الانتقال الى المشاركة

 
مقالة قوية ورصينة حول إثبات النبوة:المعجزات الحسية...الثبوت والدلالة  ( الردود: 0 | المشاهدات :67 | بواسطة مجرّد إنسان ) وضوح اليقين  ( الردود: 0 | المشاهدات :65 | بواسطة السعيد شويل ) دواء وشفاء  ( الردود: 0 | المشاهدات :78 | بواسطة السعيد شويل ) كتاب نقل جبل المقطم معجزة أم خرافة - الأستاذ علي الريس  ( الردود: 5 | المشاهدات :13635 | بواسطة عبد الملك بن عطية ) للتذكرة  ( الردود: 0 | المشاهدات :61 | بواسطة السعيد شويل ) شرح وضع موضوعات كثيرة فى المنتديات بروابط مباشرة بطريقة سهلة مبسطه  ( الردود: 0 | المشاهدات :210 | بواسطة وليد المسلم ) ## مغلق : النبى تزوج عائشة فى سن 18 والدليل فى البخارى  ( الردود: 0 | المشاهدات :285 | بواسطة مسلم عربى ) الإعجاز العلمى للإسراء والمعراج  ( الردود: 1 | المشاهدات :347 | بواسطة محمد الدباغ ) New record: A couple have become Britain's youngest parents after a girl aged 12 gave birth  ( الردود: 0 | المشاهدات :346 | بواسطة عبد الملك بن عطية ) IslamQA | ( اقرأ باسم ربك ) أمر بالقراءة من المحفوظ وليس من المكتوب .  ( الردود: 1 | المشاهدات :314 | بواسطة السعيد شويل ) اخلاق الرسول مع الضعفاء للشيخ حسين ابوالخير  ( الردود: 0 | المشاهدات :265 | بواسطة الشيخ حسين ابوالخير ) التزامات الزوج فى طلاقه لزوجته  ( الردود: 0 | المشاهدات :262 | بواسطة السعيد شويل ) الحياء كله خير للشيخ حسين ابوالخير  ( الردود: 0 | المشاهدات :226 | بواسطة الشيخ حسين ابوالخير ) IslamQA | ما هي الشريعة ؟  ( الردود: 0 | المشاهدات :279 | بواسطة عبد الملك بن عطية ) IslamQA | تحقيق الإسلام لا يكون إلا باتباع الكتاب والسنة .  ( الردود: 0 | المشاهدات :292 | بواسطة عبد الملك بن عطية ) هل الرسول صلى الله عليه و سلم يعرف الكتابة?  ( الردود: 10 | المشاهدات :5711 | بواسطة عبد الملك بن عطية ) أمية الرسول صلى الله عليه وسلم دليل إلهية القرآن  ( الردود: 3 | المشاهدات :4997 | بواسطة عبد الملك بن عطية ) الإيلاء و الخلع  ( الردود: 0 | المشاهدات :235 | بواسطة السعيد شويل ) ماذا نتعلم أولا؟؟ للأخ الفاضل متعلم  ( الردود: 24 | المشاهدات :13442 | بواسطة عبد الملك بن عطية ) البيان في فهرسة القرآن  ( الردود: 0 | المشاهدات :325 | بواسطة محمد الدباغ )
   

  ومن قوله تعالى : (وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)


- - - - -
عدد الردود : 0
 

#1 مهاجر

    عضو ماسي

  • الأعضاء
  • PipPipPipPipPipPipPipPipPipPip
  • 2,172 المشاركات

تاريخ المشاركة : 30 May 2013 - 01:09 PM

من تدبر في آي الكون وَسَنَنِهِ وَأَسْبَابِهِ التي منها ما يغيب كالأسباب الْمَلَكِيَّةِ ، فالملك خلق نوراني لطيف لا يدرك بالحس الظاهر وإن وجد الإنسان آثاره في الخارج بما يكون من تدبير للأمر بإذن الرب جل وعلا ، فهو بأمر الرب الخالق المدبر ، تبارك وتعالى ، عامل وبشرعه نازل ، ومنها ما يُشْهَدُ كالأسباب البشرية التي يطيقها عموم البرية ، فمن الأسباب ما يقدر عليه البشر مما يسر الرب ، جل وعلا ، ومنه ما لا يقدر عليه إلا رب البشر ، جل وعلا ، من تدبر فيما تقدم ذكره من آي الكون وَسَنَنِهِ وَأَسْبَابِهِ عَلِمَ يقينا أن لهذا الكون ربا مدبرا بكلم الحق النافذ ، فـ : (إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) ، وكلم الحق الحاكم ، فـ : (اللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) ، فحصلت المقابلة بين قضاء الحق ، قضاء الرب ، جل وعلا ، وقضاء غيره فهو على الضد من الوصف فقضاء ما سواه من آلهة الباطل : باطل ، إذ لا تخلق ولا تملك ، ولا تعلم ولا تحكم ، فصدر السياق بالاسم الأعظم على جهة الابتداء ، فتلك اسمية في المبنى تَزِيدُ التقرير والتوكيد في المعنى ، إذ الأصل في لسان العرب التجدد والحدوث ، وذلك ما يكون في الفعل ، فهو مئنة من حدث لَهُ زَمَنٌ ، انقضى أو حضر ، أو تمحض للاستقبال سواء أكان ذلك حقيقة ، كقولك : قل ، على حد الأمر ، في زمن حاضر فهو يفيد الأمر بإنشاء القول في الزمن المستقبل ، أم كان بالنظر في زمن التكلم ، وإن مضى وانقضى ، كما في قوله تعالى : (قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ) ، فَزَمَنُ القول قد انْقَضَى بِنُزُولِ الوحي وبلاغه ، فَصَارَ اللفظ يُتْلَى على ما نَزَلَ ، وإن انقضى زمن الكلام ، كما تقدم ، فالفعل يتمحض للاستقبال حقيقة أو بالنظر في زمن التكلم ، كما تقدم ، فَيَتَمَحَّضُ في المضارع إن دخلت عليه : "أن" المصدرية ، كما في قوله تعالى : (وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ) ، فهو يخاف من أمر لم يقع فهو غيب يحتمل في زمن الاستقبال ، فدخول : "أن" المصدرية قد محضه للاستقبال ، فالمضارع يحتمل ، فمنه ما يدل على الحضور ، ومنه ما يدل على الاستقبال خلافا للأمر فدلالته محكمة إذ تمحض لمعنى واحد وهو إنشاء المعنى في الزمن المستقبل ، فالمضارع يدل على الحضور والاستقبال ، بل والمضي إذا استحضرت به صورة انقضت ، كما في قوله تعالى : (وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ) ، فـ : "باسط" ، كما تقدم في موضع سابق ، اسم فاعل مشتق يَعْمَلُ عَمَلَ مضارعه ، فالفعل ، عموما ، مئنة من الحدوث سواء أنقضى زمانه ، حقيقة أم حكما كما في قوله تعالى : (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) ، فهو آت لَمَّا يقع ، ولكنه قد قدر في الأزل فانقضى زمان التقدير وإن لم يأت زمن التأويل ، فـ : (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ) ، فهو ماض حكما إذ قد قدره الرب ، جل وعلا ، جزما ، فهو ، أيضا ، من قضاء الفصل في أمر الكون ، فهو قضاء حق ، فَيَدْخُلُ في عموم قوله تعالى : (وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ) ، فذلك قضاء يستغرق القضاء الكوني تقديرا وإيجادا وتدبيرا ، ويستغرق القضاء الشرعي إباحة وحظرا ، فكله قضاء بالحق ، فدلالة الحال : "بالحق" ، دلالة تأسيس ، فهي عمدة في المعنى وإن كانت فضلة في اللفظ ، ولا تخلو الباء من دلالة ملابسة وذلك آكد في تقرير المعنى إذ الملابسة مئنة من تمام الوصف فهو لازم للموصوف لا ينفك عنه إذ مازجه حسا أو معنى ، كما في هذا الموضع ، فالمعنى الرئيس قد حصل فالرب ، جل وعلا ، يقضي ، وذلك من وصفه الفعلي الذي يناط بالمشيئة النافذة ، فالمضارعة مئنة من الحدوث والتجدد لآحاده ، وإن كان النوع قديما فذلك أصل في صفات الأفعال وموارد الأحكام الرَّبَّانِيَّةِ خلقا وإيجادا ، والأحكام الإلهية إباحة وحظرا ، فحد الفعل على جهة المضارعة ، إذ ذلك مِمَّا يَقَعُ تَأْوِيلُه في عالم الشهادة ، فـ : (يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) ، فَشَأْنُهُ يَتَغَايَرُ ، إذ أحداث الكون تَتْرَى على وجه تحصل به أمارات القدرة والحكمة ، فَيُدَبِّرُ ، جل وعلا ، أمر الكون بكلمات الإيجاد والإعدام ، ويدبر أمر الشرع بكلمات الإباحة والحظر ، فقضاؤه يعم جميع الأزمان والأحوال ، ما خص وما عم ، ما كان في عقد فهو مورد علم وتصور ، وما كان في شرع فهو مورد عمل وحكم ، فأحكامه ، جل وعلا ، منها الحكم الكوني النافذ ، فهو حكم الرُّبُوبِيَّةِ تَدْبِيرًا ، ومنها ، في المقابل ، حكم الألوهية تَكْلِيفًا ، فالجميع يدخل في عموم القضاء ، في قوله تعالى : (وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ) ، فحسن قطع الفعل عن معموله ، فإطلاقه يستغرق جميع موارد القضاء ، فيقضي ، جل وعلا ، في الكون وفي الشرع ، في حال الخصوص عقدا وشعيرة ، وفي حال العموم سياسة وشريعة ، في حال الاضطرار في أفعال الخلقة ، وفي حال الاختيار في أفعال الشرعة ، فالتوكل فيها جميعا حتم لازم ، فالجميع يدخل في عموم الأمر أن : (تَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا) ، فتوكل عليه ، جل وعلا ، في أمر الكون أن يجري رزق الأبدان مطعوما ومشروبا ، وتوكل عليه ، تبارك وتعالى ، في أمر الشرع أن يجري رزق الأديان علما وعملا ، فهما ، كما تقدم ، من القضاء بالحق ، فحسن التقييد بالحال : "بالحق" ، فبها يكون الاحتراز من القضاء بالباطل ، فهو إما سفه يتنزه عنه الرب الحكيم ، تبارك وتعالى ، وإما جور يَتَنَزَّهُ عنه الرب ، جل وعلا ، فهو يحكم بالعدل وَيَأْمُرُ بِهِ ، فـ : (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ) ، فذلك أمر عام في جميع موارد القول والعمل ، فـ : (إِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) ، فذلك أمر خاص بالحكم حال الخصومات ، فالأصل فيها أن : (احْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ) ، فحد الخصم على حد الإفراد في اللفظ ، والجمع في المعنى ، فـ : (هَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ) ، وإن كانا اثنين ، فـ : (قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ) ، فالإفراد بالنظر في معنى الخصومة فهو واحد لا يتعدد في الخارج بالنظر في محل بعينه ، فالخصومة جنس عام يندرج فيه ما لا يحصى من الخصومات ، فلا يحسم النِّزَاعَ والاختلاف فيها إلا رب الْبَرِيَّاتِ ، جل وعلا ، فـ : (أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) ، فذلك مضارع آخر يضاهي المضارع في قَوْلِهِ تَعَالَى : (وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ) ، فهو يعم جميع موارد الحكم ، كما المضارع في الآية الثانية يعم جميع موارد القضاء ، فكلاهما مئنة من الفصل حال التَّنَازُعِ والتخاصم ، وكلاهما مئنة من تحقق الأمر ونفاذه ، فالحكم مئنة من الإحكام ، وما أحكم وأتقن فإنه حق ، سواء أوقع تأويله كحق التكوين ، أم لم يقع كحق التشريع حال عُطِّلَ ، كما هي الحال في الأعصار المتأخرة ، فهو ، كما تقدم مرارا ، مما عمت به البلوى في هذه الأعصار ، فهو حق محكم لا تشابه فيه وإن عطله من عطله من أهل الكفر والظلم والفسق ، كما ورد في آي المائدة فهي أصل في بَيَانِ هذا الأمر ، وإن حدت على جهة الإطلاق فَتَعْيِينُ الحاكم في الخارج وإناطة الحكم أو الاسم المخصوص بعينه ، إناطته بعينه قدر يزيد ، بداهة ، على مطلق الحكم الذي بِهِ تُحَدُّ الحدود المعقولة في الذهن ، فَتَأْوِيلُهَا في الخارج بالحكم على فرد معين من أفراد العموم الذي دلت عليه الأسماء والأحكام حال إطلاقها في هذا الباب ، تأويلها في الخارج حكما على معين قدر يزيد على الحكم المطلق في الذهن ، فالحكم المطلق لا يفتقر إلى شروط إلا ما كان من حصول المعنى المطلق الذي يناط به فهو معه يدور وجودا وعدما ، فلكلِّ اسم في الشرع حدود مخصوصة فإذا تحققت تحقق المعنى الذي اشتق منه الاسم ، دون نظر في الحقائق الجزئية في الخارج فذلك قَدْرٌ يَزِيدُ على مطلق الجنس العام الذي يثبت في الأذهان حقيقة مجردة ، فَتَقْيِيدُه قدر زائد في الخارج ، يَلْزَمُ له شَرْطٌ يثبت ومانع يَنْتَفِي ، فَثَمَّ حقيقة مجردة في الذهن ، فهي حقيقة كلية عامة ، فذلك الجنس الأعلى ، فجنس الكفر والظلم والفسق ..... إلخ من أجناس الاسم والحكم ، مطلق في الذهن لا يمنع تصوره وقوع الشركة فيه وإن تغايرت الأعيان في الخارج ، وتباينت الحقائق والمعاني التي تقوم بها ، فالكفر أنواع ، والكفار آحاد ، فَلَيْسُوا واحدا في الوصف والحكم ، فأنواع الكفر تَتَعَدَّدُ وآحاد الكفار تَتَعَدَّدُ ، فالحقيقة مطلقة كلية في الذهن ، تقابلها حقائق جزئية تندرج في الحقيقة الأعم ، فهي جنس مطلق في الذهن تندرج فيه آحاد جزئية في الخارج ، فما ثبت مطلقا في الذهن فحصلت فيه الشركة المطلقة فأفراده في الخارج تَتَبَايَنُ ، فليس المحكومون به في الخارج على حد سواء ، فالكفر تَتَغَايَرُ مَاهِيَّاتُهُ وَأَفْرَادُهُ في الخارج ، فثم كفر أكبر وآخر أصغر ، وثم ما غلظ ، وثم ما هو دونه ، فحصل الاشتراك في المعنى الأعم في الذهن ، وإن تَبَايَنَتِ الحقائق الأخص في الخارج ، فذلك أمر يعم أبواب الإلهيات ، وأبواب الأسماء والأحكام .

والشاهد أن الحكم قد عم ، كما قد عم القضاء ، فـ : (أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) ، فَثَمَّ توكيد معنوي بِتِكْرَارٍ لفظي ، مظهر وآخر مضمر في عامله ، فـ : (اللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ) تكافئ : (أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) ، فَثَمَّ حد على جهة الاسمية مئنة من الديمومة والاستمرار ، فهي تجري على ما تقدم من خلاف الأصل في لسان العرب فلا يعدل عن الأصل إلا لنكتة ، فالأصل في المعاني أن تَتَجَدَّدَ وَتَحْدُثَ ، فإذا حدت على جهة الاسمية فذلك مئنة من التقرير والتوكيد للمعنى ، فحصل التكرار بالاسم المبتدأ الظاهر سواء أكان اسم علم ، كما هي الحال في : (وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ) ، أم ضميرا بَارِزًا كضمير المخاطَب : "أنت" ، في قوله تعالى : (أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) ، وهو مئنة من الحضور فالمخاطِب يواجه المخاطَب ، وذلك حضور معنوي يستحضر فيه الداعي من يدعو ، فكأنه حاضر أمامه فهو واقف بحضرته ، إذ هو قَرِيبٌ بالوصف علما وإجابة ، فـ : (إِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) ، وحصل التكرار بالمضمر في العامل في : "يقضي" ، و : "تحكم" ، وحصل الاستحضار بالمضارعة ، وحصل العموم بقطع العامل فهو يعم جميع موارد القضاء والحكم ، فعم بقطع العامل في : (وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ) ، وعم بالوصل في قول الرب جل وعلا : (أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) ، فالموصول ، كما تقدم مرارا من كلام أهل الأصول ، نص في العموم ، وهو ، من وجه آخر ، قد قيد بالمعنى الذي اشتقت منه الصلة ، وهو مورد الاختلاف ، فأنت تحكم في الذي كانوا فيه يختلفون ، على تقدير الوصل بالاسم ، فعائد الصلة هو الضمير الظاهر المتصل بالظرف في : "فيه" ، وأنت تحكم في اختلافهم على تقدير الوصل بالحرف ، وعلى كلا الوجهين فالعموم حاصل ، وإن كان التقدير بالاسم آكد في تقرير المعنى وتوكيده إذ الزيادة في المبنى في الصلة الاسمية مئنة من الزيادة في المعنى فضلا عن دلالة المضارعة في : "يختلفون" ، فبها تستحضر صورة انقضت في دار الابتلاء ، قد عمت موارد الخلاف في العقد وفي الشرع ، في الحكم وفي السياسة ، وعمت موارد الخلاف في القضاء فيما فات في هذه الدار ، فالعدل فِيهَا وإن كان مَأْمُورًا شَرْعًا إلا أنه غَيْرُ حاصل مطلقا في كل نَازِلَةٍ خصت أو عمت ، إذ شرعت الأحكام والحدود حفظا للحقوق أن تُنْتَهَك وردا لما منها قد اغتصب ، ولا يحصل ذلك ، بداهة ، في كل قضاء في هذه الدار وإن كان القاضي صاحب الشرعة والعصمة صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فـ : "إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا، بِقَوْلِهِ: فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ فَلاَ يَأْخُذْهَا" ، فالدنيا إجمالا ، كما يقول بعض المحققين ، ليست دار جزاء فما يستوفى فيها من حقوق لا يعدل ما يحصل فيه الحكم في الآخرة فهي دار الجزاء الكامل ، فالحكم فيها فصل لا يَفُوتُ فيه حق ، فعم الموصول ما كان من موارد الخلاف في الأديان وفي الحقوق ، والنص على مورد الحكم في الخلاف الأخص لا يعني ، بداهة ، نفي الحكم في موارد الاتفاق فالحكم فيها يحصل من باب أولى ، فالرب ، جل وعلا ، يحكم في كل مورد ، سواء أكان مورد كون نافذ ، أم مورد شرع حاكم ، وكلاهما يجري على سَنَنِ العدل ، فمنه العدل الذي تَنْتَظِمُ به الأجرام ، فـ : (لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) ، ومنه العدل الذي تصح به الأبدان ، فـ : "إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ" ، ووصية الثوري لبكر العابد ، رحم الله الجميع ، وصيته : "خُذْ مِنَ الدُّنْيَا لِبَدَنِكَ , وَمَنَ الْآخِرَةِ لِقَلْبِكَ" ، فلا إفراط في تعاطي أسباب الحس على وجه يحصل به الضرر ، فـ : "الْمعدة حَوْض الْبدن وَالْعُرُوق إِلَيْهَا وَارِدَة فَإِذا صحت الْمعدة صدرت الْعُرُوق بِالصِّحَّةِ وَإِذا فَسدتْ الْمعدة صدرت الْعُرُوق بِالسقمِ" ، على كلام في إسناده كما ذكر الحافظ الزيلعي ، رحمه الله ، في تخريج أحاديث "الكشاف" ، ولا إفراط في زهد ورياضة يحصل بهما ضعف الأبدان بل وفناء الأنواع ! ، ومنه العدل الذي تحفظ به الأديان فلا إفراط بِتَمْثِيلٍ ، ولا تفريط بِتَعْطِيلٍ ، ولا إفراط في حب كما هي حال أهل الرفض ، ولا إفراط في بغض كما هي حال أهل النصب ، فالعدل ، كما تقدم ، يعم جميع موارد الكون والشرع جميعا ، فذلك عموم يكافئ ما تقدم من قضاء الرب ، جل وعلا ، الذي حد على جهة المضارعة فآثاره في الكون لم تَزَلْ تَتْرَى ، وآثاره في الشرع قد انقضت بانقطاع الوحي فالمضارعة من هذا الوجه مما تستحضر به الصورة ، وهي ، من وجه آخر ، مضارعة تفيد الحضور والاستقبال بما يَتَأَوَّلُ الْحُكّامُ من نصوص الوحي فذلك يكون بتصديق اللفظ وامتثال ما يدل عليه من حكم ، فالأمر في قول الرب جل وعلا : (فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ) ، وإن خوطب به صاحب الشريعة صلى الله عليه وعلى آله وسلم مواجهة فهو يستغرق جميع الحكام بالنظر في عموم المعنى ، فيقضي الرب ، جل وعلا ، على لسان رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فـ : "اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا، وَيَقْضِي اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا شَاءَ" ، ويقضي على لسان الحكام بما أَنْزَلَ ، تَبَارَكَ وتَعَالَى من الوحي ، فيقضي ، جل وعلا ، بالحق ، في الكون وفي الشرع ، فذلك شطر المقابلة الأول ، وَيُقَابِلُهُ قضاء غيره ، فـ : (الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) ، فهو قضاء العدم فما دونه لا يقضون بشيء ، وما ليس بشيء فهو عدم ، والعدم لا نفع فيه إذ ليس بشيء موجود في الخارج ، وإن قدر في الذهن ، فذلك باطل بالمعنى الأعم ، وهو ما لا نفع فيه مطلقا ، وعليه يحمل إطلاق الباطل على بعض وجوه المباح مما يقل نفعه فيقبح في حق الخواص من أهل الديانة والرياسة ، كما في وصف صاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم للفاروق عمر رضي الله عنه : "إِن هَذَا رجل لَا يحب الْبَاطِل" ، فهو فاروق فَرَقَ به ، جل وعلا ، بَيْنَ الحق والباطل بما عهد من شدة عزمه وقوة شكيمته فالغناء ، ولو مباحا ، مِمَّا تبغضه نفوس قوية شريفة كنفس عمر ، رضي الله عنه ، فـ : "الْبَاطِل من الْأَعْمَال هُوَ مَا لَيْسَ فِيهِ مَنْفَعَة فَهَذَا يرخص فِيهِ للنفوس الَّتِي لَا تصبر على مَا ينفع وَهَذَا الْحق فِي الْقدر الَّذِي يحْتَاج إِلَيْهِ فِي الْأَوْقَات الَّتِي تَقْتَضِي ذَلِك الأعياد والأعراس وقدوم الْغَائِب وَنَحْو ذَلِك" . اهـ من : "الاستقامة"


وهو ، أيضا ، باطل بالمعنى الأخص ، فحكم من دونه من آلهة الباطل : باطل ، فكل حكم بغير ما أنزل ، جل وعلا ، فهو باطل ، إلا ما كان من حكم أرسل مورده فَتُرِكَ لاجتهاد البشر وذلك ، بداهة ، لا يكون في مورد أصل كلي ومقصد رئيس من مقاصد الوحي ، أو حكم جزئي منصوص ، فما أرسل فهو مما يختص بأمور المعاش من علوم تجريبية وتراتيب إدارية ... إلخ ، فحصلت المقابلة بالنظر في الشطرين ، وحصل طباق السلب بالنظر في اللفظين : "يَقْضِي" ، و : "لَا يَقْضُونَ" ، ومن ثم جاء التذييل بالتوكيد : (إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) ، على حد الفصل فلا وصل بعاطف فهو يجري مجرى التعليل لما تقدم من فعل ، إذ قضاؤه ، جل وعلا ، فعل ، والفعل من أَثَرَ الوصف ، فقضاؤه حكم يصدر من وصفه فهو : (السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) ، فتلك صفات تدل على العلم المحيط لُزُومًا ، والعلم معدن القضاء والحكم فلا يحكم ، بداهة ، إلا عالم بما يحكم فيه ، فقد أحاط به تصورا ، إذ الحكم على الشيء فرع على تصوره ، وتصور الشيء يكون بالسمع والبصر ، فذلك وجه آخر حسن فيه التذييل بهذين الوصفين خصوصا ، وزيد في المعنى بجملة من المؤكدات في اللفظ فثم توكيد لفظي بالناسخ ، فضلا عن القصر بتعريف الجزأين ، وضمير الفصل ، ودلالة الاستغراق المعنوي في : "أل" في الاسمين : (السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) ، وزد عليه حدهما على جهة المبالغة .

وقد أطلق القضاء في الآية ، فهو ، كما تقدم ، يعم جميع موارد القضاء ، وقد ذكر بعضها على جهة الخصوص ، في الكون ، فـ : (قَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ) ، وفي الشرع ، فـ : (قَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) ، في الدار الأولى ، فـ : (قَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ) ، وفي الدار الآخرة ، فـ : (أَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) ، في الخير شرعا ، فـ : (قَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) ، وفي الشر كونا ، فـ : (قَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا) ، فذلك يجري ، من وجه ، مجرى التمثيل لِلْعُمُومِ بذكر بعض آحاده فلا تخصصه ، وإنما تبينه كما تقدم مرارا من كلام أهل الأصول والنظر .


والله أعلى وأعلم .





عدد القراء الحاليين لهذا الموضوع : 1 ، الأعضاء:0 ، الزوار:1 ، الأعضاء المجهولين:0