقْتَرِنُ بكمال الحكمة ، وغلط أهل القدر من النفاة ، إذ غلبوا في المقابل الحكمة وأهدروا القدرة ، فنسبوا إلى الفاعل الفعل مطلقا ، ومنهم من نسب إليه الشر إذ رام تَنْزِيهَ الرب ، جل وعلا ، عن فعل الشر ، وذلك حق ، ولكنه نفى عنه عموم الخلق ، فـ : (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) ، فقد خلق الشر بقضاء التكوين النافذ إذ به يظهر معنى الرب القادر فهو الذي يخلق الشيء وضده ولا يخلو من وجه حكمة ، عند التدبر والنظر ، إذ به يَسْتَخْرِجُ ، جل وعلا ، من وجوه الخير ما يفوق الشر الطارئ ، فالحكمة تقضي باحتمال الأدنى من المفسدة طلبا للأعلى من المصلحة ، أو احتمالها دفعا للأعلى من المفسدة ، ولله ، جل وعلا ، المثل الأعلى ، فهو بهذا الكمال أحق ، إذ هو خالقه ، فلا يخلقه وهو له فاقد ، بل قد اتصف به أزلا على الوجه اللائق بجلاله ، وذلك أَصْلٌ يَطَّرِدُ في جميع صفات الكمال المطلق ، مما ثبت في الكتاب الْمُتَوَاتِرِ والخبر الصحيح ، فاتصاف المخلوق به ولا يَنْفَكُّ يقترن بالنقص في الجبلة والوصف ، اتصاف المخلوق به يوجب ضَرُورَةً بِقِيَاسِ الأولى أن يتصف به الرب الأعلى ، عز وجل ، فأخطأ أهل القدر من النفاة إذ نزهوا الرب ، جل وعلا ، عن الظلم أن يجبر العبد على فعل الشر ثم يجزيه به ! ، والصحيح أنه قد خلقه فلم يجبر الظالم أن يظلم ، وإنما قدر المحل بالعلم الأول إذ علم فيه الفساد ، فوضع فيه ما يلائمه من أسباب الشر ، ولم يظلمه إذ خلق فيه إرادة الاختيار فهي فاعلة تُؤَثِّر ، فيختار بها العبد طوعا ما يليق بمحله من خَيْرٍ أو شَرٍّ ، ولا ينفك ذلك يعلمه الرب ، جل وعلا ، أزلا ، فقد سطره في لوح التقدير جزما فلا ينسخ ولا يُبَدَّلُ ، ولا ينفك يخلقه ، جل وعلا ، فهو خالق الفاعل والقوة والفعل جميعا ، فخلق المحل وَرَكَزَ فيه قوة الفعل ، إما خيرا وإما شرا ، فذلك ، عند التدبر والنظر ، يندرج في عموم : (وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ) ، فذلك إجمال أبان عنه الإطناب في قول ذي العزة والجلال تبارك وتعالى : (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا) ، فنجد الخير بالشكر ، وهو يعم العقد والقول والعمل ، وهو في هذا السياق يكافئ الإيمان ، فيكون بآلة الباطن تصديقا وآلة الظاهر امتثالا ، فَثَمَّ طباق صريح بالنظر في دلالة الكفر المطلقة التي اكتملت بها قسمة العقل فكفر النعمة يقابل شكرها فيكون ذلك من طباق الإيجاب بالنظر في الدلالة اللسانية المطلقة ، فكفر النعمة يقابل شكرها ، وذلك ، أيضا ، مِمَّا هدي إليه العباد ، بالنظر في معنى التَّيْسِيرِ ، فـ : "اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ، أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ" ، فقد يهدى الإنسان إلى الشر بتيسير أسبابه ، ولا يكون ذلك من الرب القدير الحكيم ، تبارك وتعالى ، ظلما فقد أحاط ، كما تقدم ، بكل شيء علما ، فأحاط بالمحل إذ قدره فعلم ما يناسبه من أسباب الشر فأمده بها عدلا وحكمة ، ولو شاء لأمده بأسباب الخير فضلا ومنة ، فذلك عطاء ربك ، جل وعلا ، فـ : (كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا) ، فأمد محالا بالخير فهي تشكر ، وأمد محالا بالشر فهي تكفر ، فحصل الطباق الصريح ، كما تقدم ، ولا يَنْفَكُّ كل محل يفعل مختارا ، بما ركز فيه من قوة وبما خلق فيه من إرادة فلا تخرج ، كما تقدم ، عن مشيئة الرب الخالق ، جل وعلا ، فهي نافذة في الخلق جميعا في الخير أو الشر ، في الصحة أو المرض ، في العجز أو الكيس ، في الإيمان أو الكفر ..... إلخ ، فخلقها ربي ، جل وعلا ، جميعا ، فذلك ، كما تقدم ، مئنة من عموم الرُّبُوبِيَّةِ التَّكْوِينِيَّةِ ، فالأسباب وإن ركزت فيها طاقة الفعل ، إلا أنها لا تَنْفَكُّ ، من وجه ، تجري على سنن ثابت لا يتبدل ، فتلك حكمة الرب ، جل وعلا ، وبه ، أيضا ، يظهر بطلان قول المجبرة إذ غلبوا جانب القدرة هنا ، أيضا ، فَنَفَوْا عن الأسباب قوى التأثير فلا يقع المسبب بها وإنما يقع عندها فَثَمَّ اقتران في الوجود لا التَّأْثِيرِ ، فلا يبنى المسبَّب على السبب ، وذلك يفضي إلى تعطيل الأسباب إذ لا تؤثر في وقوع المسبَّبِ ، وذلك ، من وجه آخر ، قدح صريح في الشرائع إذا أقامها الرب ، جل وعلا ، على أسباب بها تجب ، من وجه ، فأناط إيجاب الظهر بسبب كوني لا يقدر عليه المكلف فلا يخاطب بتحصيله ، وهو زوال الشمس ، فالمسبَّب من إيجاب الظهر يدور وجودا وعدما مع علته ، وهي زوال الشمس التي لا تتعدى فالعقل لا يدرك كنهها ليقيس عليها غيرها ، فالعلة سبب مُؤَثِّرٌ في حصول الحكم ، كونيا كان أو شرعيا ، فذلك أمر يطرد في العلوم التجريبية والعلوم الدينية ، فلكلِّ حدث في الكون سبب لا ينفك يأرز إلى سبب يتقدمه ، حتى ترجع الأسباب جميعا ، كما تقدم ، إلى السبب الأول ، وهو كلمة التكوين فهي من آثار قدرة الجليل تبارك وتعالى ، الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء إذ لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء فقد أحاط بكل شيء علما إحاطة تقدير أول وإحصاء ثان ، ولكل حكم في الشرع في المقابل علة قد يدركها العقل فهي مناط الحكم ، فيجتهد في تحريره وتحقيقه في فروع أخرى فهو متعد إلى غَيْرِهِ ، وقد يكون لازما يدركه العقل ولكنه لا يتعدى كالمشقة التي يعلل بها القصر والفطر في السفر ، فهي معنى يدركه العقل ولكنه لا ينضبط ، من وجه ، فَأَقَامَ الرب ، جل وعلا ، عليه أمارة يغلب على الظن حصول الحكمة فيها فلا يضر تخلف الحكمة في بعض أجزائها في الخارج ، فالسفر مظنة المشقة ، وإن لم تقع في بعض الصور ، فهي معنى يطرد في أغلب الصور ، فأنيطت بها رخصة القصر والفطر ، وهي ، من وجه آخر ، قاصرة لا تَتَعَدَّى إلى غيرها فلا يقاس عليها وإن عظمت المشقة في غيرها فالأحكام قد أنيطت بالعلل إذ تنضبط لا بالحكم إذ يعسر ضبطها في الغالب ، وبعض أهل العلم قد توسع في هذا الباب فهو كالتوسع في العموم فعموم المعنى قدر يزيد على عموم اللفظ ، وكذلك الشأن في الحكمة فهي قدر يزيد على العلة فَتُعْتَبَرُ في مواضع إذ يسهل دركها ، فمن وجد مشقة في الصوم تخرج عن حد العادة فلا ينفك الصوم عن مشقة محتملة وهي ، بداهة ، لا تجيز الفطر فمن وجد مشقة عظيمة جاز له الفطر فيلحق بالمسافر وإن كان مقيما فذلك نظر في الحكمة لا العلة فهي ، كما تقدم ، لا تتعدى ، خلافا للحكمة فهي تتعدى ، وهي ، من وجه آخر ، توافق أصول الشريعة إذ لا ضرر ولا ضرار ، وصوم غير القادر يضره ، والمشقة تجلب التَّيْسِيرِ فَتِلْكَ قاعدة كلية لا يكاد باب من أبواب الشريعة يخلو منها ، فالعلل إجمالا تنقسم فمنها علل لا يدرك العقل وجه الحكمة فيها ، فلا يقاس عليها قولا واحدا ، كزوال الشمس لإيجاب الظهر ، ومنها علل يدرك العقل وجه الحكمة فيها ولكنها قاصرة على الحكم فلا تتعدى كعلة السفر لرخصة القصر والفطر فأنيط الحكم بمعنى السفر الأخص لا بمعنى المشقة الأعم ، فلا يقاس عليها ، أيضا ، بالنظر في المعنى الأخص ، وإن أجاز بعض أهل العلم إناطة الحكم بالمعنى الأعم وهو الحكمة التي لأجلها شرعت الرخصة وهي المشقة الزائدة التي تخرج عن حد العادة ، ومنها علل يدرك العقل وجه الحكمة فيها ، وهي ، مع ذلك ، تتعدى ، فيقاس عليها غيرها قولا واحدا ، وذلك ، عند التدبر والنظر ، مئنة من إحكام هذه الشريعة التي جاءت على ما يواطئ قياس العقل الصريح .

فنفى المجبرة الحكمة في الفعل إذ قاسوا فعل الرب ، جل وعلا ، على فعل العبد ، فالعبد لا يفعل إلا لغرض ، والرب ، جل وعلا ، قد تَنَزَّهَ عن الافتقار إلى الأغراض ، وذلك حق ، ولكنه ، جل وعلا ، لا يفعل كما يفعل البشر ، وإن كان جنس المعنى وهو الفعل واحدا فهو كسائر المطلقات في الذهن تَنْقَسِمُ معانيه في الخارج ، فمنه فعل الرب ، جل وعلا ، فهو فعل الغني الحميد الذي يفعل لتظهر آثار حكمته في تدبير الخلق بأسباب الكون وأسباب الشرع ، كما تقدم ، فكلُّ حركة في الكون لها سبب ، وكل حكم في الشرع له علة أدركها العقل أو لم يدركها ، فلا يفعل ، جل وعلا ، افتقارا إلى الأغراض كما يفعل البشر .

ونفى المجبرة التأثير في السبب ، كما تقدم ، فقد غَلَوْا في تَقْرِيرِ القدرة وجفوا في تقرير الحكمة ، فوصفوا الرب ، جل وعلا ، بالظلم والسفه إذ راموا وصفه بالقدرة ، فنفوا عنه العدل والحكمة ! ، فجاء أهل القدر من النفاة على الضد فقد غلوا في تقرير الحكمة وجفوا في تقرير القدرة ، فوصفوا الرب ، جل وعلا ، بالعجز إذ راموا وصفه بالعدل والحكمة فكلاهما قد وقع في التشبيه في الأفعال فقاس فعل الرب ، جل وعلا ، على فعل العبد ، فالتزم ما لا يلزم نفيا لما يلزم من هذا القياس الباطل ، وذلك ، عند التدبر والنظر ، منشأ الضلال في مواضع كثيرة ، في الإلهيات إذ شبه من شبه من الممثلة والمعطلة جميعا وصف الرب ، جل وعلا ، بوصف العبد ، وفي الحكميات ، إذ غلا من غلا فاتخذ الأرباب من دون الله ، جل وعلا ، من مشرعة البشر ، إذ شبه حكمهم بحكم الرب ، جل وعلا ، وفي العبادة إذ فسد تصور من غلا في عبادة المخلوق فقد شبهه بالخالق ، جل وعلا ، فـ : (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ) ، فذلك ، عند التدبر والنظر ، منشأ الضلال في العلم والعمل .

فالطباق صريح بالنظر في معنى الشكر والكفر ، إذا أطلقا فحقيقة اللسان المطلقة أَعَمُّ من حقيقة الشرع المقيدة ، فالكفر في اللغة مئنة من الستر ، فالجاحد يستر النعمة فلا يشكرها ، فيكفر بها ، وذلك كفر عام يَسْتَغْرِقُ كفر النعمة اللغوي ، والكفر الشرعي ، وهو ، من وجه آخر ، ينقسم ، فمنه كفر أكبر ، ومنه كفر أصغر ، وفيه ، عند التدبر والنظر ، يندرج كفر النعمة ، فهو في اصطلاح الشرع ، كفر أصغر ما لم يفض إلى الخروج من دائرة الإيمان مطلقا ، كأن يكفر استهزاء ، فالاستهزاء وإن لم يستلزم التكذيب فقد يستهزئ المصدق فهو يقر بما به استهزأ ، فالاستهزاء يخرج صاحبه من الإيمان مطلقا ، فصار الطباق بَيْنَ الشكر والكفر من جهة اللسان طباقا صريحا ، وهو ، من وجه آخر ، طباق غَيْرُ صريح ، بالنظر في دلالة الكفر الاصطلاحية فهي حقيقة شرعية أخص يطابقها الإيمان ، وهو أعم من الشكر ، وإن تساويا في المحال فكلاهما ، كما تقدم ، يكون بالجنان واللسان والأركان ، فالإيمان أعم إذ يستغرق الشكر والصبر والتوكل والرجاء .... إلخ من عبادات الباطن والظاهر ، وإن كان الشكر ، من وجه آخر ، قد يطابق الإيمان ، إذ الإيمان تكليف شرع به يَشْكُرُ العابد نعمة الكون .

فهداه ، جل وعلا ، النجدين ، الخير والشر ، فذلك ، كما تقدم ، مما أبان عنه الإطناب في قوله تعالى : (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا) ، فنجد الخير هو الشكر ، ونجد الشر هو الكفر ، وتلك ، كما تقدم ، هداية بيان وإرشاد ولا تخلو من معنى الإلهام العام ، كما في قوله تعالى : (قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى) ، فهدى النحل إذ : (أَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ) ، فالوحي في الآية وحي إلهام عام إلا ليس ثم تكليف ، فلا تخلو الهداية في آية الإنسان : (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا) ، لا تخلو من دلالة الإلهام ، إذ يَسَّرَ ، جل وعلا ، لكل محل ما يلائمه من الأسباب ، فذلك ، عند التدبر والنظر ، من إلهام كُلٍّ ما يُسِّرَ له ، فتلك دلالة إلهام عام تدخل في حد الهداية في الآية ، فليست هدايةَ الإلهام الخاصة التي تزيد على البيان والإرشاد فهي هداية اختص بها ، جل وعلا ، من شاء من عباده ، فذلك فضله يؤتيه من يشاء ، خلافا لهداية البيان والإرشاد فهي تعم جميع المكلفين بل ولا حجة تقوم إلا بها ولا عذاب يجب إلا ببعث الرسل بها ، فـ : (مَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) .

والموضع ، موضع جلال ، فحسن إسناد الفعل إلى ضمير الجماعة : (إِنَّا هَدَيْنَاهُ) ، وحسن التوكيد بالناسخ اللفظي فضلا عن دخوله على ضمير الجماعة فذلك جار على ما تقدم من تعظيم الرب ، جل وعلا ، إذ تصريفه للقلوب مئنة من كمال القدرة والحكمة أن خلق المحال بقدرته ويسر لها ما يلائمها من الأسباب بحكمته .

والله أعلى وأعلم .






عدد القراء الحاليين لهذا الموضوع : 1 ، الأعضاء:0 ، الزوار:1 ، الأعضاء المجهولين:0