الانتقال الى المشاركة

 
الشهيد  ( الردود: 9 | المشاهدات :142 | بواسطة moiami ) من أوجه الطهارة  ( الردود: 0 | المشاهدات :34 | بواسطة السعيد شويل ) من أوجه الطهارة  ( الردود: 0 | المشاهدات :35 | بواسطة السعيد شويل ) السنة والحديث  ( الردود: 0 | المشاهدات :27 | بواسطة السعيد شويل ) الفتوى والإجتهاد  ( الردود: 0 | المشاهدات :49 | بواسطة السعيد شويل ) علماء وفلاسفة  ( الردود: 0 | المشاهدات :113 | بواسطة السعيد شويل ) موافقة حديث كيفية تحديد جنس المولود للطب ورغم أنف المخالفين  ( الردود: 1 | المشاهدات :319 | بواسطة د.ربيع أحمد ) سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم  ( الردود: 0 | المشاهدات :110 | بواسطة السعيد شويل ) موافقة حديث لا عدوى للطب و الواقع وجهل المخالفين بالعلم  ( الردود: 5 | المشاهدات :182 | بواسطة د.ربيع أحمد ) الطلاق في الحيض حكمه و أثره  ( الردود: 6 | المشاهدات :191 | بواسطة د.ربيع أحمد ) السنة و تحديد وقت النفخ في روح الجنين  ( الردود: 3 | المشاهدات :168 | بواسطة د.ربيع أحمد ) السنة و تحديد وقت النفخ في روح الجنين  ( الردود: 0 | المشاهدات :173 | بواسطة د.ربيع أحمد ) حكم الصلاة في مسجد به ضريح و الرد على شبهات الصوفية ومن نحى نحوهم  ( الردود: 10 | المشاهدات :162 | بواسطة د.ربيع أحمد ) فعل المحظور وترك المأمور فى الحج  ( الردود: 0 | المشاهدات :120 | بواسطة السعيد شويل ) فعل المحظور وترك المأمور فى الحج  ( الردود: 0 | المشاهدات :100 | بواسطة السعيد شويل ) كيف أتصفح الكتاب المقدس و أقتبس منه؟  ( الردود: 0 | المشاهدات :182 | بواسطة armoosh ) الميراث  ( الردود: 0 | المشاهدات :110 | بواسطة السعيد شويل ) ما هي ‫‏محتويات‬ الكتاب المقدس؟ نبذة سريعة  ( الردود: 0 | المشاهدات :154 | بواسطة armoosh ) لعشاق الانجليزية برنامج تعليمى من الصفر حتى الاحتراف  ( الردود: 0 | المشاهدات :176 | بواسطة poopy87 ) ما هو الكتاب المقدس؟ وجهة نظر مسيحية  ( الردود: 0 | المشاهدات :157 | بواسطة armoosh )
   

  الحجة الدامغة فى إثبات النبوة الخاتمة


- - - - -
عدد الردود : 48
 

#21 أبـــ(تراب)ـــو

    مشرف مشروع تفنيد الكتاب المقدس

  • مشرف
  • 357 المشاركات

تاريخ المشاركة : 18 August 2007 - 10:11 PM

معجزات النبى صلى الله عليه و سلم



تقدمـــــــة هامة



قبل أن نشرع فى سرد المعجزات الباهرات التى أجراها الله على يد نبيه و جعلها فى لسانه و ضمنها قرآنه الذى تكلم به حقاً و أنزله على نبيه وحياً
يجب أن نتنبه لحقيقة أن كل الأنبياء السابقين كانت لهم معجزات و نحن نقر بذلك، و لكن لا دليل على ذلك من التاريخ أبداً، ولا حجة بكتب أهل الكتاب إذ هى كتب ركيكة الأسلوب منقطعة الإسناد متضاربة الأخبار مختلف فيها فيما بينهم مردودة من أهل البحث العلمى!!
فيتبين ان الدليل الوحيد على وجود الأنبياء فضلاً عن إثبات معجزاتهم إنما هو القرآن الذى أنزله الله على قلب نبيه محمد صلى الله عليه و سلم ، و بهذا صدقنا بأنبياء الله و علمناهم ((نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ))

زد على ذلك أن رسول الله صلوات ربى و سلامه عليه هو النبى الوحيد الذى نملك سنداً متصلاً صحيحاً سوياً لكل معجزة باهرة فعلها ولا يتوفر ذلك لغيره.

إعتراض النصارى:
و يحضرنى هنا إعتراض يتبجح به الصليبيون و غيرهم ممن لا خلاق بهم فيقولون " لقد أنكر القرأن أن يكون لمحمد (صلى الله عليه و سلم) أى معجزات و هذا فى أيات عديدة كقوله تعالى
((َمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ))
و قوله تعالى ((َأَقْسَمُواْ بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَاءتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِندَ اللّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءتْ لاَ يُؤْمِنُونَ))

و جواب ذلك:

أن هذه الأيات التى نفاها القرآن إنما هى الآيات التى اقترحها المشركون و طلبوها عناداً و تمطعاً و استهزاءً،
و القرآن بين أمثلة ذلك فى مواضع عديدة كقوله عز و جل
((َقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً (7) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلاً مَّسْحُوراً))

و قوله سبحانه ((وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعاً*أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللّهِ وَالْمَلآئِكَةِ قَبِيلاً*أو يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاء وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَراً رَّسُولاً))

فأنظر كيف تمطعوا فطلبوا أن يفجر لهم رسول الله ينبوعاً من الأرض
ثم انتقلوا استهزاءً لطلب أخر و هو أن يسقط عليهم كسف العذاب
ثم بلغو غاية الكفر بطلبهم أن يأتيهم رسول الله برب العزة جل فى علاه و الملائكة أيضاً
ثم انتقلو إلى طلب أن يكون لرسول الله بيتاً من الزخرف
ثم انتقلوا الى طلب ان يرقى فى السماء
ثم انتقلوا الى ان الرقى لا يكفيهم بل يجب معه أن يأتيهم بكتاب من السماء يقرئوه!!

فتأمل كفرهم و عنادهم و استهزاءهم، فهذه الأيات المقترحة تمطعاً منهم هى التى نفاها القرأن
و إلا فكتاب الله نفسه يشهد على أيات لرسول الله كمعجزة شق القمر و الاختفاء عن أعين المشركين فى الغار و هم أمام رسول الله و معجزة الإسراء و معجزة رمى الحصى فى أعين الكافرين فأعمتهم جميعاً و إخبارات غيبية و معجزة القرأن نفسه إلى غير ذلك مما سنفصله بإذن الله تعالى

و قد نص القرأن على إثبات الأيات كما فى قوله سبحانه ((وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ)) و قوله تعالى ((وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ))

- و الحقيقة ان الامتناع عن إعطاء الأيات التى يطلبها الكافرون تمطعاً و عناداً موجود حتى فى الإنجيل
ففى انجيل متى 8: 11
((11 فخرج الفريسيون وابتدأوا يحاورونه طالبين منه آية من السماء لكي يجربوه. 12 فتنهد بروحه وقال لماذا يطلب هذا الجيل آية.الحق اقول لكم لن يعطى هذا الجيل آية))

فانظر كيف طلب الفريسيون من يسوع أية مجرد أية واحدة
فما أظهرها لهم ولا أحال فى هذا الموقف إلى أية أو معجزة فيمابعد...!!!
و إنما قالها صريحة ((لن يعطى هذا الجيل أية) فكلمة أية نكرة فى سياق النفى تفيد العموم أى نفى اعطاء كل أية و اى أية لكل الجيل كما نص صراحة!!

- و ليس فى هذا الموقف فقط، و لنقرأ سوياً انجيل لوقا 23: 8
((8 واما هيرودس فلما رأى يسوع فرح جدا لانه كان يريد من زمان طويل ان يراه لسماعه عنه اشياء كثيرة وترجى ان يرى آية تصنع منه. 10 ووقف رؤساء الكهنة والكتبة يشتكون عليه باشتداد. 11 فاحتقره هيرودس مع عسكره واستهزأ به والبسه لباسا لامعا ورده الى بيلاطس.))

فامتنع يسوع هنا عن اعطاء أية لرجل كان يتمنى أن يرى منه و لو أية واحدة ، فلم يفعل و أضله و تسبب فى ان ازداد كفراً به!!

- و هذا له أمثلة اخرى كما فى انجيل متى 27: 39
((39 وكان المجتازون يجدفون عليه وهم يهزون رؤوسهم 40 قائلين يا ناقض الهيكل وبانيه في ثلاثة ايام خلّص نفسك.ان كنت ابن الله فانزل عن الصليب. 41 وكذلك رؤساء الكهنة ايضا وهم يستهزئون مع الكتبة والشيوخ قالوا42 خلّص آخرين واما نفسه فما يقدر ان يخلّصها.ان كان هو ملك اسرائيل فلينزل الآن عن الصليب فنؤمن به. ))

فصرحو أنهم ان رأو منه الأية رأى العين فسيؤمنون و مع ذلك لم يقدم يسوع شيئاً!!

- و فى انجيل متى 4: 30
((3 فتقدم اليه المجرب وقال له ان كنت ابن الله فقل ان تصير هذه الحجارة خبزا. 4 فاجاب وقال مكتوب ليس بالخبز وحده يحيا الانسان بل بكل كلمة تخرج من فم الله. 5 ثم اخذه ابليس الى المدينة المقدسة واوقفه على جناح الهيكل. 6 وقال له ان كنت ابن الله فاطرح نفسك الى اسفل.لانه مكتوب انه يوصي ملائكته بك.فعلى اياديهم يحملونك لكي لا تصدم بحجر رجلك. 7 قال له يسوع مكتوب ايضا لا تجرب الرب الهك.))

فطلب من المسيح هنا أيتين و لم يعط أى منهما بحجة أنه لا يجب أن يختبر أحد الرب!!


- و فى انجيل متى 12: 38
((38. حينئذ اجاب قوم من الكتبة والفريسيين قائلين يا معلّم نريد ان نرى منك آية. 39 فاجاب وقال لهم جيل شرير وفاسق يطلب آية ولا تعطى له آية الا آية يونان النبي. 40 لانه كما كان يونان في بطن الحوت ثلاثة ايام وثلاث ليال هكذا يكون ابن الانسان في قلب الارض ثلاثة ايام وثلاث ليال))

فنفى المسيح مرة أخرى اعطاء أى أية لهذا الجيل مع ملاحظة نقاط حاسمة فى أية يونان المزعومة:-

أ‌- أن أية يونان النبى لا شبه بينها و بين أية قيامة المسيح المزعومة، فأية يونان كان البقاء حياً فى موقف الممات و أية يسوع بزعمهم كانت القيامة بعد الممات، فتأمل!

ب‌- أنه و بعد ان تبين أن لا مشابهة بين الايتين فان حتى المدة الزمنية صارت محل لغط فيسوع لم يستمر فى القبر ثلاثة ايام و ثلاثة ليال، إذ كان على الصليب فى الساعة التاسعة و طلب يوسف جسده و كفنه و غسله و دفنه كما فى انجيل مرقص فيكون الدفع ليلة السبت يقيناً، و كان القبر خالياً قبل طلوع شمس يوم الاحد كما فى يوحناً، فالمدة على اقصى تقدير يوماً و ليلتين!!

و نحن لسنا بصدد مناقشة النصارى فى هذه الحسبة التى لا يضل عنها تلميذ الابتدائى، و انما سؤالنا كم امضى يسوع فى القبر و كم امضى يونس و هل يونس ايضاً امضى ثلاثة ايام مجازية!!

جـ- و أخيراً فإن الطامة الكبرى هى أن المسيح وعد ( الجيل الشرير الفاسق) أن يعطو الأية، و الكارثة أن أحداً من الاشرار الفاسقين الذين كفروا المسيح لم ير قيامته!!
نعم فهو لم يظهر الا لاتباعه أصلاً

فأين الأية؟ أين رؤية المسيح حياً بعد القيامة ؟
الا يمكن ان تكون الجثة قد سرقت؟ الا يمكن ان يكون اتفاقاً أبرم بين حرس القبر و التلاميذ او غيرهم؟ ألا يمكن أنلا يكون يسوع قد دفن أصلاً لأن الاخبار تفيد ان الذى استلمه و تولاه و دفنه فى ارضه هو يوسف اليهودى وحده و لم يضع حرساً على القبر الا فى اليوم التالى بطلب من اليهود ،
الاحتمالات كثيرة و الخبر مضطرب و الظن عقيدة عند القوم
فتركوا كل الاحتمالات المنطقية و تمسكو بأوهامهم بل و يريدون الزام البشر بها!

و هكذا نكون قد أجبنا الشبهة الواهية التى إرتكز عليها النصارى و لله الحمد و المنة
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و أشهد أن محمداً عبده و رسوله و أن عيسى عبد الله و رسوله و كلمته ألقاها إلى مريم و روح منه

#22 أبـــ(تراب)ـــو

    مشرف مشروع تفنيد الكتاب المقدس

  • مشرف
  • 357 المشاركات

تاريخ المشاركة : 18 August 2007 - 11:07 PM

بعض معجزات رسول الله الحسية



نبوع الماء بين أصابعه الشريفة:

((عن جابر رضي الله عنه قال :عطش الناس يوم الحديبية ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين يديه ركوة فتوضأ منها ثم أقبل الناس نحوه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لكم قالوا يا رسول الله ليس عندنا ماء نتوضأ به ولا نشرب إلا ما في ركوتك قال فوضع النبي صلى الله عليه وسلم يده في الركوة فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون قال فشربنا وتوضأنا فقلت لجابر كم كنتم يومئذ قال لو كنا مائة ألف لكفانا كنا خمس عشرة مائة)) متفق عليه

وتكرر ذلك ذلك بالزوراء - وهو مكان قرب السوق في المدينة –
(عن أنس بن قالك رضى الله عنه قال: أُتي النبي صلى الله عليه وسلم بإناءٍ وهو بالزوراء، فوضع يده في الإناء، فجعل الماء ينبع من بين أصابعه، فتوضأ القوم، قال قتادة : قلت لأنس: كم كنتم؟ قال: ثلاثمائة، أو زهاء ثلاثمائة ) متفق عليه،



سماع تسبيح الطعام بين يدى رسول الله صلى الله عليه و سلم:

(( عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: كنا نعد الآيات بركة، وأنتم تعدونها تخويفاً، كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفرٍ، فقل الماء، فقال: اطلبوا فضلة من ماء، فجاءوا بإناءٍ فيه ماء قليل، فأدخل يده في الإناء، ثم قال: حي على الطهور المبارك، والبركة من الله، فلقد رأيت الماء ينبع من بين أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل ) رواه مسلم .

سماع الصحابة بكاء جذع النخلة و صراخها لما فارقها رسول الله إلى المنبر

((عن جابر بن عبد الله – رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوم يوم الجمعة إلى شجرة أو نخلة، فقالت امرأة من الأنصار- أو رجل- يا رسول الله، ألا نجعل لك منبراً؟ قال: إن شئتم.فجعلوا له منبراً فلما كان يوم الجمعة دفع إلى المنبر، فصاحت النخلة صياح الصبي، ثم نزل النبي صلى الله عليه و سلم فضمه إليه، يئن أنين الصبي الذي يسكن قال: "كانت تبكي على ما كانت تسمع من الذكر عندها)) رواه البخاري.

الشجر ينقاد لأمر النبى صلى الله عليه و سلم

((عن جابر ابن عبدالله فى الحديث الطويل:.... سرنا مع رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏حتى نزلنا واديا ‏ ‏أفيح ‏ ‏فذهب رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏يقضي حاجته فاتبعته ‏ ‏بإداوة ‏ ‏من ماء فنظر رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏فلم ير شيئا يستتر به فإذا شجرتان بشاطئ الوادي فانطلق رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏إلى إحداهما فأخذ بغصن من أغصانها فقال انقادي علي بإذن الله فانقادت معه كالبعير ‏ ‏المخشوش ‏ ‏الذي ‏ ‏يصانع قائده ‏ ‏حتى أتى الشجرة الأخرى فأخذ بغصن من أغصانها فقال انقادي علي بإذن الله فانقادت معه كذلك حتى إذا كان ‏ ‏بالمنصف ‏ ‏مما بينهما لأم بينهما ‏ ‏يعني جمعهما فقال ‏ ‏التئما ‏ ‏علي بإذن الله فالتأمتا قال ‏ ‏جابر ‏ ‏فخرجت ‏ ‏أحضر ‏ ‏مخافة أن يحس رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏بقربي فيبتعد وقال ‏ ‏محمد بن عباد ‏ ‏فيتبعد فجلست أحدث نفسي فحانت مني لفتة فإذا أنا برسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏مقبلا وإذا الشجرتان قد افترقتا فقامت كل واحدة منهما على ساق فرأيت رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏وقف وقفة فقال برأسه هكذا وأشار ‏ ‏أبو إسمعيل ‏ ‏برأسه يمينا وشمالا ,,, الحديث)) رواه مسلم


نخلة ينزل عذقها ماشياً إلى النبي صلى الله عليه وسلم:

((عن ابن عباس قال/ جاء إعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: بما أعرف أنك رسول الله؟ قال: أرأيت إن دعوت هذا العذق من هذه النخلة أتشهد أني رسول الله؟ قال: نعم.قال: فدعا العذق فجعل العذق ينزل من النخلة حتى سقط في الأرض، فجعل ينقز حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال له: ارجع، فرجع حتى عاد إلى مكانه.فقال: أشهد أنك رسول الله، وآمن )) رواه أحمد و البيهقي في الدلائل، والحاكم في المستدرك بسند صحيح

شجرة تشهد للنبى الكريم بالرسالة

((عن ابن عمر قال كنا مع رسول الله A في سفر فأقبل أعرابي فلما دنا منه قال له رسول الله أين تريد قال إلى أهلي قال هل لك إلى خير قال ما هو قال تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله قال هل من شاهد على ما تقول قال هذه الشجرة فدعاها رسول الله A وهي على شاطئ الوادي فأقبلت تخد الأرض خدا فقامت بين يديه فاستشهد ثلاثا فشهدت أنه كما قال ثم إنها رجعت إلى منبتها ورجع الأعرابي إلى قومه فقال إن يتبعوني أتيتك بهم وإلا رجعت إليك وكنت معك )) رواه الحاكم و البهقى و قال ابن كثير إسناده جيد

شفاء الأعمى بإذن الله

(( عن عثمان بن حنيف: أن رجلاً ضريراً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ادع الله أن يعافيني، فقال: "إن شئت دعوت، وإن شئت صبرت فهو خير لك"، فقال: فادعه، فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويدعو بهذا الدعاء: "اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا رسول الله يا محمد، إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى، اللهم فشفعه في"، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. ورواه النسائي عن عثمان بن حنيف ولفظه: أن رجلا أعمى قال: يا رسول الله، ادع الله أن يكشف لي عن بصري، قال: "فانطلِق فتوضأ، ثم صلِّ ركعتين، ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد، إني أتوجه بك إلى ربي أن يكشف عن بصري اللهم فشفعه في"، قال: فرجع وقد كشف الله عن بصره".)) رواه البخارى فى التاريخ الكبير، و الطبرانى فى المعجم، أحمد و الترمذى و ابن ماجة و غيرهم، و صححه الذهبى

ملحوظة: لا يجوز الاستشفاع بالنبى صلى الله عليه و سلم بعد وفاته، و غنما كان التوسل هنا بدعاءه صلى الله عليه و سلم، و معلوم أنه فى عام الرمادة لم يتوسل عمر و الصحابة برسول الله و ناما توسلو بدعاء العباس و قال عمر ((اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبيك فتسقينا , وإنا نتوسل اليك بعمِّ نبيك فاسقنا , فيقوول أنس الراوي فسُقُوا)) رواه البخارى

يبرىء عين قتادة بعد أن أقتلعت

عن . جابر بن عبد الله ، قال ((أصيبت عين رجل منا يوم أحد وهو ، قتادة بن النعمان - حتى وقعت على وجنته فأتينا به رسول الله ، - صلى الله عليه وسلم ، فقال إن لي امرأة أحبها وأخشى إن رأتني أن ، تقذرني - فأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم - بيده ، وردها إلى موضعها وقال اللهم اكسبه جمالا، أحسن عينيه ))

رواه الحاكم في المستدرك،و مالك فى الموطأ وابن سعد في الطبقات، والطبراني وأبو يعلى، وقد ذكر ابن هبة الله في تاريخ دمشق عدة روايات لها، وكذلك ابن كثير في البداية من طرق كثيرة


شفاء عين أمير المؤمنين على من الرمد

‏((عن سهل بن سعد ‏ ‏رضي الله عنه ‏: أن رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏قال يوم ‏ ‏خيبر ‏ ‏لأعطين هذه الراية غدا رجلا يفتح الله على يديه يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله قال فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏كلهم يرجو أن يعطاها فقال أين ‏ ‏علي بن أبي طالب ‏ ‏فقيل هو يا رسول الله يشتكي عينيه قال ‏ ‏فأرسلوا إليه ‏ ‏فأتي به فبصق رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏في عينيه ودعا له فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع)) رواه الشيخان
و فى رواية أحمد قال أمير المؤمنين على: ((ما رمدت ولا صدعت منذ تفل رسول الله في عيني يوم خيبر))

شفاء قدم سلمة إبن الأكوع من ضربة فى غزوة خيبر

‏((عن ‏يزيد بن أبي عبيد ‏ ‏قال ‏: رأيت أثر ضربة في ساق ‏ ‏سلمة ‏ ‏فقلت يا ‏ ‏أبا مسلم ‏ ‏ما هذه الضربة فقال هذه ضربة أصابتني يوم ‏ ‏خيبر ‏ ‏فقال الناس أصيب ‏ ‏سلمة ‏ ‏فأتيت النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏فنفث فيه ثلاث نفثات فما اشتكيتها حتى الساعة)) رواه البخارى

شفاء قدم مكسورة

((عن البراء بن عازب رضي الله عنه : أن عبد الله بن عتيك لما قتل أبا رافع ونزل من درجة بيته سقط إلى الأرض فانكسرت ساقه ، قال : فحدثت النبي صلى الله عليه وسلم فقال : " ابسط رجلك فبسطها فمسحها فكأنما لم أشكها قط" )) رواه البخارى


تكثير الطعام يوم الخندق حتى أطعم جيشاً

‏(( عن ‏جابر بن عبد الله ‏ ‏رضي الله عنهما ‏ ‏قال :‏ لما حفر ‏ ‏الخندق ‏ ‏رأيت بالنبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏خمصا ‏ ‏شديدا ‏ ‏فانكفأت ‏ ‏إلى ‏ ‏امرأتي ‏ ‏فقلت هل عندك شيء فإني رأيت برسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏خمصا ‏ ‏شديدا فأخرجت إلي جرابا فيه ‏ ‏صاع ‏ ‏من شعير ولنا ‏ ‏بهيمة داجن فذبحتها وطحنت الشعير ففرغت إلى فراغي وقطعتها في ‏ ‏برمتها ‏ ‏ثم وليت إلى رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏فقالت لا تفضحني برسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏وبمن معه فجئته فساررته فقلت يا رسول الله ذبحنا ‏ ‏بهيمة لنا وطحنا ‏ ‏صاعا ‏ ‏من شعير كان عندنا فتعال أنت ‏ ‏ونفر ‏ ‏معك فصاح النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏فقال ‏ ‏يا أهل ‏ ‏الخندق ‏ ‏إن ‏ ‏جابرا ‏ ‏قد صنع ‏ ‏سورا ‏ ‏فحي ‏ ‏هلا بهلكم فقال رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏لا تنزلن ‏ ‏برمتكم ‏ ‏ولا تخبزن عجينكم حتى أجيء فجئت وجاء رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏يقدم الناس حتى جئت ‏ ‏امرأتي ‏ ‏فقالت بك وبك فقلت قد فعلت الذي قلت فأخرجت له عجينا فبصق فيه وبارك ثم عمد إلى ‏ ‏برمتنا ‏ ‏فبصق وبارك ثم قال ادع خابزة فلتخبز معي واقدحي من ‏ ‏برمتكم ‏ ‏ولا تنزلوها وهم ألف فأقسم بالله لقد أكلوا حتى تركوه وانحرفوا وإن ‏ ‏برمتنا ‏ ‏لتغط ‏ ‏كما هي وإن عجيننا ليخبز كما هو)) رواه البخارى

تكثير الطعام و الدخول فى الإسلام

((عن عمران بن حصين ‏أنهم كانوا مع النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏في مسير ‏ ‏..... وقد عطشنا عطشا شديدا فبينما نحن نسير إذا نحن بامرأة ‏ ‏سادلة ‏ ‏رجليها بين ‏ ‏مزادتين ‏ ‏فقلنا لها أين الماء فقالت إنه لا ماء فقلنا كم بين أهلك وبين الماء قالت يوم وليلة فقلنا انطلقي إلى رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏قالت وما رسول الله فلم نملكها من أمرها حتى استقبلنا بها النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏فحدثته بمثل الذي حدثتنا غير أنها حدثته أنها ‏ ‏مؤتمة ‏ ‏فأمر ‏ ‏بمزادتيها ‏ ‏فمسح في ‏ ‏العزلاوين ‏ ‏فشربنا عطاشا أربعين رجلا حتى روينا فملأنا كل قربة معنا وإداوة غير أنه لم نسق بعيرا وهي تكاد ‏ ‏تنض ‏ ‏من الملء ثم قال هاتوا ما عندكم فجمع لها من الكسر والتمر حتى أتت أهلها قالت لقيت أسحر الناس أو هو نبي كما زعموا فهدى الله ذاك ‏ ‏الصرم ‏ ‏بتلك المرأة فأسلمت وأسلموا)) رواه البخارى

- ((و عن ‏ ‏جابر ‏ أن رجلا أتى النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏يستطعمه فأطعمه ‏ ‏شطر ‏ ‏وسق ‏ ‏شعير ‏ ‏فما زال الرجل يأكل منه وامرأته وضيفهما حتى كاله فأتى النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏فقال لو لم تكله لأكلتم منه ولقام لكم
إمتلاء بئر الحديبية الجاف
)) رواه مسلم

إمتلاء بئر الحديبية الجاف

‏((عن ‏ ‏البراء ‏ ‏رضي الله عنه ‏ ‏قال: ‏ كنا يوم ‏ ‏الحديبية ‏ ‏أربع عشرة مائة ‏ ‏والحديبية ‏ ‏بئر فنزحناها حتى لم نترك فيها قطرة فجلس النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏على ‏ ‏شفير البئر ‏ ‏فدعا بماء فمضمض ومج في البئر فمكثنا غير بعيد ثم استقينا حتى روينا وروت أو صدرت ركائبنا)) رواه البخارى

إمتلاء بئر تبوك و فيضانه

‏(( عن معاذ بن جبل ‏ ‏أخبره قال : خرجنا مع رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏عام ‏ ‏غزوة ‏ ‏تبوك ‏ ‏فكان يجمع الصلاة فصلى الظهر والعصر جميعا والمغرب والعشاء جميعا حتى إذا كان يوما أخر الصلاة ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعا ثم دخل ثم خرج بعد ذلك فصلى المغرب والعشاء جميعا ثم قال إنكم ستأتون غدا إن شاء الله عين ‏ ‏تبوك ‏ ‏وإنكم لن تأتوها حتى ‏ ‏يضحي ‏ ‏النهار فمن جاءها منكم فلا يمس من مائها شيئا حتى آتي فجئناها وقد سبقنا إليها رجلان والعين مثل ‏ ‏الشراك ‏ ‏تبض ‏ ‏بشيء من ماء قال فسألهما رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏هل ‏ ‏ مسستما من مائها شيئا قالا نعم فسبهما النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏وقال لهما ما شاء الله أن يقول قال ثم غرفوا بأيديهم من العين قليلا قليلا حتى اجتمع في شيء قال وغسل رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏فيه يديه ووجهه ثم أعاده فيها ‏ ‏فجرت العين بماء منهمر ‏ ‏أو قال غزير شك ‏ ‏أبو علي ‏ ‏أيهما قال ‏ ‏حتى استقى الناس ثم قال يوشك يا ‏ ‏معاذ ‏ ‏إن طالت بك حياة أن ‏ ‏ترى ما هاهنا قد ملئ ‏ ‏جنانا)) رواه مسلم

مباركة و تكثير اللبن

((عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: كان ‏ ‏يقول ‏ ‏أالله الذي لا إله إلا هو إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع وإن كنت لأشد الحجر على بطني من الجوع ولقد قعدت يوما على طريقهم الذي يخرجون منه فمر ‏ ‏أبو بكر ‏ ‏فسألته عن آية من كتاب الله ما سألته إلا ليشبعني فمر ولم يفعل ثم مر بي ‏ ‏عمر ‏ ‏فسألته عن آية من كتاب الله ما سألته إلا ليشبعني فمر فلم يفعل ثم مر بي ‏ ‏أبو القاسم ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏فتبسم حين رآني وعرف ما في نفسي وما في وجهي ثم قال يا ‏ ‏أبا هر ‏ ‏قلت لبيك يا رسول الله قال الحق ومضى فتبعته فدخل فاستأذن فأذن لي فدخل فوجد لبنا في قدح فقال من أين هذا اللبن قالوا أهداه لك فلان أو فلانة قال ‏ ‏أبا هر ‏ ‏قلت لبيك يا رسول الله قال الحق إلى ‏ ‏أهل الصفة ‏ ‏فادعهم لي قال ‏ ‏وأهل الصفة ‏ ‏أضياف الإسلام لا يأوون إلى أهل ولا مال ولا على أحد إذا أتته صدقة بعث بها إليهم ولم يتناول منها شيئا وإذا أتته هدية أرسل إليهم وأصاب منها وأشركهم فيها فساءني ذلك فقلت وما هذا اللبن في ‏ ‏أهل الصفة ‏ ‏كنت أحق أنا أن أصيب من هذا اللبن شربة أتقوى بها فإذا جاء أمرني فكنت أنا أعطيهم وما عسى أن يبلغني من هذا اللبن ولم يكن من طاعة الله وطاعة رسوله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏بد فأتيتهم فدعوتهم فأقبلوا فاستأذنوا فأذن لهم وأخذوا مجالسهم من البيت قال يا ‏ ‏أبا هر ‏ ‏قلت لبيك يا رسول الله قال ‏ ‏خذ فأعطهم قال فأخذت القدح فجعلت أعطيه الرجل فيشرب حتى يروى ثم يرد علي القدح فأعطيه الرجل فيشرب حتى يروى ثم يرد علي القدح فيشرب حتى يروى ثم يرد علي القدح حتى انتهيت إلى النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏وقد روي القوم كلهم فأخذ القدح فوضعه على يده فنظر إلي فتبسم فقال ‏ ‏أبا هر ‏ ‏قلت لبيك يا رسول الله قال بقيت أنا وأنت قلت صدقت يا رسول الله قال اقعد فاشرب فقعدت فشربت فقال اشرب فشربت فما زال يقول اشرب حتى قلت لا والذي بعثك بالحق ما أجد له مسلكا قال فأرني فأعطيته القدح فحمد الله وسمى وشرب الفضلة)) رواه البخارى

نزول اللبن من ضرع شاة لا تنزل لبناً

(( عن ابن مسعود قال: كنت أرعى غنماً لعقبة بن أبي معيط فمر بي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر فقال: [يا غلام هل من لبن؟] قال: قلت: نعم، ولكني مؤتمن. قال: [فهل من شاة لم ينز عليها الفحل؟] فأتيته بشاة فمسح ضروعها، فنزل لبن فحلبه في إناء، فشرب وسقى أبا بكر ثم قال للضرع: [اقلص]، فقلص. قال: ثم أتيته بعد هذا فقلت: يا رسول الله علمني من هذا القول. قال: فمسح رأسي وقال: يرحمك الله فإنك غليم مُعَلَّم)) رواه أحمد و حسنه الأرناؤوط


عرق رسول الله أطيب من ريح العطر!

((عن أنس بن مالك‏.‏ قال‏:‏ دخل علينا النبي صلى الله عليه وسلم فقال عندنا‏.‏ فعرق‏.‏ وجاءت أمي بقارورة‏.‏ فجعلت تسلت العرق فيها‏.‏ فاستيقظ النبي صلى الله عليه وسلم فقال ‏"‏يا أم سليم‏!‏ ما هذا الذي تصنعين‏؟‏‏"‏ قالت‏:‏ هذا عرقك نجعله في طيبنا وهو من أطيب الطيب‏.‏ )) رواه مسلم

(( و عن أني قال : لا شممتُ مسكة ولا عنبرة أطيب من رائحة رسول الله صلى الله عليه وسلم )) رواه مسلم

يشير بعصاة فتسقط الأصنام

((عن عبد الله ابن عمرقال: لما دخل الرسول صلى الله عليه و سلم مكة عند فتحها، وكان حول الكعبة ثلاثمائة وستون صنمًا، فأشار إلى كل صنع بعصا، وقال: (جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا) فكان كل صنم يسقط دون أن يلمسه الرسول بالعصا)). [متفق عليه]

جمل بطىء يسرع

((عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة فأبطأ بي جملي وأعيا فأتى علي النبي صلى الله عليه وسلم فقال جابر فقلت نعم قال : ما شأنك قلت أبطأ علي جملي وأعيا فتخلفت فنزل يحجنه بمحجنه ثم قال اركب فركبت فلقد رأيته أكفه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم)) متفق عليه

الجمل يسجد للحبيب صلى الله عليه و سلم

(( عن أنس بن مالك قال: كان أهل بيت من الأنصار لهم جمل يسنون عليه (أي يسقون عليه)وأنه استصعب عليهم فمنعهم ظهره وأن الأنصار جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: إنه كان لنا جمل نسني عليه وأنه استصعب علينا ومنعنا ظهره وقد عطش الزرع والنخل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه:" قوموا" فقاموا فدخل الحائط والجمل في ناحيته فمشى النبي صلى الله عليه وسلم نحوه فقالت الأنصار: يا رسول الله إنه قد صار مثل الكلب الكلب، وإنا نخاف عليك صولته فقال: ليس على منه بأس، فلما نظر الجمل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل نحوه حتى خر ساجدا بين يديه، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بناصيته أذل ما كانت قط، حتى أدخله في العمل فقال له أصحابه: يا رسول الله هذه بهيمة لا تعقل تسجد لك ونحن أحق أن نسجد لك، فقال:"لا يصلح لبشر أن يسجد لبشر ولو صلح لبشر أن يسجد لبشر لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها...)). رواه الإمام أحمد بإسناد جيد و صححه الألبانى

تغير طباع الهر الجبلية توقيراً لرسول الله

(( عن عائشة رضي الله عنها: كان لآل رسول الله صلى الله عليه وسلم وحش فإذا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لعب واشتد وأقبل وأدبر، فإذا أحس برسول الله صلى الله عليه وسلم قد دخل ربض فلم يترمرم(أي سكن ولم يتحرك) ما دام رسول اله صلى الله عليه وسلم في البيت كراهية أن يؤذيه)) أخرجه أحمد بسند صحيح، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد.

يحطم كدية أعيت الجمع وحده

((جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال إنا يوم الخندق نحفر فعرضت كدية شديدة فجاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا يا رسول الله هذه كدية عرضت في الخندق فقال أنا نازل فقام صلى الله عليه وسلم وبطنه معصوب بحجر يعني من الجوع ولبثنا ثلاث ليالي لا نذوق ذواقا فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم المعول فضرب في الكدية فعادت كثيباً أهيل)) رواه البخارى

النبى له قوة أربعين رجلاً

((عن أنس ن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدور على نسائه في الساعة الواحدة من الليل والنهار وهن إحدى عشرة قال : قلت لأنس بن مالك : أو كان يطيقه ؟ قال : كنا نتحدث أنه أعطي قوة ثلاثين )) رواه البخارى

الله يرسل صاعقة على رجل رفض الاستجابة لرسوله

{وعن أنس قال‏:‏ بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً من أصحابه إلى رجل من عظماء الجاهلية يدعوه إلى الله تبارك وتعالى فقال‏:‏ أيش ربك الذي تدعوني من حديد هو‏؟‏ من نحاس هو‏؟‏ من فضة هو‏؟‏ من ذهب هو‏؟‏ فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فأعاده النبي صلى الله عليه وسلم الثانية فقال مثل ذلك فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فأرسل إليه الثالثة فقال مثل ذلك فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏إن الله تبارك وتعالى قد أنزل على صاحبك صاعقة فأحرقته‏"‏‏.‏ فنزلت هذه الآية‏:‏ ‏{ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال‏} رواه البزار بسند صحيح

الأرض تلفظ من أراد خداع رسول الله صلى الله عليه و سلم‏‏.‏

((عن أنس قال: كان رجلاً نصرانياً فأسلم ، وقرأ البقرة وآل عمران ، فكان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم فعاد نصرانياً ، فكان يقول : ما يدري محمد إلا ما كتبت له ، فأماته الله ، فدفنوه ، فأصبح وقد لفظته الأرض ، فقالوا : هذا فعل محمد وأصحابه ، نبشوا عن صاحبنا لما هرب منهم ، فألقوه خارج القبر ، فحفروا له وأعمقوا له في الأرض ما استطاعوا ، فأصبح قد لفظته الأرض ، فعلموا أنه ليس من الناس فألقوه)) رواه الشيخان

تنزل النقمات على من خالف أمر رسول الله

((عن سعيد بن المسيب بن حزن عن أبيه أن أباه حزنا { جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ما اسمك ؟ قال حزن قال أنت سهل قال : لا أغير اسما سمانيه أبي . قال ابن المسيب : فما زالت الحزونة فينا بعد}) رواه البخارى

(( و عن سلمة بن الأكوع : أن رجلاً أكل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بشماله فقال: كل بيمينك فقال: لا أستطيع قال: لا استطعت، ما منعه إلا الكبر قال فما رفعها إلى فيه)) رواه مسلم

احمل فإنما أنت سفينة

((عن سفينة مولى رسول الله قال : ثقل علي القوم متاعهم ، فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم: " أبسط كساءك" ، فجعلوا فيه متاعهم، فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم: " أحمل فإنما أنت سفينة، قال : فلو حملت من يومئذ وقر بعير أو بعيرين أو ثلاثة، حتي بلغ سبعة ما ثقل علي)) رواه الحاكم و صححه و وافقه الذهبى


معجزة شق القمر

((عَنْ أَنَس بْن مَالِك أَنَّ أَهْل مَكَّة سَأَلُوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُرِيَهُمْ آيَة فَأَرَاهُمْ الْقَمَر شِقَّيْنِ حَتَّى رَأَوْا حِرَاء بَيْنهمَا )) رواه البخارى و مسلم

((عَنْ مُحَمَّد بْن جُبَيْر بْن مُطْعِم عَنْ أَبِيهِ قَالَ : اِنْشَقَّ الْقَمَر عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَارَ فِرْقَتَيْنِ فِرْقَة عَلَى هَذَا الْجَبَل وَفِرْقَة عَلَى هَذَا الْجَبَل فَقَالُوا سَحَرَنَا مُحَمَّد فَقَالُوا إِنْ كَانَ سَحَرَنَا فَإِنَّهُ لَا يَسْتَطِيع أَنْ يَسْحَر النَّاس كُلّهمْ )) رواه أحمد

((عَنْ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا قَالَ : اِنْشَقَّ الْقَمَر فِي زَمَان النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .)) وَرَوَاهُ الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم

((عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُمَر فِي قَوْله تَعَالَى " اِقْتَرَبَتْ السَّاعَة وَانْشَقَّ الْقَمَر " قَالَ وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِنْشَقَّ فِلْقَتَيْنِ فِلْقَة مِنْ دُون الْجَبَل وَفِلْقَة مِنْ خَلْف الْجَبَل فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " اللَّهُمَّ اِشْهَدْ )) رواخ مسلم و الترمذى و غيرهما

و الروايات فى ذلك متواترة كثير و هى مصداق قوله تعالى عن هذه الأية ((اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ *وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ * وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ))



المعجزات فى عصمته صلى الله عليه و سلم

1) من ذلك ما وقع لأبى جهل حين أقبل يختال ذات يوم في جنبات مكة فقال: هل يعفِّر محمدٌ وجهَه بين أظهرِكم [يعني بالسجود والصلاة]؟ فقيل: نعم.
فقال: واللاتِ والعزى، لئن رأيتُه يفعلُ ذلك لأطأنَّ على رقَبَتِه، أو لأعفِّرنَّ وجهَه في التراب.
فأتى رسولَ الله  وهو يصلي، زعمَ ليطأَ على رقَبَتِه، قال: فما فجِئهم منه إلا وهو ينكُص على عقبيه، ويتقي [أي يحتمي] بيديه.
فقيل له: مالك؟ فقال: إن بيني وبينه لخندقاً من نارٍ وهوْلاً وأجنحة، فقال رسول الله r: ((لو دنا مني لاختطفته الملائكةُ عُضواً عضواً)).
(رواه مسلم)

2) و من ذلك أن قريشاً اجتمعت في الحِجر، فتعاقدوا باللاتِ والعزى ومناة الثالثةِ الأخرى ، لو قد رأينا محمداً ، قمنا إليه قيام رجل واحد، فلم نفارقْه حتى نقتلَه.
فأقبلت ابنته فاطمة رضي الله تعالى عنها تبكي، حتى دخلت على رسول الله صلى الله عليه و سلم فقالت: هؤلاء الملأ من قريش قد تعاقدوا عليك، لو قد رأوك لقد قاموا إليك فقتلوك، فليس منهم رجل إلا قد عَرف نصيبه من دمك.
فقال: ((يا بنية، أريني وَضوءاً)) فتوضأ، ثم دخل عليهم المسجد، فلما رأوه قالوا: ها هو ذا. وخفضوا أبصارهم، وسقطت أذقانهم في صدورهم، وعقِروا في مجالسهم، فلم يرفعوا إليه بصراً، ولم يقم إليه منهم رجل.
فأقبل رسول الله r حتى قام على رؤوسهم، فأخذ قبضة من التراب، فقال: ((شاهت الوجوه)) ثم حصَبهم بها، يقول ابن عباس: فما أصاب رجلاً منهم من ذلك الحصى حصاةً إلا قُتل يوم بدر كافراً.
رواه أحمد في المسند ح (2757) والحاكم في مستدركه (3/170)، وصححه الهيثمي في مجمع الزوائد (8/228).


3) (( عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال أبو جهل: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟ - أي يسجد ويلصق وجهه بالعفر وهو التراب- قيل: نعم ، فقال: واللات والعزى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته أو لأعفرن وجهه في التراب ، فأتى رسول الله رضي الله عنه وهو يصلي زعم ليطأ على رقبته قال فما فجئهم (أي بغتهم) منه إلا وهو ينكص على عقبيه (أي رجع يمشي إلى ورائه) ويتقي بيديه قال فقيل له: مالك؟ فقال: إن بيني وبينه لخندقًا من نار وهولاً وأجنحة ،فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوًا عضوًا ))رواه البخاري و مسلم

4) و عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: ((غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حنينًا فولى صحابة النبي صلى الله عليه وسلم فلما غشوا رسول الله صلى الله عليه وسلم (أي أتوه من كل جانب) نزل عن البغلة ثم قبض قبضة من تراب الأرض ثم استقبل به وجوههم فقال: شاهت الوجوه (أي قبحت) فما خلق الله منهم إنسانًا إلا ملأ عينيه ترابًا بتلك القبضة فولوا مدبرين فهزمهم الله عز وجل وقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم غنائمهم بين المسلمين )) رواه مسلم

5) ((وعن ابن عباس رضي الله عنه أن رجالاً من قريش اجتمعوا في الحجر، ثم تعاقدوا باللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ونائلة وإساف أن لو قد رأوا محمدًا لقد قمنا إليه مقام رجل واحد فقتلناه قبل أن نفارقه، فأقبلت ابنته فاطمة تبكي حتى دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: هؤلاء الملأ من قومك لقد تعاهدوا لو قد رأوك قاموا إليك فقتلوك، فليس منهم رجل واحد إلا قد عرف نصيبه من دمك. فقال: "يا بنية آتيني بوضوء"، فتوضأ، ثم دخل عليهم المسجد، فلما رأوه قالوا: هاهو ذا، وخفضوا أبصارهمن وسقطت أذقانهم في صدورهم، فلم يرفعوا إليه بصرًا، ولم يقم منهم إليه رجل، فأقبل النبي صلى الله عليه وسلم حتى قام على رؤوسهم، وأخذ قبضة من التراب ثم قال: "شاهت الوجوه"، ثم حصبهم بها فما أصاب رجلاً منهم من ذلك الحصا حصاةٌ إلى قتل يوم بدر كافرًا.)) رواه أحمد و البيهقى بسند حسن

6) و لما اتفق المشركون على اهدار دمه بين القبائل بجلب فارس من كل قبيلة يشارك فى قتله عليه السلام ، فلما وقفوا على داره ليلة الهجرة كان النبى صلى الله عليه و سلم قد أمر عليًا رضي الله عنه أن يبيت في مضجعه تلك الليلة ، و أعمى الله أعينهم و أصابتهم الغفلة فخرج رسول الله صلى الله عليه و سلم من بينهم و نثر التراب على رؤوسهم، وهم لا يرونه وهو يتلو {وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ}

ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت أبي بكر فخرجا من خوخة في دار أبي بكر ليلاً، وجاء رجل ورأى القوم ببابه، فقال: ما تنتظرون؟ قالوا: محمدًا ، قال: خبتم وخسرتم، قال: والله مر بكم وذرّ على رءوسكم التراب، قالوا: والله ما أبصرنا..... وقاموا ينفضون التراب عن رءوسهم، وهم: أبو جهل والحكم بن العاص وعقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث وأمية بن خلف وزمعة بن الأسود وطعيمة بن عدي وأبو لهب وأبي بن خلف ونبيه ومنبه ابنا الحجاج))

أخرجه ابن سعد وابن هشام وأحمد و ابن القيم فى زاد المعاد، وقد حسنه ابن كثير وابن حجر في الفتح

7) و لما أراد النبى (صلى الله عليه و سلم) الهجرة تبعه سراقة ابن مالك فقال النبى : اللهم أكفنا سراقة، فأخذت الأرض قوائم فرسه إلى إبطها ، فاستغاث برسول الله صلى الله عليه و سلم فلم يطلقه إلا بعدما أخذ عليه الميثاق ألا يتعرض له ولا يعين عليه

و فى البخارى عن سراقة قال : {أتيت فرسي فركبتها فرفعتها تقرب بي حتى ‏ ‏دنوت ‏ ‏منهم ‏ ‏فعثرت ‏ ‏بي فرسي ‏ ‏فخررت ‏ ‏عنها فقمت فأهويت يدي إلى كنانتي فاستخرجت منها ‏ ‏الأزلام ‏‏ فاستقسمت بها أضرهم أم لا فخرج الذي أكره فركبت فرسي وعصيت ‏ ‏الأزلام ‏ ‏تقرب بي حتى إذا سمعت قراءة رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏وهو لا يلتفت ‏ ‏وأبو بكر ‏ ‏يكثر ‏ ‏الالتفات ‏ ‏ساخت ‏ ‏يدا فرسي في الأرض حتى بلغتا الركبتين ‏ ‏فخررت ‏ ‏عنها ثم زجرتها فنهضت فلم تكد تخرج يديها فلما استوت قائمة إذا لأثر يديها ‏ ‏عثان ‏ ‏ساطع في السماء مثل الدخان ‏‏ فاستقسمت ‏ ‏بالأزلام ‏ ‏فخرج الذي أكره فناديتهم بالأمان فوقفوا فركبت فرسي حتى جئتهم ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم أن سيظهر أمر رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم} (رواه البخارى – كتاب المناقب – باب هجرة النبى صلى الله عليه و سلم)


8) ((و عن جابر بن عبد الله ‏ ‏ ‏رضي الله عنهما ‏ ‏أخبر ‏ أنه غزا مع رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏قبل ‏ ‏نجد ‏ ‏فلما ‏ ‏قفل ‏ ‏رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏قفل ‏ ‏معه فأدركتهم ‏ ‏القائلة ‏ ‏في واد كثير ‏ ‏العضاه ‏ ‏فنزل رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏وتفرق الناس يستظلون بالشجر فنزل رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏تحت ‏ ‏سمرة ‏ ‏وعلق بها سيفه ونمنا نومة فإذا رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏يدعونا وإذا عنده أعرابي فقال ‏ ‏إن هذا ‏ ‏اخترط ‏ ‏علي سيفي وأنا نائم فاستيقظت وهو في يده ‏ ‏صلتا ‏ ‏فقال من يمنعك مني فقلت الله ثلاثا ولم يعاقبه وجلس)) رواه البخارى

9) و لما خرج النبى مع أبو بكر للهجرة تبعه المشركون ليقتلوه فلجأوا لغار ثور فلما وصل المشركون كان النبى و الصديق امام أعينهم و لكن لم يروهم بفضل الله و قال الصديق لونظر أحدهم لموضع قدميه لأبصنا فقال رسول الله (صلى الله عليه و سلم) { يا أبابكر مابالك باثنين الله ثالثهما} (أخرجه الشيخان)

فأنزل الله تعالى {إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}

10) و قد تنزلت الملائكة لحماية رسول الله صلى الله عليه و سلم يوم أُحد، حين أطبق عليه المشركون، وتفرق عنه أصحابه منهزمين،
ففي الصحيحين يقول سعدُ بن أبي وقاص : (رأيت عن يمين رسول الله r وعن شماله يوم أُحدٍ رجُلَين، عليهما ثيابٌ يَيَاض، ما رأيتهما قبلُ ولا بعد). يعني جبريلَ وميكائيلَ عليهما السلام.

قال النووي: "فيه بيان كرامةِ النبي r على الله تعالى، وإكرامِه إياه بإنزال الملائكة تقاتل معه، وبيانُ أن الملائكة تقاتِل، وأن قتالَهم لم يَختصَّ بيوم بدر".
شرح صحيح مسلم (15/66).

11) ومن ذلك أنه لما نزل قوله تعالى: {تبت يدا أبى لهبٍ وتب} (المسد: 1)،
جاءت أم جميلٍ ، امرأةُ عمه أبي لهب إلى النبي r ومعه أبو بكر، فلما رآها أبو بكر قال: يا رسول الله، إنها امرأة بذيئة، وأخاف أن تؤذيَك، فلو قُمت، قال: ((إنها لن تراني)).
فجاءت أم جميل، فقالت لأبي بكر: إن صاحبك هجاني! قال: لا، وما يقول الشعر، قالت: أنت عندي مُصَدق، وانصرفت، فقال أبو بكر: يا رسول الله، لم ترَك؟! قال: ((لا، لم يزل ملك يسترني عنها بجناحه)).
رواه أبو يعلى في مسنده ح (2358)، والبزار ح (2294)، وصححه ابن حبان ح (6511).

12) و من ذلك قصة الشاة المسمومة التى أهدتها إليه صلى الله عليه و سلم يهودية يوم خيبر فلما التقم منها لقمة قال لأصحابه أمسكوا فإن هذه الذراع تحدثنى أنها مسمومة و كان بشر بن البراء قد أكل منها فمات ، وقال لها ما حملك على ما صنعت قالت أردت أن أعلم إن كنت نبيا فسيطلعك الله عليه وإن كنت كاذبا أريج الناس منك قال فما عرض لها رسول الله صلى الله عليه وسلم،
ثم أن رسول الله صلى الله عليه و سلم توفى بعد ذلك بأربعة سنوات ولا يزال يجد من أثرها و فى هذا الخبر مناقب عظيمة لسيد البشر منها و يؤكد عصمته و بيان ذلك من وجوه :

أ- أن عصمة رسول الله قد تمت كما وعده ربه عز و جل لأن هذه العصمة هدفها تمكينه من تبليغ الرسالة و هى مقترنة بها كما قال تعالى ((يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ))

و ذلك قد حدث بنعمة الله و حفظه الله حتى أتم مهمته و لم يمت رغم السم إلا بعد أربع سنوات تقريباً ، كانت هذه السنوات من أهم مراحل الدعوة النبوية ففيها استقبلَ الوفود، وسيَّرَ الجيوش و فتحت مكة و دخل الناس فى دين الله أفواجا و حج النبى (صلى الله عليه و سلم) حجة الوداع و إكتملت الشريعة غير منقوصة.حتى أنزل الله تعالى قوله (( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ))
. بينما مات بشر بن البراء من أكلته فى حينها و كان قد التقم كما التقم رسول الله!!

ب- أنه معلوم كون الموت مصير كل مخلوق حتى رسول الله كما قال تعالى {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ}

و قال سبحانه {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ}

و قال عز و جل {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ}

فمادام الموت مصيرا محتوما ، و العصمة وعداً مفعولا: فلتحيى يا رسول الله معصوماً حتى تتم رسالتك، و لتنتقل يا رسول الله إلى ربك مكرماً على فراشك و شهيداً فى الوقت ذاته حين تحل ساعتك، و لله الحمد و المنة

جـ- أن النبى عليه الصلاة و السلام قد أخبر قطعا و جزماً أن هذه الشاة مسمومة مما يؤكد صدقه عليه السلام كنبى موحى اليه من الله إذ جاء الصحابة باليهودية و اعترفت أنها سمت الشاة كما أخبرت الذراع النبى عليه السلام

* و يضيف الأخ عبدالرحيم فى تحليل هذه المعجزة قائلاً:
فقد توفي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بعد تلك الحادثة بأكثر من ثلاث سنوات ، رغمَ العوامل التالية:
أ- نوع السم: فالسم المستخدم كان أشد أنواع السموم. [ إذ جاء في المواهب اللدنية للقسطلاني 1/534 أن المرأة اليهودية عمدت إلى سُمٍّ لا يبطئ ـ يعني لا يلبث أن يقتل من ساعته ـ، وقد شاورت يهودَ في سموم، اجتمعوا لها على هذا السم بعينه، فسمَّت الشاة، وأكثرت في الذراعين والكتفين

ب- كمية السم: فالسم الموجود في كتف الشاة المصلية ـ التي يُفضِّل رسول الله صلى الله عليه وسلم أكلها ـ، أكثر.

جـ - المعدة الفارغة: فقد تناول رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشاة وهو مقبلٌ على الطعام، مما يعني أن معدته فارغة من الطعام. وتأثير السم في المعدة الفارغة أشد وأسرع؛ لسرعة امتصاصه.
د- .كِبَر سن رسول الله صلى الله عليه وسلم (60 عاماً): فالسم يؤثر في كبار السن أسرع من الشباب؛ لقلة الأنزيمات.
فجمَعَ الله صلى الله عليه وسلم له بين مقام النبوة، ومقام الشهادة الذي تمناه حين قال عليه السلام "لَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ..". رواه البخاري

هـ - وفي الحديث الشريف " مَا أَزَالُ أَجِدُ أَلَمَ الطَّعَامِ الَّذِي أَكَلْتُ بِخَيْبَرَ، فَهَذَا أَوَانُ وَجَدْتُ انْقِطَاعَ أَبْهَرِي مِنْ ذَلِكَ السُّمِّ ". إعجاز علمي: فقد بيَّن العلم الحديث أن للسم تأثيراً شديداً على الشريان الأبهر، وتركيزه في شريان الأبهر معلوم (الإعجاز العلمي في حديث الأبهر، أ.د. مجاهد أبو المجد، قُدِّم للمؤتمر العالمي السابع للإعجاز العلمي في القرآن والسنة، بتاريخ 22-24 آذار 2004م، دبي، ص5)

ولماذا لم يسأل المخالفون أنفسهم: ما الذي دعا محمداً صلى الله عليه وسلم لصرفِ الحراس عنه فى أخطر مراحلة الدعوة و كثرة الأعداء و المنافقين و المترصبين قائلاً " ياأيها الناس اذهبوا عنا فقد عصمنا الله"

إن الإنسان يستطيع الكذب على كل الناس، أما أن يكذب على نفسه فلا.
قال المستشرق هيلر: " لما وعد الله رسوله بالحفظ بقوله: "وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ"، صرف النبي حراسه، والمرء لا يكذب على نفسه؛ فلو كان لهذا القرآن مصدر غير السماء، لأبقى محمد على حراسته "

وهكذا يتبين ما في الآية الكريمة من وجوه الإعجاز المختلفة، فشكلت ألواناً متعددة، لإعجاز بديع، لا يمكن أن يكون كلام بشر

معجزة الإسراء

إن رحلة الإسراء و المعراج لمن أعظم الأيات التى رأها رسول الله صلى رالله عليه و سلم و فيه من العجائب ما تطيش له العقول
و لنعلم أن فترة الليل التى استغرقتها رحلة النبى هى الفترة التى احتاجها صلى الله عليه و سلم ليذهب بالبراق الى بيت المقدس و يصلى بالأنبياء ثم يعود الى مكة المكرمة
أما المعراج فقد خرج به النبى الى ما وراء الزمان فلا يحسب له ميقات ، و مطالع القصة يجد فيها من الأيات العجيبة و الرموز الحكيمة كرمز الخمر و اللبن و تجسد الدنيا فى صورة امرأة منادية و التنصير فى صورة رجل منادى بلا التفات من رسول الله و طبقات الجنة و النار و كذا اللقاءات ذات المغزى مع الأنبياء فى درجات كل منها له علة، و تردده بين موسى و ربه لأن موسى أكثر الأنبياء شبهاً برسولنا إلى أن بلغ سدرة المنتهى و راى الأيات الكبرى ما تشرأب له الأعناق و يؤكد ربانية الواقعة و روحانيتها ،

شبهة و رد:
زعم البعض أن رحلة الإسراء هى رؤيا منامية لرسول الله صلى الله عليه و سلم و ليست رحلة خاضها بروحه و جسده عليه السلام

الجواب:

أولا: أن الرؤى المنامية ليست مدعاة للتشكيك فالإنسان قد يرى فى منامه انه يطير و يجوب البلاد و يرى الخوارق ولا ينكر عليه أحد و لا ا تعد هذه أية
بينما ذكر القرأن أحداث الإسراء و المعراج كأيات بينات
فقال تعالى ((سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ))
فبدأت الأية بالتسبيح و هو تنزيه الله عن النقائص اشارة لقجرته على الفعل حقيقة
ثم وضحت أنه تعالى جعل نبيه يرى أياته الباهرة

و قال عز و جل متحدياً الكافرين ((وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2) وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (5) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (6) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (7) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (8) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (9) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (10) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (11) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (12) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13) عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (14) عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (15) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (16) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (17) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (18)))

فبدأ تعالى بالٌسام على هذه الأية، و التأكيد على صدق رسول الله ، و تبكيتهم على ما ممارتهم ، و أنه رأى رؤيا بصرية لا ويغ فيها، و أنه رأى من أيات الله الكبرى

ثانياً: أن المشركين علموا و فهموا من رسول الله أن يتكلم عن إسراء حقيقى فاعترضوا على ذلك حتى جاءوا إلى أبي بكر وقالوا له: إن صاحبك يزعم أنه ذهب إلى بيت المقدس ورجع في ليلة واحدة، والناس يذهبون في شهر، ويرجعون في شهر، فقال أبو بكر: إن قال ذلك فقد صدق

و لو كان الكلام على رؤيا منامية لما كان هناك داعى للإعتراض و التشكيك كما أسلفنا

ثالثاً: أن النبى صلى الله عليه و سلم ألجمهم الحجة و دلل على صدقه بأمور و أيات منها:

1) بين لهم عليه السلما أنه لم يسرى من نفسه كما يذهبون هم بأنفسهم بل أُسرى به فالفاعل هو الله و رسول الله هو المفعول به ههنا

كما فى حديث مالك ابن أصمعة فى البخارى (بينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان - وذكر : يعني رجلا بين الرجلين - فأتيت بطست من ذهب ، ملئ حكمة وإيمانا ، فشق من النحر إلى مراق البطن ، ثم غسل البطن بماء زمزم ، ثم ملئ حكمة وإيمانا ، وأتيت بدابة أبيض ، دون البغل وفوق الحمار : البراق )

و فى رواية لمسلم (فركبته حتى أتيت بيت المقدس )

2) أخبرهم النبى صلى الله عليه و سلم عن أمر قافلة لهم كانت فى الطريق بين مكة و بيت المقدس و افاصيل ما كان فيها و ما جرى لها من أحداث فى تلك الليلة و عن كل رجل فيها و متاعه و بعيره...الخ

كما فى رواية أبى سعيد الخدرى التى رواها البيهقى فى الدلائل بسند جيد

(ثم أصبح بمكة يخبرهم بالعجائب : أني أتيت البارحة بيت المقدس وعرج بي إلى السماء ، ورأيت كذا ورأيت كذا ، فقال أبو جهل بن هشام : ألا تعجبون مما يقول محمد ! يزعم أنه أتى البارحة بيت المقدس ، ثم أصبح فينا ، وأحدنا يضرب مطيته مصعدة شهرا ومنقلبة شهرا ، فهذا مسيرة شهرين في ليلة واحدة . قال : فأخبرهم بعير لقريش لما كان في مصعدي رأيتها في مكان كذا وكذا وأنها نفرت ، فلما رجعت رأيتها عند العقبة ، وأخبرهم بكل رجل وبعيره كذا وكذا ومتاعه كذا وكذا ..))

3) تحداه المشركون أن يصف لهم بيت المقدس فرفعه الله تعالى له بأية و رأه أى العين و وصفه لهم تفصيلا بمنتهى الدقة و الصواب

كما نجده أيضاُ فى رواية البيهقى ( فقال رجل من المشركين : أنا أعلم الناس ببيت المقدس وكيف بناؤه وكيف هيأته وكيف قربه من الجبل ، فإن يكون محمد صادقا فسأخبركم ، وإن يكن كاذبا فسأخبركم ، فجاءه ذلك المشرك فقال : يا محمد أنا أعلم الناس ببيت المقدس فأخبرني كيف بناؤه وكيف هيأته وكيف قربه من الجبل ؟ قال : فرفع لرسول الله صلى الله عليه وسلم بيت المقدس من مقعده فنظر إليه كنظر أحدنا إلى بيته : بناؤه كذا وكذا ، وهيأته كذا وكذا ، وقربه من الجبل كذا وكذا ، فقال الآخر : صدقت . فرجع إلى الصحابة فقال : صدق محمد فيما قال..)

و فى رواية للبخارى (لما كذبتني قريش حين أسري بى إلى بيت المقدس قمت في الحجر ، فجلى الله لي بيت المقدس فطفقت أخبرهم عن آياته ، و أنا أنظر إليه)

رابعاً: أنه لم يصح اختلاف الصحابة أو ما نُسب للسيدة عائشة من أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قد رأى ذلك مناماً ، بل كان الخلاف فقط هل رأى ربه يوم أعرج به أم لا
و السيدة عائشة نفسها رضى الله عنها أكدت ان النبى صلى الله عليه و سلم قد رأى جبريل فى هذه الرحلة بصورته التى هى صورته الحقيقة


الخوارق المصاحبة لنزول الوحى

إن كنا نقول أن ما أوحى لرسول الله صلى الله عليه و سلم معجزة فإن الخوارق المصاحبة لهذا الوحى هى أيضاً أية بينة على صدقه صلى الله عليه و سلم
فإن الله تعالى يقول عن كيفية الوحى ((وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ))
و الثلاثة طرق تحقق مع رسول الله صلى الله عليه و سلم
* فقد كلمه ربه بلا ترجمان عند سدرة المنتهى كما فى حديث الإسراء و قد سبق الكلام عنه و بيان الحجة الإعجازية فيه
* و أرسل الله تعالى رسوله الملك جبريل إلى رسول الله و قد رأه الصحاية فى صورة رجل شديد سواد الشعر شديد بياض الوجه شديد بياض الثياب لا يعرفونه ولا تظهر عليه أثار السفر فدخل على رسول الله فحدثه فى حديث طويل عن الإسلام و الإيمان و الإحسان ، فلما انقضى أمرهم رسول الله أن يردوه فخرجوا فلم يجداو له أثر فأخبرهم رسول الله أن هذا جبريل جاء يعلمهم دينهم (رواه البخارى و مسلم)
* كذلك فى تنزل الوحى على رسول الله كانت تحدث الظواهر الأتية:
1) فهو يأتى على رسول الله بقوة اطناب كقوة صلصلة الجرس لقوله عليه السلام (أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشده علي فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال) رواه البخارى
و من حيث الإيقاع يشبه دوى النحل و كان الصحابة يسمعون هذا الصوت العجيب لحديث عمر (كان إذا نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي نسمع عند وجهه كدوي النحل) النسائى فى السنن الكبرى/ صححه الألبانى فى أحكام القران لإبن العربى 3/311
و هى خارقة ظاهرة
2) كان يتصبب عرقاً و يثقل جسده حتى نكاد الناقة التى يركبها تبرك ، و إذا جاءت فخذه على فخذ بشر تكاد تحطمها ، كما فى حديث زيد بن ثابت ((فأنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم ، وفخذه على فخذي ، فثقلت علي حتى خفت أن ترض فخذي)) رواه البخارى
و هى خارقة ظاهرة تخالف قوانين الطبيعة
3) ثم إذا سرى عن رسول الله يتلو على الأسماع أبلغ الكلام و أفصح البيان أيات الله البينات من القرأن
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و أشهد أن محمداً عبده و رسوله و أن عيسى عبد الله و رسوله و كلمته ألقاها إلى مريم و روح منه

#23 أبـــ(تراب)ـــو

    مشرف مشروع تفنيد الكتاب المقدس

  • مشرف
  • 357 المشاركات

تاريخ المشاركة : 27 August 2007 - 07:44 PM

تم تحديث الرد السابق و الإضافة عليه

إخباره بأمور غيبية صلى الله عليه و سلم



فمن معجزات رسول الله صلى الله عليه و سلم إخباره عن غيبيات زمانية و مكانية وقعت كما أخبر عليه السلام، مما يؤكد أن هذا وحى عالم الغيب و الشهادة، و قد استفاض اهل العلم فى تبيانها فى كتب السنة و الدلائل و الشمائل ، ككتب دلائل النبوة للدكتور منقذ السقار و من قبله الجواب الصحيح و دلائل البيهقى و اظهار الحق ، و من ذلك:-

إخباره عن كتاب حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة

و هو الكتاب الذي أرسله إلى قريش مع امرأة، يخبرهم فيه بعزم النبي على غزو مكة.
فلما كشف الله ذلك لنبيه؛ بعث علياً والزبيرَ والمقدادَ بنَ الأسود، وقال صلى الله عليه و سلم: ((انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها ظعينة، ومعها كتاب، فخذوه منها))، يقول علي: فانطلقنا حتى انتهينا إلى الروضة، فإذا نحن بالظعينة، فقلنا: أخرجي الكتاب. فاخرجته ))
رواه البخاري ح (3007)، ومسلم ح (2494)

إخباره عن إستشهاد ثلاثة من كبار الصحابة يوم مؤتة:

و من الإخبار المعجِز نعْيُه لقادة مؤتة الثلاثة - وقد استشهدوا في الشام - وهو في المدينة ، يقول أنس: ((نعى النبي صلى الله عليه و سام زيداً وجعفراً وابنَ رواحة للناس قبل أن يأتيَهم خبرُهم ، فقال: أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذ جعفر فأصيب، ثم أخذ ابن رواحة فأصيب، وعيناه تذرفان؛ حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله، حتى فتح الله عليهم)).
رواه البخاري ح (3929).


إخباره أبا هريرة بالشيطان المتمثل و ما سيفعله

ومن ذلك تعريفه صلى الله عليه و سلم أبا هريرة بحقيقة الشيطان المتمثل في صورة رجل، ، وتنبؤه بأنه سيأتي مرة بعد مرة، فقد جاءه شيطان، يسرق من طعام الزكاة، فأمسك به أبو هريرة، ثم خلّى عنه لما شكى الفقر والعَيْلة.
يقول أبو هريرة: [فخليتُ عنه، فأصبحتُ، فقال النبي صلى الله عليه و سلم: ((يا أبا هريرة، ما فعل أسيرك البارحة؟)) فقلت: يا رسول الله، شكا حاجة شديدة وعِيالاً، فرحمته، فخليتُ سبيله، قال: ((أما إنه قد كذَبك, وسيعود))، قال أبو هريرة: فعرَفتُ أنه سيعود لقول رسول الله: ((إنه سيعود)) ...
وعاد الرجل كما أخبر النبي صلى الله عليه و سلم، وأطلقه أبو هريرة ثانية, فأخبره النبي بمقدَمِه ثالثة، فكان كما أخبر.
فلما غدا إلى النبي صلى الله عليه و سلم قال له: (( تعلم من تخاطب منذ ثلاث ليالٍ يا أبا هريرة؟)) قال: لا، قال: ((ذاك شيطان)).]

ذكره البخاري معلقاً بصيغة الجزم في كتاب الوكالة، باب "إذا وكل رجلاً فترك الوكيل شيئاً فأجازه".


إخباره عن مشاركة أم حرام فى أول غزو للبحر و وفاتها قبل غزو مدينة قيصر

ففى خبر أم حرام بنت ملحان ، سمعت النبي صلى الله عليه و سلم يقول: ((أول جيش من أمتي يغزون البحر قد أوجبوا)).
قالت أم حرام: قلتُ: يا رسول الله أنا فيهم؟ قال: ((أنتِ فيهم)).
ثم قال النبي e: ((أول جيش من أمتي يغزون مدينة قيصر مغفور لهم)).
فقلتُ: أنا فيهم يا رسول الله؟ قال: ((لا)).
رواه البخاري ح (2924).

وفي حديث يرويه الشيخان {فركبت أمُّ حرامٍ بنتِ مِلحانٍ البحرَ في زمن معاوية t، فصُرعت عن دابتها حين خرجت من البحر، فهلكت.}
رواه البخاري ح (2789)، ومسلم ح (1912).


إخباره عن مجىء أويس القرنى من اليمن

فقد أخبر عليه السلام بقدومُ أُويس القَرَني من اليمن، و ذكر لأصحابه بعضَ صفته وأحواله ، فقال: ((إن رجلاً يأتيكم من اليمن، يقال له: أُويس، لا يدع باليمن غيرَ أمٍ له، قد كان به بياض، فدعا الله فأذهبه عنه؛ إلا موضعَ الدينار أو الدرهم، فمن لقيه منكم فليستغفر لكم)).
رواه مسلم ح (2542).

وقد كان كما أخبر صلى الله عليه و سلم، فقد أقبل أهل اليمن زمن عمر؛ فجعل يستقري الرفاق، فيقول: هل فيكم أحد من قَرَن؟ حتى أتى على قرن، فقال: من أنتم؟ قالوا: قَرَن.
قال: فوقع زِمان عمر أو زِمام أويس، فناوله أحدهما الآخر، فعرفه.
فقال عمر: ما اسمك؟ قال: أنا أويس.
فقال: هل لك والدة؟ قال: نعم.
قال: فهل كان بك من البياض شيء؟ قال: نعم، فدعوتُ اللهَ عز وجل فأذهبَه عني إلا موضعَ الدِرهم من سُرَّتي لأذكر به ربي.
فقال له عمر : استغفر لي. قال: أنتَ أحقُّ أن تستغفر لي، أنت صاحب رسول الله صلى الله عليه و سلم.
فقال عمر : إني سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول: ((إن خير التابعين رجل يقال له أويس، ولهُ والدة، وكان به بياض، فدعا الله عز وجل، فأذهبَه عنه إلا موضعَ الدِرهم في سُرَّتِه)) فاستغفَر له أويس، ثم دخل في غِمار الناس، فلم يُدر أين وقع [أي ذهب].

رواه أحمد ح (268)، والمرفوع إلى النبي رواه مسلم ح (2542)


إخباره عن خروج نار بالحجاز يراها اهل بصرى

فقد أخبر النبي صلى الله عليه و سلم عن بركان يثور في الحجاز ينعكس ضوؤه بالشفق، فيلحظه أهل بصرى بالشام، فتحقق تنبؤه عام 654هـ، ليكون دليلاً آخر على نبوته ورسالته الشريفة، فقد قال عليه الصلاة والسلام: ((لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز، تضيء أعناقَ الإبل ببصرى)).
رواه البخاري ح (7118)، ومسلم ح (2902)

قال النووي: "وقد خرجت في زماننا نار بالمدينة سنة أربع وخمسين وستمائة، وكانت ناراً عظيمة جداً، من جنب المدينة الشرقي وراء الحرة، تواتر العلم بها عند جميع الشام وسائر البلدان، وأخبرني من حضرها من أهل المدينة".
شرح صحيح مسلم (18/29).
و قد نقل ابن كثير و العلامة شهاب الدين أبو شامة و غيرهم تفاصيل هذه الواقعة و تواتر المؤرخين و الهامة على وقوعها.


إخباره عن مسيلمة الكذاب و مقتله و كذا الأسود العنزى

فقد رأى النبي صلى الله عليه و سلم في رؤياه أن في يديه سِوارين من ذهب، قال: ((فأهمني شأنُهما، فأُوحي إليَّ في المنام أن انفُخْهما، فنفختُهما، فطارا، فأوَّلْتُهما كذابَيْن يخرجان بعدي)).

وقد تحققت رؤياه، فكان مسيلمة أول الكذابَين، فقد قدم المدينة على عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم، فجعل يقول: إن جعل لي محمد الأمر من بعده تبِعتُه، فأقبل إليه رسول الله وفي يده قطعة جريد فقال: ((لو سألتني هذه القطعة ما أعطيتُكَها، ولن تعدوَ أمر الله فيك، ولئن أدبرت ليعقِرَنك الله، وإني لأراك الذي أُريتُ فيك ما رأيت)).

قال أبو هريرة: (فكان أحدهما العنسي، والآخر مسيلمة الكذاب صاحب اليمامة).
رواه البخاري ح (3351)، ومسلم ح (4218).

قال النووي: "قوله: ((ولئن أدبرت ليعقرِنك الله )) أي إن أدبرت عن طاعتي ليقتلنك الله .. وقتله الله تعالى يوم اليمامة، وهذا من معجزات النبوة ".
ومثله رد الله كيد أخيه في الضلالة ، الأسودِ العنسي ثانيَ الكذابَيْن فقتل و تحقق فيه ما رآه النبي صلى الله عليه و سلم في رؤياه


إخباره عن ظهور أول القرأنيين منكرى السنة

وقد أخبر النبي صلى الله عليه و سلم عن ضلالة هذا الدعي حيث قال: ((ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحِلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرِّموه)).
رواه أبو داود ح (4604)، وابن ماجه ح (12)، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح ح (163).

قال المباركفوري: "وهذا الحديث دليلٌ من دلائل النبوة وعلامةٌ من علاماتها، فقد وقع ما أخبر به، فإن رجلاً قد خرج في البنجاب من إقليم الهند، وسمى نفسه بأهل القرآن، وشتان بينه وبين أهل القرآن، بل هو من أهل الإلحاد .. فأطال لسانه في رد الأحاديث النبوية بأسرها, وقال: هذه كلها مكذوبةٌ ومفترياتٌ على الله تعالى، وإنما يجب العمل على القرآن العظيم فقط، دون أحاديث النبي صلى الله عليه و سلم, وإن كانت صحيحةً متواترةً". تحفة الأحوذي (7/354)


إخباره عن إقتراب أجله فى العام الذى مات فيه عليه السلام

و الأخبار فى ذلك كثيرة منها :-

*حديث ابن عباس قال: (( كان رسوا الله (صلى الله عليه و سلم) أجود الناس و كان أجود ما يكون فى رمضان حين يلقاه جبريل و كان يلقاه فى كل ليلة من ليالى رمضان فيدارسه القرأن فكان جبريل يقرأ و النبى يسمع حينا و النبى يقرأ و جبريل يسمع حينا حتى كان العام الذى توفى فيه الرسول فعارضه جبريل بالقرأن مرتين لذا قال رسول الله (صلى الله عليه و سلم) " ما أرى ذلك إلا لاقتراب أجلى))
(رواه البخارى)
و قد شهد العرضة الأخيرة أحد مشاهير كتاب الوحى و هو زيد بن ثابت الأنصارى.

* و منها قول النبى علي السلام فى حجة الوادع {أيها الناس اسمعوا قولي فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدا . أيها الناس : إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم ، كحرمة يومكم هذا ، وكحرمة شهركم هذا ، وإنكم ستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم وقد بلغت...الحديث} (رواه الطبرانى 24/308 ، و ابن عربى فى أحكام القرأن و صححه الألبانى 2/503)

* و منها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس على المنبر فقال : ( إن عبدا خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء ، وبين ما عنده ، فاختار ما عنده ) . فبكى أبو بكر وقال : فديناك بآبائنا وأمهاتنا . فعجبنا له ، وقال الناس : انظروا إلى هذا الشيخ ، يخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عبد خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا وبين ما عنده ، وهو يقول : فديناك بآبائنا وأمهاتنا ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المخير ، وكان أبو بكر هو أعلمنا به ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن من أمن الناس علي في صحبته وماله أبا بكر ، ولو كنت متخذا خليلا من أمتي لتخذت أبا بكر ، إلا خلة الإسلام ، لا يبقين في المسجد خوخة إلا خوخة أبي بكر)
( رواه البخارى)

* وتقبل فاطمة الزهراء تمشي ، فيقول لها أبوها صلى الله عليه و سلم: ((مرحباً بابنتي))، تقول أم المؤمنين عائشة: ثم أجلسها عن يمينه أو عن شماله ، ثم أسرَّ إليهاً حديثاً، فبكت، ثم أسرَّ إليها حديثاً فضحكتْ.
فقلت لها: ما رأيتُ كاليوم فرحاً أقرب من حزن، فسألتُها عما قال؟ فقالت: ما كنت لأُفشي سِرَّ رسول الله صلى الله عليه و سلم.
فلما قُبِض النبيُّ صلى الله عليه و سلم سألتُها، فقالت: أسرَّ إلي: ((إن جبريل كان يعارضني القرآن كلَ سنة مرة ، وإنه عارضني العام مرتين، ولا أراه إلا حضر أجلي، وإنك أولُ أهلِ بيتي لحاقاً بي، فبكيتُ، فقال صلى الله عليه و سلم: أما ترضَينَ أن تكوني سيدةَ نساء أهل الجنة أو نساءِ المؤمنين))، فضحكتُ لذلك.
رواه البخاري ح (3624)، ومسلم ح (2450).

وفي رواية أخرى أنها قالت: (فأخبرني أنه يُقبض في وجعه الذي توفي فيه؛ فبكيت، ثم سارَّني، فأخبرني أني أولُ أهلِ بيته أتبعُه؛ فضحكت).
رواه البخاري ح (3626)، ومسلم ح (2450).

وفي هذا الحديث يخبر النبي صلى الله عليه و سلم بثلاث غيوب،
أولُها: اقترابُ أجله، وقد مات عليه الصلاة والسلام في تلك السنة.
وثانيها: إخبارُه ببقاء فاطمة بعده، وأنها أولُ أهل بيته وفاة. وقد توفيت بعده صلى الله عليه و سلم بستة أشهر فقط، فكانت أولَ أهل بيته وفاة.
وثالثها: أنها سيدةُ نساء أهل الجنة، رضي الله عنها.


إخبارُه عن إستشهاد عمرَ

فقد بشّر النبي صلى الله عليه و سلم عمر بالشهادة مرة أخرى حين رآه يلبس ثوباً أبيضَ فقال له: ((أجديدٌ ثُوبُك أم غسيل؟)) قال: لا، بل غسيلٌ. فقال النبي r: ((اِلبس جديداً، وعِش حميداً، ومُت شهيداً)).
رواه أحمد ح (5363)، وابن ماجه ح (3558)، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه ح (2863).

وكان كما قال عليه الصلاة والسلام، فقد قتله أبو لؤلؤة المجوسي وهو قائم يصلي الصبح إماماً بالمسلمين في مسجد النبي صلى الله عليه و سلم

إخباره عن إستشهاد عثمان

فقد بشر النبى عليه السلام أمير المؤمنين المظلوم عثمان بن عفان بشهادته، وأنبأه أنها ستكون في فتنة طلب منه أن يصبر عليها، وذلك لما جلس أبو موسى الأشعري مع النبي صلى الله عليه و سلم على بئر أريس في حائط من حيطان المدينة .
يقول أبو موسى: فجاء إنسان يحرك الباب، فقلت: من هذا؟ فقال: عثمانُ بن عفان. فقلتُ: على رِسْلك، فجئتُ إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فأخبرته، فقال: ((ائذن له ، وبشره بالجنة على بلوى تصيبه)).
يقول أبو موسى: فجئتُه، فقلت له: ادخل، وبشّرك رسول الله صلى الله عليه و سلم بالجنة على بلوى تصيبُك
.
رواه البخاري ح (3674).

إخباره عن إستشهاد أمير المؤمنين على

وذات يوم مرِض علي رضى الله عنه مرضاً شديداً ، فزاره أبو سنان الدؤلي، فقال له: لقد تخوفنا عليك يا أمير المؤمنين في شكواك هذه.
فقال له علي: لكني والله ما تخوفتُ على نفسي منه، لأني سمعتُ رسولَ الله r الصادقَ المصدوقَ يقول: ((إنك ستُضرب ضربةً ها هنا، وضربةً ها هنا - وأشار إلى صُدغَيه - فيسيل دمها حتى تختضب لحيتُك، ويكونَ صاحبها أشقاها، كما كان عاقر الناقة أشقى ثمود)).
رواه الحاكم (3/122)، والطبراني في الكبير ح (173). قال الهيثمي: إسناده حسن. مجمع الزوائد (9/188).

خبر جامع عن شهادة عمر وعثمانَ وعلي وطلحة والزبير

و كذا أخبر رسول الله عمرَ وعثمانَ وعلي وطلحة والزبير عليهم رضوان الله أن موتهم سيكون شهادة، وأنهم لن يموتوا على فُرُشِهم أو سواه مما يموت به الناس.
وقد صعد رسول الله صلى الله عليه و سلم على حراء، هو وأبو بكرٍ وعمرُ وعثمانُ وعليُ وطلحةُ والزبيرُ، فتحركت الصخرة، فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : (( إهدأ أحد فما عليك إلا نبيٌ أو صديقٌ أو شهيد)).
رواه مسلم ح (2417)

فشهد صلى الله عليه و سلم لنفسه بالنبوة، ولأبي بكر بالصديقية، ولعثمانَ وعليَ وطلحةَ بالشهادة.
قال النووي: " وفي هذا الحديث معجزاتٌ لرسول اللّه صلى الله عليه و سلم: منها إخبارُه أنّ هؤلاء شهداء, وماتوا كلٌّهم غيرَ النبي صلى الله عليه و سلم وأبي بكر شهداء ; فإنّ عمرَ وعثمان وعليّاً وطلحة والزّبير رضي اللّه عنهم قُتلوا ظلماً شهداء ; فقتلُ الثلاثةِ [أي عمر وعثمان وعلي] مشهور, وقُتلَ الزّبير بوادي السّباع بقرب البصرة منصرفاً تاركاً للقتال, وكذلك طلحة، اعتزل النّاس تاركاَ للقتال, فأصابه سهم، فقتله, وقد ثبت أنّ من قُتل ظلماً فهو شهيدٌ".
شرح النووي على صحيح مسلم (15/190).


إخباره عن إستشهاد الحسين

فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لإحدى أزواجه: ((لقد دخل علي البيت ملَك لم يدخل عليَّ قبلًها فقال لي: إن ابنك هذا حسين مقتول، وإن شئت أريتُك من تربة الأرض التي يقتل بها. قال: فأخرج تربة حمراء)).
رواه أحمد في المسند ح (25985)، والحاكم (3/194)، ووافقه الذهبي على تصحيحه، وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح. مجمع الزوائد (9/301)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ح (882).

إخباره عن إستشهاد أم ورقةَ بنتَ عبد الله بن الحارث

فقد كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يزورها كل جمعة، وكان يسميها الشهيدة فيقول: ((انطلقوا نزور الشهيدة)).
وذلك أنها قالت: ((يا نبي الله، أتأذنُ فأخرجُ معك، أمرّضُ مرضاكم، وأداوي جرحاكم، لعل الله يُهدي لي شهادة؟ قال: ((قَرِّي، فإن الله عز وجل يُهدي لك شهادة)).
وقد أدركتها الشهادة زمن عمر ، وكانت أعتقت جارية لها وغلاماً عن دُبرُ منها [أي يُعتقان بعد وفاتها] فطال عليهما، فغمّاها [أي خنقاها] في القطيفة حتى ماتت. فكانت وفاتُها شهادة كما أخبر النبي صلى الله عليه و سلم
(رواه أحمد ح (26538)، وأبو داود ح (571)، وحسنه الألباني في صحيح أبي داود ح (552).


إخباره عن فتح القدس و طاعون عمواس و الفتنة و ثراء الدولة الإسلامية

و ذلك فى الحديث الذى رواه البخارى ان رسول الله صلى الله عليه و سلم قال لعوف بن مالك: ((اعدد ستاً بين يدي الساعة: موتي، ثم فتحُ بيت المقدس، ثم مُوتانٌ يأخذُ فيكم كقُعاص الغنم، ثم استفاضة المال حتى يُعطى الرجل مائة دينار فيظل ساخطاً، ثم فتنةٌ لا يبقى بيت من العرب إلا دخلته، ثم هدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر، فيغدِرون، فيأتونكم تحت ثمانين غاية، تحت كل غايةٍ اثنا عشر ألفاً)).

وفي هذا الحديث يذكر النبي صلى الله عليه و سلم أحداثاً ستة يرتبها،
أولها: موتُه صلى الله عليه و سلم،
ثانيها: فتحُ بيت المقدس، وقد كان ذلك في العام الخامس عشرَ من الهجرة
ثالثها: ثم موت عظيم يصيب الصحابة، وتحقق ذلك في طاعون عِمواس في السنة الثامنةِ عشرة للهجرة وبلغ عدد من مات فيه خمسة وعشرين ألفاً من المسلمين
رابعها: ثم استفاضةُ المال حين كثرت الأموال زمن الفتوح في عهد عثمان
خامسها: ثم الفتنةُ التي تصيب العرب، وقد وقعت زمن فتنة قتل عثمان رضى الله عنه التي كانت بوابة للفتن التي ما تركت بيتاً إلا ودخلته.
سادسها: العلامة الأخيرة، وهي الهدنة ثم الحرب مع بني الأصفر- وهم الروم - فقد اتفق العلماء على أنها لم تقع، وأن ذلك يكون في فتن وملاحم آخر الزمان.


إخباره عن أول أزواجه لحوقاً به

فعن أم المؤمنين عائشة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: (أسرعكن لحاقا بي ، أطولكن يدا . قالت : فكن يتطاولن أيتهن أطول يدا . قالت : فكانت أطولنا يدا زينب . لأنها كانت تعمل بيدها وتصدق)
(رواه البخارى و مسلم و اللفظ لمسلم)

و قد شرح النبى صلى الله عليه و سلم ذلك فى موقف أخر، كما فى حديث أبى بزرة : ( كان للنبي صلى الله عليه وسلم تسع نسوة فقال يوما خيركن أطولكن يدا فقامت كل واحدة تضع يدها على الجدار فقال لست أعني هذا ولكن أصنعكن يدين) ( أخرجه هيثمى فى مجمع الفوائد و حسنه الألبانى)

و بالفعل كانت زينب بنت جحش أكثر نساء النبى صدقة و عطاً و عملاً بيدها ، و كانت أوَّل أزواج النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم وفاة. توفيت سنة عشرين، وصلَّى عليها عمر بن الخطَّاب وهي أول من صنع لها النعش ودفنت بالبقيع

إخباره عن وحدة أبى ذر فى حياته و مماته و بعثته

حدث لما غدا النبى صلى الله عليه و سلم إلى تبوك، أن تأخر أبو ذر لبطئ بعيره، فتركه، وحمل متاعه على ظهره، ليلحق بالنبي صلى الله عليه و سلم في تبوك.
وبينما المسلمون يتفقدون من تخلَّف عنهم، لاح في الأفق سوادُ رجلٍ يمشي، قالوا: يا رسول الله، هذا رجل يمشي على الطريق، فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: ((كن أبا ذر))، فلما تأمله الصحابة، قالوا: يا رسول الله، هو واللهِ أبو ذر.
فقال صلى الله عليه و سلم: ((رحم الله أبا ذر، يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده)).


*لقد عرَف النبي صلى الله عليه و سلم شخصَ أبي ذر قبل وصوله إليهم بما أعلمه الله،
وتمضي الأيام لتُحقق النبوءة ، فتدرك الوفاةُ أبا ذر في الربذة، فلما حضره الموت أوصى امرأته وغلامَه: إذا مِت فاغسلاني وكفّناني، ثم احملاني، فضعاني على قارعة الطريق، فأول ركب يمرون بكم، فقولوا: هذا أبو ذر.
فلما مات فعلوا به كذلك ، فاطلع ركب من أهل الكوفة، وفيهم ابن مسعود، فما علموا به حتى كادت ركائبهم تطأ سريره [أي من إسراعهم إليه].
فاستهل ابن مسعود رضي الله عنه يبكي، ويقول: صدق رسول الله صلى الله عليه و سلم ((يرحم الله أبا ذر، يمشي وحده، ويموت وحده، ويُبعث وحده)).
فنزل ابن مسعود فولِيَ دفْنه. رضي الله عنهما.
رواه الحاكم في المستدرك (3/52)، وحسّن إسناده ابن كثير في البداية والنهاية (5/9).

إخباره سعداً أنه سيخلف فينتفع به أقوام و يضر أخرون

كما فى حديث سعد بن أبى وقاص إذ مرض بمكة، وكان يكره أن يموت بالأرض التي هاجر منها، واشتد مرضه حتى أشفى (أي أشرف على الموت) فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوده، ولك يكن لسعد إلا بنت، فقال: ( يا رسول الله أوصي بمالي كله؟ قال: لا، إلى أن قال: فالشطر، قال: لا، فقلت: الثلث، قال: الثلث والثلث كثير، ثم قال له صلى الله عليه وسلم: لعلك تخلف –أي تعيش- حتى ينتفع بك أقوام ويستضر بك آخرون) (رواه البخارى و مسلم)

فشفاه الله من ذلك المرض، وفتح الله العراق على يديه، وهدى الله به ناسًا من الكفار جاهدهم وقتل منهم وسبى، وكانت المدة التي عاش فيها بعد ذلك المرض نحو خمسين سنة


إخباره عن موت النجاشى يوم وفاته
فقد أخبر رسول الله صلى الله عليه و سلم عن موت النجاشي في أرض الحبشة في يوم وفاته، وهذا خبر تحمله الركبان يومذاك في شهر ، يقول أبو هريرة: (نعى رسول الله صلى الله عليه و سلم النجاشي في اليوم الذي مات فيه، خرج إلى المصلى، فصف بهم، وكبر أربعاً).
رواه البخاري ح (1254).


إخباره عن مصارع مشركى بدر

ففي اليوم السابق ليوم بدر، تفقد رسول الله أرض المعركة المرتقبة، وجعل يشير إلى مواضع مقتل المشركين فيها، ويقول: ((هذا مصرع فلان)).
قال أنس: ويضع يده على الأرض هاهنا هاهنا. فما ماطَ أحدهم عن موضع يد رسول الله صلى الله عليه و سلم
.
رواه مسلم ح (1779).


إخباره بقتل المسلمين لأمية بن خلف

وتفصيل ذلك أن سعد بن معاذ كان صديقاً لأمية، وكان أمية إذا مر بالمدينة نزل على سعد، وكان سعد إذا مرَّ بمكة نزل على أمية، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه و سلم المدينة؛ انطلق سعد معتمراً، فنزل على أمية بمكة ...
فقال سعد: يا أمية، فوالله لقد سمعت رسول الله عليه الصلاة و السلام يقول: ((إنهم قاتلوك)).
فقال أمية: بمكة؟ قال سعد: لا أدري. ففزع لذلك أمية فزعاً شديداً.
فلما رجع أمية إلى أهله قال: يا أم صفوان، ألم تري ما قال لي سعد؟ قالت: وما قال لك؟ قال: زعم أن محمداً أخبرهم أنهم قاتلي، فقلتُ له: بمكة؟ قال: لا أدري. فقال أمية: والله لا أخرج من مكة.
فلما كان يومُ بدر؛ استنفر أبو جهلٍ الناسَ، قال: أدركوا عِيرَكم، فكره أمية أن يخرج، فأتاه أبو جهل فقال: يا أبا صفوان، إنك متى ما يراك الناس قد تخلفْتَ وأنت سيد أهل الوادي؛ تخلفوا معك، فلم يزل به أبو جهل، حتى قال: أما إذ غلبتني، فوالله لأشترين أجود بعير بمكة.
ثم قال أمية: يا أم صفوان، جهزيني. فقالت له: يا أبا صفوان، وقد نسيتَ ما قال لك أخوك اليثربي!؟ قال: لا، ما أريد أن أجوز معهم إلا قريباً.
فلما خرج أميةُ أخذ لا ينزل منزلاً إلا عَقَل بعيرَه، فلم يزل بذلك، حتى قتله الله عز وجل ببدر".

رواه البخاري ح (3950).


إخباره بمصرع كسرى يوم مصرعه
ذكر إبن كثير فى البداية و النهاية (ج/ص‏:‏ 4/ 309‏) حديث دحية بن خليفة الكلبي أنه لما رجع من عند قيصر، وجد عند رسول الله صلى الله عليه وسلم رسل كسرى، وذلك أن كسرى بعث يتوعد صاحب صنعاء ويقول له‏:‏ إلا تكفيني أمر رجل قد ظهر بأرضك يدعوني إلى دينه، لتكفينه أو لأفعلن بك‏.‏ فبعث إليه فلما قرأ النبي صلى الله عليه وسلم كتاب صاحبهم تركهم خمس عشرة ليلة ثم قال لهم‏:‏ ‏(‏‏(‏اذهبوا إلى صاحبكم أخبروه أن ربي قد قتل ربه الليلة‏)‏‏)‏ فوجدوه كما قال‏.
(رواه البيهقى و صححه الألبانى فى الصحيح الجامع 862)

و كان ذلك سبباً فى إسلام باذام صاحب صنعاء رضى الله عنه لما وصله خبر موت كسرى بعد ذلك بمدة عن ذات الليلة التى اخبر بها رسول الله صلى الله عليه و سلم.


إخباره عن سوء خاتمة رجل قاتل مع المسلمين

* وروى الشيخان من حديث سهل بن سعد الساعدي : قصة رجل يدعى قزمان، حيث ذكرا أن المسلمين اقتتلوا مع المشركون , وفي أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم قزمان لا يدع لهم شاذّة ولا فاذّة إلا اتّبَعها يضربها بسيفه, فقيل: ما أجزأ منا اليوم أحد كما أجزأ فلان [أي قزمان]. فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: ((أما إنه من أهل النار))، فقال رجل من القوم: أنا صاحبه.
قال سهل: فخرج معه، كلما وقف وقف معه, وإذا أسرع أسرع معه.
قال: فجُرح الرجل جرحاً شديداً، فاستعجل الموتَ، فوضع سيفَه بالأرض، وذُبابَه بين ثدييه ، ثم تحامل على سيفه، فقتل نفسه.
فخرج الرجل الذي يتابعه إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال: أشهد أنك رسول الله، فقال صلى الله عليه و سلم: ((وما ذاك؟)) فأخبره بخبر الرجل، فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم عند ذلك: ((إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة - فيما يبدو للناس - وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار - فيما يبدو للناس - وهو من أهل الجنة)).

رواه البخاري ح (2742), ومسلم ح (112).


إخباره بموت منافق بالمدينة بينما هو فى سفر عليه السلام

بينما النبي صلى الله عليه و سلم وأصحابه قادمون من سفر؛ إذ هاجت ريحٌ شديدة، تكاد أن تدفن الراكب، فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: ((بُعِثَت هذه الريح لموت منافق))، فلما قدم المدينة، فإذا منافق عظيم من المنافقين قد مات.
رواه مسلم ح (2782).


إخباره عثمان عن توليه الخلافة و الخروج عليه:

إذ قال صلى الله عليه و سلم لعثمان: ((يا عثمانُ، إنه لعل الله يقمّصُك قميصاً، فإن أرادوك على خلعه، فلا تخلعه لهم )).
رواه الترمذي ح (3705)، وأحمد في المسند ح (24639)، وصححه الألباني في صحيح الترمذي ح (29233).


إخباره عن الفتنة بين الصحابة

إذ قال عليه السلام: ((لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان، دعواهما واحدة)).
رواه البخاري ح (6936)

قال ابن كثير: "وهاتان الفئتان هما أصحاب الجمل وأصحاب صفين، فإنهما جميعاً يدعون إلى الإسلام، وإنما يتنازعون في شيء من أمور المُلك ومراعاة المصالح العائد نفعها على الأمة والرعايا، وكان ترك القتال أوْلى من فعله، كما هو مذهب جمهور الصحابة".
البداية والنهاية (6/214).


إخباره عن ظهور الخوارج وقت الفتنة و صفة من يقاتلهم

قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: ((تمرق مارقة عند فرقة من المسلمين، يقتلها أولى الطائفتين بالحق)).
رواه مسلم ح (1065).
فكان ذلك شهادة بالغة بأن الحق مع عليٍّ وأصحابه، لقتالهم لمارقي الخوارج في وقعة النهروان.

* وكان صلى الله عليه و سلم قد تنبأ بظهور الخوارج، وحدد صفاتهم وسماتهم، لما جاءه ذو الخويصرة متهماً النبيَّ صلى الله عليه و سلم بالظلم في قسمة الغنائم قال: ((إن له أصحاباً، يحقِر أحدُكم صلاتَه مع صلاتهم، وصيامَه مع صيامهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ... آيَتُهُم رجلٌ أسود، إحدى عضديه مثل ثدي المرأة، أو مثلُ البضعة تدردر، ويخرجون على خير فرقةٍ من الناس)).

قال أبو سعيد الخدري: (أشهد أني سمعت هذا الحديث من رسول الله صلى الله عليه و سلم, وأشهد أن علي بن أبي طالب قاتلهم وأنا معه، فأمر بذلك الرجل، فالتُمِس، فأتي به حين نظرت إليه على نعت النبي صلى الله عليه و سلم الذي نعته).
رواه البخاري ح (3610)، ومسلم ح (1064).


إخباره عن إستشهاد عمار على يد الفرقة الباغية

فقد رأى النبي صلى الله عليه و سلم عمار بن ياسر عند بناء مسجده الشريف يحمل لبِنَتين لبنتين، فيما كان الصحابة يحملون لبِنة لبِنة، فجعل صلى الله عليه و سلم ينفض التراب عنه، ويقول: ((ويح عمار، تقتلُه الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنة، ويدعونه إلى النار))، قال أبو سعيد: يقول عمار: أعوذ بالله من الفتن.
رواه البخاري ح (428)، ومسلم ح (5192)

وقد قتِل عمارُ في جيش عليٍّ سنة سبع وثلاثين للهجرة النبوية، فكان دليلاً آخر على صحة موقف أبي الحسن علي.


إخباره بخروج زوجته فى الفتنة على جمل أدبب و نبيح كلاب الحوأب عليها

فقد أخبر صلى الله عليه و سلم عن خروج إحدى أزواجه على جمل، وأنه يقتل حولها كثير من المسلمين، فعن ابن عباس رضي الله عنها قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: ((أيتُكنَّ صاحبة الجمل الأدبب [أي كثير وبر الوجه]، يقتل حولها قتلى كثيرة، تنجو بعدما كادت)).
رواه ابن أبي شيبة في المصنف ح (37785)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد: "رواه البزار ورجاله ثقات" (7/474).

وقد تحققت نبوءته صلى الله عليه و سلم حين سارت عائشة رضي الله عنها جهة البصرة قبيل وقعة الجمل
فلما بلغت مياه بني عامر نبحت الكلاب، فقالت: أي ماء هذا؟ قالوا: ماء الحوأب، قالت: ما أظنني إلا أني راجعة، فقال لها الزبير: بل تقدمين، فيراك المسلمون، فيصلح الله عز وجل بينهم، قالت: إن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال لي ذات يوم: ((كيف بإحداكن تنبح عليها كلاب الحوأب)).
رواه أحمد ح (23733)، والحاكم (3/129)، وصححه، ووافقه الذهبي، وقال ابن كثير في البداية والنهاية: "هذا إسناد على شرط الصحيحين ولم يخرجوه" (6/212).


إخباره بإعتزال محمد بن مسلمة الفتنة

يقول حذيفة بن اليمان: ((ما أحد من الناس تدركه الفتنة إلا أنا أخافها عليه؛ إلا محمد بن مسلمة، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول: لا تضرك الفتنة)).
رواه أبو داود ح (4663)، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح ح (6233).

ولما أطلَّت الفتنة برأسها حقق محمد بن مسلمة نبوءة النبي صلى الله عليه و سلم عنه، فاعتزلها، وكسر سيفه، واتخذ سيفاً من خشب.
انظر العبر، الذهبي (1/9).


إخباره عن إصلاح الحسن بين المسلمين

يقول أبو بكرة: بينا النبي صلى الله عليه و سلم يخطب؛ جاء الحسن، فقال عليه الصلاة والسلام: ((ابني هذا سيد, ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين)).
رواه البخاري ح (7109)

وقد كان كما أخبر صلى الله عليه و سلم ، فقد تنازل الحسن لمعاوية عن الملك عام أربعينَ من الهجرة، فسُمِّيَ عامَ الجماعة لاجتماع المسلمين فيه على خليفة واحد بعد طول فرقة واختلاف.


إخباره عن فتح خيبر على يد الإمام على فى اليوم التالى

بعد أن حاصر رسول الله صلى الله عليه و سلم خيبرذات الحصون العتيدة فترة طويلة بشر بفتحها ليلة فتحها على يد الإمام على إبن أبى طالب فقال عليه السلام ((لأعطين الراية - أو ليأخذن الراية - غدا رجلا يحبه الله ورسوله ، أو قال : يحب الله ورسوله ، يفتح الله عليه)) رواه البخارى

فكان هذا الرجل على ابن أبى طالب، و بالفعل أخذ الراية و فتح الحصن و زاد الأمر إعجازاً رأنه كان يعانى من الرمد فبصق النبى فى عينه فبرأت حتى يتمكن من القيام بالمهمة كما سبق و أوردنا


إخباره بفتوح اليمن والشام والعراق واستيطان المسلمين بهذه البلاد
حيث قال صلى الله عليه و سلم: (( تُفتَح اليمن فيأتي قوم يُبِسُّون فيتحملون بأهلهم ومن أطاعهم، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، وتُفتح الشام فيأتي قومٌ يُبِسُّون، فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، وتُفتح العراق فيأتي قومٌ يُبِسُّون، فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون)).
رواه مسلم ح (1875).

قال النووي: "قال العلماء: في هذا الحديث معجزاتٌ لرسول الله صلى الله عليه و سلم، لأنه أخبر بفتح هذه الأقاليم، وأن الناس يتحملون بأهليهم إليها ويتركون المدينة، وأن هذه الأقاليم تفتح على هذا الترتيب [اليمن ثم الشام ثم العراق]، ووجِد جميعُ ذلك كذلك بحمد الله وفضله". شرح النووي على صحيح مسلم (9/159).


إخباره بفتح فارس

وأما فتح فارس، فقد بشر به رسول الله صلى الله عليه و سلم أصحابه، فقال: ((لتفتحن عصابة من المسلمين كنز آل كسرى الذي في الأبيض)).
رواه مسلم ح (2919).


إخباره بفتح مصر

وكذا أخبر النبي صلى الله عليه و سلم بفتح مصر؛ فقال صلى الله عليه و سلم: ((إنكم ستفتحون مصر .. فإذا فتحتموها فأحسنوا إلى أهلها؛ فإن لهم ذِمة ورحِماً))،
في رواية لابن حبان: (( فاستوصوا بهم خيرًا، فإنهم قوة لكم، وبلاغ إلى عدوكم بإذن الله)).
والتفت النبي صلى الله عليه و سلم إلى أبي ذر فقال: ((فإذا رأيتَ رجلين يختصمان فيها في موضع لَبِنة فاخرج منها)).

وتحقق ذلك زمنَ خلفائه الراشدين، فكان أبو ذر ممن فتح مصر وسكنها، يقول: فرأيت عبدَ الرحمنِ بنَ شرحبيلَ بنِ حسنة وأخاه ربيعة يختصمان في موضع لَبِنة، فخرجت منها.
رواه مسلم ح (2543)، ورواية ابن حبان رواها في صحيحه ، الموارد ح (2315).


إخباره عن فتح القسطنطينية

القسطنطينية عاصمة دولة الروم الحصينة، قال صلى الله عليه و سلم: ((لتُفتحن القسطنطينية فلنِعمَ الأميرُ أميرُها، ولنعم الجيشُ ذلك الجيش))
رواه أحمد ح (18478)، وحسّن إسناده ابن عبد البر في الاستيعاب (1/250)، ورواه الحاكم في المستدرك (4/468)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي


معجزة إخباره عن الفتوحات فى أشد أوقات الضيق و قلة الحيلة

إن العجيب المدهش الذي يلوي الأعناق أن بعض أخبار الفتوح كانت في وقت ضيق المسلمين، وعلى خلاف ما توحي به الأحداث بما لا يمكن لأحد أن يحلُم به ولو في رؤياه.

* ومنه أنه صلى الله عليه و سلم خرج على أصحابه وهم يعذبون بالنار والحديد في بطحاء مكة، وفيهم خباب بن الأرَتّ، الذي تقدم إليه شاكياً فقال: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو الله لنا؟ فقال صلى الله عليه و سلم: ((كان الرجل فيمن قبلكم يُحفر له في الأرض، فيُجعل فيه، فيجاء بالمنشار، فيوضع على رأسه فيُشق باثنتين، وما يصده ذلك عن دينه، ويمشَّط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب، وما يصده ذلك عن دينه)).
ثم بشره النبي صلى الله عليه و سلم ببشارة عظيمة مذهلة فقال: ((والله ليَتِمَّنَّ هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون)).
رواه البخاري ح (3612).

* وفي موقف آخر من المواقف الصعبة التي عانى منها الصحابة أتى عدي بن حاتم النبي صلى الله عليه و سلم، وبينما هو عنده؛ أتاه رجل فشكا إليه الفاقة، ثم أتاه آخر فشكا إليه قطع السبيل.
فالتفت النبي صلى الله عليه و سلم إلى عَدي، وقال: ((فلعلك إنما يمنعك عن الإسلام أنك ترى من حولي خصاصة، أنك ترى الناس علينا إلْباً)).
ثم ألقى النبي صلى الله عليه و سلم نبوءة مفاجئة أذهلت عَدياً، فقد قال له: ((يا عدي، هل رأيت الحيرة؟)) فأجابه: لم أرها، وقد أُنبئت عنها.
فقال صلى الله عليه و سلم: ((فإن طالت بك حياة لترين الظعينة [أي المرأة] ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة، لا تخاف أحداً إلا الله)).
يقول عدي، وهو يتشكك من وقوع هذا الخبر: قلت فيما بيني وبين نفسي: فأين دُعَّار [لصوص] طيءٍ الذين سعروا البلاد؟
وقبل أن يفيق عدي من ذهوله وحديثه مع نفسه أسمعه النبي صلى الله عليه و سلم نبوءة أعظمَ وأبعد، فقال: ((ولئن طالت بك حياة لتُفتحنَّ كنوزُ كسرى)).
ولم يصدق عديٌ مسمعه، فسأل النبيَّ صلى الله عليه و سلم مستوثقاً: كسرى بنِ هُرمز؟
فأجابه النبي صلى الله عليه و سلم بلسان الواثق من ربه - رغم ضعف حاله وفاقة أصحابه -: ((كسرى بنِ هرمز، ولئن طالت بك حياة لتريَنَّ الرجل يُخرج ملء كفه من ذهب أو فضة، يطلب من يقبله منه فلا يجد أحداً يقبلُه)).
يقول عدي: فرأيتُ الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوفَ بالكعبة لا تخاف إلا الله، وكنتُ فيمن افتتح كنوز كسرى بنِ هرمز، ولئن طالت بكم حياة لترون ما قال النبي أبو القاسم صلى الله عليه و سلم [عن الرجل] يخرج ملء كفه.
رواه البخاري ح (3595)، فيما عدا قوله: ((فلعلك إنما يمنعك عن الإسلام أنك ترى من حولي خصاصة، أنك ترى الناس علينا إلباً))، فإنها من رواية الحاكم (4/564).

وصدق عدي ، فقد تحققت الثالثة زمن الخليفةِ الراشدِ عمرَ بنِ عبد العزيز.
ثلاث نبوءات لا يمكن لغير مؤمنٍ أن يُصدق بوقوعها في ذلك الزمان وفي مثلِ تلك الظروف، لكنها دلائل النبوة وأخبار الوحي الذي لا يكذب.

ومثله قوله صلى الله عليه و سلم: ((لا تقوم الساعة حتى يسير الراكب بين العراق ومكة؛ لا يخاف إلا ضلال الطريق)).
رواه أحمد ح (8615)، قال الهيثمي: "رجاله رجال الصحيح" مجمع الزوائد (7/639).

*ولما جاء الأحزاب إلى المدينة، يرومون استئصال المسلمين؛ أمر النبي صلى الله عليه و سلم بحفر الخندق ، وبينما هم يحفرون عرضت لهم صخرة شديدة، فقام رسول الله صلى الله عليه و سلم وأخذ المعول، ووضع رداءه ناحية الخندق، وقال: {وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلاً لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم} فندر ثُلث الحجر، وسلمان الفارسي قائم ينظر، فبرق مع ضربةِ رسول الله صلى الله عليه و سلم برْقة. ثم ضرب الثانية والثالثة .. فكان مثله.
فتقدم إليه سلمان فقال: يا رسول الله رأيتُك حين ضربتَ، ما تضرب ضربة إلا كانت معها برقة! فقال له رسول الله صلى الله عليه و سلم: ((يا سلمان رأيتَ ذلك؟)) فقال: إي والذي بعثك بالحق يا رسول الله.
قال: ((فإني حين ضربت الضربة الأولى رُفعت لي مدائنُ كسرى وما حولها ومدائنٌ كثيرة حتى رأيتُها بعينيّ)).
فقال له من حضره من أصحابه: يا رسول الله، ادع الله أن يفتحها علينا .. فدعا رسول الله صلى الله عليه و سلم بذلك.
((ثم ضربتُ الضربة الثانية، فرُفعت لي مدائن قيصر وما حولها حتى رأيتها بعينيّ)). قالوا: يا رسول الله ادع الله أن يفتحها علينا .. فدعا رسول الله صلى الله عليه و سلم بذلك.
((ثم ضربت الثالثة فرفعت لي مدائن الحبشة وما حولها من القرى حتى رأيتها بعيني)).
وقبل أن يطلب الصحابة منه الدعاء لهم بفتحها؛ بادرهم النبي صلى الله عليه و سلم بالقول: ((دعوا الحبشة ما ودعوكم، واتركوا الترك ما تركوكم))
.
رواه النسائي ح (3176)، وأبو داود ح (4302)، وحسنه الألباني في صحيح النسائي ح (2976).
و الحديث أصله فى البخارى


وقد أطلع الله نبيه على ما يكون من أخبار الحبشة والترك، وما تحدثه حروبهم من النكال بالمسلمين، فكره قتالهم ، وأوصى باجتنابهم.
وقد كان إذ الترك منهم التتار الذين استباحوا بغداد لم، وقتلوا فيها ما يربو على مليونين من المسلمين عام 658هـ.و نكلوا ببلاد الاسلام فى اسيا كل ذلك بشؤم استفزازهم خلافاً لأمر رسول الله صلى الله عليه و سلم


إخباره عن قتال الترك

عن‏ عمرو بن تغلب ‏ ‏قال: ( ‏سمعت رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏يقول ‏ ‏بين يدي الساعة تقاتلون قوماً ينتعلون الشعر وتقاتلون قوما كأن وجوههم ‏‏ المجان المطرقة ) (صحيح البخاري‏3325)
و فى رواية للبخارى (‏صغار الأعين حمر الوجوه ‏‏ذلف ‏الأنوف)
و عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : ( لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ التُّرْكَ قَوْمًا كَأَنَّ وُجُوهَهُمْ الْمَجَانُّ الْمُطْرَقَةُ, يَلْبَسُونَ الشَّعْرَ , وَيَمْشُونَ فِي الشَّعْر) صحيح مسلم

فاشتمل هذا الخبر الباهر على معجزتين:
أولها: الإخبار عن وقوع معركة بين المسلمين و الترك (التتار و المغول)
ثانيها: وصف ملامحهم و ملابسهم يومئذ بدقة متناهية، و معلوم ان التتار كانو بالفعل مميزين فى ثيابهم يلبسون الشعر و الفرو، و ينتعلونه
و وجوههم شديدة الحمار عند الخدود ،و اعينهم صغيرة و أنوفهم قصيرة
و بالمجمل كأنها المجان المطرقة (أى كأنها ترس مطرقة لتدويرها و كثرة لحمها مع استواءها) و هذا هو وصف التتار تماماً حين غزو بلد المسلمين و قاتلوهم!


إخباره أن قريش لا تغزو المدينة بعد يوم الخندق

ولما انقضت غزوة الأحزاب، ولت جموعهم الأدبار، وقبل أن ينقشع غبارُ إدبارهم أخبر النبي صلى الله عليه و سلم بنبوءة ما كان له أن يطلع عليها لولا إخبار الله له، فقال: ((الآن نغزوهم ولا يغزوننا، نحن نسير إليهم)).
رواه البخاري ح (4110).

و قد كان كما أخبر صلى الله عليه و سلم إلى أن فتحت مكة بفضل الله


إخباره أن الخلافة بعده ثلاثون سنة ثم تصير ملكاً

عن سفينة أبي عبد الرحمن مولى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال : (الخلافة ثلاثون سنة ، ثم تكون بعد ذلك ملكا)
و فى لفظ: (خلافة النبوة ثلاثون سنة ، ثم يؤتي الله الملك ، أو ملكه ، من يشاء)
(سنن الترمذي 4/436 ، سنن أبي داوود 5/36، ، مسند احمد ج 5 ص 221 ، ،السنن الكبرى ج 5 ص، و صححه الألبانى فى السلسلة الصحيحة 459)

و هذا الحديث معجزة باهرة ، إذ كانت الخلافة الراشدة بعد رسول الله صلى الله عليه و سلم ثلاثون عاماً بالضبط انتهت بتنازل الحسن عن الخلافة لأمير المؤمنين معاوية مؤسس الدولة الأموية التى صارت الإمارة فيها وراثية أى على نظام الملك


إخباره عن ظهور استحلال المعازف و الزنا و الخمر و الحرير

وبيانُه فيما أخرجه البخاري عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال: ((ليكونن من أمتي أقوامٌ يستحلون الحِرَ والحرير والخمر والمعازف)).
(ذكره البخاري معلقاً بصيغة الجزم في باب: "ما جاء فيمن يستحل الخمر ويسميه بغير اسمه)

وقد كان هذا - وللأسف - عند بعض جهال المسلمين، غفلة منهم وجهلاً:
- فتعاطوا الخمر، لما رأوها سميت بالمنشطات أو المخدِّرات أو المشروبات الروحية، والحق أنها جميعاً خمر حرمها الله ولعن شاربها وبائعها وصانعها لأن كل مسكر خمر ،فالحشيش و الابر و البوردة المخدرة بجانب السوائل المخمرة كل هذا خمر و لكن كثير يجهلون ذلك،
و هذا مصداف نبوءة رسول الله صلى الله عليه و سلم (( يشرب ناس من أمتي الخمر، يسمونها بغير اسمها))، وزارد في رواية الدارمي: ((فيستحلونها))
رواه النسائي ح (5658)، وأبو داود ح (3688)، وأحمد ح (17607)، والدارمي ح (2100)، وصححه الألباني في صحيح الجامع ح (9584).

- و استحلو لبس الحرير و الذهب كما نرى فى حال كثير من شباب و رجال الأمة و يعتبرون ذلك من باب الأناقة و التغيير الخ

- و استحل الزنا سواء بالنظر او البطش او السعى او ابتكار اصناف زواج ما انزل الله بها من سلطان ، بل صار الفجر يدخل البيوت عن طريق الوسائل التقنية الحديثة و ترى الرجل مع المراة لا تحل له فى فراش يتبادلون القبلات و الاحضان ثم يقولون هذا عمل فنى درامى لا حرمة فيه!!
بل وعمدت بعض الدول إلى تقنين الزنا، وأجازتها قوانينها وتشريعاتها، بل جعلها بعضهم ضرباً من ضروب التجارة والكسب.


إخباره عن تقارب الزمان و شيوع الجهل و كثرة الهرج و قلة الرجال

إذ قال صلى الله عليه و سلم ((إن بين يدي الساعة أياما ، يرفع فيها العلم ، وينزل فيها الجهل ، ويكثر الهرج . والهرج القتل)) رواه البخارى
و فو رواية أخرى للبخارى ((يتقارب الزمان ، وينقص العمل ، ويلقى الشح ، ويكثر الهرج . قالوا : وما الهرج ؟ قال : القتل القتل))
و فى رواية له (( وتكثر النساء، ويقِلَّ الرجال
))

و وقع كل هذا كما أخبر عليه السلام
- فلا يخفى هذا على عاقل يرى ما رُزئنا به اليوم من موت العلماء، وتصدر الأدعياء و فوضى الفتيا و الكلام فى امور الدين من الروبيضات فى وساءئل الاعلام المقروءة و المسموعة و المرئية
و ظهر الجهل وقل العلم الشرعي بين الناس و عطلت الشريعة و فصل دين الناس عن دنياهم و لم تعد علوم حتى تدرس فى عامة مدارس المسلمين

- كذلك كثر الهرج الذي هو القتل، وقد أبانه النبي صلى الله عليه و سلم فقال: ((والذي نفسي بيده ليأتين على الناس زمان لا يدري القاتل في أي شيء قَتل، ولا يدري المقتول على أي شيء قُتِل)).
رواه مسلم ح (2908).

ونجد مصداق هذه النبوءة النبوية في كثرة الحروب والفتن التي يقتل فيها الأبرياء، فلا يدري القاتل من يقتُل، ولا لماذا يقتُل، ومثلُه المقتول. أجارنا الله من الفتن.

- وهذا يفسر لنا الأخرى، الواردة في قوله عليه السلام: ((وتكثرَ النساء ويقلَ الرجال، حتى يكون لخمسين امرأة القيم الواحد))، فإن الرجال هم وقود الحروب والفتن دون غيرهم.
وإلى صدق هذه النبوءة وقرب تحققها تشير الإحصاءات العالمية، حيث وصلت نسبة الذكور حسب إحصاءات الأمم المتحدة عام 2002م إلى 48%، وتتوقع دائرة الإحصاءات الأمريكية أن تصل نسبة الذكور عام 2100م إلى 38% من سكان الولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما يؤكد أن ما أخبر به صلى الله عليه و سلم في طريقه إلى التحقق.

-وأما علامة تقارب الزمان، فقد قال صلى الله عليه و سلم: ((يتقاربُ الزمان، ويَنقصُ العمل، ويُلقى الشح)).
رواه البخاري ح (6037)، ومسلم ح (157).

فلا شك أنه مشاهد بيننا قصرُ الأعمار و ذَهابُ بركتها حتى تنقضي السنة، والواحد منا يظنها شهراً، وينقضي الشهر، ولا نحسبه إلا أسبوعاً.
أو تقاربُ الزمان حقيقة.و صارت كذلك المسافات التى كانت تقطع فى اشهر و سنين تقطع فى ساعات بوسائل التكنولوجيا الحديثة !!


إخباره عن عودة أرض العرب مروجاً و أنهاراً

وروى الإمام مسلم ، و الهيثمى فى مجمع الزوائد أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: ((تعودَ أرض العرب مروجاً وأنهاراً)).

فتضمنت البشارة النبوية خبرين:
أولُهما: أن أرضَ العرب - أي جزيرة العرب - كانت مروجاً وأنهاراً، أي كانت خضراءَ كثيرةَ المياه،
والثاني: أنها ستعود كذلك قبل قيام الساعة.

ومن المعلوم أن جزيرة العرب تنعدم الأنهار فيها اليوم، وتقل المساحات الخضراء في ربوعها، بينما يخبر الحديث أنها كانت وسترجع إلى غير هذه الحال.
وهذا الخبر نجد مصداقه عند علماء الجولوجيا والآثار- أمثال الدكتور هال ماكلور البروفسور الفريد كرونر - حيث يؤكدون أن جزيرة العرب كانت قبل عشرين ألف سنة رقعة خضراء كثيرة المياه والأنهار، وفيها الكثير من أنواع الحيوانات التي تتواجد عادة في المراعي والغابات، كما شهد بذلك ما بقي من آثارهم
وأضاف البروفسور الفريد كرونر في مؤتمر علمي أقيم في جامعة الملك عبد العزيز بالمملكة العربية السعودية بأن عود جزيرة العرب إلى تلك الحال مسألة معروفة عند العلماء، وأنها حقيقة من الحقائق العلمية، التي يوشك أن تكون، وقال: هذه حقيقة لا مفر منها.


إخباره بشيوع المال الحرام دون انتباه الناس
فقد تنبأ النبي صلى الله عليه و سلم بهذا فى قوله: ((يأتي على الناس زمان لا يبالي المرء ما أخذ منه، أمن الحلال أم من الحرام)).
رواه البخاري ح (2059).

و معلوم أن المسلمين أبتلوا اليوم بانتشار الربا ودخول معاملاته في شتى صور الحياة الاقتصادية، و أضحت البنوك الربوية ملاذاً يحفظ الناس فيه من الضياع أموالهم، بل ينالون منها رواتبهم وحقوقهم، وعن طريقها يدفعون أثمان بضائعهم وغيره حتى إنه يصيب بقتامه حتى أولئك الذين ينأون عنه،
ليصدق فينا قول النبي صلى الله عليه و سلم: ((يأتي على الناس زمان يأكلون الربا، فمن لم يأكله أصابه من غباره)).
رواه النسائي ح (4379)، وأبو داود ح (2893) ، وابن ماجه ح (2278).

زد على هذا أشكال التعاملات الاقتصادية و البيوع المحرمة او المخالفة بعد ضياع العلم بأحكام المعاملات الإسلامية


إخباره عن زخرفة المساجد للمباهاة

قال صلى الله عليه و سلم: ((من أشراط الساعة أن يتباهى الناس في المساجد)).
رواه النسائي ح (689)، و أبو داود ح (449)، وابن ماجه ح (739)، وصححه الألباني في صحيح أبي داود ح (432).
قال أنس: (يتباهون بها، ثم لا يعمرونها إلا قليلاً).

ولاشك ان هذا ظاهر فى زماننا إذ تزخرف مساجد و ترفع كالقلاع ثم لا تجد فى هذه العينة بالذات إلا قليل على هدى السلف و العبادة بحقها !


إخباره عن الحفاة رعاء الشاة يتطاولون فى البيان

ففي صحيح مسلم أن جبريل سأل النبي صلى الله عليه و سلم عن أمارات الساعة، فقال صلى الله عليه و سلم: ((أن تلد الأَمَة ربّتها، وأن ترى الحفاة العراة العالةَ رِعاء الشاء يتطاولون في البنيان)).
قال النووي : "معناه أن أهل البادية وأشباههم من أهل الحاجة والفاقة تبسط لهم الدنيا حتى يتباهون في البنيان".

وقد تحقق هذا في زماننا فى جزيرة العرب إذ لا بحث علمى عندهم ولا نهضة صناعية بل كانو إلى يومنا قبائل بدوية ترعى الشاة و تحيا حياة بسيطة فبسط الله لهم رزقاً من تحت الأرض فكثر المال وارتفع - بفضل الله - البنيان، ووصل الأمر بالناس إلى التفاخر فيه، وأغدق الله من فضله وجوده على بلاد كانت تشكو الفقر، فأضحت - بفضل الله - أغنى بلاد الدنيا، فتطاول أهلها مع غيرهم في البنيان!!


إخباره عن استغناء الناس عن ركوب الدواب و ظهور الكاسيات العاريات

و هو ما وقع فى عصرنا إذ استبدلوها بما أنتجته التقنية الحديثة من السيارات والطائرات وغيرها من وسائل الانتقال، وهو أمر حديث أشار إليه القرآن بقوله: {والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينةً ويخلق ما لا تعلمون}
فإذا ما خلق الله هذه الوسائل الجديدة تحققت نبوءة رسول الله صلى الله عليه و سلم :
((ولتُتركن القِلاص فلا يُسعى عليها)). رواه مسلم ح (255).

وذكر النبي عليه السلام في حديث آخر بعض صفات المركوبات التي سيستحدثها الناس وبعض ما سيرافقها من المنكرات فقال: ((سيكون في آخر أمتي رجال يركبون على السروج كأشباه الرجال، ينزلون على أبواب المسجد، نساؤهم كاسيات عاريات على رءوسهم كأسنمة البخت العجاف )). (رواه أحمد ح (7043). و صححه الألبانى)

فتضمنت هذه الأخبار عدة معجزات غيبية:
أولها:إخباره عن ترك إستعمال القلاص و هى الإبل فى الحركة، علماً انها لا غنى عنها يومئذ لاسيبما فى البئات الصحراوية
ثانيها:إخباره عن اتخاذ المياثر أو السروج العظيمة - و هى مقاعد السيارات الفخمة فى يومنا هذا- حتى ينزل الراكب على باب المسجد، و تالله كم نشاهد هذا فيذهب المرء الى المسجد الذى يبعد عنه دقايق معدودة بالسيارة حتى يركنها على بابه!
ثالثها: أخبر عن نساء كاسيات عاريات رؤوسهم كأسنمة البخت، و هذا وقع تمامً فى عصرنا فانتشرى العرى و الملابس التى تشف و تصف و تعرى اكثر مما تغطى حتى صارت المرأة ترتدى مما يظهر مفاتنها ما يتعفف الرجال أن يرتدو مثله بيد أنه جسدها هو العورة و الفتنة الواجب سترها!!


إخباره عن الغزو الثقافى و تتبع الأمة لسنن السابقين

قال النبى صلى الله عليه و سلم: ((لتتبعن سَنن من كان قبلكم شبراَ شبراَ، وذراعاً بذراع، حتى لو دخلوا جُحر ضب تبعتموهم. قلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: فمَن؟)).
رواه البخاري ح (7320)، ومسلم ح (2669)

والناظر في أحوال الكثيرين من شباب وفتيات المسلمين يسوؤه ما يراه من تقليد للآخرين في طريقتهم و سلوكياتهم و أفكارهم وعاداتهم وتقاليدهم و زيهم وشاراتهم بل وقصات شعورهم


إخباره عن تكالب الأعداء على المسلمين رغم كثرتهم يومئذ

إذ قال النبي صلى الله عليه و سلم: ((يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها)) فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: ((بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن))، فقال قائل: يا رسول الله وما الوهن؟ قال: ((حب الدنيا وكراهية الموت)).
رواه أبو داود ح (3745)، وأحمد ح (21363)، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح ح (5369).

و نحن نرى ذلك رأى العين فى يومنا وتعاني أمة الإسلام حالة غريبة من التشرذم والضعف، وأصبحت بلادها كلأً مستباحاً للقاصي والداني، من الشيشان إلى الصومال و من الهند إلى البوسنة تكالب عليها اليهود و النصارى و الهندوس و الروافض و العلمانيون و الشيوعييون الخ
ولم يشفع لها أنها جاوزت المليار والربع من المسلمين، فهم غثاء كغثاء السيل، بعدو عن دينهم و صار شعارهم حتى فى الاعلانات التجارية (حب الدنيا)!!


إخباره بشأن عجب الذنب

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: (( وإن في الإنسان عظماً لا تأكله الأرض أبداً فيه يركب يوم القيامة قالوا أي عظم يا رسول الله ؟ قال عجب الذنب ))
رواه البخاري والنسائي وأبو داود وابن ماجة واحمد في المسند وأخرجه مالك .

و فى رواية : ((كل ابن آدم يأكله التراب إلا عجب الذنب منه خلق وفيه يركب ))
رواه البخاري والنسائي وأبو داود وابن ماجه وأحمد في المسند ومالك في الموطأ

و فى هذا الحديث الحقائق التالية :
1- أن عجب الذنب مكون أساس خلق منه الجنين في مراحله الأولية .
2- عجب الذنب لا يبلى.
3- فيه يركب الخلق يوم القيامة.

فهذه الأحاديث النبوية الشريفة تحتوي على حقيقة علمية لم تتوصل العلوم المكتسبة إلى معرفتها إلا منذ سنوات قليلة، حين أثبت المتخصصون في علم الأجنة أن جسد الإنسان ينشأ من شريط دقيق للغاية يسمى باسم "الشريط الأولي" Primitive Streak و الذي يتخلق بقدرة الخالق سبحانه في اليوم الخامس عشر من تلقيح البويضة وانغراسها في جدار الرحم، وإثر ظهوره يتشكل الجنين بكل طبقاته وخاصة الجهاز العصبي وبدايات تكون كل من العمود الفقري، وبقية أعضاء الجسم؛ لأن هذا الشريط الدقيق قد أعطاه الله تعالى القدرة على تحفيز الخلايا على الانقسام، والتخصص، والتمايز والتجمع في أنسجة متخصصة، وأعضاء متكاملة في تعاونها على القيام بكافة وظائف الجسد.

وثبت أن هذا الشريط الأولي يندثر فيما عدا جزء يسير منه، يبقى في نهاية العمود الفقري (العصعص)، وهو المقصود بعجب الذنب في أحاديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وإذا مات الإنسان، يبلى جسده كله إلا عجب الذنب الذي تذكر أحاديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، أن الإنسان يعاد خلقه منه بنزول مطر خاص من السماء، ينزله ربنا (تبارك وتعالى) وقت أن يشاء فينبت كل مخلوق من عجب ذنبه، كما تنبت النبت من بذرتها.

وقد أثبت مجموعة من علماء الصين في عدد من التجارب المختبرية استحالة إفناء عجب الذنب (نهاية العصعص) كيميائيا بالإذابة في أقوى الأحماض، أو فيزيائيا بالحرق، أو بالسحق، أو بالتعريض للأشعة المختلفة، وهو ما يؤكد صدق حديث المصطفى (صلى الله عليه وسلم)


يتبع إن شاء الله
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و أشهد أن محمداً عبده و رسوله و أن عيسى عبد الله و رسوله و كلمته ألقاها إلى مريم و روح منه

#24 أبـــ(تراب)ـــو

    مشرف مشروع تفنيد الكتاب المقدس

  • مشرف
  • 357 المشاركات

تاريخ المشاركة : 31 August 2007 - 03:43 AM

استجابة الله دعاءه صلى الله عليه و سلم



يقول الدكتور منقذ السقار حفظه الله تعالى:
[ومن باهر ما يدل على النبوة إستجابة الله لنبيه حين يرفع يديه متضرعاً داعياً ربه ومولاه ، وتكرارُ ذلك وديمومتُه ، لأن الله لا يؤيد كاذباً ولادعياً فأولئك من أظلم الناس وأبعدِهِم عن الله و إنما يهلِكُهم ويفضَحُهم ] فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو كذب بآياته إنه لا يفلح المجرمون [ (يونس: 17).
لكن النبي صلى الله عليه و سلم ما خاب ولا خسر، بل هُدي وأفلح في كل صعيد، فدينُه أعظمُ الأديان في الأرض وأكثرُها - بحمد الله - انتشاراً.]

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: [ومعلوم أن من عوّده الله إجابة دعائه، لا يكون إلا مع صلاحه ودينه، ومن ادّعى النبوة، لا يكون إلا من أبرّ الناس إن كان صادقاً، أو من أفجرهم إن كان كاذباً، وإذا عوّده الله إجابة دعائه، لم يكن فاجراً، بل برّاً، وإذا لم يكن مع دعوى النبوة إلا برّاً، تعيّن أن يكون نبياً صادقاً، فإن هذا يمتنع أن يتعمّد الكذب، ويمتنع أن يكون ضالاً يظن أنه نبي]
الجواب الصحيح (6/297)

و من أمثلة ذلك:


نزول المطر و انقطاعه بدعاء النبى صلى الله عليه و سلم

عن أنس ابن مالك رضى الله عنه قال: ((أصابت الناس سنة على عهد النبي صلى الله عليهه وسلم ، فبينما النبي صلى الله عليه وسلم يخطب في يوم جمعة ، قام أعرابي فقال : يا رسول ، هلك المال وجاع العيال ، فادع الله لنا . فرفع يديه ، وما نرى في السماء قزعة ، فوالذي نفسي بيده ، ما وضعها حتى ثار السحاب أمثال الجبال ، ثم لم ينزل عن منبره حتى رأيت المطر يتحادر على لحيته صلى الله عليه وسلم ، فمطرنا يومنا ذلك ، ومن الغد وبعد الغد ، والذي يليه ، حتى الجمعة الأخرى . وقام ذلك الأعرابي ، أو قال غيره ، فقال : يا رسول الله ، تهدم البناء وغرق المال ، فادع الله لنا . فرفع يديه فقال : اللهم حوالينا ولا علينا . فما يشير بيده إلى ناحية من السحاب إلا انفرجت ، وصارت المدينة مثل الجوبة ، وسال الوادي قناة شهرا ، ولم يجىء أحد من ناحية إلا حدث بالجود))
رواه البخاري ح (1013)، ومسلم ح (897)


كثرة مال و ولد أنس خادم رسول الله ببركة دعاءه

و يقول أنس رضى الله عنه: ((جاءت بي أمي إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم، وقد أزّرتني بنصف خمارها، وردّتني بنصفه، فقالت: يا رسول الله، هذا أُنيس ابني، أتيتك به يخدمك، فادع الله له.فقال: [اللهم أكثِر مالَه وولده]، قال أنس: فوالله إن مالي لكثير، وإن ولدي ووَلَدَ وَلَدي ليتَعادُّون على نحو المائة اليوم)).
رواه البخاري ح (6344)، ومسلم ح (2481) واللفظ له.

وقد أجاب الله دعوة نبينا، يقول أنس: (فإني لمن أكثر الأنصار مالاً، وحدثتني ابنتي أمينة أنه دُفن لصُلبي مَقْدَم حجاج البصرةَ بضعٌ وعشرون ومائة).

كرامة ثابتة

عن ثابت البنانى قال: جاء قَيّم أرض أنس فقال: عطشت أرضوك، فتردى أنس حتى خرج إلى البرية ، ثم صلى و دعا، فثاربت سحابة و غشيت أرضه و مطرت حتى ملأت صهريجه، و ذلك فى الصيف ، فأرسل بعض أهله فقال: أنظر أين بلغت؟ فإذا هى لم تعد أرضه إلا يسيراً!!
قال الإمام الذهبى رحمه الله : (هذه كرامة ثابتة بينة ثبتت بإسنادين)



بركة دعاءه صلى الله عليه و سلم لعروة البارقى

فقد دعا صلى الله عليه و سلم بالبركة لعروةَ البارقي في ماله، لما أعطاه النبي ديناراً يشتري له به شاة، فاشترى له به شاتين، فباع إحداهما بدينار، فجاء بدينار وشاة، فدعا له بالبركة في بيعه، وكان لو اشترى التراب لربح فيه. رواه البخاري ح (3443).

وفي رواية قال عليه السلام: ((اللهم بارك له في صفْقة يمينه)). يقول عروة: فلقد رأيتُني أقف بكُناسة الكوفة، فأربحُ أربعينُ ألفاً قبل أن أصِل إلى أهلي". رواه أحمد في مسنده ح (18877).



بركة دعاءه عليه السلام لأبى هريرة راوية الإسلام بالحفظ

و لنعلم أن سر الحافظة التي أوتيها راوية الإسلام أبو هريرة، أنه جاء إلى النبي صلى الله عليه و سلم يشكو كثرة نسيانه للحديث، فيقول: يا رسول الله، إني أسمع منك حديثاً كثيراً أنساهُ، فقال له عليه الصلاة والسلام: [ابسط رداءك]، فبسطتُه، قال: فغرفَ بيديه، ثم قال: [ضُمّه)]، فضممتُه، فما نسيتُ شيئاً بعده.
رواه البخاري ح (119)



إسلام أم أبى هريرة ببركة دعاء رسول الله

فقد كان أبة هريرة يدعو أمه إلى الإسلام، وهي مشركة تأبى الإسلام وتصده عنه، يقول أبو هريرة: ((فدعوتُها يوماً، فأسمَعَتني في رسول الله صلى الله عليه و سلم ما أكره، فأتيتُ رسولَ الله صلى الله عليه و سلم وأنا أبكي، قلتُ: يا رسول الله، إني كنتُ أدعو أمي إلى الإسلام، فتأبى عليّ، فدعوتُها اليومَ، فأسمعتني فيك ما أكره، فادع الله أن يهديَ أمَّ أبي هريرة.فقال عليه السلام: [اللهم اهدِ أمَّ أبي هريرة]، يقول: فلما جئتُ، فصِرت إلى الباب، فإذا هو مجاف، فسمعتْ أمي خَشْفَ قدميّ - أي صوت مشيي- فقالت: مكانكَ يا أبا هريرة، وسمعتُ خضْخضَة الماء، فإذا هي تغتسل للإسلام، وتشهد بشهادة التوحيد.قال: فرجعتُ إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم ، فأتيتُه وأنا أبكي من الفرح، فقلت: يا رسول الله أبشر، قد استجاب اللهُ دعوتك، وهدى أمَّ أبي هريرة.))
رواه مسلم ح (2491).



ابن عباس حبر الأمة و ترجمان القرأن ببركة دعاء رسول الله

فإن ما أوتيَه عبدالله ابن عباس من العلم والحكمة كان بفضل الله الذي استجاب دعاء النبي صلى الله عليه و سلم له، وذلك أنه لما كان غلاماً جهز وَضُوءَ النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي شاكراً صنيعه: ((اللهم فقهه في الدين)).
رواه البخاري ح (143)، ومسلم ح (2477) واللفظ للبخاري

وفي مرة أخرى وضع رسول الله صلى الله عليه و سلم يده على كتِف ابن عباس وقال: ((اللهم فقهه في الدين، وعلِّمه التأويل)).
رواه أحمد ح (2393).

و ببركة هذا الدعاء كان عمر يُجلِس ابن عباس مع أكابر الصحابة يستشيره ويأخذ برأيه، على حداثة سنه إذ فاق أقرانه، بما آتاه الله من الفقه في الدين وما علمه من محاسن التأويل، حتى صح عن ابن مسعودٍ فقيهِ الصحابة أنه قال فيه: " لو أدرك ابنُ عباس أسنانَنا؛ ما عاشره منا رجل" أي لنبوغه وفقهه، وكان يقول: " نِعم تَرْجُمَانُ القرآنِ ابنُ عباس ". رواه عبد الرزاق في المصنف ح (32219).



استجابة دعاءه على صناديد قريش بأعيانهم

و ذلك حين سجد صلى الله عليه و سلم ذات مرة، فوضع المشركون سَلَا الجزور وقذرَها على ظهره الشريف، وأخذوا يتضاحكون حتى مال بعضهم على بعض من الضحك، فدعا عليهم عليه الصلاة والسلام وقال: ((اللهم عليك بقريش)) ثلاث مرّات.
يقول ابن مسعود: فلما سمعوا صوته ذهب عنهم الضحك، وخافوا دعوته.
ثم قال: ((اللهم عليك بأبي جهلِ بن هشام، وعتبةَ بنِ ربيعةَ، وشيبةَ بنِ ربيعةَ، والوليدِ بن عتبةَ، وأميةَ بنِ خلفٍ، وعقبةَ بنِ أبي مُعَيط)).
يقول ابن مسعود: وذكر السابع ولم أحفظه، فوالذي بعث محمداً صلى الله عليه و سلم بالحق، لقد رأيتُ الذين سمّى صرعى يوم بدر، ثم سُحبوا إلى القليب، قليبِ بدر.
رواه البخاري ح (240)، ومسلم ح (1794) واللفظ له



استجابة دعاءه على قريش بنزول الجدب و كشفه

ولما هاجر صلى الله عليه و سلم إلى المدينة ورأى إدبار قريش وإعراضهم وصدهم عن الإسلام، قال: ((اللهم سبعٌ كسبع يوسف)).
قال ابن مسعود: فأخذتهم سَنةٌ حصّت كل شيء، حتى أكلوا الجلود والميتة والجيف، وينظر أحدهم إلى السماء، فيرى الدخان من الجوع. فأتاه أبو سفيان، فقال: يا محمد، إنك تأمر بطاعة الله وبصلة الرحم، وإن قومك قد هلكوا، فادعُ الله لهم.
وفي رواية لأحمد في مسنده أن أبا سفيان قال: أي محمد، إن قومك قد هلكوا، فادع الله عز وجل أن يكشف عنهم، قال: فدعا. ثم قال: ((اللهم إن يعودوا فعُدْ )).
ثم قرأ صلى الله عليه و سلم: {فٱرتقب يوم تأتي ٱلسَّماء بِدخانٍ مُّبين} إلى قوله: {إنكم عائدون * يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون} قال: فالبطشةُ يومُ بدر.
رواه البخاري ح (1007)، ومسلم ح (2798)، وأحمد ح (4149).

سبحان الله حتى كفار قريش علموأ أن رسولَ الله مجابُ الدعوة عندَ الله ، فجاؤوا يطلبون السقيا بدعائه لأنهم يعلمون فى كنانة أنفسهم صدقه و لكن يستكبرون مصداقاً لقوله تعالى{فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون }



افتراس السباع عتبة ابن أبى لهب بدعاء رسول الله

واستهزأ عتيبة بن أبي لهب بالقرآن ، فكُتب مع أبويه في سجل الهالكين؛ فقد دعا عليه النبي صلى الله عليه و سلم أن يموت بين أنياب السبُع، فقال: ((اللهم سلط عليه كلباً من كلابك))، فكانت دعوة نبي أجابها الله، حين خرج عتيبة في قافلة يريد الشام، فنزل منزلاً، فقال: إني أخاف دعوةَ محمد (صلى الله عليه و سبم).
فحطوا متاعهم حوله، وقعدوا يحرسونه، فجاء الأسد فانتزعه، فذهب به.
رواه الحاكم (2/588)، وصححه، ووافقه الذهبي، وحسنه ابن حجر في الفتح (4/39).



شلت يد الرجل بدعاء النبى عليه لما خالف أمره

فقد قعد بُسر الأشجعي بين يدي النبي صلى الله عليه و سلم، وجلس يأكل بشماله، فلما ذكّره رسول الله صلى الله عليه و سلم بالأكل باليمين استكبر عن قبول الحق فقال: لا أستطيع، فقال النبي صلى الله عليه و سلم: ((لا استطعت)) ، ما منعه إلا الكبر، فما رفعها إلى فيه
رواه مسلم ح (2021).



بركة دعاءه لسائب بن يزيد

فعن الجعيد قال: ((رأيت لسائب بن يزيد ، ابن أربع وتسعين ، جلدا معتدلا ، فقال : قد علمت : ما متعت به سمعت وبصري إلا بدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إن خالتي ذهبت بي إليه ، فقالت : يا رسول الله ، إن ابن أختي شاك ، فادع الله له ، قال : فدعا لى))
(رواه البخارى 3540)

و عن عطاء مولى سائب بن يزيد قال: ((رأيت مولاي السائب بن يزيد لحيته بيضاء ورأسه أسود فقلت يا مولاي ما لرأسك لا يبيض قال لا يبيض رأسي أبدا وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مضى وأنا غلام ألعب مع الغلمان فسلم وأنا فيهم فرددت عليه السلام من بين الغلمان فدعاني فقال لي ما اسمك فقلت السائب بن يزيد ابن أخت النمر فوضع يده على رأسي وقال بارك الله فيك فلا يبيض موضع يد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبداً))
(رواه الهيثمي بسند صحيح فى مجمع الزوائد9/412)

استجابة دعاء سعد ببركة دعاء النبى عليه السلام

لقد امتن الله على سعد ابن أبى وقاص فجعله مستجاب الدعوة مشهور بذلك كما هو معلوم، و ذلك ببركة دعاء رسول الله صلى الله عليه و سلم له لما قال: ((اللهم استجب لسعد إذا دعاك))
( رواه الحاكم و صححه و وافقه الذهبى)

و عن جابر ابم سمرة رضى الله عنه قال: (( شكا أهل الكوفة سعدا إلى عمر رضي الله عنه ، فعزله واستعمل عليهم عمارا ، فشكوا حتى ذكروا أنه لا يحسن يصلي ، فأرسل اليه فقال : يا أبا إسحق إن هؤلاء يزعمون انك لا تحسن تصلي ؟ قال أبو إسحق : أما أنا ، والله فإني كنت أصلي بهم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أخرم عنها ، أصلي صلاة العشاء ، فأركد في الاولين ، وأخف في الأخريين . قال : ذاك الظن بك يا أبا إسحق . فأرسل معه رجلا ، أو رجالا ، إلى الكوفة ، فسأل عنه أهل الكوفه ، ولم يدع مسجدا إلا سأل عنه ، ويثنون معروفا ، حتى دخل مسجدا لبني عبس ، فقام رجل منهم ، يقال له أسامة بن قتادة ، يكنى أبا سعدة ، قال : أما إذ نشدتنا ، فإن سعدا كان لا يسير بالسرية ، ولا يقسم بالسوية ، ولا يعدل في القضية . قال سعد : أما والله لأدعون بثلاث : اللهم إن كان عبدك هذا كاذبا ، قام رياء وسمعة ، فأطل عمره ، واطل فقره ، وعرضه بالفتن . وكان بعد إذا سئل يقول : شيخ كبير مفتون ، أصابتني دعوة سعد . قال عبد الملك : فأنا رأيته بعد ، قد سقط حاجباه على عينيه من الكبر ، وإنه ليتعرض للجواري في الطرق يغمزهن))
(رواه البخارى و مسلم)



جرير يثبت على الخيل ببركة دعاء النبى صلى الله عليه و سلم

عن جرير بن عبدالله قال: ((قال لي النبي صلى الله عليه وسلم : ( ألا تريحني من ذي الخلصة) وكان بيتا في خثعم ، يسمى الكعبة اليمانية ، فانطلقت في خسمين ومائة فارس من أحمس ، وكانوا أصحاب خيل ، وكنت لا أثبت على الخيل ، فضرب صدري حتى رأيت أثر أصابعه في صدري وقال : ( اللهم ثبته ، واجعله هاديا مهديا ) فانطلق إليها فكسرها وحرقها ، ثم بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال رسول جرير : والذي بعثك بالحق ، ما جئتك حتى تركتها كأنها جمل أجرب ، قال : فبارك في خيل أحمس ورجالها خمس مرات)) (رواه البخارى)



البرد يذهب عن حذيفة بدعاء النبى صلى الله عليه و سلم

و فى غزوة الأحزاب أراد النبى صلى الله عليه و سلم أن يبعث واحداً من أصحابه ليدخل معسكر العدو ليأتيه بخبرهم... و كان البرد قد بلغ مبلغاً عظيماً

يقول حذيفة رضى الله عنه: (( لقد رأيتنا ليلة الأحزاب ونحن صافون قعود وأبو سفيان ومن معه من الأحزاب فوقنا وقريظة اليهود أسفل منا نخافهم على ذرارينا وما أتت علينا ليلة قط أشد ظلمة ولا أشد ريحا في أصوات ريحها أمثال الصواعق وهي ظلمة ما يرى أحد منا أصبعه فجعل المنافقون يستأذنون رسول الله صلى الله عليه وسلم و يقولون { إن بيوتنا عورة وما هي بعورة } فما يستأذن أحد منهم إلا أذن له فينسلون ونحن ثلثمئة أو نحو ذلك إذ استقبلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا رجلا حتى مر علي وما علي جنة من العدو ولا من البرد إلا مرط لامرأتي ما يجاوز ركبتي فأتاني وأنا جاث على ركبتي فقال من هذا فقلت حذيفة قال حذيفة فتقاصرت إلى الأرض فقلت بلى يا رسول الله كراهية أن أقوم قال قم فقمت فقال إنه كان في القوم خبر فأتني بخبر القوم قال وأنا من أشد القوم فزعا وأشدهم قرا فخرجت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم احفظه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ومن فوقه ومن تحته قال فوالله ما خلق الله فزعا ولا قرا في جوفي إلا خرج من جوفي فما أجد منه شيئا فلما وليت قال يا حذيفة لا تحدثن في القوم شيئا حتى تأتيني فخرجت حتى إذا دنوت من عسكر القوم نظرت في ضوء نار لهم توقد وإذا رجل أدهم ضخم يقول بيده على النار ويمسخ خاصرته ويقول الرحيل الرحيل ثم دخلت العسكر فإذا أدنى الناس مني بنو عامر يقولون يا آل عامر الرحيل الرحيل لا مقام لكم وإذا الريح في عسكرهم ما تجاوز شبرا فوالله إني لأسمع صوت الحجارة في رحالهم وفرشهم الريح تضربهم ثم خرجت نحو النبي صلى الله عليه وسلم فلما انتصفت بي الطريق أو نحو ذلك إذا أنا بنحو من عشرين فارسا معتمين فقالوا أخبر صاحبك أن الله كفاه القوم فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته وهو مشتمل في شملة يصلي وكان إذا حزبه أمر صلى فأخبرته خبر القوم أني تركتهم يترحلون وأنزل الله { يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود } الآية))
( أخرجه مسلم و الحاكم و البيهقى و اللفظ لهما)



تأمينه على قول أعرابى يأس من رحمة الله به فهلك

دخل رسول الله صلى الله عليه و سلم على أعرابى يَعُوده في مرضه، فقال عليه السلام مواسياً: ((لا بأسَ، طهور إن شاء الله))، فأجاب الأعرابي بجواب ملؤه القنوط وسوء الظن بالله: قلتَ: طهور؟ كلاّ، بل هي حُمّى تفُور - أو تثور - على شيخ كبير، تُزيرُه القبور، فقال النبي صلى الله عليه و سلم: ((فنَعَمْ إذاً)).
رواه البخاري ح (5656)

قال ابن حجر: "في بعض طرقه زيادة تقتضي إيراده في علامات النبوة، أخرجه الطبراني وغيره ... وفي آخره: فقال النبي صلى الله عليه و سلم: ((أما إذا أبيتَ فهي كما تقول، قضاءُ الله كائن )) فما أمسى من الغد إلا ميتاً".
فتح الباري (6/722).

إستجابة دعاءه بتمزيق ملك كسرى

روى الإمام البخاري في صحيحه بسنده عن ابْنَ عَبَّاسٍ رضى الله عنه : ((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ بِكِتَابِهِ إِلَى كِسْرَى مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ السَّهْمِيِّ فَأَمَرَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَى عَظِيمِ الْبَحْرَيْنِ فَدَفَعَهُ عَظِيمُ الْبَحْرَيْنِ إِلَى كِسْرَى فَلَمَّا قَرَأَهُ مَزَّقَهُ فَحَسِبْتُ أَنَّ ابْنَ الْمُسَيَّبِ قَالَ فَدَعَا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُمَزَّقُوا كُلَّ مُمَزَّقٍ))

و قد كان فتحطم ملك كسرى و مزق و زالت امبراطورية الفرس العريقة إلى الأبد

يتبع إن شاء الله
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و أشهد أن محمداً عبده و رسوله و أن عيسى عبد الله و رسوله و كلمته ألقاها إلى مريم و روح منه

#25 أبـــ(تراب)ـــو

    مشرف مشروع تفنيد الكتاب المقدس

  • مشرف
  • 357 المشاركات

تاريخ المشاركة : 10 September 2007 - 11:33 AM

معجزة القرأن



كم يصعب على المرء ان يكون عبداً بسيطاً حقير الشأن قليل العلم ثم يتصدى للنقل من العلما و لإنتقاء شىء من الدرر التى تعج بها كتبهم و مؤلفاتهم من بيان أوجه الإعجاز المختلفة فى كتاب الله و التفصيل فيها مع التمثيل و التحقيق
و إنا لمهمة شاقة إذ نحاول عدم الخروج بها البحث عن إطاره المحدد من نقاط معنونة و فى شرحها موجزة، و الله ولى التوفيق

قال رسول الله صلى الله عليه و سلم متحدثاً عن معجزة القرأن : ((ما من نبي بعثه الله قبلي إلا أوتي ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة )) رواه البخارى

و هذا حديث عظيم يتضمن الإشارة إلى معجزة القرأن ، و إلى أنها معزة خالدة تمتاز عن غيرها من معجزات الأنبياء بالإستمرارية و التجدد على مر العصو و تعاقب الأجيال، لذا رجا عليه السلام أن يكون أكثر الأنبياء تابعاً لما تستلزمه العقول السوية من التصديق و الإتباع مع وجود المعجزة بكراً طريةً بين أيدجى الناس إلى أن يرث الله الأرض و من عليها
و قال عليه السلام فى القرأن: (( كتاب الله ، فيه نبأ ما قبلكم ، وخبر ما بعدكم ، وحكم ما بينكم ، هو الفصل ليس بالهزل ، من تركه من جبار قصمه الله ، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله ، وهو حبل الله المتين ، وهو الذكر الحكيم ، وهو الصراط المستقيم ، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء ، ولا تختلف به الآراء ، ولا تلتبس به الألسن ، ولا يخلق-يبلى- عن كثرة الرد ، ولا تنقضي عجائبه ، ولا يشبع منه العلماء ، من قال به صدق ، ومن حكم به عدل ، ومن عمل به أجر ، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم)) (رواه ابن تيمية فى درء التعارض5/286 - و قال الألبانى له طرق و رجح البعض كونه موقوفاً على أمير المؤمنين على و هو كلام حسن صحيح)

فهذا الأثر الطيب جمع بين ثناياه الكثير من أوجه التحدى و الإعجاز التى يحويها القرأن البلاغية و التشريعية النفسية و الغيبية و الأخلاقية و العلمية
و لنتناول بإذت الرحمن بعض أوجه الإعجاز فى كتاب الله و منها:

الإعجاز الغيبى

إخبار القرأن بموت أبى لهب على الكفر
قال تعالى ((َبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ* وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ ))

و سبب نزول هذه السورة العظيمة كما فى الحديث الذى رواه البخارى من حديث اِبْن عَبَّاس: (( أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ إِلَى الْبَطْحَاء فَصَعِدَ الْجَبَل فَنَادَى " يَا صَبَاحَاهُ " فَاجْتَمَعَتْ إِلَيْهِ قُرَيْش فَقَالَ " أَرَأَيْتُمْ إِنْ حَدَّثْتُكُمْ أَنَّ الْعَدُوّ مُصَبِّحُكُمْ أَوْ مُمَسِّيكُمْ أَكُنْتُمْ تُصَدِّقُونِي ؟ - قَالُوا نَعَمْ قَالَ - فَإِنِّي نَذِير لَكُمْ بَيْن يَدَيْ عَذَاب شَدِيد فَقَالَ أَبُو لَهَب أَلِهَذَا جَمَعْتنَا ؟ تَبًّا لَك فَأَنْزَلَ اللَّه " تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَب وَتَبَّ " إِلَى آخِرهَا))

فنزلت هذه السورة فى بداية الدعوة الجهرية تذم أبا لهب و زوجه و تقرر مصيرهما و هما حيان يرزقان، و كان من اليسير أن يكيد أبو لهب للقرأن بادعاء الإسلام فيبطل اعجازها و يرد خبرها، لكن سبحان من أعمى قلبه عن ذلك بما كسبت يداه حتى هلك بعد ذلك بسنين طوال على الكفر هو و زوجه!


النبوءات فى أيات سورة الروم
قال تعالى ((غلبت الروم * في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون * في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذٍ يفرح المؤمنون * بنصر الله...)) (الروم: 2-5).
و فى هذه الأيات المباركات أخبر رب العالمين بثلاثة غيبيات باهرة و هى:-

أولا: "إنتصار الروم على الفرس فى بضع سنين"
بيد أن الأيات نزلت في وقت كادت دولة الفرس أن تزيل الإمبرطورية الرومانية من خارطة الدنيا، فقد وصلت جيوش كسرى أبرويز الثاني إلى وادي النيل، ودانت له أجزاء عظيمة من مملكة الرومان.
وأمام هذا الطوفان الفارسي أراد هرقل أن يهرب من عاصمة ملكه القسطنطينية، لولا أن كبير أساقفة الروم أقنعه بالصمود وطلب الصلح الذليل من الفرس.
ووسط هذه الأحداث - وخلافاً لكل التوقعات - أعلن القرأن فى أيات نزلت في أجواء مكة المتربصة أن الروم سينتصرون على الفرس في بضع سنين، أي فيما لا يزيد عن تسع سنين، علماً ان المدة تبدأ من وقت نزل الأيات اى بعد وصول الخبرو تفاعل الناس معه
يقول المؤرخ إدوار جِبن في كتابه "تاريخ سقوط وانحدار الإمبراطورية الرومانية": "في ذلك الوقت، حين تنبأ القرآن بهذه النبوءة، لم تكن أية نبوءةٍ أبعدَ منها وقوعاً، لأن السنين العشر الأولى من حكومة هرقل كانت تؤذن بانتهاء الإمبرطورية الرومانية".

قال ابن عباس: (كان المشركون يحبون أن يظهر أهل فارس على الروم، لأنهم وإياهم أهلُ أوثان، وكان المسلمون يحبون أن يظهر الروم على فارس لأنهم أهلُ كتاب، فذكروه لأبي بكر، فذكره أبو بكر لرسول الله صلى الله عليه و سلم فقال: أما إنهم سيَغلبون. فذكره أبو بكر لهم، فقالوا: اجعل بيننا وبينك أجلاً، فإن ظهرنا كان لنا كذا وكذا ، وإن ظهرتم كان لكم كذا وكذا، فجعل أجلاً خمس سنين، فلم يظهر الروم
فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه و سلم فقال: ألا جعلته إلى دون العشر والله قد وعد بظفر الروم في بضع سنين.....قال: ثم ظهرت الروم بعد، قال ابن عباس: فذلك قوله تعالى
: ((غلبت الروم * في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون * في بضع سنين )).
رواه الترمذي ح (3193)، وصححه الألباني في صحيح الترمذي ح (2551).

و تحققت نيوءة القرأن فإن هزيمة الروم من الفرس وقعت عام 614م، ثم في عام 623م شن ثلاث حملات ناجحة أخرجت الفرس من بلاد الرومان.
وفي عام 626م واصل الرومان زحفهم حتى وصلوا إلى ضفاف دجلة داخل حدود الدولة الفارسية، واضطر الفرس لطلب الصلح مع الرومان بعد هزيمتهم في معركة نينوى، وأعادوا لهم الصليب المقدس - عندهم - وكان قد وقع بأيديهم.
و هاكم روابط تبين هذه الفترة التاريخية
http://www.roman-emp...rg/heraclis.htm
http://www.roman-emp...rticle-012.html

ثانيا:"أخبر القرأن أن يوم تحقق انتصار الروم سيفرح المؤمنون بنصر الله "
و قد كان فقد تحقق الانتصار فى غزوة بدر الكبرى ما بين عام 623 و عام 624، على خلاف بين أهل التأريخ، و فى أى من التاريخين تتحقق النبوءة، فعام 623 هو العام الذى بدأت فيه انتصارات الروم على الفرس، و كذلك عام 624 هو العام الذى كللت فيه هذه الانتصارات بطرد الفرس تماماً من الامبراطورية الرومانية زد على ذلك مراعاة وقت وصول الخبر للمؤمنين، و عليه فإن الفرح بوصول الخبر كان متزامناً تماماً مع فرحة المؤمنين بيوم بدر

ثالثاً: "أشار القران إلى أن مكان معرة الفرس و الروم هو أدنى الأرض"
و كان المفسرون يجتهدون فى تفسيرها بأنها أقرب أرض من جزية العرب أو أقرب أرض تفصل بين الامبراطوريتين الى غير ذلك
و هو قول جيد لا نرده لكنه لا يعجز القرأن الذى قال عنه نبينا "لا تنقضى عجابه" و الذى يحوى جوامع الكلام،
إذ من معانى الدنو: الخفض و السفلية، و جاء من معانيه فى لسان العرب و القاموس المحيط (والأَدْنى : السَّفِلُ )
و العرب تعبر بالخفض على التذلل و التنازل و التواضع كما قال تعالى ((وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ )) و قال عز و جل ((َاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ))
و قال عمر يوم صلح الحديبية ((علامَ نُعْطِي الدَّنِيَّة في دِينِنا)) أى لما نخفض لهم و ندنو عنهم و نجعلهم اعلى منا
و علي ذلك المعنى نفاجأ بأن قوله تعالى (أدنى الأرض) تضمن حقيقة علمية كشف عنها العلم الحديث، وهي أن البقعة التي انتصر فيها الفرس على الروم في منطقة الأغوار قريباً من البحر الميت هي أدنى الأرض، أي أخفض مكان في الأرض كما تؤكده الموسوعة البريطانية وغيرها
فمن ذا الذي أخبر محمداً صلى الله عليه و سلم بهذه النبوءة العظيمة؟ إنه وحي الله، وهو دليل رسالته ونبوته عليه الصلاة والسلام.


إخباره بشأن الملك فى زمن يوسف
أشار القران كتاب الله الحكيم إلى أن الحاكم فى مصر فى زمن يوسف عليه السلام كان يسمى (الملك) ((وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ)) و لم يقل أنه كان فرعوناً كهذا الذى كان فى زمن موسى

بينما نقرأ فى سفر (التكوين 39 ) أن حاكم مصر فى زمن يوسف فيها كان فرعوناً ، و هنا يتجلى إعجاز القرأن الغيبى و الخطأ الذى اشتملته التوراة المحرفة فى النقاط الأتية:
أ- أن الفترة ما بين داود و المسح عليه السلام و ما تخللها من حكم سليمان ثم انقسام المملكة من بعده ثم تتابع الملوك و النزاعات مروراً بالسبى مرتين ثم العودة ثم الاحتلال الرومانى ثم ميلاد المسيح تبلغ ألف سنة و هو ما تقرر تاريخياً و كذا عند أهل الكتاب
ب- أن الفترة ما بين يوشع بن نون و ما تلاه من حكم القضاة ثم بعثة صموئيل نبياً و قيام الملك لبنى إسرائيل على يد شاول ثم ملك داود من بعده تقدر ب 400سنة و هو ما تقرر تاريخياً و عند أهل الكتاب
ج- أن الفترة ما بين دخول بنى إسرائيل مصر إلى حكم يوشع بن نون تقدر بقرابة 290 سنة منها 250 فى مصر و 40 سنة فى التيه و هو ما تقرر تاريخياً و عند أهل الكتاب

فيكون دخول يوسف مصر بموجب هذه الفترات فى سنة 1700 قبل الميلاد تقريباً ، و هذه الفترة لا يمكن أن يكون الحاكم بها فرعوناً من الفراعنة لأنها كانت فترة إحتلال الهكسوس لمصر التى امتدت على حد تقدير خبراء و علماء التاريخ ما بين 1725ق.م إلى 1575 ق.م
http://www.mmc.gov.eg/History/gg1.htm


إخباره عن قود عاد
لقد أخبر القرآن الكريم عن وجود عاد قوم نبى الله هود و لخص صفاتهم فى الأتى:
1) بين أنهم بنوا مدينة اسمها ( إرم ) و أنها كانت مدينة عظيمة مشهورة بالقصور المترفة و بالأعمدة الشاهقة الإرتفاع لا نظير لها :
((أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ{6} إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ {7} الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ {8}))

2) و بين أنها تقع بالأحقاف - وهي الأرض الرملية و حددها المؤرخون بين اليمن وعمان- فأرسل الله إليهم نبيه الكريم هوداً فدعاهم ((وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ ))

3) و بين أنه كان لقوم عاد بساتين وأنعام وينابيع: (وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُم بِمَا تَعْلَمُونَ {132} أَمَدَّكُم بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ {133}وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ )

4) و بين أنهم كذبو رسولهم هوداً فعاقبهم القوى العزيز بأن أرسل عليهم ريحاً عاصفة محملة بالغبار والأتربة فأهكلتهم جميعا: (وَأَمَّا عَاد فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ)

الاكتشافات الأثرية لمدينة "إرم"

فى بداية عام 1990 تم اكتشاف المدينة التاريخية على يد نيكولاس كلاب, عالم الآثارالتى استرشد فى بحثه بما جاء فى كتاب"أرابيا فيليكس" لمؤلفه "بيرترام توماس" الباحث الإنجليزي الذي ألفه عام 1932 ,
و "أرابيا فيليكس" هو الاسم الروماني للجزء الجنوبي من شبه الجزيرة العربية و التي تضم اليمن والجزء الأكبر من عمان. و أطلق اليونان و من بعدهم علماء العرب فى العصور الوسطى على تلك المنطقة اسم "العرب السعيد" و "اليمن السعيدة", وسبب تلك التسميات أن السكان القدامى لتلك المنطقة كانوا أكثر من فى عصرهم حظاً بحكم موقعهم الاستراتيجي و ثرواتهم الطبيعية (كمال الصليبى , تاريخ العرب , كتب القبائل,1980)
وفى إحدى رحلاته إلى تلك المنطقة, أراه سكان المنطقة من البدو آثاراً شديدة القدم و قالوا إن تلك الآثار تؤدى إلى مدينة "عُبار" القديمة و لكنه توُفِى قبل أن يتمكن من إكمال بحثه. ( برترام توماس: "أرابيا فيليكس"/ (عبر الربع الخالى بشبه الجزيرة العربية) / نيويورك / شريبرز سانز 1932/ص:161)
و استأنف "كلاب" بحث سلفه و سلك طريقتين لإثبات وجود مدينة "عُبار":
أولاً: إستعان بوكالة ناسا الفضائية ليتمكن من الحصول على صور لتلك المنطقة بالقمر الصناعي ( تشارلز جراب / " اللبا ن" / اكتشاف / يناير 1993)
ثانياً: قام " بدراسة المخطوطات و الخرائط القديمة بمكتبة"هانتينجتون" بولاية كاليفورنيا بهدف الحصول على خريطة للمنطقة و وجد واحدة رسمها "بطلمى" عام 200 ميلادية , و هو عالم جغرافي يوناني مصري. وتوضح الخريطة مكان مدينة قديمة اكتُشفت بالمنطقة و الطرق التي تؤدى إلى تلك المدينة
و بمقارنة صور الأقمار بالخريطة القديمة تبين له التطابق بينهما، و أخيراً تم اكتشاف مكان المدينة العريقة و بدأت عمليات الحفر, و بدأت الرمال تكشف عن آثار المدينة القديمة, ولذلك وُصفت بأنها ( أسطورة الرمال "عبار" ).
قال د. زارينز قائد عملية الحفر
[إنه بما أن الأعمدة الضخمة تُعد من العلامات المميزة لمدينة "عُبار", وحيث أن مدينة "إرَم" وُصفت في القرآن بأنها ذات العماد أي الأعمدة الضخمة, فإن ذلك يعد خير دليل على أن المدينة التي اكتُشفت هي مدينة "إرَم" التى ذكرت في القرآن الكريم
والتي أنشأت لِكي تَكُونَ فريدةَ جداً حيث تبدو مستديرة ويمر بها رواق معمّد دائري، بينما كُلّ المواقع الأخرى في اليمن حتى الآن كَانتْ التي اكتشفت كانت أبنيتها ذات أعمدة مربعة يُقالُ بأن سكان مدينة أرم بَنوا العديد مِنْ الأعمدةِ التي غطيت بالذهبِ أَو صَنعتْ من الفضةِ وكانت هذه الأعمدةِ رائعة المنظر
]

و رغم أن جزيرة العرب صحراء شاسعة إلا أن القرآن الكريم يقص فى تلك الأيات العطرة حقيقية غيبية أخرى ألا و هى أن هذه الصحارى كانت يوماً من الأيام جنات ويعيون.
فقال حاكياً عن هود عليه السلام (( أتبنون بكل ريع ٍ آية تعبثون، وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون، وإذا بطشتم بطشتم جبارين، فأتقوا الله واطيعون. واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون، أمدكم بأنعام وبنين وجنات وعيون ، إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم))
وقد كشفت السجلات التاريخية أن هذه الأراضى تعرضت إلى تغيرات مناخية حولتها إلى صحارى، و كَانتْ قبل ذلك خصبة مُنْتِجةَ مغطاة بالخضرة كما أُخبر القرآنِ، قبل ألف أربعمائة سنة .
وكَشفَت صور الأقمار الصناعية عن نظامَ واسع مِنْ القنواتِ والسدودِ القديمةِ التي استعملت في الرَيِّ في منطقة قوم عاد يقدر أنها كانت قادرة على توفير المياه إلى 200.000 شخصَ (Joachim Chwaszcza, Yemen, 4PA Press, 1992)
كما تم تصوير مجرى لنهرين جافين قرب مساكن قوم عاد حتى قال أحد الباحثين الذي أجرى أبحاثه في تلك المنطقة " لقد كانت المناطق التي حول مدنية مأرب خصبة جداً ويعتقد أن المناطق الممتدة بين مأرب وحضرموت كانت كلها مزروعة ."

كما وَصفَ الكاتبُ القديم اليونانيُ Plinyهذه المنطقةِ أنْها كانت ذات أراضي خصبة جداً وكانت جبالها تكسوها الغابات الخضراء وكانت الأنهار تجري من تحتها.
ولقد وجدت بعض النقوشِ في بَعْض المعابدِ القديمةِ قريباً من حضرموت، تصور بعض الحيوانات مثل الأسود التي لا تعيش في المناطق الصحراوية وهذا يدل دلالة قاطعة على أن المنطقة كانت جنات كما أخبر القرأن المجيد
أما سبب اندثار حضارة عاد فقط فسرته مجلة A m'interesseالفرنسية التي ذكرت أن مدينة إرم أو"عُبار" قد تعرضت إلى عاصفةرملية عنيفة أدت إلى غمر المدينةبطبقاتمن الرمال وصلت سماكتها إلى حوالي 12 متر ( M’Interesse, January 1993)
هذا نقل للبحث القيم بتصرف و يمكن مراجعته تفصيلاً فى هذا الرابط
http://www.55a.net/firas/arabic/?page=show...p;select_page=1


قراطيس أهل الكتاب
من الإعجاز الغيبى فى كتاب الله إخباره عن أشكال التحريف التى نالت كتب أهل الكتاب المختلفة من تبديل و زيادة و نقصان و إخفاء و كتمان و تأليف
و لكن نركزههنا مع أية عظيمة فى هذا الشأن و هى قوله تعالى ((...قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاء بِهِ مُوسَى نُوراً وَهُدًى لِّلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَمُواْ أَنتُمْ وَلاَ آبَاؤُكُمْ قُلِ اللّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ))
فالله عز و جل يخبر أهل الكتاب ههنا أنهم أبدو شيئاً مما أوحاه الله و أخفو الكثير منها على شكل قراطيس أو وثائق مطوية و ملفوفة
و كان المستشرقون يشهرون بالقرأن و يتحدونه فى هذا كما قال صاحب كتاب"المسيحيون فى مكة" فى القرن التساع عشر: [ يزعم القرأن أن أهل الكتاب يخفون بعض ما أوحى إليهم على شكل لفائف و قراطيس و نحن نتحداهم أن يخبرونا أين ذلك فى العالم ]

و قد هلك هو و من شاكلته و بقى كتاب الله غضاً طرياً بحر لا يدرك غوره ، فشاء العليم الحكيم أن تكتشف فى وادى قمران عند البحر الميت فى احدى عشر كهفاً مخطوطات للكتاب المقدس تعود للقرن الثانى و الأول قبل الميلاد و تضم أكثر من 850 مخطوطة كثير من أسفارها ما كان يعلم الخلف من أهل الكتاب عنها شىء ، و كلها على شكل لفائف"قراطيس" حتى أطلق عليها علماء الأثار dead sea scrollsفانظر إلى دقة تعبير القرأن تنزيل عالم الغيب و الشهادة!

و الأعجب أن هذه المخطوطات بالتحديد تضمنت الكثير من البشارات المخفية برسول الله و أمته المؤمنة
و من ذلك فقط على سبيل المثال ما أورده الباحث هشام طلبة حفظه الله من موافقة حرفية لما ورد فى وصف المسلمين فى الانجيل فى خاتمة سورة الفتح و ما ورد على لسان المسيح عن أمة الملكوت فيما يعرف برسالة جيمس السرية" The Apocryphon Of James
(حيث يشبه المؤلف مملكة السماء-و هي دولة المسيح المنتظر, يشبهها بنخلة خرج منها برعم (شطأ-فراخ) ثم تدلي من هذا البرعم ثمار حوله, وأخرجت هذه الثمار ورقاً.و حين شبت استغلظت هذه الثمار تسببت في جفاف منبعها. و أصبحت هذه الثمار (الخارجة من البرعم) مع تلك الخارجة من الشجرة الأصلية.
“Do not allow the kingdom of heaven to wither; for it is like a palm shoot whose fruit has dropped down around it . they (I.E, the fallen fruits) put forth leaves, and after they had sprouted , they caused their womb to dry up. So it is also with the fruit which had grown from this single root
http://www.gnosis.org/naghamm/jam.html

و هذا هو بالضبط قوله تعالى ((وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ ))
ملحوظة: ان هذه الاكتشافات الباهرة لا تعنى التسليم بكل ما فى هذه الأسفار المخفية ، فكل كتب أهل الكتاب طالتها التحريف و لكن شاء الله أن يبقى فى جميعها أثر للنور و البشارات الصريحة و البراهين الساطعة على صدق الوحى المحمدى سواء فى الكتاب المقدسة لدى القوم أو المكتشفة فى أغوار الكهوف!


اخباره بأجله عليه السلام فى سورة النصر
كذلك من الغيبيات التى اشتمل عليها القرأن أن نعى للنبى صلى الله عليه و سلم نفسه بعد فتح مكة و دخول الناس فى دين الله بينما هو فى حجة الوداع و بالفعل مات بعدها رسول الله صلى الله عليه و سلم فى نفس العام، فقال تعالى
((إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً (3)))

فأخبره تعالى أن النصر و الفتح قد تحققا و دخل الناس فى الدين أفواجاً فاستعد يا رسول الله للقاء ربك بكثرة التسبيح و الاستغفار، لذا لم ينفك رسول الله منذ نزلت هذه السورة يقول فى ركوعه و سجوده (سبحانك اللهم ربنا و بحمدك اللهم اغفر لى)

و عن ابن عباس قال : (( كَانَ عُمَر يُدْخِلنِي مَعَ أَشْيَاخ بَدْر فَكَأَنَّ بَعْضهمْ وَجَدَ فِي نَفْسه فَقَالَ لِمَ يَدْخُل هَذَا مَعَنَا وَلَنَا أَبْنَاء مِثْله ؟ فَقَالَ عُمَر إِنَّهُ مِمَّنْ قَدْ عَلِمْتُمْ فَدَعَاهُمْ ذَات يَوْم فَأَدْخَلَنِي مَعَهُمْ فَمَا رَأَيْت أَنَّهُ دَعَانِي فِيهِمْ يَوْمئِذٍ إِلَّا لِيُرِيَهُمْ فَقَالَ مَا تَقُولُونَ فِي قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ " إِذَا جَاءَ نَصْر اللَّه وَالْفَتْح " ؟ فَقَالَ بَعْضهمْ أُمِرْنَا أَنْ نَحْمَد اللَّه وَنَسْتَغْفِرهُ إِذَا نَصَرَنَا وَفَتَحَ عَلَيْنَا وَسَكَتَ بَعْضهمْ فَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا فَقَالَ لِي أَكَذَلِكَ تَقُول يَا اِبْن عَبَّاس ؟ فَقُلْت لَا فَقَالَ مَا تَقُول ؟ فَقُلْت هُوَ أَجَل رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْلَمَهُ لَهُ قَالَ " إِذَا جَاءَ نَصْر اللَّه وَالْفَتْح " فَذَلِكَ عَلَامَة أَجَلك قَالَ عُمَر بْن الْخَطَّاب لَا أَعْلَم مِنْهَا إِلَّا مَا تَقُول)) رواه البخارى

و روى الحافظان أبو بكر البزار و البيهقى عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ : ((أُنْزِلَتْ هَذِهِ السُّورَة " إِذَا جَاءَ نَصْر اللَّه وَالْفَتْح " عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْسَط أَيَّام التَّشْرِيق فَعَرَفَ أَنَّهُ الْوَدَاع فَأَمَرَ بِرَاحِلَتِهِ الْقَصْوَاء فَرُحِّلَتْ ثُمَّ قَامَ فَخَطَبَ النَّاس فَذَكَرَ خُطْبَته الْمَشْهُورَة))


سيقول السفهاء
لما نسخ الله تعالى اتخاذ بيت المقدس قبلة و أمر باستقبال المسجد الحرام ، اعترض بعض السفهاء على مشيئة الله و تصرفه فى ملكه و شنعوا بذلك فأنزل تعالى قوله ((سَيَقُولُ السُّفَهَاء مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا قُل لِّلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ))
و فى الأية اشارة الى أن القول لن يتوقف و انما سيستمر مستقبلاً فقال تعالى (( سيقول))

قال القرطبى: (أَعْلَمَ اللَّه تَعَالَى أَنَّهُمْ سَيَقُولُونَ فِي تَحْوِيل الْمُؤْمِنِينَ مِنْ الشَّام إِلَى الْكَعْبَة , مَا وَلَّاهُمْ . و " سَيَقُولُ " بِمَعْنَى قَالَ , جَعَلَ الْمُسْتَقْبَل مَوْضِع الْمَاضِي , دَلَالَة عَلَى اِسْتِدَامَة ذَلِكَ وَأَنَّهُمْ يَسْتَمِرُّونَ عَلَى ذَلِكَ الْقَوْل)

و بالفعل نحن نرى الى يومنا هذا تشنيع أعداء الإسلام على النسخ فى الأحكام بيد أن النسخ علم يشتمل على حكم باهرة و اعجازات تشريعية فريدة ليس هذا محل بحثها
لكن الشاهد كما قلنا أن القرأن أخبر بأن الاعتراض على تحويل القبلة سيظل يقال ، سبحان الله لو أراد أحد هؤلاء العمى أن يبطل إعجاز الأية لأحجم عن الكلام فى النسخ و الإعتراض على تحويل القبلة لكننا نراهم بأعيننا و نسمعهم بأذاننا فى يومنا هذا يرددون نفس الاعتراض الذى أجابه الله ببساطه بأنه مالك الملك و المالك يتحكم فى ملكه كيف يشاء فله المشرق و المغرب و أينما نولى وجوهنا فثم وجه الله لكنها عبودية الطاعة و الملك لله تعالى


الإخبار عن إنتصار الدين و ظهوره
أخبر رب العزة فى غير ما موضع من كتابه عن التمكين لدينه و إتمام نوره ، و كانت تتنزل هذه الأيات فى أشد مراحل الدعوة شقاءً و استضعافاً، و من ذلك قوله تعالى:
((يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ* هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ))

و قال تعالى ((وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ))

و بالفعل أتم الله نوره و أكمل دينه و حفظ رسالته كما قال عز و جل ((الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً))

و بلغت الرسالة المحمدية أقطار الدنيا و دانت بها الأمة العريقة و انتصر الصحابة الفقراء المستضعفون و صنع الله المجد بأيديهم فحكموا العالم و ساسوه باذنه مصداقاً لقوله جل و علا ((وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ))
و قوله سبحانه ((و َنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ))


النبوءة بنصر بدر العظيم
وذلك في وقت كان المسلمون يعانون في مكة صنوف الاضطهاد ويُسامون سوء النكال؛ وفي وسط هذا البلاء نزل على النبي  قوله تعالى: (( أكفاركم خيرٌ من أولئكم أم لكم براءةٌ في الزبر * أم يقولون نحن جميعٌ منتصرٌ * سيهزم الجمع ويولون الدبر* بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمرّ )) (القمر: 43-46).

فقال عمر بن الخطاب أي جمع يهزم؟ أي جمع يُغلَب؟ فلما كان يوم بدر رأيتُ رسول الله صلى الله عليه و سلم يثِب في الدرع، وهو يقول: ((سيهزم الجمع ويولون الدبر)) فعرفتُ تأويلها يومئذ. جامع البيان (22/602).

فهذه الآية نزلت قبل الهجرة بسنوات؛ تتحدث عن غزوة بدر واندحار المشركين فيها، وتتنبأ بهزيمتهم وفلول جمعهم.
وقبيل معركة بدر أدرك النبي صلى الله عليه و سلم اقتراب تحقق الوعد القديم الذي وعده الله، فقام إلى العريش يدعو ربه ويناجيه: ((اللهم إني أنشِدُك عهدَك ووعدَك، اللهم إن شئت لم تُعبَد بعدَ اليوم)) ثم خرج عليه السلام من عريشه، وهو يقول: (( سيهزم الجمع ويولون الدبر * بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر )). رواه البخاري ح (2915).


البشارة بفتح مكة و تحقق رؤيا رسول الله
لما أخرج المشركون رسول الله مهاجراً إلى ربه و الحزن يملأ قلبه على فراق وطنه مكة أنزل العليم الحكيم بشارة عظيمة على قلب رسوله وهو قريب من الجُحفة فقال له مواسياً فى ختام سور القصص: (( إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد ))

قال القرطبي: "ختم السورة ببشارة نبيه محمد صلى الله عليه و سلم بردِّه إلى مكة قاهراً لأعدائه .. وهو قول جابر بن عبد الله وابن عباس و مجاهد وغيرهم". الجامع لأحكام القرآن (13/248).

- و فى سنة ست من الهجرة رأى رسول الله صلى الله عليه و سلم فى رؤياه أنه يأتى المسجد الحرام و يطوف به فأخبر أصحابه، فسُروا بذلك، و لكن ظنوا أن ذلك يكون في عامهم، فتجهزوا مع النبي صلى الله عليه و سلم آمّين البيت الحرام معظمين لحرْمَته، فصدتهم قريش عن البيت، وانتهى الأمر بإبرام صلح الحديبية الذي ألزم المسلمين بالعودة إلى المدينة، وأن يعتمروا من عامهم القابل.
وشعر الصحابة بغبن الشروط التي تضمنها الصلح، فجاء عمر الفاروق يستفسر من رسول الله و يراجعه فقال عليه السلام: ((يا ابن الخطاب، إني رسول الله، ولن يضيعني الله أبداً)) ... فنزلت سورة الفتح -إنا فتحنا لك فتحا مبيناً -فقرأها رسول الله صلى الله عليه و سلم على عمر إلى آخرها.فقال عمر: يا رسول الله أوَفتح هو؟ قال: ((نعم)). وأنزل الله في إثرها آياتٍ من سورة الفتح
رواه البخاري ح (4484)، ومسلم ح (1785).

فسبحان العليم الخبير اللذى سمى صلح الحديبية الذى ظاهره التنازل فتحاً، وقد كان
قال [الزهري]: [لم يكن في الإسلام فتحٌ قبلَ فتح الحديبية أعظمَ منه, وإنما كان الكفر حيث القتال, فلما أمن الناس كلهم؛ كلم بعضُهم بعضاً، وتفاوضوا في الحديث والمنازعة، ولم يكن أحد في الإسلام يعقِل شيئاً إلا بادر إلى الدخول فيه , فلقد دخل في تلك السنتين مثلُ من كان دخل في الإسلام قبل ذلك أو أكثر] .
قال ابن هشام: [ويدل عليه؛ أنه صلى الله عليه و سلم خرج في الحديبية في ألف وأربعِمائة، ثم خرج بعد سنتين إلى فتح مكة في عشرةِ آلاف] . فتح الباري (7/506)، وانظر سيرة ابن هشام (2/321).

و لما هم رسول الله صلى الله عليه و سلم بالعودة إلى المدينة عام الحديبية أتاه عمر فقال: أوليس كنتَ تحدثُنا أنا سنأتي البيت فنطوفَ به؟ قال: ((بلى، فأخبرتُكَ أنّا نأتيه العام؟)) فقال عمر: لا. فقال صلى الله عليه و سلم: ((فإنك آتيه ومطَوِّفٌ به)). رواه البخاري ح (2734).

ونزلت آيات القرآن تؤكد صدقَ ما رآه النبي صلى الله عليه و سلم في رؤياه وتنبأ بحتميةَ تحققِ ما أوحى الله إليه في رؤياه: (( لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون ))
وقد تحقق ذلك في عمرة القضاء في العام الذي يليه فطاف رسول الله و اعتمر هو و أصحابه أمنين محلقين و مقصرين، و الحمد لله رب العالمين


البشارة بفتحٍ خيبر و مغانمها
أثاب الله الصحابة على صدق بيعتهم لرسول الله صلى الله عليه و سلم عند شجرة الرضوان بفتح قريب ومغانم وفيرة، أثابهم بفتح خيبر، فقال واعداً إياهم: (( لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحاً قريباً * ومغانم كثيرةً يأخذونها وكان الله عزيزاً حكيماً *وعدكم الله مغانم كثيرةً تأخذونها فعجل لكم هذه وكف أيدي الناس عنكم ولتكون آيةً للمؤمنين ويهديكم صراطاً مستقيماً ))

قال الطبري: [ وأثاب الله هؤلاء الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه و سلم تحت الشجرة - مع ما أكرمهم به من رضاهُ عنهم وإنزالِه السكينة عليهم وإثابتِه إياهم – فتحاً قريباً ، معه مغانمُ كثيرةٌ يأخذونها من أموال يهود خيبر، فإن الله جعل ذلك خاصة لأهل بيعة الرضوان دون غيرهم] جامع البيان (11/347).

والتنبؤ بفتح خيبر لم يكن تنبؤاً بأمر ميسور قريب النوال، بل هو أمر دونه خرط القتاد؛ فإن خيبر حصون منيعة ، وفيها عشرة آلاف من المقاتلين الشجعان ، أي ما يساوي سبع مرات عدد المسلمين القادمين لفتحها ، لكنه موعود الله.
وما إن لاحت بالأفق حصونها حتى قال صلى الله عليه و سلم: ((خرِبت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين ، قال أنس: فهزمهم الله)). رواه مسلم ح (3361).


إخبار القرأن عن قتال بنى حنيفة
إذ أُنزل فى القرأن وعد للأعراب الذين لم يخرجوا مع النبي صلى الله عليه و سلم إلى عمرة الحديبية، فقال لهم الله مختبراً صدقهم وإيمانهم: ((قل للمخلفين من الأعراب ستُدعون إلى قومٍ أولي بأسٍ شديدٍ تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجراً حسناً وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذاباً أليماً ))

قال رافعٍ بنِ خَديج رضى الله عنه: ((والله لقد كنا نقرأ هذه الآية فيما مضى (ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد ) فلا نعلم من هم، حتى دعانا أبو بكرٍ إلى قتال بني حنيفة، فعلمنا أنهم هم)). الجامع لأحكام القرآن (16/231).
فكان هذا الوعد غيباً آخرَ أطلع الله عليه نبيه، حين بشره بالنصر والظفر على قوم أولي بأس شديد، يُدعى هؤلاء الأعراب إلى قتالهم، وكان ذلك في حروب المرتدين أتباعِ مسيلمةَ الكذاب و التى كانت من أشرس المعارك بل أشرسها فى جزيرة العرب و إنتهت بانتصار المؤمنين و قتل الكذاب و إسلام قومه و لله الحمد و المنة

يتبع إن شاء الله.....
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و أشهد أن محمداً عبده و رسوله و أن عيسى عبد الله و رسوله و كلمته ألقاها إلى مريم و روح منه

#26 أبـــ(تراب)ـــو

    مشرف مشروع تفنيد الكتاب المقدس

  • مشرف
  • 357 المشاركات

تاريخ المشاركة : 24 October 2007 - 10:20 PM

من أيات الأعجاز العلمى

هذا بحث تجميعى منقول بإختصار و تصرف من مواقع و أبحاث الإعجاز العلمى و التى صارت تضم نخبة رائعة من علماء المسلمين فى كافة المجالات العربى منهم و الأعجمى المسلم أصلاً و المهتدى حديثاً امثال دكتور موريس بوكاى و دكتور كيث مور و دكتور زغلول النجار و دودح و غيرهم


الإعجاز فى مراحل خلق الجنين
قال تعالى : ((وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مّن طِينٍ، ثُمّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مّكِينٍ، ثُمّ خَلَقْنَا النّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ))
تضمنت هذه الأية المعجزة تبيان مراحل تكون الجنين بدقة متناهية:-

مرحلة النطفة : و هى الجرثومة المنوية التى تلقح البويضة فتشكل نطفة امشاج كما فقال تعالى ((إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً))
فهذا وصف دقيق لأن الانسان لا يخلق فقط من نطفة الرجل و انما من تلقيح نطفة الرجل لبويضة المرأة

مرحلة العلقة: و كلمة علقة معجزة بكل المقاييس إذ أنها تأتى فى لغة العرب بثلاثة معانى و هى: الدودة العالقة او الدم المتجمد او الالتصاق والتعلق بشيء ما.و العجيب أن كل هذه المعانى تنطبق على مرحلة العلقة
- فلو اخذنا معناها بأنها مثل (دودة عالقة ) فإننا نجد أن الجنين يفقد شكله المستدير ويستطيل حتى يأخذ شكل الدودة ثم يبدأ في التغذي من دماء الأم، مثلما تفعل الدودة العالقة؛ إذ تتغذى من دماء الكائنات الأخرى، ويحاط الجنين بمائع مخاطي تماما، مثلما تحاط الدودة بالماء.
- و لو أخذنا معنى (الالتصاق والتعلق بشيء ما )، فهذا بالضبط ما يحدث حين تتعلق الجرثومة المنوية بظهارة بطانة الرحم في المراحل الأولى للغرس أو الحرث.
- و لو أخذنا معنى ( دم جامد أو غليظ ) نجد أن المظهر الخارجي للجنين وأكياسه يتشابه مع الدم المتخثر الجامد الغليظ، لأن القلب الأولي وكيس المشيمة ومجموعة الأوعية الدموية القلبية تظهر في هذه المرحلة. وتكون الدماء محبوسة في الأوعية الدموية - حتى وإن كان سائلا - ولا يبدأ الدم في الدوران حتى نهاية الأسبوع الثالث، وبهذا يأخذ الجنين مظهر الدم الجامد أو الغليظ مع كونه دماً رطباً
فسبحان من أوحى إلى نبيه جوامع الكلم!

مرحلة المضغة: و المضغة تعنى شئ لاكته الأسنان، و بالفعل الجنين فى المرحلة التالية لمرحلة العلقة يشبه قطعة اللحم الممضوغ لظهور تغضنات عليه في بداية التمايز الجنيني إذ وجد أنه بعد تخلق الجنين والمشيمة في هذه المرحلة يتلقى الجنين غذاءه وطاقته، وتتزايد عملية النمو بسرعة، ويبدأ ظهور الكتل البدنية المسماة فلقات التي تتكون منها العظام والعضلات. ونظراً للعديد من الفلقات التي تتكون فإن الجنين يبدو وكأنه مادة ممضوغة عليها طبعات أسنان واضحة فهو مضغة

ثم مرحلة تخلق العظام قبل اللحم: و قد ظل المختصون في علم الأجنة و هو العلم الذي يدرس تطور الجنين في رحم الأم حتى فترة قريبة يفترضون أن العظام و العضلات تتكون في وقت واحد و لكن الأبحاث المكروسكوبية المتطورة التي أمكن إجراؤها بفضل التطور التقني كشفت أن الوحي القرآني صحيح تماماً .
هذه الأبحاث الميكروسكوبية أثبتت أن تطور الجنين داخل رحم الأم يتم كما وصفته آيات القرآن، فأولاً تتكون الأنسجة الغضروفية التي تتحول إلى عظام الجنين ، ثم تكون بعدها خلايا العضلات ثم تتجمع مع بعضها و تتكون لتلتف حول العظام .


ناصية كاذبة
قال تعالى ((كَلَّا لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ* نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ ))
كان المفسرون قديماً يظنون أن اتهام الناصية بالكذب يراد بها الانسان نفسه و ليس ذات الناصية و لكن العلم الحديث أثبت إعجاز هذه الأية العلمى إذ إن الإنسان إذا أراد أن يكذب فإن القرار يتخذ في الفص الجبهي للمخ الذي هو جبهة الإنسان وناصيته ، وإذا أراد الخطيئة فإن القرار كذلك يتخذ في الناصية .
- و أكد البرفسور كيث إل مور أن الناصية هي المسئولة عن المقايسات العليا وتوجيه سلوك الإنسان، وما الجوارح إلا جنود تنفذ هذه القرارات التي تتخذ في الناصية؛ لذلك فالقانون في بعض الولايات الأمريكية يجعل عقوبة كبار المجرمين الذي يرهقون أجهزة الشرطة هي استئصال الجزء الأمامي من المخ الناصية، لأنه مركز القيادة والتوجيه ليصبح المجرم بعد ذلك كطفلٍ وديع يستقبل الأوامر من أي شخص
• ولقد كانت بداية معرفة الناس بوظيفة الفص الأمامي الجبهي في عام 1842م ، حين أصيب أحد عمال السكك الحديد في أمريكا بقضيب اخترق جبهته، فأثر ذلك في سلوكه ولم يضر بقية وظائف الجسم، فبدأت معرفة الأطباء بوظيفة الفص الجبهي للمخ، وعلاقته بسلوك الإنسان.
• وكان الأطباء يعتقدون قبل ذلك أن هذا الجزء من المخ الإنساني منطقة صامته لا وظيفة لها. فمن أعلم محمد صلى الله عليه و سلم بأن هذا الجزء من المخ الناصية هو مركز القيادة للإنسان والدواب وأنه مصدر الكذب والخطيئة .


أعصاب الشعور تحت الجلد
أثبت العلم الحديث بالتشريح الدقيق للجلد وجود شبكة من الألياف العصبية، توجد بها نهايات عصبية حرة، في طبقات الجلد، وتقوم هذه النهايات باستقبال جميع المؤثرات الواقعة على الجلد من البيئة الخارجية و بالتالى فإن موت هذه الأعصاب يفقد به الإنسان القدرة على الشعور بالمؤثرات الخارجية على لحمه
و هنا يتجلى الإعجاز القرأنى حين أخبر الله بتديل جلود الكافرين كلما نضجت حتى يستشعرو العذاب فقال عز و جل ((إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا))


بصمة الإصبع
من الإكتشافات العلمية الحديثة ما يعرف بالبصمة حيث لا يمكن لبصمة الإبهام أن تتشابه أو تتماثل في شخصين في العالم حتى التوائم المتماثلة التي أصلها من بويضة واحدة
و مثل هذه المعلومة ما كان يعرفها أحد من البشر قديماً و لكن القرأن أشار إليها ببراعة فى سياق الرد على من يستبعد أن يستطيع الله جمع عظامه بعد الموت، فرد عليه سبحانه بأنه قادر على فعل ما هو أقوى من ذلك و هو أن يسوى بنانه و هو الاصبع الأكبر ، أى يتم خلقه كما كان فلما اكتشفت البشرية أمر البصمة تجلى التحدى القرأنى بأن الله قادر على أن يجمع عظامك أيها الإنسان بل و على أن يعيد رسم ابهامك و صفته كما كان أول مرة رغم أنه لا تماثل بينه و بين إبهام اى إنسان من بلايين البشر الذين خلقهم الله كما خلقك، و هذا فى قوله تعالى
( أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّن نَجْمَعَ عِظَامَهُ (3) بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ)


الليل هو الأصل
قال تعالى ((وَآَيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ ))
صور تعالى النهار كالجلد الذي يُسلخ وأما الليل فهو الأصل وهو الكل، فشبّه الليل بالذبيحة، والنهار جلدها، فجعل النهار غلافاً والليل هو الأصل.
و هذه حقيقة باهرة أثبتها العلم الحديث كما هو معلوم


مرج البحرين يلتقيان
أُكتشف حديثاً وجود برازخ حقيقية بين البحارو الأنهار بل و داخل البحر الواحد يقسم الى بحار يفصلها برازخ مائية فتختلف عن بعضها فى الملوحة والكثافة والحرارة والأحياء المائية وقابلية ذوبان الأكسجين في الماء ولا تطغى خصائص بحر عن أخر و هذا مصداق قوله تعالى ((مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ *َيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ))


إنزال الحديد
قال تعالى: ((وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس))
لم يكن أحد يتصور أن الحديد الذى يتمد فى باطن الارض حتى يصل الى مركزها كله أنزل بالفعل من السماء و لم يخلق فى الأرض ابتداءً حتى أثبت العلم الحديث بالأدلة و البراهين القاطعة أن معدن الحديد المتوفر على سطح الأرض هو نتاج انفجار نجم كبير وصلت شظاياه إلى أرضنا على شكل نيازك استقرت على سطح الأرض وبعضها أستقر في مركزه

دوران الارض حول نفسها
قال تعالى ((وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونمَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَهُم مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ))
فهذه الأية تشير يشكل صريح إلى دوران الأرض حول نفسها و لننظر لدفة التشبيه القرأنى حين قال وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ لأن الجبال لا تتحرك وحدها و انما تتحرك بتحرك الأرض كلها كما أن السحاب لا يمر وحده و انما يمر بتحرك الريح الذى يحمله

شبهة: قال المعترض لكن السياق يتكلم عن وقوع ذلك فى يوم القيامة و ليس فى الدنيا
الجواب: أننا بمراجعة سياق الأيات نجد أن الأيات تسير على ذكر أية من أيات الدنيا ثم ذكر مشهد من مشاهد الأخرة فقال تعالى
((وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِّمَّن يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ (83) حَتَّى إِذَا جَاؤُوا قَالَ أَكَذَّبْتُم بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْماً أَمَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (84) وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِم بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنطِقُونَ (85)))
ففى هذه الأيات يذكر سبحانه مشهد من مشاهد يوم القيامة ثم قال فى الأية التالية
(( أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِراً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (86)))
فذكر ههنا أية من أيات الخلق التى نراها فى دنيانا ثم انتقل مرة أخرى إلى مشهد من مشاهد يوم القيامة فقال تعالى
(( وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ (87)))
ثم عاد عز و جل و ذكر أية من أيات الدنيا فقال
(( وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُون ))
و هكذا تسير الأيات لا على ذكر أيات الدنيا فقط ولا عن سرد مشاهد الأخرة فقط و إنما تصور مشهد الأخرة الغيبى و تقوى الإيمان به بذكر أيات الله المشاهدة فى دنيانا
و من جهة اخرى فالأية كما نرى تصور حركة الجبال بأنها تمر بينما يجسبها الرائى جامدة و ليس هذا ما سيقع يوم القيامة بل سيقع يومئذ خسف لهذه الجبال و نسف ((وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً* فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً))
و كذلك تسير هذه الجبال حتى تصير سراباً ((وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً))
و تبرز الأرض تماماً فلا ترى فيها عوجاً ولا امتاً ((وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً))
فهذا النسف و الإبادة للجبال يوم القيامة ليس مما يراه الإنسان و يحسبها جامدة به!!
و أخيراً فإن الله بعد ذكر أية مرور الجبال فى ختام سورة النمل بعد ذلك بأيتين
((وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ))
فهذه إشارة إلى رؤية أيات الله الكونية التى أخبر بها ليعلم الإنسان انه ما أنزل هذا الكتاب إلا رب السماوات و الأرض بصائر
((سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ))


كروية الأرض
أشار القرأن إلى كروية الأرض فى غير ما أية
فقال تعالى : ((وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا)) و هذا المعنى لا يتحقق إلا إن كانت الأرض كروية متسعة الجرم لأن الإنسان وقتئذ سيراها ممتدة لا يدرك نهايتها كما أخبر ربه أينما سار و حيثما سار
و كذا قال تعالى ((ُيكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ))
و معلوم أن الليل و النهار ليسا بكتلتين ماديتين يتكور بعضهما على بعض و إنما يشاهد هذا بانعكاسهما على الجسم المتأثر بهما و هى الأرض الكروية، و لذا لو نظرنا إلى الكرة الأرضية لوجدنا نصفها المقابل للشمس مضىء و النص المقابل مظلم ثم يزحف الضوء بدوران الأرض ليغطى الجزء المظلم من الكرة و يزحف الليل على الجزء المنير بدورانه بعيداً على الشمس فهى عملية تكوير لليل على النهار بكل ما تحمل الكلمة من معنى فسبحان الملك
و قد فهم سلفنا الصالح هذه المعانى الطيبة حتى نقلو الإجماع على كروية الأرض و ممن قال بهذا
شيخ الإسلام ابن تيمية فى مجموع الفتاوى 6 / 587 ،
و العلامة إبن القيم فى ابن القيم في "الصواعق المرسلة" (4/1308) و ابن حزم فى الفِصَل بين الملل والنِّحَل" ( 2 / 243)
و ابن الجوزى وابن كثير و الفخر الرازى و غيرهم


الليل قديماً يطلب النهار حثيثا
قال تعالى ((إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ))
هناك أيات كثيرة تكلمت عن إغشاء الليل للنهار و لكن لم يذكر أن ذلك يقع حثيثاً إلا فى هذه الأية المباركة و سر ذلك أن السياق هنا يتكلم عن حال الإغشاء فى بداية الخلق بعد أن خلق الله السماوات و الأرض و ليس فى يومنا فأخبر سبحانه فى هذه الأية الباهرة أنه لما خلق السماوات و الأرض جعل تعاقب الليل و النهار سريعاً ((يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً))
و العلم الحديث أثبت أن الأرض فى بداية الأمركان دورانها أسرع و كان اليوم فيها قصيراً جداً حتى أن الليل و النهار كانا يمران فى سويعات قد لا تتجاوز الأربع ساعات و كلما طال الزمن طالت المدة حتى وصلنا إلى ما نحن عليه الأن



الجبال أوتاد و رواسى
قال تعالى : ( أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا*وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا) . تشير الآية إلى أن الجبال أوتاد للأرض ، والوتد يكون منه جزء ظاهر على سطح الأرض ، ومعظمه غائر فيها ، ووظيفته التثبيت لغيره .
ويقول د. زغلول النجار: إن جميع التعريفات الحالية للجبال تنحصر في الشكل الخارجي لهذه التضاريس، دون أدنى إشارة لامتداداتها تحت السطح، والتي ثبت أخيراً أنها تزيد على الارتفاع الظاهر بعدة مرات .... ولم تكتشف هذه الحقيقة إلا في النصف الأخير من القرن التاسع عشر

وقال تعالى ( وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ ) وقال أيضاً( وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ)
والجبال أوتاد بالنسبة لسطح الأرض، فكما يختفي معظم الوتد في الأرض للتثبيت، كذلك يختفي معظم الجبل في الأرض لتثبيت قشرة الأرض . وكما تثبت السفن بمراسيها التي تغوص في ماء سائل ، فكذلك تثبت قشرة الأرض بمراسيها الجبلية التي تمتد جذورها في طبقةٍ لزجةٍ نصف سائلة تطفو عليها القشرة الأرضية، و لولا هذه الجبال لكثرت الزلازل و التحركات الصخرية بما تستحيل معه الحياة
ولقد تنبه المفسرون رحمهم الله إلى هذه المعاني فأوردوها في تفسيرهم لقوله تعالى: ( وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا ) ، واليك أمثلة من ذلك :
1- قال ابن الجوزي : ( وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا ) للأرض لئلا تميد
2- وقال الزمخشري ( وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا ): أي أرسيناها بالجبال كما يرس البيت بالأوتاد.
3- وقال القرطبي :( وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا ) أي لتسكن ولا تتكفأ بأهلها
4- وقال أبو حيان:( وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا ) أي ثبتنا الأرض بالجبال كما يثبت البيت بالأوتاد
5- وقال الشوكاني:( وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا ) الأوتاد جمع وتد أي جعلنا الجبال أوتاداً للأرض لتسكن ولا تتحرك كما يرس البيت بالأوتاد


السماء سقف للحفظ و الحماية
قال تعالى: (وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ)
نجد هنا خاصية قد أثبتتها الأبحاث العلمية التي أجريت في القرن العشرين .
فالغلاف الجوي الذي يحيط بالأرض يؤدي وظائف ضرورية لاستمرارية الحياة ، فهو حين يدمر الكثير من النيازك الكبيرة و الصغيرة فإنه يمنعها من السقوط على سطح الأرض و إيذاء الكائنات الحية
بالإضافة إلى ذلك فإن الغلاف الجوي يصفي شعاع الضوء الآتي من الفضاء المؤذي للكائنات الحية . و الملفت أن الغلاف الجوي لا يسمح إلا للإشعاعات غير الضارة مثل الضوء المرئي و الأشعة فوق البنفسجية و موجات الراديوا بالمرور . و كل هذه الإشعاعات أساسية للحياة
و ليس الغلاف الجوي فقط هو الذي يحمي الأرض من التأثيرات الضارة ، فبالإضافة إلى الغلاف الجوي فإن ما يعرف بحزام فان ألن وهو طبقة نتجت عن حقول الأرض المغناطيسية ، تشكل درعاً واقياً من الإشعاعات الضارة التي تهدد كوكبنا . هذه الإشعاعات ( التي تصدر عن الشمس و غيرها من النجوم باستمرار ) مميتة للكائنات الحية . و لولا وجود حزام فان ألن ، لكانت الانفجاريات العظيمة للطاقة المسماة التموجات أو الانفجارات الشمسية ( التي تحدث بشكل دائم في الشمس ) قد دمرت الأرض


النهار يجلى الشمس و ليس العكس
قال تعالى ((والشمس وضحاها‏*‏ والقمر إذا تلاها‏*‏ والنهار إذا جلاها‏*‏ والليل إذا يغشاها‏))
كان الناس قديماً يظنون أن الشمس هى التى تجلى النهار و ليس العكس

و فى هذا الزمان منذ أربعة عشر قرناً أنزل تعالى أيات تنافى هذا المعتقد فقال سبحانه عن الشمس (والنهار إذا جلاها)
و الضمير هنا يعود على الشمس ، و هذه معجزة عليمة إذ ثبت أن الذي يجلي الشمس لعين الإنسان هو كثرة انعكاس الضوء الصادر منها إلي الأرض وتشتته على الجسيمات الصلبة والسائلة والغازية الموجودة بتركيز معين في نطاق الجزء الأسفل من الغلاف الغازي للأرض‏(‏ إلي ارتفاع مائتي كيلو متر تقريبا فوق مستوي سطح البحر‏)‏
وباقي المسافة بيننا وبين الشمس‏(‏ والمقدرة بحوالي‏150‏ مليون كيلو متر في المتوسط‏)‏ بل باقي الجزء المدرك لنا من الكون يغرق في ظلام دامس بالنسبة لعين الإنسان التي تري الشمس خارج نطاق طبقة نور النهار قرصا أزرقا في صفحة سوداء‏.‏
وهذه الطبقة الرقيقة من نور النهار تدور مع دوران الأرض حول محورها أمام الشمس وعندما يدخل ضوء الشمس إلي الطبقة الدنيا من الغلاف الغازي للأرض فإنه يتعرض للعديد من عمليات الانعكاس والتشتت‏,‏ فيعطي لكل من السحاب والشمس والسماء والبحر لونه الخاص به‏,‏ وهذا معناه ان النهار هو الذي يجلي لنا الشمس أي يجعلها شديدة الإنارة واضحة جلية لأحاسيس المشاهدين لها من أهل الأرض‏,‏ وليست الشمس هي التي تجلي لنا النهار كما كان يعتقد كل الناس عبر التاريخ حتي بدء رحلات الفضاء في منتصف الستينيات من القرن العشرين‏



البحر المسجور و الأرض ذات الصدع
قال تعالى : (وَالطُّورِ {1} وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ {2} فِي رَقٍّ مَّنشُورٍ {3} وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ {4} وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ {5} وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ {6})
نلاحظ ههنا أن الأيات تتكلم عن أشياء قائمة بالفعل فى يومنا أقسم بها ربنا لا عن أشياء ستخلق يوم القيامة فالكلام عن واقع ، فالبحر الذى نراه يخبرنا ربنا أنه مسجور
و فى اللغة "سجر التنور": أي أوقد عليه حتى أحماه
و العقل البشرى وقت تنزل القرآن ولقرون متطاولة من بعد ذلك لم يستطع أن يستوعب هذه الحقيقة، كيف يكون البحر مسجوراً والماء والحرارة من الأضداد .
حتى أكتشف حديثاً أن الأرض التي نحيا عليها لها غلاف صخري خارجي هذا الغلاف ممزق بشبكة هائلة هائلة من الصدوع تمتد لمئات من الكيلومترات طولاً وعرضاً بعمق يتراوح ما بين 65 و 150 كيلومتر طولاً و عرضاً و من الغريب أن هذه الصدوع مرتبطة ببعضها البعض ارتباطاً يجعلها كأنها صدع واحد – لذا يقسم الله سبحانه وتعالى في آية اخرى قائلاً أخرى ( و الأرض ذات الصدع) و في هذه الآية إعجاز واضح فالله يقسم بصدع واحد الذي هو عبارة عن اتصال مجموع الصدوع، و الذى يشبهه علماء الجيولوجيا باللحام على كرة التنس- و قد جعلت هذه الصدوع في قيعان المحيطات وهذه الصدوع يندفع منها الصهارة الصخرية ذات الدرجات العالية التي تسجر البحر فلا الماء على كثرته يستطيع أن يطفىء جذوة هذه الحرارة الملتهبة و لا هذه الصهارة على ارتفاع درجة حرارتها ( أكثر من ألف درجة مئوية ) قادرة أن تبخر هذا الماء، وهذه الظاهرة من أكثر ظواهر الأرض إبهاراً للعلماء


ظلمات البحر اللجى
قال تعالى: (أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ)
ظلمات البحار هي مكان كان يستحيل لأي إنسان في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصل إليه البتة، لأن الإنسان لا يحتمل جسمه أن يغوص في الماء سوى إلى 30 متر ناهيك أن رسول الله لم يرى البحر فضلاً عن ركوبه و إدراك أسراره!
و لكن الأية تشير إلى حقيقة علمية باهرة و هى وجود طبقات من الظلمات من حواجز الأمواج الداخلية والخارجية والسحاب وكلها حواجز تمنع مرور الإشعاع الضوئي إلى الأسفل .
أما السحاب: فمن المعروف أنه إذا وجد سحاب وجد له ظل أي وجد له ظلمة.
الموج السطحي: كما هو معروف مائل فعندما يسقط الإشعاع الضوئي فإنه ينعكس
أماالموج الداخلي :فإن العلم الحديث يصنّف التيارات البحرية إلى تيارات سطحية وهي ما نسميه بأمواج البحر، وتيارات عميقة تحت سطح البحر، وهي ما سماه القرآن بالموج
زد على ذلك فالآية تصف الظلام بلفظة (ظلمات) فالجمع هنا جمع قلة من ثلاثة إلى عشرة،
و بالفعل بجانب ظلمات السحاب و التيار السحطى و التيار العميق ، نعلم أن الشعاع الضوئي يتكون من سبع ألوان والألوان عندما تخترق الماء لا تخترقه بقوة واحدة بحسب اختلاف طول الموجة ولذلك يمتص اللون الأحمر على مسافة العشرين متر الأولى، فلو أن غواصاً يغوص وجرح وخرج منه دم وأراد أن يرى الدم لا يراه باللون الأحمر بل يراه باللون الأسود، لماذا؟..... لأن اللون الأحمر انعدم فأصبحت هناك ظلمة اللون الأحمر. و كما غاص مسافة فقد لوناً من ألوان الطيف و هكذا إلى آخر لون يمتص و هو الأزرق لذلك نرى البحر أزرقاً لأنه آخر شعاع يمتص / فهذه ظلمات بعضها فوق بعض سبعة للألوان وثلاثة للحواجز

.. و تمتص جميع الألوان و يصير الظلام شديداً عند عمق 200 متر ، و قد عبر القرأن عن هذه المرحلة العميقة بقوله(إذا أخرج يده لم يكد يراها) و كاد من أفعال المقاربة ونفيها يعني نفي وقوع الفعل البتة أو مقاربة النفي، والمفسرون قالوا: هذا له معنيين.. قالوا: (لم يكد يراها) أي يراها بصعوبة وآخرون قالوا: بل اللفظ على ظاهرة و المراد أنه لا يراها البتة،
و القرأن يحوى جوامع الكلم فاستعمل هذا التعبير الذي يدل على المعنيين،
و بالفعل في الطبقات التي مازال فيها شيء من ضوء لا ترى يدك إلا بصعوبة
لكن إذا وصلت لعمق مئتى متر لا تراها أبداً و لا ترى أى شىء حتى أن الأسماء التى تحيا فى هذه المنطقة خلق لها بديع السماوات و الأرض كشافات طبيعية تحت عينيها لترى بها فى هذا الظلام الدامس،،،،،سبحان الله


ثلاث معجزات فى أية
قال تعالى ((تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاء بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُّنِيراً))
* أما وصفه السماء بأن فيها بروج: فقد كان المفسرون يرون أنها هي مجموعات النجوم التي صنفها الأقدمون ضمن مجموعات ليهتدوا بها في سفرهم في البر والبحر، مثل برج الثور وبرج الجدي ....الخ
ولكن بالرجوع إلى اللغة التي نزل بها القرآن وهي العربية نجد أن البرج هو البناء الضخم المحكم
و بالفعل فى زمن التقدم العلمى الذى نحياه اكتشف علماء الغرب أن المجرات الغزيرة التي تعدّ بآلاف الملايين وتملأ الكون ليست متوزعة بشكل عشوائي، إنما هنالك أبنية محكمة وضخمة من المجرات يبلغ طولها مئات الملايين من السنوات الضوئية!
لذا بدئوا يطلقون عليها مصطلحات مثل الجزر الكونية والنسيج الكوني والبنى الكونية ، و هذا مصداق قوله تعالى قبل أربعة عشر قرناً ((الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاء بِنَاءً..))

*و أما وصفه سبحانه الشمس بالسراج: فهذه تسمية دقيقة جداً من الناحية العلمية. إذ نجد فى المعاجم أن السراج هو الوعاء الذي يوضع فيه الوقود ليحترق ويعطي الحرارة والضوء.
و الأبحاث العلمية حول آلية عمل الشمس والتفاعلات النووية الحاصلة في داخلها. تثبت أن تركيب الشمس ونظام عملها هو عبارة عن وعاء مليء بالهيدروجين الذي يحترق باستمرار بطريقة الاندماج ويبث الحرارة والضوء، فهى إذاً فرن نووي ضخم وقوده الهيدروجين الذي يتفاعل باستمرار تفاعلاً اندماجياً وينتج عنصر الهيليوم الأثقل منه مما يؤدي لإطلاق كميات كبيرة من الحرارة والنور.

*و وصفه القمر بأنه منير: ففي كلمة (منيراً) تتجلى معجزتان علميتان أولاهما أن القرآن بين أن القمر ليس جسماً متوهجاً مثل الشمس، والتي سماها القرآن بالسراج. ففرق بين السراج والقمر المنير، وأعطى لكل منهما الصفة الحقيقية التي تناسبه. وهذه الحقيقة العلمية لم تنكشف للعلماء إلا في العصر الحديث.
أما المعجزة الثانية فمن خلال التحليل الدقيق لتربة القمر فقد تبين أن الوصف القرآني للقمر بأنه جسم منير هو وصف دقيق من الناحية العلمية. بسبب وجود عنصر السيليكون في ترابه ,,,,, سبحان الله



السماء كانت دخاناً
قال تعالى عن مراحل خلق السماء و الأرض ((ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ))

اكتشف العلماء أن الكون في مراحله الأولى امتلأ بالغاز gas، وخصوصاً غاز الهيدروجين وغاز الهيليوم ولكنهم اكتشفوا بعد ذلك غباراً كونياً cosmic dustينتشر بين النجوم، ويقولون إنه من مخلفات الإنفجارات النجمية. ولكن الغاز يختلف عن الغبار ويختلف طبعاً عن الدخان.
إلى أن صرح أحد علماء الغرب أن ما تم اكتشافه من غبار كوني لا يمتُّ بصلة للغبار الذي نعرفه ولا يشبهه أبداً، وأن هذا الغبار أشبه ما يكون بدخان السيجارة!!!
فهذا هو الدكتور دوغلاس بيرس يقول:
Unlike household dust, cosmic 'dust' actually consists of tiny solid grains (mostly carbon and silicates) floating around in interstellar space, with similar sizes to the particles in cigarette smoke.
http://www.chl.chalmers.se/~numa/astrophys.../molecules.html
"الغبار الكوني- والذي لايشبه الغبار المنزلي- في الحقيقة يتألف من حبيبات صلبة دقيقة (وغالباً من الكربون والسيليكون) تسبح في الفضاء بين النجوم، وحجمها مشابه لحجم دخان السيجارة".
ولذلك فإن العلماء يسمون هذا الغبار بالدخان الكوني، بعد أن وجدوا أنه لا يشبه الغبار،
وهذه إحدى المقالات العلمية الحديثة يصرح كاتبها قائلا:
The dust particles that are mixed with the gas are tiny, only a fraction of a micrometer in size, and could therefore better be described as ``smoke´´
http://saturn.jpl.nasa.gov/spacecraft/inst...cda-details.cfm
[ذرات الغبار الممزوج بالغاز دقيقة، وحجمها يساوي جزء من الميكرون فقط، ولذلك فإن أفضل وصف لها "دخان]


السماء تتسع
هذه الأية العظيمة توافق ما عليه علماء الفلك اليوم من الاعتقاد فى نظرية البج بانج او الانفجار العظيم و التى تقول بأن هذه الكواكب و النجوم كانت جرماً واحداً و انفجر و هذا ما قاله القرأن بدقة متناهية فى قوله تعالى ((َأولَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا ))
و لذلك يشاهد أن هذه الاجرام التى فى الجزء المدرك من السماء فى حالة تباعد مستمر و لا تزال السماء تتسع من أثر هذا الانفجار السحيق ، و المدهش أن القرأن حين تكلم عن السماء عبر عن اتساعها بفعل المضارع فقال ( و إنا لموسعون) أى الاتساع لا يزال يقع لم ينتهى ...سبحان الله


النجم الخانس الكانس
من أهم الكشوفات الكونية الحديثة ما يسمى بالثقوب السوداء والتي هي عبارة عن نجوم ثقيلة جداً. فالنجوم هي كائنات تمر بمرحلة الولادة ثم تكبر وتتطور ثم تأتي مرحلة الانهيار والموت، والثقب الأسود يمثل المرحلة الأخيرة. فعندما يكبر حجم النجم لدرجة هائلة تزداد الجاذبية لحدود عظيمة جداً، فيجذب إليه كل شيء حتى الضوء لا يستطيع الإفلات من حقل جاذبيته الفائقة.
لذلك نحن لا نتمكن من رؤية هذه الأجسام أبداً، لأنها خانسة شديدة الاختفاء. وهذا سبب تسميتها بالثقوب السوداء. وقد أخبرنا العلماء بأن هذه المخلوقات تسير وتجري في الكون بسرعات عالية، وتجذب إليها كل جسم يقترب منها فتكنس من صفحة السماء كل ما تقابله ..
و لننظر الأن إلى بلاغة و دقة و إيجاز اللفظ القرأنى الذى عبر عن حال هذه النجوم أفضل ما عبرت عنها التعريفات العلمية الحديثة فقال تعالى : (فلا أُقسم بالخُنّس * الجوارِ الكُنّس)
فـ (الخُنّس): من الفعل (خَنَسَ) أى اختفى و هى بالفعل الأشياء التي لا تُرى أبداً.
و(الجوارِ): أي التي تجري وتسير، وهذه من كلمة (يجري) بحركة محددة.
و(الكُنّس): من فعل (كَنَسَ) أي جَذَبَ إليه أي شيء قريب منه وضمَّه إليه بشدة، وهذا عين ما يحدث في (الثقب الأسود),,,, سبحان الله


عسل النحل وصية قرأنية
تحدث القرأن عن النحل و العسل الذى يفرزه فى سورة عظيمة سماها بالنحل لاحتواءها أية كريمة تتجلى فى تدبرها أيات الله فى خلقه فقال عز و جل ((وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ* ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ))
أولا: ثبت علمياً أن التقسيم القرأنى للعسل يوافق ما أثبته العلم من خصائص و امتيازات للعسل تختلف درجاتها فالعسل الجبلى هو انقى و أقيم و انفع أنواع العسل ثم يأتى عسل النحل الذى يتخذ من الشجر بيوتاً ثم عسل نحل المناحل
ثانياً: أنه بفضل الله يستعمل العسل الرائع فعلياً في علاج فقر الدم و شفاء الجروح و علاج لجهاز التنفسى و كثير من أمراض الرئة و أمراض القلب و و أمراض المعدة و الأمعاء و أمراض الكبد و و أمراض الجهاز العصبي و أمراض الجلد و الأرتيكاريا ( الحكة ) ولأمراض العين و اضطرابات طرح البول و الأرق و كثير من الأمراض النسائية بجانب كونه غذاءً ممتازاً للأطفال و الناشئين
فسبحان الخلاق العظيم الذى أخرج من هذه الحشرات البسيطة ذلك الخير و تلك النعمة


تكون السحاب و البرد
قال تعالى : ((أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ))
لقد تحدث القرآن عن البرَد في آية من آياته العظيمة، في هذه الآية جمع الله كل الحقائق العلمية بمنتهى الدقة والإيجاز، وبنفس التسلسل العلمي.
* لقد بدأت الآية بقوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا) . و العلم يثبت أن عملية تشكل البرد تبدأ بدفع التيارات الهوائية للغيوم وتجميعها والتآلف بينها، وكلمة (يُزْجِي) تعني في اللغة "يسوق ويدفع". وهذا ما نراه في أول مرحلة من مراحل تشكل البرد.
* ثم تأتي المرحلة الثانية بعد ذلك في قوله تعالى: (ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ)، أي يجمع بين السحُب، وهذه المرحلة نراها حين تبدأ الغيوم بالتجمع.
* ثم تأتي المرحلة الأخيرة لتشكل الغيوم وهي الغيوم الركامية وهذه نجدها في قوله تعالى: (ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا). وكلمة "رَكَمَ" في اللغة تعني "ألقى الأشياء بعضها فوق بعض"، وهذا ما يحدث تماماً في الغيوم الركامية حيت تدفعها التيارات الهوائية باتجاه الأعلى وتجمّعها باتجاه عالٍ يشبه الأبراج ذات القاعدة العريضة وتضيق كلما ارتفعنا للأعلى وتكوّن شكلاً يشبه "الجبل". وتأمل معي كيف يستخدم القرآن كلمة (ركاماً) وهي نفس الكلمة التي يستخدمها العلماء اليوم "الغيوم الركامية".
* وفي المرحلة التالية يبدأ تشكل المطر ونزوله وهذا ما تخبرنا عنه الآية بعد ذلك في قوله تعالى: (فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ) وقد ثبُت أن المطر الغزير وهو (الودْق) يخرج من جميع أجزاء الغيمة وهذا ما أشارت إليه الآية في عبارة (مِنْ خِلَالِهِ).
* ثم و بعدما تشكلت قطيرات المطر أصبحت إمكانية تشكل البرد ممكنة، وذلك من خلال اجتماع ملايين القطيرات من الماء شديد البرودة لتشكيل حبات البرد والتي تتجمع في مناطق محددة في أعلى وأوسط الغيمة ويبدأ نزول البرد من مناطق محددة أيضاً، وهذا ما تحدثنا عنه الآية بعد ذلك: (وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ)!!
- وهنا نلاحظ أن القرآن يستخدم كلمة (جبال) والعلماء يستخدمون كلمة "أبراج" من الغيوم، لأنهم وجدوا أن شكل الغيوم التي تحوي البرَد يشبه البرج. فتأمل التقارب الشديد بين الكلمة القرآنية والكلمة العلمية. ونلاحظ أيضاً كيف يراعي القرآن تسلسل المراحل.
ويقول العلماء أيضاً إن البرد لا يوجد في جميع أجزاء الغيمة بل في مناطق محددة فيها، وينزل من مناطق محددة أيضاً وليس من الغيمة كلها، ولذلك لم يقل تعالى: وينزل البرَد، بل قال: (مِنْ بَرَدٍ) أي أن جبال الغيوم الركامية تحوي شيئاً من البرَد.
ولكن العلماء وجدوا أن قسماً كبيراً من البرد المتشكل يذوب قبل وصوله إلى الأرض، وقسماً آخر يذوب داخل الغيمة. وهذا ما عبَّر عنه القرآن بقوله تعالى: (فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ). إذن الله تعالى يصيب بهذا البرد من يشاء فتجد أن حبات البرد تبقى متجمدة حتى تصل إلى الأرض، ويصرف الله تعالى هذا البرد عمن يشاء من خلال ذوبان الجزء الأكبر من حبات البرد وعدم وصولها إلى الأرض.
- ولكن بقي شيء مهم يحدثنا عنه العلماء كما رأينا وهو موضوع البرق وارتباطه بالبرد. فالبيئة المناسبة لتشكل البرد هي ذاتها المناسبة لحدوث ومضة البرق، وهذا أيضاً حدثنا عنه القرآن في نفس الآية في قوله تعالى: (يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ)، فتأمل أخي القارئ هذا التسلسل العجيب!!
هذا مختصر البحث الرائع الباهر و التفصيل لمراحل تكون السحب و نزول المطر و البرد فى هذا الرابط
http://www.55a.net/firas/arabic/?page=show...;select_page=10


بعوضة فما فوقها!
قال تعالى ((إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ))
ضرب الله مثلاً بهذه البعوضة الحقيرة فى عين الناس، و لكن يتجلى إعجاز هذا المثل الدقيق بالمعلومات الأتية التى تقررت عن البعوضة؟-

1)هي ‏أنثى كما بينت الأية القرأنية، فأنثى البعوض تمتص الدم لتغذى جنينها
2) بعد ساعة او اثنين من وضع بيضها يتغير لونه للأسود كى لا تعرفه الحشرات الاخرة فتلتهمه، و الأدهى انه يمكن أن يتغير للون البيئة التى وضع فيها!
3) ‏لها ‏مائة ‏عين ‏في ‏رأسها
4) ‏لها ‏في ‏فمها 48 سن
5) ‏لها ‏ثلاث ‏قلوب ‏في ‏جوفها ‏بكل ‏أقسامها
6) لها ‏ستة ‏سكاكين ‏في ‏خرطومها ‏ولكل ‏واحدة ‏وظيفتها
7) لها ‏ثلاث ‏أجنحة ‏في ‏كل ‏طرف
8) ‏مزودة ‏بجهاز ‏حراري ‏يعمل ‏مثل ‏نظام ‏الأشعة ‏تحت ‏الحمراء ‏وظيفته :
‏يعكس لها ‏لون ‏الجلد ‏البشري ‏في ‏الظلمة ‏إلى ‏لون ‏بنفسجي ‏حتى ‏تراه .
9) ‏مزودة ‏بجهاز ‏تخدير ‏موضعي ‏يساعدها ‏على ‏غرز ‏إبرتها ‏دون أن ‏يحس الإنسان ‏وما ‏يحس ‏به ‏كالقرصة ‏هو ‏نتيجة ‏مص ‏الدم.
10) ‏مزودة ‏بجهاز ‏تحليل ‏دم ‏فهي ‏لا ‏تستسيغ ‏كل ‏الدماء.
11) مزودة ‏بجهاز ‏لتمييع ‏الدم ‏حتى ‏يسري ‏في ‏خرطومها ‏الدقيق جدا .
12) ‏‏ و الأغرب من هذا قوله تعالى (فما فوقها) فكلمة فوقها تفيد العلو ، فلو إعتبرنا أن المقصود هنا المخلوقات التى هى أعلى فى الحجم و القيمة من البعوضة ، فلماذا ينكر سبحانه الحياء من التمثيل بذلك و هو أمر لا ينكره أحد أصلاً؟
بل و أمر لا سقف له يتضمن كل المخلوقات التى تفوق خلق البعوضة حتى تشمل السماوات !
لذا لجأ ذهب الكثير من العلما إلى التأويل لمعنى أخر و ترجيحه و هو كما نقله الرازى
{أراد بما فوقها في الصغر أي بما هو أصغر منها والمحققون مالوا إلى هذا القول لوجوه:
أحدها: أن المقصد من هذا التمثيل تحقير الأوثان، وكلما كان المشبه به أشد حقارة كان المقصود في هذا الباب أكمل حصولاً.
وثانيها: أن الغرض ههنا بيان أن الله تعالى لا يمتنع من التمثيل بالشيء الحقير، وفي مثل هذا الموضع يجب أن يكون المذكور ثانياً أشد حقارة من الأول يقال إن فلاناً يتحمل الذل في اكتساب الدينار، وفي اكتساب ما فوقه، يعني في القلة لأن تحمل الذل في اكتساب أقل من الدينار أشد من تحمله في اكتساب الدينار.
وثالثها: أن الشيء كلما كان أصغر كان الاطلاع على أسراره أصعب، فإذا كان في نهاية الصغر لم يحط به إلا علم الله تعالى، فكان التمثيل به أقوى في الدلالة على كمال الحكمة من التمثيل بالشيء الكبير
}
و هذا كلام مسدد جداً ، و لكن يظل السؤال لما لم يقل الله تعالى (فما دونها) بدلاً من هذا المعنى الغامض الذى يحتاج لتبيين ( فما فوقها) أى فوقها فى الصغر؟
الجواب: أن الله تعالى قصد بـ (فوقها) فوقية المكان!
فقد أثبت العلم الحديث أن فوق ظهر البعوضة تعيش حشرة صغيرة جداً لا تُرى الا بالعين المجهرية !
فتبارك الله أحسن الخالقين


ضيق الصدر بالصعود فى السماء
قال تعالى ((فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ))
و ووجه آخر للإعجاز العلمي في الآية الكريمة وهو لفظ يصَّعَّد (وأصله: يتصَعَّد) وهو من التفعُّل، أي كلما زاد الفعل، زاد أثره.. فكلما زاد الصعود، زاد الضيق (الحرج)
و فى قراءة سبعية متواترة اخرى و هى قراءة ابن كثير (يصعَد) بإسكان الصاد و تخفيف العين ، و هى تؤكد أن الصعود مقصود حقيقة
أما سر ضيق الصدر فيعود لسببين رئيسيين هما :

1ـ انخفاض نسبة الأوكسجين في الارتفاعات العالية ، فهي تعادل21% تقريباً من الهواء فوق سطح الأرض ، و تنعدم نهائياَ في علو 67ميلاً ،.

2 ـ انخفاض الضغط الجوي : إن أول من اكتشف الضغط الجوي ، هو العالم تورشيلي و ينخفض هذا الضغط كلما ارتفعنا عن سطح الأرض مما يؤدي لنقص معدل مرور غازات المعدة و الأمعاء ، التي تدفع
الحجاب الحاجز للأعلى فيضغط على الرئتين و يعيق تمددها ، و كل ذلك يؤدي لصعوبة في التنفس ،و ضيق يزداد حرجاً كلما صعد الإنسان عالياً حتى أنه تحصل نزوف من الأنف أو الفم تؤدي أيضاً للوفاة .

و لقد أدى الجهل بهذه الحقيقة العلمية الهامة التي شار إليها القرآن ،إلى حدوث ضحايا كثيرة خلال تجارب الصعود إلى الجو سواء بالبالونات أو الطائرات البدائية ، أما الطائرات الحديثة فأصبحت تجهز بأجهزة لضبط
الضغط الجوي و الأوكسجين .
(( مع الطب في القرآن الكريم ..تأليف الدكتور عبد الحميد دياب / الدكتور أحمد قرقوز مؤسسة علوم القرآن – دمشق))

و بخصوص لفظة يصعّد يقول دكتور عبدالرحيم الشريف:- عن معناها في كتب اللغة:
ـ " صعد السطح، وصعد إلى السطح، وصعد في السلم وفي السماء، وتصَّعَّد وتصاعد، وصَّعَّد في الجبل، وطال في الأرض تصويبي وتصعيدي. وأصَّعَّدَ في الأرض: ذهب مستقبل أرض أرفع من الأخرى " أساس البلاغة، الزمخشري، 2/92 ص ع د
ـ " وصعَّدَ في الجبل وعليه وعلى الدرجة: رقي " المحكم والمحيط الأعظم، ابن سيده، 1/285أبواب العين مع الصاد .
ـ " صَعَّد في الجَبَلِ وصَعَّد عليه تَصْعيداً، كاصَّعَّدَ اصِّعَّاداً، بالتشديد فيهما.. أَصْعَد في الجَبَل، وصَعَّد في الأَرض: رَقِيَ مُشْرِفاً " تاج العروس، الفيروزآبادي 2/397 صعد.
ـ " صعد: إذا ارتقى، واصَّعَّد يَصَّعَّدُ إصّعّاداً فهو مصَّعَّد: إذا صار مستقبل حدور أو نهر أو وادٍ أو أرض أرفع من الأخرى. وصعّد في الوادي إذا انحدر.. والاصِّعَّاد عندي مثل الصُعُود؛ قال الله تعالى: " كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ ". [الأنعام: 125] يقال: صَعَدَ واصَّعَّدَ واصَّاعَدَ بمعنى واحد ". انظر: لسان العرب، ابن منظور، 3/253 صعد، وانظر معنى صَعَّدَ: المعجم الوسيط، د. إبراهيم أنيس، ص514والتفسير العلمي لسبب ذلك هو: زيادة الضغط الجوي، وقلة الأكسجين.. فالمعنيان يكملان بعضهما
ومن هنا يتبين أن العرب استعاروا معنى الصعود ليدل على المشقة (لازمُ الصعودِ). وهذا من الأساليب المعهودة في العربية وهي استعارة لازم الصفة للدلالة على معانٍ تشبهها]
فالمشقة لازمة لصعود الجبال ، فأحدهما مسبَّب عن الآخر، والثاني أصل له.
فالأصل: الصعود، ولازمه: المشقة.



يتبع إن شاء الله.....
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و أشهد أن محمداً عبده و رسوله و أن عيسى عبد الله و رسوله و كلمته ألقاها إلى مريم و روح منه

#27 أبو عبيدة

    مشرف حوارات الأديان

  • مشرف
  • 855 المشاركات

تاريخ المشاركة : 24 October 2007 - 10:32 PM

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ,,

أسأل الله يا أبا تراب أن يحشرك مع صاحب الدلائل بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم .
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُم مَّا أَنفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ }(الممتحنة10)

#28 قدس أبونا

  • الأعضاء
  • 5 المشاركات

تاريخ المشاركة : 27 October 2007 - 06:52 PM

جزاك الله كل خير

#29 أبـــ(تراب)ـــو

    مشرف مشروع تفنيد الكتاب المقدس

  • مشرف
  • 357 المشاركات

تاريخ المشاركة : 28 October 2007 - 10:48 PM

ربنا يجزيك الفردوس اخى و حبيبى أبا عبيدة
و اهلاً فى المنتدى بأخى قدس أبونا و ان ظننت من اسمه بادى الرأى أنه غير مسلم
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و أشهد أن محمداً عبده و رسوله و أن عيسى عبد الله و رسوله و كلمته ألقاها إلى مريم و روح منه

#30 الشرقاوى

    عضو جديد

  • الأعضاء
  • Pip
  • 121 المشاركات

تاريخ المشاركة : 29 October 2007 - 02:02 PM

جزاك الله خيرا يامولانا

موضوع جامع مانع

جعله الله في ميزان أعمالك

صوره


الـــــــSHARKـــــاوى


إن المناصب لا تدوم لواحد ..... فإن كنت فى شك فأين الأول؟
فاصنع من الفعل الجميل فضائل ..... فإذا عزلت فأنها لا تعزل


#31 أبـــ(تراب)ـــو

    مشرف مشروع تفنيد الكتاب المقدس

  • مشرف
  • 357 المشاركات

تاريخ المشاركة : 03 December 2007 - 08:37 PM

الإعجاز النظمى و البيانى
أنزل الله تعالى القرأن الكريم بلسان عربى مبين على قلب رسوله الأمين فى زمن ما أتقنت فيه العرب أمراً إتقانها الكلمة الفصيحة حتى ترنمت ببلاغتها و تسابقت فى صياغتها فعقدت لها الأسواق و صنف أهلها على طبقات و تبارى فيها الشعراء و الأدباء ، فكم رفعت أقواماً و سُببت رزقاً يقتات عليه كثير من الفصحاء، و ظهرت جبال الأدب القديم أمثال النابِغَة الذُبياني و علَقَمَةِ الفَحل و عمرو بنِ كُلثوم و عَنتَرَة بن شَدّاد و الأعشى وامرؤ القَيس و طَرَفَة بن العَبد و لبيد بن ربيعة العامريو الحارث بن حلزة و زهير بن أبي سُلمى و ثابت بن جابر و حاتَم الطائي و عَبيد بن الأبرَص

و القائمة تطول حتى قد تطال كل بيت رجالاً و نساءً، فى عصر كان العرب الأقحاح يحسنون الشعر و التنسيق بالسجية حتى كانوا يرتجلونه بمهارة و يسر كما يرتجل أحدنا مجرد الكلام ، ، و من شاء فليراجع حديث أم زرع و حديث عمرو ابن سالم ، و ليقرأ ديوان على أبى طالب ليعرف لسان القوم

و رغم ذلك فإن الله إختار من بين هؤلاء الأفذاذ محمداً صلى الله عليه و سلم لينزل عليه النبأ العظيم و القول الثقيل الذى صار دائماً و أبداً دستور االفصاحة و أعجوبة البيان فكان مجيئه بالكتاب الذى أعجز لسانهم و القول الذى اشرأبت له أعناقهم بعد أربعين سنة قضاها بينهم ذلك النبى الأمى ما نطق فيها الشعر و ما عرفت عنه هذه الملكة التى تظهر فى الإنسان مبكراً إعجاز على إعجاز لقوم يعقلون ((قُل لَّوْ شَاء اللّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ))

و قد نزل القرأن يتحداهم ليل نهار بل و يتدرج فى التحدى مبالغة فى الإبهار

* فتحداهم أولاً أن يأتوا بسورة مثله فقال تعالى ((َأمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ))
* ثم تحداهم أن يأتوا بعشر سور فقط مثله ((أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ))
* ثم بلغ ذروة التحدى فى أن يأتوا و لو بسورة من مثله ، و أنهم ما لا يفعلون ولن يفعلواَ أبداً ((وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ*فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ))
فما استطاعو أن ينجزو التحدى الذى أعجزهم
((قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً))
فلما أيقنت العرب -كما يوقن حالياً كل من يتبحر فى علوم اللغة و الأدب - أنهم أبعد ما يكون عن محاكاة بلاغة القرأن إنصرفوا إلى الصد عنه و إلصاق التهم برسول الله:

- فتارة يقولون عن القران أنه سحر((وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ))
- و تارة يتهمون رسول الله بالجنون ((وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ))
فرد الله قولهم بتذكيرهم أن محمداً صلى الله عليه و سلم ليس غريباً تجهلونه بل هو (صاحبكم) الذى تعرفونه و تعلمون رجاحة عقله ورفعة خلقه و سلامة فهمه ((قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ))
- و تارة يتهمونه بأن القران أضغاث أحلام أو افتراء من عنده او شعر من الأشعار
و قد عبر القرأن عن هذا التخبط الفكرى والَإضطراب الجدلى و الإهتزاز العقدى و التسرع الأعمى أبلغ تعبير و صوره أبدع تصوير بقوله تعالى ((بَلْ قَالُواْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الأَوَّلُونَ))
فأجابهم ربهم أن رسول الله ما كان ليفترى أو يضل عقله السديد و هو صاحبهم الذى يعلمون ((وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2) وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى))
و رد عليهم بأنه ما تعلم الشعر فى حياته و ما ينبغى أن يقوله و ما يشبه القرأن أشعارهم التى يعهدون ((وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ))
- حتى وصل بهم التخبط أن اتهمو رسول الله بأنه يتعلم القرأن من غلام رومى يعمل حداداً فى مكة
فرد عليهم تعالى بقوله ((وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ))
فها جاء ذلك الأعجمى الذى لا يكاد للعربية يبين بهذا اللسان العربى الرزين الفصيح؟!

و من خوفهم كانوا يتعمدون اللغو و التشويش على رسول الله حين يقرأ القرأن على الناس و يلزمونه كلما اتجه ليقابل حاجاً أو وافداً يشوهون صورته و يحذرون و يتوعدون و يحولون بين القرأن و بين الأذان ((وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ))

فانشغلوا بكل هذا المحاولات وزادوا عليها الإرهاب و التغريب والقتل و التهديد، و حباكة المؤامرات و المقاطعة الاقتصادية و اعلان الحرب العسكرية ليصدو الناس عن القرأن الذى عجزوا عن الإتيان و لو بسورة من مثله و هو يتحداهم صباحاً و مساءً و لو فعلوا لكفوا أنفسهم ما حاق بهم من الجهد و الخسران

و لكن و لله الحمد فرغم حربهم الضروس ما استطاعو أن يطفئوا نور الله تعالى فقد دخل القرأن إلى الأسماع فاستقر منها فى القلوب و صارت تلاوته تتردد على ألسن الملايين العربى منهم و الأعجمى يبكى العيون ، و سيظل كذلك حتى يرفعه إليه الحى القيوم

و لم يقف الأمر بالعرب عند العجز عن محاكاة القرأن بل ما ملكت أنفسهم إلا أن تقر بإعجازه و روعته سراً و جهاراً جميعاً و أشتاتاً بلسان الحال و المقال

و هذا عتبة ابن الربيعة لما اختارته قريش ليفاوض رسول الله فظل يرغبه و يعرض العروض فلما انتهى تلا عليه رسول الله أيات سورة فصلت فظل يستمع كأن على رأسه الطين معتمداً على يديه فلما فرغ رسول الله عاد ليقول لقومه فقال بعضهم لبعض نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به . فلما جلس إليهم قالوا : ما وراءك يا أبا الوليد ؟ قال ورائي أني قد سمعت قولا والله ما سمعت مثله قط ، والله ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة (سيرة ابن هشام 2/130، البداية و النهاية البداية والنهاية 3/60 )

و فى حديث الزهرى: ( أن أبا سفيان بن حرب وأبا جهل بن هشام والأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثقفي حليف بني زهرة خرجوا ليلة ليستمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي من الليل في بيته فأخذ كل رجل منهم مجلسا يستمع فيه وكل لا يعلم بمكان صاحبه فباتوا يستمعون له حتى إذا طلع الفجر تفرقوا . فجمعهم الطريق فتلاوموا ، وقال بعضهم لبعض لا تعودوا ، فلو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئا ، ثم انصرفوا ، حتى إذا كانت الليلة الثانية عاد كل رجل منهم إلى مجلسه فباتوا يستمعون له حتى إذا طلع الفجر تفرقوا ، فجمعهم الطريق فقال بعضهم لبعض مثل ما قالوا أول مرة ثم انصرفوا حتى إذا كانت الليلة الثالثة أخذ كل رجل منهم مجلسه فباتوا يستمعون له حتى إذا طلع الفجر تفرقوا ، فجمعهم الطريق فقال بعضهم لبعض لا نبرح حتى نتعاهد ألا نعود فتعاهدوا على ذلك ثم تفرقوا ..) (سيرة ابن هشام 2/157)


و هذا الوليد بن المغيرة ينطق بالحق لما سمع شيئاً من القرأن فقال: ((إن لكلامه لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمورق، وإن أسلفه لمغدق، وإنه ليعلو ولا يعلى عليه، والله ما هو بالشعر ولا بالنثر)) (صححه الألبانى على شرط الشيخين)
فالعرب كانت تقسم الأدب إلى شعر له وزن و قافية و بحور، و نثر ليس له وزن و لا قافية فى الأغلب و كذا ليس له بحور
فإذا بالقرأن يأتى بلون جديد لا يندرج تحت هذا ولا ذاك بل يفوق بلاغة الصنفين و يتسع نمطه عنهما !
فصار العرب يقسمون الأدب نثراً و شعراً و أسلوب قرأنى


* لذا نجد من المضحك محاولات بعض أنصاف الأميين الجهال الأعاجم محاكاة القرأن فى هذه الخاصية ، و كلهم فى الواقع عيال عليه مقتدين به معترفين بإمامته فى التقليد و الإقتباس دون ان يدروا !
و رغم ذلك فحتى مجرد التقليد و الإقتباس فشلوا فيه و ظهر العجز و البون بين مشوهات المقدلين و أيات الذكر الحكيم، و ما جرأهم على ذلك إلا جهلهم بالأدب فجعلوا أنفسهم أضحوكة العالمين و ذلك جزاء من يهرف بما لا يعرف

و كان الأولى بهم كما جاء القرأن بالجديد فى فن حباكة البلاغة فى بديع النظم الذى ابتكره، أن يأتو بكلام أياً كان منهاجه و نمطه من مواهبهم بحيث إذا قيس بمقياس الفضيلة البيانية مع القرأن حاذاه أو قاربه
يقول الدكتور محمد دراز : ((فإن المتنافسين فى حلبة البيان يعمد كل منهم إلى التعبير عن غرضة بالطريقة التى يرضاها و على الوجه الذى يستمليه من نفسه ثم يقع بينهم التماثل أو التفاضل على قدرما يتحقق فى كلامهم من حاجات البيان ، أو ينقص منها و إن اختلفت المذاهب التى إنتحاها كل منهم.......هب أن المدعويين لمعارضة القرأن فيهم الأكفاء للنبى فى الفطرة و السليقة ، أو من هم أكمل فيها، أو هبهم جميعاً دونه فى تلك المنزلة ، فأما الأعلون فسيجيئون على وفق سليقتهم بقول أحسن من قوله و أما الأنداد فسيجيئون بقول مثله ، و أما الأخرون فلن يكبر عليهم أن يقاربوا أو يجيئو بشىئ من مثله ، و لو تحقق شىء من المراتب الثلاثة لكان كافياً فى رد الحجة ، و إبطال التحدى )) النبأ العظيم صــ95

و من أوجه الإعجاز فى نظم القرأن كما أوردها الباقلانى و الرافعى و دراز و غيرهم :-

أولا: أن نظم القرآن وقع موقعاً في البلاغة يخرج عن عادة كلام الإنس والجن، و ليس للعرب كلام مشتمل على هذه الفصاحة والغرابة، والتصرف البديع، والمعاني اللطيفة، والفوائد الغزيرة، والحكم الكثيرة، والتناسب في البلاغة، والتشابه في البراعة، على هذا الطول وعلى هذا القدر، وإنما تنسب إلى حكيمهم كلمات معدود، وألفاظ قليلة، وإلى شاعرهم قصائد محصورة، يقع فيها ما نبينه بعد هذا من الاختلال، ويعترضها ما نكشفه من الاختلاف، ويقع فيها ما نبديه من التعمل والتكلف والتجوز والتعسف.

ثانياً: القرآن على طوله و كثرته متناسباً في الفصاحة على ما وصفه الله تعالى به، فقال عز وجل: " اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابَاً مُتَشَابِهاً، مَّثَانِيَ، تَقْشَعِرُّ مِنْهُ قُلُوبُ الَّذِينَ يَخْشَونَ رَبَّهُم، ثُمَّ تَلِينُ، جُلُودُهُم وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِْكْرِ اللّهِ
" وَلَوْ كَانَ مَنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً". فأخبر أن كلام الآدمي إن امتد وقع فيه التفاوت، وبان عليه الاختلال، وهذا المعنى هو غير المعنى الأول الذي بدأنا بذكره فتأمله تعرف الفضل.

ثالثاً: نظم القرآن لا يتفاوت ولا يتباين ، على ما يتصرف إليه من الوجوه التي يتصرف فيها، من ذكر قصص ومواعظ واحتجاج وحكم وأحكام وإعذار وإنذار ووعد ووعيد وتبشير وتخويف وأوصاف، وتعليم أخلاق كريمة وشيم رفيعة، وسير مأثورة وغير ذلك من الوجوه التي يشتمل عليها.
** ببنما كلام الفصحاء يتفاوت تفاوتاً بيناً في الفصل والوصل، والعلو والنزول، والتقريب والتبعيد، وغير ذلك مما ينقسم إليه الخطاب عند النظم، ويتصرف فيه القول عند الضم والجمع، و يختلف على حسب اختلاف الأمور، فمن الشعراء من يجود في المدح دون الهجو، ومنهم من يبرز في الهجو دون المدح، ومنهم من يسبق في التقريظ دون التأبين......ولذلك ضرب المثل بامرئ القيس إذا ركب والنابغة إذا رهب وبزهير إذا رغب، ومثل ذلك يختلف في الخطب والرسائل وسائر أجناس الكلام.، و الشعراء يتفاوتون في نظمهم فنجد فيهم من يجود في الرجز ولا يمكنه نظم القصيد أصلاً، ومنهم من ينظم القصيد ولكن يقصر فيه مهما تكلفه أو عمله. ومن الناس من يجود في الكلام المرسل فإذا أتى بالموزون قصر ونقص نقصاناً عجيباً، ومنهم من يوجد بضد ذلك.
لذلك فرغم تنوع أطروحات القرأن و تنوع طول الأيات و السور أو قصرها بحسب الطرح أعقدى أو تشريعى أم قصصى، فإن التحدى القرأنى للبشر يسير على الكل،فالتحدى بالفواصل كما أنه بالطوال و بالمئين كما انه بالقصار ، كل لا يقدر على المجىء بمثله بشر

رابعاً: تأليفه و بنائه الصوتى:فالصوت هو مظهر الانفعال النفسى كما يقول الرافعى، فيصنع ذلك الإنفعال مداته و غناته و شدته و لينه و بسطه و قبضه إلى أخره،و مادة هذا الصوت الحروف، ثم الجمل المكونة من كلمات، فكل هذا بأوصافه و تتابعه و تدخله و إثارة بعضه بعضاً هو المكون لهذه الصورة الصوتية، و لم يكن يقع هذا على الوجه النافذ إلى أعماق الحس إلا فى القليل النادر من كلام أبلغ بلغائهم، و قد جاء كل هذا فى القرأن على أبلغ ما يكون فى فطرة اللغات كلها، و صار ملازماً لحسن التلاوة و دقة الأداء ، و كلما ضبط المرتل أحكام التجويد العربية ظهر هذا الوجه فى صورته الجامعة فحرك كل نفس تسمعه،سواءً فهمت القرأن أم لم تفهمه، و كأنه صار لغة عالمية يتلقاها الطبع الإنسانى، حتى أن القاسية قلوبهم تهتز عند سماعه ..أهــ

يقول الدكتور محمد دراز ما مخلصه: إننا بسماع القرأن مرتلاً مجوداً مسترعياً حق كل حرب و الغنات و المدات نجد أنفسنا بإزاء لحن عجيب غريب لا نجده فى كلام أخر لو جرد هذا التجريد، و جُود هذا التجويد،و فيه من الإئتلاف و الإتساق ما لا يوجد فى الشعر ولا الموسيقى،فالقصائد تتحد فيها الأوزان بيتاً بيتاً و شطراً شطراً، كذلك الموسيقى تتقارب أصداؤهاو تتشاله فلا يلبث السامع أن يملها إذا أعيدت عليه و كررت بتوقيع واحد

و يشير إلى معنى أخر رحمه الله فى الجمال الصوتى،ذلك أن غرابة هذا الجمال الصوتى من أوجه الإعجاز، إذ أجمع العرب على استحستانه ، و شأن الناس إذا استحسنوا شيئاً اتبعوه،و تنافسوا فى محاكاته، و رغم ذلك ما جرأ الفصحاء منهم على ذلك، لما فيه من منعة أدركها البلغاء منهم تتمثل فى غيب تأليف بنيته، ما اتخذه فى رصفحروفه و كلماته و جمله و أياته، من نظام له سمت وحده،خرج به عن هيئة كل نظم تعاطاه الناس... و أية ذلك أن أحداً لو حاول أن يدخل عله شيئاً من كلام الناس لأفسد بذلك مزاجه فى فم كل قارىء و لجعل نظامه يضطرب فى أذن كل سامع و لنفاه القران عن نفسه كما ينفى الكير خبث الحديد

خامساً: من عجائب كتاب الله أثره فى القلوب ، و قد تناولنا قبلاً الكلام عن أثر تقسيمه الإيقاعى ، فزد عليه أن الحروف و الكلمات و الجمل التى تشكل هذا النص بذلك الإيقاع الفريد تحمل فى ذاتها من القوة و الحكمة و البلاغة و الشفافية و الإقناع و الإمتاع ما بلغت به الغاية، حتى أن مشاعر الرغبة والرهبة والرقة و التفاعل لتعمر الحى إذ يستمع إلى القرأن و ما فيه من النداء و الخطاب، و العقائد و التشريع، و أيات الخلق ، و قصص الحق، و المواعظ والحكم، والمغازي والعبر، فتقشعر منه الجلود و تخشع به القلوب
((اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ))
((قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُواْ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدا* وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً *ًوَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً))

قال الخطابى: (وقلت في إعجاز القرآن وجها آخر ذهب عنه الناس، فلا يكاد يعرفه إلا الشاذ في آحادهم وهو صنيعه بالقلوب وتأثيره في النفوس، فإنك لا تسمع كلاما غير القرآن منظوما ولا منثورا إذا قرع السمع خلص له إلى القلب من اللذة والحلاوة في حال ومن الروعة والمهابة في حال أخرى ما يخلص منه إليه, قال الله تعالى ((لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله))...أهـ
و لهذا أسلم قساوسة الحبشة لما استمعوا لكلام الله و أحدث أثره فى قولبهم ((وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ))

سادسا: من أبرزخصائص التعبير القرأنى كما أوردها الدكتور دراز:-
أ‌- القصد فى اللفظ ، و الوفاء فى المعنى: و هاتان نهايتان من نهايات الفضيلة البيانية ،غير أن كل من حاول الجمع بينهما يفشل، فالذى يعمد إلى إيجاز اللفظ لا مناص أن يحيف على المعنى قليلاً أو كثيراً.. و الذى يعمد إلى الوفاء بحق المعنى و إبراز دقائقه فلن يجد بداً من أن يمد فى نفسه مداً لأنه لا يجد فى القليل من اللفظ ما يؤدى عن نفسه رسالتها كاملة
أما القرأن الكريم فهاتين الغايتين على أتمهما فيه فحيثما نظرنا وجدنا بياناً قد قدر على حاجة النفس أحسن تقدير فلا نحس فيه بتخمة الإسراف ولا بمخمصة التقتير، يؤدى لنا من كل معنى صورة نقية لايشوبها شىء مما هو غريب عنها،وافية لايشذ عنها شىء من عناصرها الأصلية، كل ذلك فى أوجز لفظ و أنقاه، ففى كل جملة جهاز من أجهزة المعنى،و فى كل لكمة عضو من أعضائه، و فى كل حرف جزء بقدره، و فى أوضاع كلماته من جملة، و أوضاع جملة من أياته،سر الحياة الذى ينتظم المعنى بأدائه

ب‌- خطاب العامة و خطاب الخاصة: لو أننا خاطبنا الأذكياء بالواضح المكشوف الذى نخاطب به الأغبياء، لنزلنا بهم إلى مستوى لا يرضونه لأنفسهم،و لو أننا خاطبنا العامة باللمحة الدالة و الإشارة المعبرة،لجئناهم من ذلك بما لا تطيقه عقولهم،بل لابد أن نعطى كلا الطائفتين حقه كاملاً و أن نخاطب كل واحد منهما بغير ما نخاطب به الأخرى،أما فى القرأن الكريم،فإن جملة واحدة منه تلقى على العلماء و الجهلاء و إلى الأذكياء و الأغبياء ، و إلى السوقة و الملوك،فيراها كل منهم مقدرة على مقياس عقله، و على وفق حاجته،هذا شىء لا يوجد على أتمه إلا فى القرأن الكريم،و هاتان غايتان لا تلتقيان إلا فيه

جـ- البيان و الأجمال: إذا عمد الناس إلى تحديد أغراضهم لم تتسع للتأويل،و إذا أجملوها ذهبوا إلى الإبهام و الإلباس،فلا يكاد يجتمع لهم هاذان الطرفان فى كلام واحد
أما بالنسبة للقرأن الكريم فإننا نجد فى أسلوبه من الملاسة و الشفوف و الخلو من كل غريب، ما يجعل ألفاظه تسابق معانيها إلى النفس،دون كد خاطر أو استعادة حديث، كأننا قد أحطنا بكل ما تضمنه من معان،
و لككنا إذا أعدنا الكرة، و نظرنا من جديد رأينا أنفسنا إزاء معنى جديد غير الذى سبق إلى فهمنا أول مرة،
مثال ذلك قوله تعالى (( و الله يرزق من يشاء بغير حساب))
فكلمة حساب على كل ما بها من وضوح فى المعنى إلا أن بها من المرونة، ما يبيح أن نذهب فى معناها مذاهب متعددة:
* فتحتمل أنه سبحانه يرزق من يشاء بغير محاسب يحاسبه أو سائل يسأله فلما بسطت الروزق لهؤلاء و قدرته على هؤالاء؟ و يكون ذلك تقرير لأن الرزق مقدور من الله يجرى بمشيئته لا بعلم العبد و عمله، و فى ذلك تسلية لنفوس الفقراء المسلمين، و استصغار لنفوس المغرورين من المترفين
* و تحتمل أنه يرزق بغير تقتير أو محاسبه لنفسه ، و يكون هذا تنبيه على سعة خزائنه ، و بسطه يده جل شأنه
* و تحتمل أنه يرزق من يشاء من حيث لا ينتظر ولا يحتسب، و يكون هذا تلويح للمؤمنين بما سيفتح الله عليهم من أبواب النصر و الظفر، فيبدل عسرهم يسراً و فقرهم غنىً من حيث لا يظنون
* و تحتمل أنه يرزق من يشار بغير محاسبة او معاتبة لخ على عمله
* و تحتمل أنه يرزق رزقاً كثيراً لا يدخل تحت حصر ولا حساب
فكل هذا يدخل فى معانى التعبير البليغ (بغير حساب)

د - إقناع العقل و إمتاع العاطفة: إن قوة التفكير فى الإنسان تبحث عن الحق لمعرفته ، و عن الخير للعمل به،أما قوة الوجدان فإنها تسجل إحساسها بما فى الأشياء من لذة و ألم.
و البيان التام هو الذى يوفى بهاتين الحاجتين، و يمنح النفس حظها من الفائدة العقلية و المتعة الوجدانية معاً، و لم يرد هذا هلى اتمه إلا فى القرأن الكريم، فالحكماء يؤدون إلينا ثمار عقولهم غذاءً لعقولنا و لا تتوجه نفوسهم إلى استهوائنا و اختلاب عواطفنا، أما الشعراء فيسعون لاستثار وجداننا و تحريك مشاعرنا و لا يبالون إن كان ما صوروه غياً أو رشداً حقيقة أم تخيلاً
و لا يوجد إنسان – كما يجمع علماء النفس- تتعادل فيه قوة التفكير و قوة الوجدان و سائر القوى النفسية،و لو مالت هذه القوى إلى شىء من التعادل عند قليل من الناس، فإنها لا تعمل إلا مناوبة فى حال بعد حال، و كلما تسلطت واحدة اضمحلت الأخرى و كاد ينمحى أثرها.
أما القرأن فيجمع بين هذين الطرفين معاً فيجيى من الحقيقة البرهانية الصارمة بما يرضى حتى أولئك المتفلسفين المتعمقين، و من المتعة الوجدانية بما يرضى هؤلاء الشعراء المرحين

و لنضرب مثالاً على ذلك من أيات الأحكام:فإن الأحكام فى القرأن لم تأتِ جافة خالية من الغذاء الروحى كما نجدها فى كتب القوانين و كذلك فى كتب السابقين
ففى حكم القصاص على - سبيل المثال- يقول تعالى ((يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ))
و لننظر إلى الإستدراج إلى الطاعة بقوله (يا أيا الذين أمنوا)
و ترقيق العاطفى فى قوله (أخيه) و قوله (بالمعروف) و قوله (إحسان)
و الإمتنان فى قوله ( تخفيف من ربكم و رحمة)
و التهديد فى ختام الأية العجيبة!
ثم لننظر عن أى شىء يتكلم، فريضة مفصلة فى مسألة دموية!
و سوف ياتى المزيد فى الكلام عن الإعجاز النفسى فى القرأن بإذن الله تعالى




يتبع إن شاء الله...
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و أشهد أن محمداً عبده و رسوله و أن عيسى عبد الله و رسوله و كلمته ألقاها إلى مريم و روح منه

#32 أبـــ(تراب)ـــو

    مشرف مشروع تفنيد الكتاب المقدس

  • مشرف
  • 357 المشاركات

تاريخ المشاركة : 24 December 2007 - 09:58 PM

تم تحديث الرد السابق..

الأدب القرأنى و أثره النفسى الباهر:-

إن أسلوب القرأن الأدبى له أثر عظيم فى النفوس، كما أن القرأن إمتاز بالمعالجة النفسية لكل ما يطرحه من قضايا ،إذ بلغ القمة فى التصوير الفنى، و الإفحام فى قوة و أدب الحجاج، و الإبهار فى تناول الطباع النفسية الأصيلة و المتباينة فى النماذج البشرية، و الذروة فى نظم قصصه و عرض تشريعاته و إحكام ألفاظه و فواصله...الخ
و لنعرض ذلك مستعينين بالله متوكلين عليه سبحانه

الإبداع التصويرى و التمثيلى

يقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله فى كتابه القيم (التصوير الفنى فى القرأن) ما إختصاره:
[التصوير هو الأداة المفضلة في أسلوب القرآن إذ يبدع التعبير بالصورة التي يرسمها فيمنحها الحياة الشاخصة , أو الحركة المتجددة . فإذا المعنى الذهني هيئة أو حركة ؛ وإذا الحالة النفسية لوحة أو مشهد ؛ وإذا النموذج الإنساني شاخص حي , وإذا الطبيعة البشرية مجسمة مرئية
فأما الحوادث والمشاهد والقصص والمناظر يردها شاخصة حاضرة ؛ فيها الحياة ..... فما يكاد يبدأ العرض حتى يحيل المستمعين إلى مسرح الحوادث , الذي وقعت فيه أو ستقع ؛ حيث تتوالى المناظر , وتتجدد الحركات ؛ وينسى المستمع أن هذا كلام يتلى , ومثل يضرب ؛ ويتخيل أنه منظر يعرض , وحادث يقع ..... إنها الحياة هنا , وليست حكاية الحياة
]


من روائع إخراج المعانى الذهنية في صورة حسية

* تأمل قوله تعالى ((مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلاَلُ الْبَعِيدُ))
يصور القرأن العظيم عمل الإنسان الكافر بالرماد و هو ما يبقى من المواد بعد احتراقها، و لو وقف عند هذا الحد لكان كافياً فى بيان الخسران فكل ما يفعله الإنسان الكافر من الصالحات بغير إبتغاء وجه الله لن يراه إلا مشوهاً محروقاً أسوداً دميماً كريهاً لا قيمة له، و مع ذلك إنتقل لمرحلة أخرى إذ جاءت هذا الرماد ريح، و أقل ريح قادرة على أن تنثره و تضيعه أكثر، و مع ذلك وصف هذه الريح بأنها شديدة توكيداً للضياع ، و لم يقف عند هذا بل وصف اليوم الذى جاء فيه هذا الريح الشديد باليوم عاصف، فتأمل روعة التصوير و أثره البيانى لحال الخسران و الندم و الضياع

* و تدبر قوله سبحانه ((لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ))
يريد تعالى أن يبرز حقيقة أنه وحده يستجيب لمن يدعوه , وينيله ما يرجوه ؛ وأن الآلهة التي يدعونها مع الله لا تملك لهم شيئا , ولا تنيلهم خيرا , ولو كان الخير قريبا ؛ فيصور لهذا المعنى هذه الصورة العجيبة وهي صورة تلح على الحس والوجدان , وتجتذب إليها الالتفات , فلا يستطيع أن يتحول عنها إلا بجهد ومشقة ؛ وهي من أعجب الصور التي تستطيع أن ترسمها الألفاظ : شخص حي شاخص , باسط كفيه إلى الماء , والماء منه قريب , يريد أن يُبلغه فاه , ولكنه لا يستطيع , ولو مدّ مدّة فربما استطاع ! .

* و تأمل قوله تعالى (( وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ ))
يشير سبحانه بهذا التصوير إلى حقيقة المشرك، إذ لا مَنبت له ولا جذور , ولا بقاء له ولا استقرار ,، فيمثل لهذا المعنى بصورة سريعة الخطوات , عنيفة الحركات :
هكذا في ومضة . يخر من السماء من حيث لا يدري أحد , فلا يستقر على الأرض لحظة . إن الطير لتخطفه . أو إن الريح لتهوي به .. وتهوي به في مكان سحيق ! حيث لا يدري أحد كذلك ! وذلك هو المقصود .

*و تأمل قوله تعالى ((قَالُواْ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ))
يحكى سبحانه دعوة المؤمنين أن يرزقهم الصبر و الثبات، و صور الصبر و كأنه ماء بارد يفرغ عليهم أى يصب برفق و تأنى ـ كما أن في الدعاء إستجلاب أقصى ما تحتاجه النفس البشرية من الصبر

*و تأمل فى المقابل قوله تعالى ((فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ)) يتكلم سبحانه ههنا عن الكافرين و عقابهم، و إعتبر العقاب مادة تصب أيضاً لكنه ما قال فأفرغ عليهم، و إنما قال فصب عليهم، لأن العذاب كان يتنزل بشدة و سرعة بلا رأفة أو تأنى فكان يصب صباً،و لهذا وصف العذاب بأنه (سوط عذاب) لأن ضربة السوط تمتاز بالإندفاع فى الحركة و الشدة فى الوقع .


من روائع تصوير الحوادث الماضية

تأمل قوله تعالى ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً . إِذْ جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا. هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً. وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً. وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَاراً ))
يصور سبحانه حال يوم الأحزب، فهؤلاء هم الأعداء تكالبوا على المؤمنين من كل مكان عدواناً و خيانةً .
و هؤلاء هم المؤمنون إذ الأبصار زائغة و القلوب خافقة حتى يُرى نبضها فى الأعناق . و الوساوس تسرى فى النفوس، هنالك كان البلاء العظيم و الزلزال الشديد .
وهؤلاء هم المنافقون ينبعثون بالفتنة والتخذيل يقولون ( ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا ) ويقولون لأهل المدينة ( لا بقاء لكم هنا ، ارجعوا إلى بيوتكم فهي في خطر ).
وهؤلاء هم جماعة من ضعاف القلوب يقولون إن بيوتنا مكشوفة , وليست في حقيقتها مكشوفة (إن يريدون إلا فرارا )
وهكذا لا تفلت في الموقف حركة ولا سمة , إلا وهي مسجلة ظاهرة , كأنها شاخصة حاضرة .. فصور بديع السموات و الأرض مشهداً كاملاً لا يُفلت حركة ولا سمة , إلا وهي مسجلة ظاهرة، فتبرز فيه أحوال الظواهر و البواطن, وتلتقي فيه الصورة الحسية بالصورة النفسية ...دون أن يغفل منه قليل أو كثير .

*و تأمل قوله تعالى (( وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ . إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمّاً بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ . ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاساً يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا .... ))
فصور المجاهدين و هم يحسون الكفار أى يقتلونهم تقتيلاً،إلى أن فشلوا فى الطاعة و تنازعوا فى تنفيذ أمر الرسول ، فعصوه بعدما رأوا ما يحبون من فرار المشركين و تناثر الغنائم ، و ذلك تصوير حى للمشهد الحسى.
ثم إنتقل الى كشف النوايا و إظهار البواطن (منكم من يريد الدنيا و منكم من يريد الاخرة) حتى قال إبن مسعود و الله ما علمت أن فينا من يريد الدنيا قبل هذه الأية!
ثم إنتقل لبيان حكمة تقدير التنازع و المعصية و هى الإبتلاء بالخيرات و الشرور ( ثم صرفكم عنهم ليبتليكم).
ثم عاد يفصل المشهد الحسى ببراعة، (إذ تصعدون) تهربون فى كل مكان ( ولا تلوون على أحد) لا تلتفتون من سرعة الإندفاع ( و الرسول يدعوكم فى أخراكم) و هذا رسول الله يدعو المؤمنين للثبات و قد صار خلفهم بسبب سرعة إدبارهم و ثباته هو فى أرض المعركة .
ثم إنتقل لوصف حالتهم النفسية( فَأَثَابَكُمْ غَمّاً بِغَمٍّ) ثم انزل من بعد الغم ( أمنه نعاساً) فصور النوم كأنه هبة مادية نزلت عليهم من السماء
ثم عاد ليكشف نفسية بعض المتذبذبين(وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ)
ثم يحكى الحديث الخفى بينهم (يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ) فيبادرهم بالإجابة (قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ)
ثم يحكى قولاً أخر مما أخفوه (يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا) فيأتى الرد سريعاً من الله تعالى أمراً رسوله (قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ)
فرسخ فى الجواب عقيد سليمة فى قدر الله القدير خيره و شره، لذا ختمها مبيناً حكمة ما وقع ( وَلِيَبْتَلِيَ اللّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحَّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ)

فما هذا التصوير المبهر الذى يصف المعركة بأوجز ألفاظ كأننا فى ساحتها ،و يصف النيات و يصف النفوس و تقلباتها، و يصف الحديث الخفى بين البعض و حديث أنفسهم، بل و يجيب عليه و يجلى حكمته ؟


من روائع تصوير مشاهد القيامة

*تأمل قوله تعالى (( فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُّكُرٍ. خُشَّعاً أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ. مُّهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ))
فهذا مشهد من مشاهد الحشر , مختصر سريع ؛ ولكنه شاخص متحرك . مكتمل السمات والحركات .
هذه جموع خارجة من الأجداث في لحظة واحدة , كأنها جراد منتشر ( ومشهد الجراد المعهود حيث يطير كثيفاً سريعاً مزغللاً للعين يجسد صورة هذا المنظر العجيب )
وهذه الجموع تسرع في سيرها نحو الداعي , دون أن تعرف لمَ يدعوها فهى فى صدمة و موقف غريب منكر بل بالغ النكارة لهم فهو (نُكر) لا تدريه .
( خشعا أبصارهم ) وهذا يكمل الصورة ؛ ويمنحها السمة الأخيرة .
وفي أثناء هذا التجمع والإسراع والخشوع ( يقول الكافرون هذا يوم عسر ) فماذا بقي من المشهد لم يشخص بعد هذه الفقرات القصار ؟ وإن السامعين ليتخيلون اليوم النكر . فإذا هو حشد من الصور .

* و تأمل قوله (( فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازََ .....)) والآية (( وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ .... ))
فلفظة الزحزحة ذاتها تخيل حركتها المعهودة وهذه الحركة تخيل الموقف على شفا النار , ماثلا للخيال والأبصار !


و تدبر قوله تعالى (( وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ. مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء ))
مشهد آخر من مشاهد الإسراع والخشوع , أشد في النفس هولاً وأكمد في التصوير لونا ، يصور أربعة مشاهد لرواية واحدة , يتلو بعضها بعضا في الاستعراض , فتتم بها صورة شاخصة في الخيال , وهي صورة فريدة للفزع والخجل والرهبة والاستسلام , يجللها ظل كئيب ساهم , يكمد الأنفاس !

و تأمل قوله تعالى (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ. يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ))
إنها صورة الهول العظمى , التي لا تغني الألفاظ عنها , فلننقلها لتعبر عن نفسها : مشهد حافل بكل مرضعة ذاهلة عما أرضعت , تنظر ولا ترى , وتتحرك ولا تعي , وبكل حامل تسقط حملها , للهول المروع ينتابها ؛ وبالناس سكارى وما هم بسكارى يتبدى السكر في نظراتهم الذاهلة , وفي خطواتهم المترنحة . مشهد مزدحم بذلك الحشد المتماوج , تكاد العين تبصره بينما الخيال يتملاه , والهول الشاخص يذهله , فلا يكاد يبلغ أقصاه ..أهـ
حتى فى إختيار أصناف الناس لوصف المشهد ، تمعن يا رعاك الله فى حكمة البارى أن تصدر الموقف بحال الأم المرضعة، إذ لا علاقة إنسانية أقوى من علاقة الأم برضيعها و لو واجهت الموت و رأته رأى العين لبذلت نفسها فى سبيل إنقاذ رضيعها، و مع ذلك تتركه يوم النشور و تذهل عنه و تنشغل بنفسها فمصائب الدنيا كافة لا تقارن ساعة من أهوال البعث و القيامة

* و تأمل قوله تعالى (( هذا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ * هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ * وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ * هَذَا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ لَا مَرْحَباً بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ * قَالُوا بَلْ أَنتُمْ لَا مَرْحَباً بِكُمْ أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ * قَالُوا رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً فِي النَّارِ * وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُم مِّنَ الْأَشْرَارِ * أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيّاً أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ * إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ))
فها نحن أولاء أمام مشهد لجماعة كانت في الدنيا متوادة متحابة , وهي يوم الحشر متناكرة متدابرة , كان بعضهم يملي لبعض في الضلال ؛ وكان بعضهم يتعالى على المؤمنين , ويهزأ من دعواهم في نعيم الآخرة .
هاهم أولاء يقتحمون النار فوجا بعد فوج , هذا هو الفوج الأول يُنقل إليه نبأ اقتحام الفوج الثاني ( هذا فوج مقتحم معكم " فماذا يكون الجواب ؟ يكون ( لامرحبا بهم , إنهم صالوا النار )! فهل يسكت المشتومون ؟ كلا ! فها هم أولاء يردون ( قالوا بل أنتم لا مرحبا بكم . أنتم قدمتموه لنا , فبئس القرار )! وإذا دعوة جامعة حزينة ( قالوا ربنا من قدم لنا هذا فزده عذابا ضعفا في النار ) ! ثم ماذا ؟ ثم ها هم أولاء يفتقدون المؤمنين , الذين كانوا يتعالون عليهم في الدنيا وظنون بهم شرا , فلا يرونهم معهم مقتحمين، فيتسائلون فى صدمة، أكنا نسخر من اهل الحق، أم زاغت أعيننا فى الجحيم عنهم فننظر يميناً و يساراً بفزع فلا نجدهم (وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُم مِّنَ الْأَشْرَارِ . أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيّاً أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ . إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ)
إننا لنشهد اليوم هذا التخاصم كما لو كان حاضرا في العيان ! وإن كل نفس آدمية لتحس في حناياها وقع هذا المشهد وتتقيه , وتحاذر – لو ينفع الحذر – أن تقع فيه !

فما أعظم تصوير هول الساعة ، يوم فرار المرء من أخيه وأمه وأبيه , وفصيلته التي تؤويه . حيث يكون ((لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ )) فهذا تصوير يقاس بأثره في النفس الإنسانية لا بالمقاييس الأخرى الوصفية .

*وآلام العذاب الشديد في الآخرة , تبدو من خلال صرخات إنسانية , تلقي ظلها من خلال التعبير (( وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُم مَّاكِثُونَ )) (( وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا))

* ووخزات الخزي في هذا اليوم , لا توصف بالألفاظ , ولكن تبرز من وسط آدمي حي (( وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُواْ عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُواْ بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُواْ العَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ ))


* يوم الحساب لقد تناكر الأصفياء . وتنابز الأولياء , وتخلى المتبوعون عن التابعين حينما شاهدوا الهول يوم الدين . و عبرت أيات الفرقان عن هذا كله، بإستعراض مذهل مفعم بالحياة : ((وَبَرَزُواْ لِلّهِ جَمِيعاً فَقَالَ الضُّعَفَاء لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللّهِ مِن شَيْءٍ قَالُواْ لَوْ هَدَانَا اللّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاء عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ . وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ))
ففي هذا الاستعراض يتجسم للخيال مشهد من ثلاث فرق :
الضعفاء . الذين كانوا ذيولا للأقوياء وهم ما يزالون في ضعفهم , وقصر عقولهم , وخور نفوسهم . يلجأون إلى الذين استكبروا في الدنيا , يسألونهم الخلاص من هذا الموقف , ويعتبون عليهم إغواءهم في الحياة ؛ متمشين في هذا مع طبيعتهم الهزيلة وضعفهم المعروف .
والذين استكبروا . وقد ذلت كبرياؤهم , وواجهوا مصيرهم . وهم ضيقو الصدور بهؤلاء الضعفاء , الذين لا يكفيهم ما يرونهم فيه من ذلة وعذاب , فيسألونهم الخلاص , وهم لا يملكون لذات أنفسهم خلاصا , أو يذكرونهم بجريمة إغوائهم لهم حيث لا تنفع الذكرى . فما يزيدون على أن يقولوا لهم في سأم وضيق : " لَوْ هَدَانَا اللّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ " .
والشيطان . بكل ما في شخصيته من مراوغة ومغالطة , واستهتار وتبجح . ومكر " وشيطنة " . يقف وسط الجحيم يخطب فى أتباعه ،فإذا به بعترف – الآن فقط – بأن الله وعدهم وعد الحق , وأنه هو وعدهم فأخلفهم . ثم يمضهم ويؤلمهم , وهو ينفض يديه من تبعاتهم : " وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم " .
لا بل يزيد في تبجحه , فيقول : " إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ " . حقا . إنه لشيطان !
وإن هذا لإبداع في تصوير الموقف الفريد , الذي يتخلى فيه التابع عن المتبوع , ويتنكر المتبوع للتابع . حيث لا يجدي أحدا منهم أن يتخلى أو يستمسك ؛ ولكنها طبيعة كل فريق , تبرز عارية أمام الهول العظيم .



من روائع تصوير الجمادات كأنها حية

إنه لون من ألوان " التخييل " يتمثل في خلع الحياة على المواد الجامدة , والظواهر الطبيعية , والانفعالات الوجدانية . وتجعل الإنسان يحس الحياة في كل شيء تقع عليه العين , أو يتلبس به الحس , فيأنس بهذا الوجود أو يرهبه , في توفز وحساسية وإرهاف .

*فهاهو الصبح يتنفس (( والصبح إذا تنفس ))
فيخيل إليك بهذا التعبير الحياة الوديعة التي تنفرج عنها ثناياه , وهو يتنفس , فتتنفس معه الحياة , ويدب النشاط في الأحياء , على وجه الأرض والسماء .

*و هاهو الليل يسرى ((والليل إذا يسر )) فتشعر بسريانه في هذا الكون العريض , وتأنس بهذا الساري على هينة واتئاد !

*و هاهى الرياح لواقح ((وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ)) إذ تحمل ماء المطر أو طلع النخيل متنقلة من ذكورها إلى إناثها، فأكسبها هذا التعبير حياة حيوانبة تلقح و تنتج

- و لما ذكرها سبحانه فى سياق العذاب وصفها بالعقم ((وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ)) إذ لا تحمل خيراً فى ذاتها ولا لغيرها، بل تدمر الحياة و تقطع دابر من أصابتهم و تبترهم

*و هاهو الجدار له إرادة ((َوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ)) فصور الجدار و هو متصدع يكاد يهوى كأنه كائن حى له إرادة و إرداته أن يسقط على الأرض....
بل و من العلما من استدل بذلك على اثبات ارادة خاصة بالجمادات، كما أن السماوات و الأرض خاطبتا ربهما و اختارتا الإتيان طوعاً

*وهذا هو الغضب , أو هذا هو الروع , أو هذه هي البشرى , تهيج وتسكن , وتوحي وتسكت ؛ وتجيء وتذهب (( وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الأَلْوَاحَ .... )) . (( فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ ))

*و هذه الجبال يوم القيامة حية ترجف كالأدميين(( يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيباً مَّهِيلاً ))

*و ها هى السماء المنفطرة بجوارها الأطفال الشيب ... ((فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيباً . السَّمَاء مُنفَطِرٌ بِهِ ... ))

* وهذه جهنم . جهنم النهمة المتغيظة التي لا يفلت منها أحد , ولا تشبع بأحد ! (( يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ ))
جهنم التي ترى المجرمين من بعيد فتتغيظ وتفور ((إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ . تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ .... )) .
جهنم التي تدعو من كانوا يُدعون إلى الهدى ويدبرون وهم لدعوتها على الرغم منهم يجيبون (( كَلَّا إِنَّهَا لَظَى . نَزَّاعَةً لِّلشَّوَى . تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى . وَجَمَعَ فَأَوْعَى))

*وهذا هو الظل الذي يلجأ إليه المجرمون (( وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ . لَّا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ ))
ففي نفسه كزازة وضيق , لا يحسن استقبالهم , ولا يهش لهم هشاشة الكريم , فهو ليس " لا بارد " فقط , ولكن كذلك " ولا كريم " !



من روائع تجسيم معانى عقلية ومعنوية

الذي نعنيه هنا بالتجسيم , ليس هو التشبيه بمحسوس . فهذا كثير معتاد , إنما نعني لونا جديدا هو تجسيم المعنويات , لا على وجه التشبيه والتمثيل , بل على وجه التصيير والتحويل .
* تأمل قوله (( وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ))
يتناول حالة التضايق والضجر والحرج التى هى نفسية معنوية فيجسمها كحركة جثمانية ، فالأرض تضيق عليهم , ونفوسهم تضيق بهم كما تضيق الأرض ؛ فيستحيل الضيق المعنوي ضيقا حسيا أوضح وأوقع ؛ فمن ضاقت به نفسه أين يذهب منها؟ لا سبيل إلا باللجوء إلى خالقها ذاته، فأيقنوا ألا ملجأ ومنجى من الله إلا إليه، فلا راحة و إنشراح إلا برحمة الفتاح

*و تدبر قوله (( وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً)) و (( أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا )) و ((إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلاَلاً فَهِيَ إِلَى الأَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ ))
فانظر كيف يصف سبحانه حالة عقلية أو معنوية ؛ وهي حالة من لم يستفد بما سمعه من الهدى .. فيجعل كأنما هناك حواجز مادية تفصل بينه وبينه فتغطى العين و السمع و تغلق القلب!

*و تدبر قوله (( كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِّنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً))
. فهذا السواد الذي أصاب وجوههم ليس لونا ولا صبغة , وإنما هو قطعة من الليل المظلم ، و كأن رب العزة أحال سواد الليل قطعاً قطعاً تغشى وجوه الكافرين مادياً كل له قطعته !

*و تدبر قوله (( ومن ورائهم عذاب غليظ ))
- و قوله (( ويذرون وراءهم يوما ثقيلا ))
فينتقل العذاب من معنى مجرد إلى شيء ذي غلظ وسمك ؛ وينتقل اليوم من زمن لا يمسك إلى شيء ذو كثافة ووزن !


*وقوله (( وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثا)). لبيان العبث في نقض العهد بعد المعاهدة .

* ومثل (( وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً )). لتفظيع الغيبة , حتى لكأنما يأكل الأخ لحم أخيه الميت !

* و تدبر قوله تعالى (( بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ))
أنظر كيف جعل الحق و الباطل كأنهما جسدان حيان يعقلان و يتصارعان، فانقض الحق على الباطل بإذن الله حتى أصابه فى دماغه بالضربة بالقاضية، فاندحر الباطل يقعقع و زهقت روحه!!

- و شبيه هذا قوله(( وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ)) و (( وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ )) و قوله ((ثُمَّ أَنَزلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ )) و قوله ((وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ ))
فكأنما الرعب قذيفة سريعة تنفذ في القلوب لفورها . وكأنما العداوة والبغضاء مادة ثقيلة , تلقى بينهم , فتبقى إلى يوم القيامة . وكأنما السكينة مادة مثبتة تنزل على رسول الله وعلى المؤمنين . وكأنما للذل جناح يخفض من الرحمة بالوالدين .
وفي كل مثال من هذه يجتمع التجسيم مع التخييل بحركة هذا الجسم المفروضة .

* و تدبر قوله (( بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته )) و ( ألا في الفتنة سقطوا ))
فبعد أن تصبح الخطيئة شيئا ماديا , تتحرك حركة الإحاطة , وبعد أن تصبح الفتنة لجة , يتحركون هم بالسقوط فيها .

* و تدبر قوله تعالى (( ولا تلبسوا الحق بالباطل)) . و(( فاصدع بما تؤمر ))
. ففي المثال الأول يصبح الحق والباطل مادتين تستر إحداهما بالأخرى . وفي المثال الثاني يصبح ما أمر به مادة يشق بها ويصدع , دلالة على القوة والنفاذ .


* و تدبر قوله تعالى (( وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ )) فإن كلمتي [تتبعوا , وخطوات] تخيلان حركة خاصة , هي حركة الشيطان يخطو والناس وراءه يتبعون خطواته . وهي صورة حين تجسم هكذا تبدو عجيبة من الآدميين , وبينهم وبين الشيطان الذي يسيرون وراءه , ما أخرج أباهم من الجنة !
و فيها حكمة تحذيرية أن الشيطان يستدرك الناس خطوة خطوة حتى يصل بهم إلى فعل ما لم يظنوأ أنهم يفعلوه يوماً!

* و تأمل قوله تعالى ((وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً ))
فحركة الاشتعال هنا تخيل للشيب في الرأس حركة كحركة اشتعال النار في الهشيم , فيها حياة وجمال لما من شأنه السكون!

و فضل " اشتعل " لما استعير للشيب لأنه يفيد الشمول بجانب لمعان الشيب في الرأس, وأنه قد شاع فيه وأخذه من نواحيه حتى لم يبق من السواد شيء , أو لم يبق منه إلا ما لا يعتد به.
إن الجمال في [ اشتعل الرأس شيبا ]. [ وفجرنا الأرض عيونا ] يقع فى النظم ، و كذلك فى الحركة التخييلية السريعة , التي يصورها التعبير ، حركة الاشتعال التي تتناول الرأس في لحظة , وحركة التفجير التي تفور بها الأرض في ومضة



و من روائع تصويرالقصص

تدبر ما يقصه تعالى من خبر أصحاب الجنة:
(إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ . وَلا يَسْتَثْنُونَ )
ها نحن أمام أصحاب جنة أرضية و كان للفقراء حظ من ثمر هذه الجنة , ولكن الورثة لا يشاءون ، فأقسموا ليصرمنها أى يقطعوا ثمرها عند الصباح الباكر , دون أن يستثنوا منه شيئا للمساكين ،
ولكن فلننظر ماذا وقع في بهمة الليل حيث يختفون هم؟ هناك مفاجأة تتم خلسة , وحركة خفية كحركة الأشباح في الظلام ! ( فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون , فأصبحت كالصريم وهم لا يشعرون )
والآن ها هم أولاء يتصايحون مبكرين ! وهم لا يدرون ماذا أصاب جنتهم في الظلام ( فَتَنَادَوا مُصْبِحِينَ. أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ، فَانطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ. أَن لَّا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُم مِّسْكِينٌ )
ولا يزال أصحاب الجنة على جهلهم بما وقع ، و هاهم يتنادون متخافتين لينفذوا المؤامرة , خشية أن يدخلها عليهم مسكين !
(وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ )
يحسبون إنهم قادرون على (حرد) أى المنع والحرمان، و لكن لنرى من المحروم الحقيقى!
ثم وصلو الجنة فتافجئو و صعقوا و لم يصدقو حتى قالوا( إنا لضالون ) لقد تهنا عن مكان الجنة، ما هذه جنتنا الموقرة بالثمار ! .. فلتتأكدوا !
(بل نحن محرومون ) حتى استوعبوا الصدمة فاعترفوا أنهم هم المحرومون جزاءً من الله لظلمهم.
والآن قد سقط في أيديهم ( قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون )! ألم أقل لكم اتقوا الله و اقدرو قدره لأنه يراقب ظلمكم؟ ( قالوا سبحان ربنا إنا كنا ظالمين ) الآن وبعد فوات الأوان ! .
وكما يتنصل كل شريك من التبعة عندما تسوء العاقبة , ويتوجه باللوم إلى الآخرين , ها هم أولاء يصنعون ( فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون )
ثم ها هم أولاء يتركون التلاوم ليعترفوا جميعا بالخطيئة , عسى أن يفيدهم الاعتراف الغفران , ويعوضهم من الجنة الضائعة جنة أخرى ( قالوا ياويلنا إنا كنا طاغين . عسى ربنا أن يبدلنا خيرا منها , إنا إلى ربنا راغبون )


* و تأمل قوله تعالى ((وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ . رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ. رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ ))
يعرض سبحانه مشهدا من قصة إبراهيم , وهو يبني الكعبة مع ابنه إسماعيل ...و إنها لحركة عجيبة في الانتقال من الخبر إلى الدعاء , هي التي أحيت المشهد وردته حاضرا كأننا نشاهده .
فالخبر ( وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ) كان هو اللمحة التى أظهرت المشهد كاملاً [ البيت , وإبراهيم وإسماعيل , يدعوان هذا الدعاء الطويل ]
وكم في الانتقال هنا من الحكاية إلى الدعاء من إعجاز فني بارز , يزيد وضوحا لو فرضت استمرار الحكاية , ورأيت كم كانت الصورة تنقص لو قيل (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل يقولان : ربنا ... إلخ ) إنها في هذه الصورة حكاية , وفي الصورة القرآنية حياة . وهذا هو الفارق الكبير . إن الحياة في النص لتثب متحركة حاضرة . وسر الحركة كله في حذف لفظة واحدة .. وذلك هو الإعجاز .

* ولنتدبر مشهداً من قصة الطوفان (( وهي تجري بهم في موج كالجبال )) وفي هذه اللحظة الرهيبة , تتنبه في نوح عاطفة الأبوة , فإن هناك إبنا له لم يؤمن , وإنه ليعلم أنه مُغرق مع المغرقين . ولكن ها هو ذا الموج يطغى , ويروح في لهفة وضراعة ينادي إبنه جاهرا (( ونادى نوح ابنه وكان في معزل يا بني اركب معنا , ولا تكن مع الكافرين )) ولكن البنوة العاقة لا تحفل هذه الضراعة ؛ والفتوة العاتية لا ترى الخلاص إلا في فتوتها (( قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء )) ثم ها هي ذي الأبوة الملهوفة ترسل النداء الأخير (( قال لاعاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم )) وفي لحظة تتغير صفحة الموقف , فها هي ذي الموجة العاتية تبتلع كل شيئ ((وحال بينهما الموج فكان من المغرقين ))
إن السامع ليمسك أنفاسه في هذه اللحظات القصار و هى يشاهد هول الطوفان ؛ " وهي تجري بهم في موج كالجبال " وصورة والد و ودله ، الوالد الملهوف على فلذة كبده يبعث بالنداء تلو النداء ؛ و الإبن الضال , يأبى إجابة الدعاء ، ينظر مدبراً إلى جبل يستميت ليدركه، فإذا بالموجة القوية العاتية تخلق حاجزاً بين الأب و إبنه فتبتلع الإبن العاق و تحسم الموقف في لحظة سريعة خاطفة .
صورة كما يقاس بمداه في الطبيعة – حيث يطغى الموج على الذرى والوديان . وإنهما لمتكافئان , في الطبيعة الصامتة , وفي نفس الإنسان .
و سوف يأتى الكلام عن روائع قصص القرأن فى فصل مستقل بإذن الله تعالى...

يتبع إن شاء الله...
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و أشهد أن محمداً عبده و رسوله و أن عيسى عبد الله و رسوله و كلمته ألقاها إلى مريم و روح منه

#33 أبـــ(تراب)ـــو

    مشرف مشروع تفنيد الكتاب المقدس

  • مشرف
  • 357 المشاركات

تاريخ المشاركة : 25 December 2007 - 11:09 PM

* و من الإبداع النفسى فى القرأن تناوله النفس الإنسانية بأعماقها السحيقة و أقسامها العديدة
فها هو يقسمها تقسيم بديع إلى (نفس أمارة بالسوء) و هذا أصلها دون ترويض الوحى
و (نفس لوامة) و هى نفس فى صراع بين الهوى الذى يغريها و الوحى الذى يهديها
و (نفس مطمئنة) و هى النفس التى تزكت و تعطرت، و من الهوى تحررت

و بموجب هذا نجد النص القرأنى عندما يعبر عن البشرى بلفظ (الإنسان) يقصد به الأدمى على أصل طباعه غير المزكاة بالوحى
(َولَئِنْ أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُوسٌ كَفُورٌ) ( إنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ).. (َخلَقَ الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ) ...(وَيَدْعُ الإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولاً) (َكَانَ الإنسَانُ قَتُوراً)...(وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً)(إِنَّ الْإِنسَانَ لَكَفُورٌ)...(فَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِّنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ)... (إِنَّ الْإِنسَانَ لَكَفُورٌ مُّبِينٌ)...(بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ)... (إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ)و الأيات فى ذلك كثيرة، فهذا هو أصل إبن أدم أما إن تزكى بالوحى فلا يلقب فى القرأن بالإنسان و إنما بالمؤمن ، و هذا من لطائف التلميح لتركيب البشر ، و حاجتهم إلى الوحى ، و لهذا يقول تعالى
((لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ))
* و صور القرآن أيضاً ألواناً من النماذج الإنسانية و الخوالج النفسانية والعواطف البشرية كالحب والكره الخوف و الرجاء و الرحمة و القسوة و الحقد والغيرة والحسد والوسوسة و الشك و اليقين و التواضع و المكابرة و البصيرة و الغفلة...إلخ
و لم يكتفى القرأن ببيان هذه الأمور بل أبرزها فى صورة حية متحركة دقيقة الملامح والقسمات صادقة الدلالة قوية الإيحاء، و قد أبدع فى الكلام عنها الأستاذ سيد قطب رحمه الله تعالى فى (التصوير الفنى)


من أمثله تصوير الحالات النفسية :

تأمل قوله تعالى (( قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُنَا وَلا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا .... ))
يصور تعالى حال المشرك بعد التوحيد الممزق نفسياً بين الهدى والضلال ، فيصوره إنساناً تعيساً إستهوته الشياطين فى الأرض، و تأمل تعبير (استهوته الشياطين فى الأرض) و ما فيه من معانى الضلال و الفجور و الركون إلى الدنيا
و رغم ذلك فإن هذا الاستهواء لا يرتاح به و يسكن، و و إنما يتعذب ضميره بنداء الهادين " ائتنا ".
وهو بين هذا الاستهواء وهذا الدعاء " حيران " موزع القلب ، فهو قائم هناك شاخص متلفت معذب فعيشته ضنك رغم أنه أراد السعادة باتياع شياطين الهوى !
و تأمل كذلك قوله ( نرد على أعقابنا) فصور حال الإنسان المرتد بإنسان يسير إلى الخلف يتعثر و هو يرد على عقبه !

تدبر قوله تعالى ((أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ* َيكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاء لَهُم مَّشَوْاْ فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ وَلَوْ شَاء اللّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ))
يضرب القرآن مثلا للمنافقين بأسلوب أخَّاذ يعرض مشهدا حيّاً يرمز به إلى الحالة النفسية،،، و هذا المشهد بما يشيع فيه من حركات و تقلبات يصور واقعهم النفسي وتقلُّبهم بين الكفر والإيمان، ويبرز التناقض بين ما تقول ألسنتهم وما تضمر قلوبهم والاضطراب في حركاتهم متمثلا في التجائهم إلى النور ثم رجوعهم إلى الكفر ويا ليتهم يثبتون في منطقة ضوء الإيمان إذن لسعدوا بحلاوة اليقين، ولكن هذا التقلب المؤسف بين ظلمات الكفر وأنوار الإيمان هو الذي قادهم إلى مصيرهم الفاجع الأليم.
دقق البصر في قوله سبحانه: {كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ} أليس هذا الوصف تعبيرا عن الأطماع التي تحركهم؟ فهم يمشون كلما برقت لهم آمال مصالحهم، ويسيرون كلما لاحت أمامهم فرصة، فإذا انقطع المطمع وأظلمت الآفاق في وجوههم جلسوا متربصين

* و تدبر قوله تعالى (( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ . وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ))
يصور سبحانه حال من هيأ له العلم و المعرفة بالله , ففر من هذا نور العلم كأن لم يتهيأ له أبداً
و تأمل قوله (فانسلخ) إذ صور العلم الذى يحمى الإنسان و يحيط به، بالجلد و الوبر الذى يحمى الشاة من الأذى و الألم و السقيع و هو من لوازمها الجسدية و الحياتية، إذا انسلخت منه قبحت و اضطربت حياتها
فلما انسلخ من أيات الله و صار بهذا الضعف و الإضطراب أتبعه الشيطان فغواه،و لو شاء الله لرفعه بالعلم و الإيمان، و لكنه اختار الدنو عن العلو فأخلد إلى الحياة الدنيا حيث تسوقه نفسه و وأهواؤه ,و تعبير (أخلد) يعكس قسوة القلب و طول الأمد الذى اغتر به ذلك الإنسان،
فمثله كمثل الكلب يلهث على كل أحواله ، كذلك حال هذا الإنسان فلا هو إستراح و قنع بالغفلة , ولا هو استراح و رقى بالمعرفة فما أبأسه من مثل و ما أروعه من تصوير!

و تدبر قوله تعالى (( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ .... ))
يوضح ههنا حالة الإنسان متزعزع العقيدة , فلا يحتمل ما يصادفه من الشدائد بقلب راسخ !
و لننظر فى لفظ " حرف " و الحرف حافة الهاوية، فيصور لين العقيدة كإنسان واقف يصلى على طرف جبل لو تحرك طرف واحد سقط و هلك، فيتخيل الذهن الاضطراب الحسي في وقفته , وهو يتأرجح بين الثبات والانقلاب فى الهاوية،
القرأن العظيم يصور هذا التزعزع و الترنح بأبلغ صورة, لأنها تنطبع في الحس , وتتصل منه بالنفس .

* و تأمل قوله تعالى(( أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ... ))
فالله تعالى يجرى هنا مقابلة بين عمل المؤمنين و عمل الكفار و المنافقين، فكلاهما يبنى،
و لكن المؤمن يبنى فى الدنيا و قلبه محب خائف راجى لربه فيكون عمله فيها إبتغاء مرضات الله و وقاية من غضبه و يعمرها بما ينفعه فى أخرته،
أما الكافر و المنافق فلا يبتغى بعمله وجه الله بل يصد عن سبيله، فمثله فى غفلته كشخص يبنى بناية على (شفا جرف هار) أى حافة رفيعة لبئر لم يبن بالحجارة فهو متصدع !
فانظر أرشدك الله كيف صور ضلال الكفر و عمى البصيرة
فالكافر فى غفلة إذ باع أخرته بعرض من الدنيا و طال به الأمل فى حياة زائلة قصيرة - و إن ظنها طويلة- بحيث لا يتخطى أمدها (شفا) يزل عنه الإنسان فى لحظة و مع ذلك لا يدرك هذه الحقيقة!
والكافر فى غفلة إذ يبنى و يجد و هو لا يدرك حقارة و تصدعات الأرض التى إعتمد عليها و اطمئن إليها (جرف هار)
ثم أكمل الحركة الأخيرة بقوله " فانهار به في نار جهنم " وبذلك طوى الحياة الدنيا كلها , و عبر ب (ف) بدلاً من (ثم)
و كذلك إستعمل كلمة (إنهار) تعبيراً عن سرعة إنطواء الحياة و إنقضائها، و تصويراً لحال الكافر الذى لم يقدم لأخرته فيكون موته إنهيار لأمله وظنونه و كيانه فى العذاب السحيق!
كما أن الإنهيار لو وقع فى حفرة عادية لكان عذاباً و ألماً فكيف و هى نار متأججة

و تدبر قوله تعالى ((فما لهم عن التذكرة معرضون* كأنهم حمر مستنفرة * فرت من قسورة ))
يصور سبحانه حالة الكافر الذى يضيق صدراً بالدعوة ولا يطيق أن يستمع للعظة أو التذكرة،و من روائع هذه الأيات:
أ- بلوغ الغاية فى جمال التصوير ،فما يتخيل العقل نفوراً أشد من نفور الحمر الوحشية تشرد فى الطبيعة بحياتهما من أمام هجوم الأسد الكاسر
ب- كشف نفسية الكافر الذى يحسب الدعوة خطراً على إستقرار حياته، و يحسبها شراً شئوماً مهلكاً فهى مشوهة فى عقله
جـ- بيان جهل الكافر بالدعوة التى يخشاها، و هذا نلمسه فى لفظ (قسورة) إذ هو من أسماء الأسود لكنه إسم غريب قليل الإستعمال و ان استعمل يستعمل معرفاً لا منكراً،فمجيئه منكراً غريب ليوحى بغربة الدعوة بين القلوب المظلمة
د- و كل ما سبق ساقه سبحانه فى سياق تتجلى منه السخرية من هؤلاء الذين يفرون كما تفر حمر الوحش من الأسد لا لشيء إلا لأنهم يدعون إلى الإيمان فالتعبير هنا يحرك مشاعر القارئ وتنفعل نفسه مع الصورة التي نُقلت إليه وفي ثناياها الاستهزاء بالمعرضين



و من أمثلة تصويرالنماذج الإنسانية:

تدبر قوله تعالى (( وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ ))
يبين ههنا حال الإنسان الذى لا يعرف ربه إلا في ساعة الضيق , حتى إذا جاءه الفرج نسي ربه المجيب ،و قد إجتمعت لهذا النموذج السريع كل عناصر الصدق النفسي , والتناسق الفني .
فالإنسان حين يمسه الضر , وتتعطل فيه دفعة الحياة , يقف مستبصراً , ويتذكر الخالق , ويلجأ عندئذ إليه ؛ فإذا انكشف الضر وزالت عوائق الحياة تزينت الدنيا فى عينيه فلبّى دعاءها المستجاب , و" مر " كأن لم يكن بالأمس شئ ! إن فتنة الحياة قوة دافعة إلى الأمام , لا تقف أبداً للتفكر , إلا حين يعوقها حاجز عن الجريان .
وأما التناسق الفني فيها فهو في تلك الإطالة في صور الدعوة عند الضر ( دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً) ثم في ذلكك الإسراع عند كشف الضر ( مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ "). إن هاتين الصورتين تمثلان بالضبط وقوف التيار عن الجريان أمام الحاجز القوي , فقد يطول هذا الوقوف ويطول ؛ فإذا فتح الحاجز تدفق التيار في سرعة , و" مر " كأن لم يقف قبل أصلا .
يُطرح هذا النموذج مرات كثيرة في القرآن , ولكنه يحاك من جوانب مختلفة، و تنوع فى التصوير البديع ،

و لنقرأ مثلاً قوله تعالى(( هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ . فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ... ))

أخذ لذلك الطبع البشرى صورة قوم ركبوا البحر، و تأمل كيف إنتقل من المخاطب (يسيركم) إلى الغائب فى قوله ( و جرين بهم) لأنهم عندما ركبوا في البحر وجرت بهم الفلك أصبحوا غائبين وليسوا مخاطبين، و هكذا يتسلل التعبير إلى نفس المستمع فيحيا المشهد و كأنه يراه و يتفاعل معه
ثم يكمل الصورة فتجرى سفينتهم بهم و جاءت ريح طيبة هادئة ففرحوا و قروا، لكن فجأة إذا بريح عاصف تهجم عليها، و الموج ينقض عليهم فيعلوهم يميناً و يساراً أمامهم و خلفهم، فتهتز السفينة به هزاً، و لاحظ سرعة تغير الموقف و عنصر المفاجأة فى قوله (وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ) و لم يقل ( ثم جائتها) فلما ظنوا انهم أحيط بهم أخلصت دعوتهم و تذللت قلوبهم لبارئها خوفاً و رجاءً ، فلما أنجاهم منها بنعمته إذا هم يبغون فى الأرض، و لفظة(إذا) تعكس أيضاً سرعة نسيان المحنة و الفضل، و إكتساء القلوب رداء القسوة و النكران
وهكذا تحيا الصورة وتتحرك , وتموج وتضطرب . وترتفع الأنفاس مع تماوج السفينة وتنخفض ؛ ثم تؤدي في النهاية ذلك المعنى المراد , أبلغ أداء وأوفاه
و سيأتى المزيد فى الكلام عن الإعجاز النفسى فى القرأن إن شاء الله تعالى

تدبر قوله تعالى (( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ . وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ ))
أبرز هنا نموذجاً لأناس ظاهرهم يُغري , وباطنهم يُؤذي . فلما صورهم إستعاض من الوصف الحركة والتصرف , وأبرز المفارقة بين الظاهر والباطن , في نسق من الصور المتحركة في النفس والخيال

و لقد صور القرآن عشرات من " النماذج الإنسانية " في سهولة ويسر واختصار , فما هي إلا جملة أو جملتان حتى يرتسم " النموذج الإنساني " شاخصاً من خلال اللمسات . وينتفض مخلوقا حيا خالد السمات !
و هى نماذج خالدة ,لا يخطئها الإنسان في كل مجتمع , وفي كل جيل .

فتدبر قوله تعالى ((وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ))
صور هنا صنف المنافقين الذين قد يغتر بهم العوام إذ يحاولون التأثير عليهم بتحرى فخامة المظهر الخارجى و انتحال الألقاب فهذا عميد الأدب وذاك المثقف الكبير....الخ
و يستعملون الكلام المزخرف ليستخفوا العقول، فيفضحهم القرأن و يحذر من الإغترار بهم، و يسخر منهم سخرية لاذعة

ونموذج أخر للنفاق و هو المنافق الضعيف , الذي لا يقوى على احتمال تبعة الرأي , ولا يسلم بالحق , وكل همه ألا يواجه البرهان (( وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُم مِّنْ أَحَدٍ ثُمَّ انصَرَفُواْ صَرَفَ اللّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُون )) وإنك لتكاد تراهم الآن , وهم ينصرفون متخافتين !

و تنبه للجناس المطرب بين قوله تعالى (انصرفوا) و (صرف الله)
و هذا من أرقى المحسنات اللفظية و سيأتى الكلام عنها فى بحث لاحق بإذن الله

ونموذج المكابرة العجيبة فى قوله ((وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ السَّمَاءِ فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ{14} لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ))

و نموذج النفسية اليهودية و ما شابهها، المميزة بالعنصرية التى لا تقبل الحق إلا عندها، فإن جاء من غيرها تنكرت له و هى تعلم
(( وَلَمَّا جَاءهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ ...))

و هى نفسية دأبت على خيانة العهد و خلف الوعد
((أَوَكُلَّمَا عَاهَدُواْ عَهْداً نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ))

و نموذج النصارى الضالين و من شابههم فى الضلال ،فهم فى خيال ينافحون عنه و ينتصرون له ظانين أنهم مهتدون
((قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً))
فهم أخسر الناس لأنهم عملوا و كدوا فى طريق لا يؤدى إلا لجهنم.

و شبيه هذا قوله تعالى
((هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ * تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً ))
فهذه أخوف أية فى كتاب الله و كان عمر إبن الخطاب يتأولها على رهبان النصارى و يبكى حين قرائتها، فما أبأس أن يعمل الإنسان حتى ينصب و يترك ملذات الدنيا حلالها قبل حرامها إبتغاء مرضات السراب!
لذا يقول تعالى فى أية أخرى واصفاً حالهم
((وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ.))
أنظر أرشدك الله روعة تصوير ربنا لكافر ضال و هو بعمله و زهده الذى أنصبه و أرهقه، كمن يعانى التعب و شدة الظمأ فى صحراء حارة ، و يحسب نفسه يرى الماء الجارى(الذى هو جزاء عمله) ، و لكنه مجرد سراب خداع عكسه شعاع الشمس الحارقة ، و إذا به بعد الكد و السعى للوصول إليه يصدم بالحقيقة المرة ، صدمة بدنية ببقاء الألم،و صدمة نفسية لضياع الأمل و إكتشاف الحقيقة المذهلة بعد ما إنقطعت سبل النجاة فى قلب الصحراء، ولا تقف الصدمات عند هذا الحد، بل يجد مكان السراب الذى كان يرجوه يجد الله خالقه الذى ما كان يرجوه فيزداد ذلاً و حسرة و ذهولاً و هو موقوف يحاسب على كفره و شقاوته فى ذات المكان الذى ظن فيه سعادته

ولا يفوت القرأن فضح نفاق كثير من هؤلاء الضالين حتى فى كفره،فتجد الفجر و المجون فى زى الزهد و الرهبنة ((وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاء رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ))


و تدبر قوله تعالى (( لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قَاصِداً لاَّتَّبَعُوكَ وَلَـكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ))
يصور سبحانه ههنا حال ضعيف الهمة ،قصير العزيمة فينعكس ذلك فى سلوكه فيتخلف عن نصرة الحق وقت الشدة، و فى أخلاقه فيكذب ولا يتورع عن القسم على كذبه، فما أهلكه؟!

و تدبر كيف يصف سبحانه حال المؤمنين
((تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ))
صورة تكشف ظاهر المؤمن و باطنه فقلبه متعلق بالله حباً و خوفاً و رجاءً ، ثم أن العلاقة بين جنبه الذى يلتقى عليه و بين سريره تبدو علاقة عاقلة حية ، فلا يرتاح جنبه إلا بحدوث الجفاء و القطيعة بينه و بين المضجع فلا يطمئن له ولا يهنأ بطول التصاقه به فيهب للقيام بين يدى الله و الدعاء

و تأمل قوله عن المهاجرين (( لِلْفُقَرَاء الَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً))

و قوله عن الأنصار ((وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ))

إنها صورة بديعة تصف أحوال جيل المهاجرين و الأنصار، فهؤلاء الذى أخرجوا من ديارهم و أموالهم فى سبيل الله و رغم فقرهم و غربتهم أعزة متعففين حتى ليحسبهم من لا يعرفهم أغنياء القوم!
و هؤلاء هم الأنصار أهل النصرة و الكرم و الإيثار الذين فاقوا تصور العقل فى هذا الباب!

المؤمنون الذين توجل قلوبهم بذكر الله العظيم، و كلما تنزل القرأن كلما ازداد يقينهم و إيمانهم (( إنما الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ))

يثقون فى وعد الله ولا ينقضون الميثاق
(( الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ))
زادهم إيماناً! ما أطيب نفس المؤن الحق، يرى البلاء رأى العين فيتوكل على ربه و يصبر ، و هذا ما وقع يوم الأحزاب رأى المؤمنون الأحزاب جيوش جرارة فما كانت رؤيتهم إلا سبباً فى إزدياد الإيمان فى وعد الله و صدق
((وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً))
اما المنافقون فكلما ردو فى الفتنة أركسوا فيها و يظنون بالله ظن السوء
((وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً))

و هذا ليس حال المؤمنين وقت النزال فقط بل هو حالهم بعد النزال أيضاً و لو كانت الدائرة عليهم!
((الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ ))

متواضعون لربهم، أعزاء بدينهم، معرضون عن السفهاء الغارقين فى جهلهم
(( وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً ))

و تأمل وصفه تعالى لهم فى قوله(( وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ و الله يحب المحسنين ))
إنه ليس وصف لثمرة إيمانية تجلت فى حسن الخلق فحسب، بل هو تربية و ترويض للنفس بترتيب عجيب و سياق وجيز....
فلو أذاك أحد تذكرت قوله تعالى (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ) لملكت نفسك و حققت الصبر
و لكنك قد تكظم غيظك ولا تعفو عن حقك المشروع فأتبعها تعالى بقوله (وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ)و هى مرتبة أعلى و أكرم
و مع ذلك إنتقل لمرتبة أعلى من العفو و هى الإحسان لمن أساء إليك، و رفع الهمة للقيام بهذا الأمر العظيم ببيان جزاء الإحسان و هو أعظم جزاء ....حب الله لك!
(و الله يحب المحسنين)
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و أشهد أن محمداً عبده و رسوله و أن عيسى عبد الله و رسوله و كلمته ألقاها إلى مريم و روح منه

#34 أبـــ(تراب)ـــو

    مشرف مشروع تفنيد الكتاب المقدس

  • مشرف
  • 357 المشاركات

تاريخ المشاركة : 13 January 2008 - 01:11 PM

إعجاز الحجاج القرأنى

قال الزركشي: [اعلم أن القرآن العظيم قد اشتمل على جميع أنواع البراهين والأدلة، وما من برهان ودلالة وتقسيم وتحديد شيء من كليات المعلومات العقلية والسمعية إلا وكتاب الله تعالى قد نطق به، لكن أورده تعالى على عادة العرب دون دقائق طرق المتكلمين لسببين:-
أحدهما: مصداقاً لقوله تعالى {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم}
والثاني: أن المائل إلى دقيق المحاجة هو العاجز عن إقامة الحجة بالجليل من الكلام، فإن من استطاع أن يفهم بالأوضح الذي يفهمه الأكثرون لم يتخط إلى الأغمض الذي لا يعرفه
إلا الأقلون ولم يكن ملغزاً، فأخرج تعالى مخاطباته في محاجة خلقه من أجل صورة تشتمل على أدق دقيق، لتفهم العامة من جليلها ما يقنعهم ويلزمهم الحجة، وتفهم الخواص من أثنائها ما يوفي على ما أدركه فهم الخطباء .
و هذا الذى قاله الزركشى هو ما قصده العلما بقولهم (خطاب العامة و خطاب الخاصة) فالقرأن المعجز ميسر للذكر للعالمين

** و تنبه وفقك الله أن من الأمور المميزة للأسلوب القرآني طريقة استدلاله بأشياء وأحداث مثيرة صغيرة في ظاهرها وهي ذات حقيقة ضخمة تتناسب والموضوع الضخم الذي يستدل بها عليه . تامل في قوله تعالى : (نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ *أَفَرَأَيْتُم مَّا تُمْنُونَ * أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ * نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ * عَلَى أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ * وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذكَّرُونَ * أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ {* أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ * لَوْ نَشَاء لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ * إِنَّا لَمُغْرَمُونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ * أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاء الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ *لَوْ نَشَاء جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ * أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ *أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِؤُونَ * نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِّلْمُقْوِينَ* فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ)

و قوله ((قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (* أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاء فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (* أَمَّن جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ * أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ * أَمَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ *قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ *بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّنْهَا بَلْ هُم مِّنْهَا عَمِونَ))
و قوله ((إنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ))

و لما كانت أيات الله متجددة فى كل ما تقع عليه عين الإنسان فى السماء و الأرض... و إختلاف الليل و النهار... و خلق الإنسان و الحيوان و النبات ، ناسب أن يكون شكر النعمة فى كل وقت و على كل حال قياماً و قعوداً و نياماً ((إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ *الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ))

إن طريقة القرآن الكريم في مخاطبة الفطرة البشرية تدل بذاتها على مصدره ...نفس المصدر الذي خلق الكون، فطريقة بنائه هي طريق بناء الكون من أبسط المواد الكونية تنشأ أعقد الأشكال وأضخم الخلائق....كذلك القرآن يتخذ من أبسط المشاهدات المألوفة للبشر مادة لبناء أضخم عقيدة دينية وأوسع تصور كوني، المشاهدات التي تدخل في تجارب كل إنسان : النسل، الزرع، الماء، النار، الموت.

فما الأسلوب إلا صورة فكرية عن صاحبه.....والحذّاق من الكتّاب عندما يقرأون قطعة نثرية أو قصيدة شعرية لكاتب ما يدركون بملكتهم الأدبيّة وحسّهم المرهف الحالة النفسية التي كان عليها الكاتب عند الكتابة بل يذهبون إلى أكثر من هذا، إلى ما وراء السطور فيستنبطون كثيراً من أوصافه النفسية والخلقية فيحكمون عليه أنه عاطفي المزاج أو قوي النفس أو صاحب عقل ودراية أو حقود أو منافق أو غير ذلك من الأمور الخاصة..... و إن انفراد الأسلوب القرآني بالمميزات السالف بيانها لهو دليل مصدره الإلهي


و قد إمتاز منهج القران فى الحجاج بعدة خصائص منها:-

1- الانضباط بالقواعد المنطقية في النقاش... فإذا أُلتزمت فإنَّ الحوار يبنى على أسس العلم والبرهان العقل والمنطق
((قل هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إن كنتم صادقين))
((وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ))
((إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إلاّ كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ))

2- دعوة الخصم إلى التجرد و التحرر الفكرى الكامل ، كى لا يتصدى للدعوة حمية للتقاليد أو الأهواء أو الأعراض الدنيوية الرخيصة
((وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَ نَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا ولا يَهْتَدُونَ ))
((وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إلاّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَ نَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ ، قُلَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءكم قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ))

3- إنصاف الخصم و التسليم الجدلي بإمكانية صوابه لدفعه للنقاش بمنهجية، و التعهد باتباع الحق أياً كان
((وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ))
((قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ))

2- ، إلتزام الحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن..
((ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ..))
((وَلاتَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ))
حتى أن الله أمر باللين فى الدعوة مع أفجر أهل الأرض فرعون الطاغية الذى إدعى الألوهية و الربوبية معاً و قتل الأبرياء و ذبح الأطفال و شاق الله و رسله ....مع ذلك لما أرسل الله إليه موسى قال له ((اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلا تَنِيَا فِي ذِكْرِي ، اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى ، فقولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى))

و لكن لما كان القرأن كتاباً واقعياً يراعى إختلاف النفوس و درجات صلاحها و خبثها قيد هذا الإحسان فى الدعوة فجعله الأصل الأصيل و إستثنى منه الظالمين
((وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ))
و ما أكثر الظالمين من أهل الكتاب الذين يسبون الله و رسوله و يلبسون الحق بالباطل و يكفرون و هم يعلمون
كحال اليهود لما سبو الله تعالى فقالوا (َقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ)
فجاء الجواب الإلهى الشديد ( غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً..)
فهى شدة تناسب بغيهم الغير معذور.. و هى صدمة جوابية تستفز الحياة فى البقايا الباقية من فطرتهم بعدما غلفت قلوبهم و إنتكسوا... و ستأتى أمثلة أخرى إن شاء الله..


نماذج من روائع الحجاج القرأنى

فى حجاج الملاحدة
تدبر قوله تعالى ((أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَّا يُوقِنُونَ))
عمد سبحانه فى هذه الأيات إلى تقرير الخصم بطريق الإستفهام عن الأمور التي يسلم بها وتسلم بها العقول حتى يعترف بما ينكره.....و بيان ذلك:-

**( أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ)
إمتازت هذه الأية بالحصر و الإيجاز معاً,,,,,، فلا يخرج الموجود عن إحتمالين... إما أن يكون ليس له سبب، وإما أن يكون له سبب.
- أما الإحتمال الأول (خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ) فمحال لا يشك فى إستحالته عاقل ، و أنّى للعدم أن يخلق الإنسان العاقل و يصوره، أو يشق سمعه و بصره و ينطقه، أو يفطرخوالج نفسه و مشاعره، أو يرتب لكل عضو محله و يوظفه ، أو يجعله ذكراً و أنثى فيزوجه؟!
-أما الإحتمال الثانى (هم الخالقون) فمحال أيضاً لا يشك فى إستحالته عاقل، و أنى للمخلوق أن يكون خالقاً، و لنفسه قبل أن يوجَد واجداً ، و لجسده الذى يجهل منه أكثر مما يعلم بارئاً، و هو الضعيف الذى لا يذكر حياته بعد ميلاده أول سنين فكيف فطر نفسه فى القرار المكين؟
فانظر إلى حجاج القرآن كيف يجعلك تختار العقل أو الجنون!
لا ينجيك من الشناعة و السخرية إلا أن تختار ما لم تذكره الآية أصلاً,,, فكان الحذف كمالاً و هذا قمة البلاغة
إذ حذف ذكر الإحتمال المتبقى لفظياً ليخرجه من جوف الخصم نفسه منطقياً ،،،،،دون إملاء،،، إنه الخالق

**( أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَّا يُوقِنُونَ)
و قبل أن يفيق الملحد من الصواعق المرسلة إذا بصاعقة أكبر تدمغ إلحاده فتقضى عليه ((لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ))
إنتقل بالسؤال من خلق الإنسان إلى ما هو أعظم من خلقه ليعرف حجمه و يلزم حده و يرتد إليه خاسئاً بصره، فما خلقت أبها الإنسان هذه السماء و أبراجها و ولا شموسها و أقمارها و لاسحبها و نجومها ولا ليلها و نهارها،،،، و ما خلقت أيها الإنسان هذه الأرض و أحيائها و لاأنهارها و بحارها و ، و لا أشجارها و ثمارها المختلف ألوانها!
فلا يملك الملحد بعد كل ما سبق إلا أن يقر حقيقة وجود، و يعترف بالخالق الحكيم
و لكن من هو هذا الخالق.....هذا موضوع أخر
أو لنقل إنه نفسه السائل هنا.....إنه نفسه الذى دعاك و ألجمك الحجة ....
عفواً ،،إنه قبل أن يحدثك بالأيات السابقة أو قل الصواعق المرسلة أرهص لكلامه فقال ...(( أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لَّا يُؤْمِنُونَ*فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ))
فلتأت بحديث مثله إن كنت فى شك من مصدرية القرأن و ربانيته، و إلا ،،هذا كلام الخالق و رحمته

ولهذا أسلم جبير بن مطعم لما سمع قراءة النبي – صلى الله عليه وسلم- للطور حتى انتهى إلى قوله ((أم خلقو من غير شىء)) قال: كاد قلبي يطير فأسلم


فى إفحام المشركين بالتوحيد:
جاء القرآن لينشئ عقيدة ضخمة – عقيدة التوحيد – بين قوم يشركون بالله آلهة أخرى , فوصف حالتهم النفسية و تحركهم و تشاورهم و هم يردون بالتعجب و الإتهام و التشنيع بنبيهم فقط لأنه قال: إن الله واحد.....
((وَعَجِبُوا أَنْ جَاء هُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ . أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ . وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ . مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ))

لننظر كيف حاجهم في هذه القضية الخطيرة ....لقد تناولها ببساطة ويسر , وخاطب البداهة والبصيرة , بلا تعقيد كلامي ولا جدل ذهني:
** طلب منهم ببساطة إبداء الدليل العلمى على ما هم عليه من شرك..
((قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنْ الأرض أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ))
و من رحمة الله بالبشر أن ما أشرك به أحد و هو يملك الحجة أو البينة و لو سألت أشهر مشركى العالم فى عصرنا و هم النصارى أين قال المسيح أنا الخالق أنا المعبود حتى و لو فى كتبكم المحرفة ... لبهتوا

** فلما عجز المشركون عن إقامة الدليل العلمى ، إذ مستندهم التقليد وإتباع الظن ألجمهم سبحانه أيضاً بالدليل العقلى.... كذلك فى سهولة و يسر
(( مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ))
يقول الأستاذ سيد قطب: [هكذا في بساطة البداهة .... هذه الصورة التي يخيلها – لو كان هناك آلهة – ( إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ ) وإنها لصورة مضحكة , أن ينحاز كل فريق من المخلوقات إلى إله , وأن يأخذ كل إله مخلوقاته ويذهب . إلى أين ؟ لا ندري ؛ ولكننا نتخيل هذه الصورة فنضحك من فكرة تعدد الآلهة ..!]
إنها ألهة كل له خلقه، بعضهم فوق بعض يتنافسون فى الخلق....سبحان الله الإله الحق عن هذا العبث!

** ولما ناقش الأدلة العلمية و العقلية على أتم وجه،،،، زادهم بأدلة حسية واقعية تحسم بطلان ألوهية ما يشركون
((أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ ، وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلا أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ ، وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ ، إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ...))
((وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لأنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعـًا وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًـًا وَلا حَيَاةً وَلا نُشُوراً ))
((يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابـًا وَلَوْ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمْ الذُّبَابُ شَيْئـًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ))

و هكذا أقيم عليهم الدليل العلمي والعقلى و الحسى على بطلان دعواهم بأبسط ألفاظ و أظهر حجج بديهية .



فى إفحام المشركين بنبوة رسول الله:-
كان المشركون قد سارعوا بحكم التعصب لدين الأباء و العادات و الأهواء و المصالح الشخصية إلى معاداة دعوة الحق و التصدى لها ...
فإستدرجهم القرأن إستدراجاً بديعاً بقوله تعالى ((قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ))

**هذه الأيات تبدأ بـ (قل) و تختم بـ (عذاب شديد)
و هذا تبيه لعقولهم إلى حقيقة أن محمداً – صلى الله عليه و سلم- عبد مأمور و رسول لا يملك إلا طاعة الرب،،، الرب القدير عليكم إن كفرتموه أن يعذبكم (عذاباّ شديداً)
تنبهوا ،،،فالقول جد فصل ما فيه هزل

** ثم قال (إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ)
بعد البداية الحازمة،،،، تظهر شخصية رسول الله الدعوية كما أدبه عليها رب العالمين ،،،رحمة مهداة ،،، (يعظكم) و العظة تحمل معنى اللين و النصح،،،و هو تعبير يحملهم على ترك الأجواء الإنفعالية و التعصبية لأن مطلب العظة هو التفكر و التدبر و لن يتحقق ذلك لمن كان تحركه حميته و يقوده غضبه و تعصبه.....
و يشجعهم على الإستجابة ببيان أنه عظة (واحدة) ما أيسر الطلب فلا تردوه،،،طرح واحد تناولوه متجردين عن أهواءكم فإن فيه شفاء النفوس..

** ثم قال (أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مثنى و فرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا )
المطلوب أن تقوموا لوجه لله.. مخلصين لله..متجردين لله ، ولا يكون قيامكم إنتصاراً لتقليد أو هوى أو غيره حتى لا تفسد النتيجة... فإن حققتم الإخلاص و تحررتم من المؤثرات،،،فتفكروا، أعملوا عقولكم بشتى الطرق وحداناً و مجتمعين... ليقم أحدكم منفرداً بالنظر، مستوفياً حظه من التدبر ليستبين رأيه المجرد، و أيضاً فليستشير فى هذا الرأى من قام مخلصاً متجرداً لله مثله ،،،فإن تقابل الأذهان قد يظهر لبعضها ما خفي عنها ، و هذه الأذهان المخلصة إن أجتمعت على رأى تعضده و تقطع دابر معاندته،،،
و فى ذلك المطلب تتجلى ثقة طالبه،،ثقة تؤتى ثمرها فى قلب المتلقى اللبيب...

** ثم قال (مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ) هذه هى النكتة ،،،،
أحكموا بإنصاف على صاحبكم،، إن الله لم يرسل إليكم رجلاً غريباً عنكم، بل هو صاحبكم الذى تعرفون صدقه و أمانته، صاحبكم الذى تعرفون رجاحة عقله و سعة حكمته، صاحبكم الذى تعرفون مخرجه و معيشته،،،، تعلمون يقيناً أنه ليس بكاذب ولا مجنون،،، فأين تذهبون؟!

** ثم قال (إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ)
الأن بعدما سحقت الشبهة حول شخص رسول الله ،،بإعتراف كل متجرد متدبر منصف فيكم.... جاء التقرير الذى يضعهم فى مواجهة الواقع ،،، ماذا يكون لو أنه ليس بكاذب ولا مجنون... بل صادق أمين عاقل حكيم كما تعلمون؟.... إنها الرسالة الإلهية،،، إنه رسول الله إليكم بين يدى عذاب شديد..

- و لهذا دون القرأن قولهم الذى يعكس تيقن أنفسهم بصدق رسول الله فقال تعالى ((وَقَالُوا إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِن لَّدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ)) فاشتملت الأية على إعتراف و سبب و جواب:-
- إما الإعتراف: فقد أقروا أن الذى يرفضون إتباعه هو (الهدى)
- وأما السبب: فقد أقروا أن علة رفضهم الهدى الخوف على دنياهم و إستقرار أرضهم...
و لعمر الله إن بشاعة الكفر لتبرز فى سرعة إختيار الدنيا الزائلة على الأخرة الخالدة و هم يعلمون!
- و أما الجواب: بسؤال تذكيرى،،، من الذى جعل أرضكم المفتوحة حرماً أمناً و الناس تتخطف من حوله فى كل مكان؟ من الذى جمع ثمرات كل شىء فى واد ليس فيه من الزرع شىء؟
إنها أرض الله لا أرضكم كما تزعمون.... الذى أمّنها أول مرة و به كان أمنكم... فأنّى لكم أن تتحرو الأمن فى حربه؟!


فى حجاج اليهود
((وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ بِمَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَاءهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنبِيَاءَ اللّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ))
و هذا بحث الرائع للأخ الفاضل أبى عبدالمعز،،،،و هو إختصار لبحث الدكتور محمد دراز فى كتابه (النبأ العظيم) حول نفس الأية:-

((وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ بِمَا أَنزَلَ اللّهُ))
للتعبير بصيغة البناء للمجهول- "قيل"- مقصدية بلاغية حجاجية باهرة،فمن المعروف أن الخصم المجادل بالباطل لا يفتأ يبحث عن منافذ للمناورة، وافتعال قضايا هامشية لتناسي موضوع المناظرة..فيجب على المناظر هنا سد جميع الثغرات وتقليل العبارات ما أمكن لتقليل فرص المراوغة...
والدرس في الآية بليغ من هذه الجهة: ذكر القرآن القول، وطوى صفة القائل...ليقيد اليهود –المحجوجين-بفحوى القول وحده ويفوت عليهم فرصة نقل المناظرة من الفكرة إلى الشخص...
فلو قيل" قال فلان كذا..."(وسمي باسمه) فلربما طعنوا في أخلاق القائل، أو نقلوا عنه من موضع آخر ما يخالف قوله الحالي..فيضطر المناظر إلى تعليق الكلام على مضمون الفكرة، لفتح مواضيع في الجرح والتعديل، أو تحقيق النصوص..وقد يتشجر الكلام فلا يعودون إلى الموضوع الأصلي أبدا...((آمنوا بما أنزل الله))...هذا ما ينبغي قبوله أو رفضه،لا غير.

((آمنوا بما أنزل الله))
الآية جمعت الدعوى والدليل معا،لتحقيق مقصد الإيجاز ولقطع فرصة المناورة على اليهود كأن يلجؤوا إلى التهرب من الجواب عن السؤال بسؤال آخر..
فلو قيل "آمنوا بالقرآن" مثلا-وهو المقصود أساسا-لقالوا:"ولم نؤمن بالقرآن؟
فتقول:"لأن الله أنزله.".وتكون قد ضيعت وقتا ثمينا في الفصل بين الدعوى ودليلها..
وقد يثيرون تشكيكات تتعلق بمصدر القرآن...فتضل المناظرة.
لكن صيغة القرآن: "آمنوا بما أنزل الله" لا يمكن أن يقابلها اليهود بسؤال:
"ولم نؤمن بما أنزل الله "لأن في هذا شهادة على أنفسهم بالكفر.. فتأمل!
ولأسلوب التعميم في عبارة "ما أنزل الله"نكت حجاجية أخرى:
-فمشكلة اليهود ليست في قبول القرآن أو رفضه بل مشكلتهم في التعالي على ربهم ورفض كل كتبه..فقد كفروا بالإنجيل قبل القرآن..وكفروا بالتوراة قبل الإنجيل أو على الأقل كفروا ببعضها ...
وهكذا فرضت الآية على اليهود مناقشة "مذهبهم في الوحي" وليس" موقفهم من القرآن"..
فضلا عن الإشارة إلى تكرر سلوكهم عبر التاريخ كلما نزل كتاب من ربهم...فتكون جريمة اليهود موصوفة بالعمد والإصرار وسبق الترصد.... انظر على هذا العطاء المتجدد لعبارة "ما أنزل الله"!!

(( قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا))
آية مذهلة حقا في كشف نفسية اليهودي!
قيل لهم "ما أنزل الله" وقالوا "ما أنزل"فغيبوا اسم الجلالة وأحضروا أنفسهم "علينا"!!
فهذا اليهودي المستكبر لا يعنيه مصدر الكتاب المنزل بقدر ما يعنيه متلقي الكتاب..
فليس الشأن أن تكون التوراة من عند الله بل الشأن كل الشأن أن تكون "شيئا"قوميا يهوديا...فتقديس التوراة عندهم بالنظر إلى المستقبل لا المرسل..فما يكون إقبالهم على التوراة واحتفاؤهم بها وتقديسهم لها إلا إقبالا واحتفاء وتقديسا لأنفسهم!!
العبادة للذات القومية لا لرب العالمين!!
دليل ذلك أن رب العالمين أنزل كتبا أخرى فما كان منهم إلا الإعراض والاستهزاء..

((وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَاءهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَهُمْ))
قيدت الآية الاسم الموصول بحالين: (أ)وهو الحق (ب) مصدقا لما معهم
وفائدة القيد الأول بيان فساد القلب
أما فائدة القيد الثاني فبيان فساد العقل
(هو الحق)...كفر اليهود بالقرآن فرع عن قاعدة متأصلة في نحيزتهم:هي كره الحق نفسه...
هذا خلل في القلب ...له جذور في خبث الطبع والتكبر الأجوف..فليس إنكارهم للقرآن إلا لصلته بالحق وليس لصفات أخرى ..ودليل ذلك أنهم كرهوا الإنجيل أيضا وقد نزل في ظروف غير ظروف نزول القرآن زمانا ومكانا وقوما...فما القاسم المشترك بينهما إلا الحق ونزولهما بالحق من الحق!
(مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَهُمْ)...هذا القيد يكشف فساد العقل والمنطق عند اليهود...هم يؤمنون بالتوراة-على حد زعمهم-ويكفرون بالقرآن...مع أن القرآن يقول إن التوراة حق..
فإن كذبوا بالقرآن...فمعناه أن قول القرآن عن التوراة بأنها حق باطل في نظر اليهود...فيؤول الأمر إلى أن يبطلوا التوراة نفسها ..لأنهم طعنوا في الشاهد الذي شهد بصحته... هو باختصار زوال للعقل بعد زوال للإيمان!

(( قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنبِيَاءَ اللّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ))
هذا أوان الإجهاز عليهم...فقتلهم الأنبياء دليل إضافي على أن عدواتهم هي لله وحده
فقد كفروا بالكتب...وقتلوا مبلغي الكتب.... فالهدف واضح هو قطع كل الصلات بالله تعالى
والتعبير بأنبياء الله بدل رسل الله فيه نكتة بلاغية حجاجية بديعة:
فبناء على الفرق بين النبوة والرسالة في كون النبوة هي تلقي الوحي والرسالة هي تبليغه.. يكون قتلهم للأنبياء اعتبارا لجهة تلقي الوحي فقط.. فقتل الرسول قد يتوهم فيه سبب التشديد عليهم أوتكليفهم بالشرائع الثقيلة...أما قتل النبي فلأنه جاءه من الله النبأ فقط..فيتمحض عداؤهم لله أصلا ولمن لهم صلة به تبعا..

و للدكتور محمد دراز ملاحظات باهرة حول هذه الفقرة الأخيرة الأخيرة (( قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنبِيَاءَ اللّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ))قال:-
أ- تأمل كيف أن هذا الإنتقال كانت النفس قد إستعدت له فى أخر المرحلة السابقة، إذ يفهم السامع من تكذيبهم بما يصدق كتابهم أنهم صاروا مكذبين بكتابهم نفسه،و هل الذى يكذب من يصدقك يبقى مصدقاً لك؟!
غير أن هذا المعنى أُخذ إستنباطاً من أقوالهم، و إلزاماً لهم بمأل مذهبهم، و لم يؤخذ من واقع أحوالهم، فكانت هذه هى مهمة الرد الجدسد.
و هكذا كانت كلمة (مصدقاً لما معهم) مغلاقاً لما قبلها مفتاحاً لما بعدها....فما أوثق هذا الإلتحام بين أجزاء الكلام!
ب- و أنظر كيف عدل الإسناد عن وضعه و أعرض عن ذكر الكاسب الحقيقى لتلك الجرائم، فلم يقل (فلم قتل أباؤكم أنبياء الله، و اتخذوا العجل ، و قالو سمعنا و عصينا) إذ كان القول على هذا الوضع حجة داحضة فى بادىء الرأى ، مثلها مثل محاجة الذئب لحمل فى الأسطوؤة المشهورة، فكان يحق لهم أن يقولوا ( و مالنا و أبائنا؟!) تلك أمة قد خلت، ولا تزر وازرة وزر أخرى.
و لو زاد ( و أنتم مثلهم، تشابهت قلوبكم) لجاء هذا التدارك بعد فوات الأوان، و لتراخى حبل الكلام و فترت قوته،،فكان إختصار الكلام- بوقفهم بادىء ذى بدء فى موقف الإتهام- إسراعاً بتسديد سهم الحجية إلى هدفها، و تنبيهاً فى الوقت نفسه على أنهم ذرية بعضها من بعض، و أنهم سواسية فى الجرم..لإذ لا بنفكون عن الإستنان بسنة أسلافهم، أو الرضى عن أفاعليهم، أو الإنطواء على مثل مقاصدهم
جـ-و أنظر كيف زاد هذا المعنى ترشيحاً بإخراج الجريمة الأولى و هى جريمة القتل فى صيغة الفعل المضارع تصويراً لها بصورة الأمر الواقع، كأنه بذلك يعرض علينا هؤلاء القوم أنفسهم و أيديهم ملونة بتلك الدماء الزكية و يكشف حقيقة نفوسهم التى لازالت مستعدة لقتل الأنبياء فى أى زمان
د- و لقد كان التعبير بهذه الصيغة مع ذكر الأنبياء بلفظ عام مما يفتح باباً عن الإيحاش لقلب النبى الكريم ،و باباً من الأطماع لأعدائه فى مجح تدابيرهم و محاولاتهم لقتله فانظر كيف أسعفنا بالإحتراس عن ذلك كله بقوله ( من قبل) فقطع بهذه الكلمة أطماعهم و ثبت بها قلب حبيبه صلى الله عليه و سلم...أهـ


فى حجاج النصارى
وردت فى كتاب الله مناظرات للنصارى تناولت مختلف عقائدهم فى غير ما موضع بغاية الروعة و الإتقان و من ذلك:
* إفحام الخصم وإلزامه ببيان أن مدعاه يلزمه القول بما لا يعترف به أحد- كقوله تعالى ((بديع السموات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم))
فنفي التولد عنه لأن الأصل إمتناع التولد من شيء واحد، وأن التولد إنما يكون من اثنين، وهو سبحانه (لا صاحبة له)... و لكن الحجة الأبهر ههنا أنه أظهر نقيصة إمتلاك الولد و التى لا يدركها النصارى بحكم إنكتاسهم و نشأتهم عليها يقرنها بنقيصة أخرى تدخل فى ذات الباب أو قريبة منه... و هى إتخاذ الصاحبة الذى لا يختلفون فى إعتباره نقيصة و سخف!
فإن كنتم ترون إتخاذ الصاحبة نقيصة و فظاظة لا تليق بالله...فكيف تقبلون أن الله ولد إبناً؟!
و أيضاً فإنه (خلق كل شيء)، وخلقه لكل شيء يناقض أن يتولد عنه شيء....
(وهو بكل شيء عليم) و هذه الأية فيها نكات عدة :
- فإن الولادة لا تخرج عن كونها أمر من إثنين إمام ولادة شعورية إختيارية و إما ولادة لا إختيارية .....و كماله و علمه سبحانه بكل شيء يستلزم أن يكون فاعلاً بإرادته، فإن الشعور فارق بين الفاعل بالإرادة والفاعل بالطبع، فيمتنع مع كونه عالماً أن يكون كالأمور الطبيعية التي يتولد عنها الأشياء بلا شعور- كالحار والبارد، فلا يجوز إضافة الولد إليه
- و أما إن كانت بعلمه و إختياريه فهذا يعنى سبق وجود الله الأب على إبنه الذى ولده و إتخاذه له إختياراً...و هنا تبهت الحجة فأنَى للإله أن يوجد بعد عدم؟ فإن من أوجده إختياراً يكون خالقاً له بالبداهة...لاسيما مع إيمان النصارى بتمايز الأقانيم و أن كل منها إله كامل!
و هذا أورده سبحانه ببراعة فى قوله (لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لَّاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ)
لأن الله لما اختار ان يتخذ الابن و هو إله لا أول له ولا أخر ولا تجد له صفات ما كانت قائمة ولا تنقضى عنه صفة قائمة..لم يتبق إلا أن (يتخذ) ولداً من (مخلوقاته) و هذا يفند معتقد النصارى...(سبحانه) منزه عن إككم ..(هو الله الواحد) ليس بثالوث...(القهار) قهار لكل ما دونه ولا يكون شىء بغي علمه و خلقه و تقديره... و فيها إشارة إلى غناه سبحانه بذاته العظيمة عن غيره ـ فالأب يحتاج لإبنه ليعينه و يكمل مسيرته أما الإله فكماله سبحانه فى وحدانيته و إفتقار الخلائق إليه

- و تدبر الرد المزلزل الذى يحدث ثورة نفسية فى قلوب من ينسب الولد لله إن كان فيها بقية من حياة فتستبصر.... ((وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً * أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَداً * وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً * إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً))
انظر كيف تتجلى عظمة الإله و هو يحذر عباده الضالين أن قولهم الكاذب لا عقيدة حق بل مسبة و إنتقاص.... حتى أن كون كله يتفاعل مع بشاعة ما نُسب إلى الله، فها هى السماوات تكاد تتفطر، و ها هى الأرض تكاد تنشق، و هاهى الجبال الشواهق تكاد تخر هداً من شناعة قولهم....اتخذ الرحمن ولدا

- كذلك فى قوله تعالى ((مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ))
** جاءت هذه الأية فى سياق رد القرأن على نسبةالنصارى الألوهية للمسيح، فقال تعالى (مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ) هكذا حصر لحقيقة المسيح... و نلاحظ ان الله لم يقل ما المسيح إلا بشر و إنما قال ما المسيح ابن مريم إلا رسول و لذلك فوائد منها:
1- أن ذلك قمة العدل مع المسيح بوضعه فى مكانته فلا يؤله كما فعل النصارى ولا تكذب مكانته و رسالته كما فعل اليهود فقال أنه ( رسول)،،،وفوصفه بالرسول أثبت مكانته الكريمة و أيضاً تضمن بيان بشريته لأن الرسل كلهم بشر و لهذا قال تعالى (قد خلت من قبله الرسل)
2- أن كون المسيح رسول قد خلت من قبله الرسل فهذا عين الرد على ما فتن النصارى فيه.. فهم قالوا بألوهيته بسبب ميلاده المعجز و معجزاته الكبرى... فلما أخبر أنه رسول فسر بيسر سبب معجزاته ... إنها أيات من الله، و ذكرهم أنه ليس بدعاً من الرسل بل سبقه رسل قد خلت منهم موسى و إبراهيم و نوح و غيرهم ممن جاءو بأيات أكبر من أيات المسيح... و من هؤلاء الأنبياء أدم الذى كان خلقه أعظم من خلق المسيح

** ثم قال ( و أمه صديقة) و ذكر أمه هنا له فوائد منها:
1-لتبرئتها و بيان مكانتها فى الإسلام فيؤلف قلوب النصارى و يرد كيد اليهود
2- للتذكير بواقع المسيح، إذ من تعبدون هذه أمه الأمة الفقيرة إلى الله... و الأم أصل الشىء فأنى لخالق السماوات و الأرض أن يكون طفلا ضعيفاً جنيناً يقتات من رحم فتاة ضعيفة ثم يولد منها و يرضع و يُحمل ...الخ؟!
** ثم قال (كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ) و فيها نكات و فوائد جلية:
1- تذكير بحقيقة أخرى، فإن من يأكل الطعام يفتقر إلى ذلك الفضل و الله لا يفتقر لشىء ولا يُطعم ولا يُرزق بل هو الرزاق صو القوة المتين..
2- ثم أن من يأكل الطعام يأتى بلازم ذلك من التغوط و التبول و الإسهال ...الخ
فهل هذا الذى يتخفى فى الخلاء يقضى حاجته على ذلك الحال هو رب السماوات و الأرض؟!
أنظر كم من الأيات يراها القوم لا و يبصرنها يسمعونها ولا يعقلونها (انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ)


فى حجاج المنافقين فى بخلهم
** تدبر قوله تعالى ((وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تُنفِقُواْ فِى سَبِيلِ الله وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السماوات والارض ))
يقول الأخ أبو عبد المعز حفظه الله:
تأمل كيف جاءت كلمة "ميراث"في الآية حاملة طاقة حجاجية خارقة مؤشره على إعجاز القرآن!!
(وَلِلَّهِ ملك السماوات والارض..)عبارة لها وظيفة حجاجية لا تنكر ولكنها تقصر كثيرا عن الحجاج الباهر في(..وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السماوات والارض)
التعبيران معا وردا في بداية سورة الحديد لكن وضع كل واحد في مقامه المعلوم!
تأتي قوة كلمة "ميراث"من كونها دالة على معنى حيازة الملكية مع معنيين آخرين :
أ-مالك سابق للمال.
ب-هلاك هذا المالك.
ج-انتقال المال إلى مالك جديد.
وحجاج الآية يستثمر بقوة معنى الهلاك ومعنى الانتقال..بحيث يصبح سلوك المنافقين في الامتناع عن الإنفاق سلوكا باهتا إن لم يكن متناقضا..
البخيل حين يمتنع عن الإنفاق ..يعلن أنه لا يريد الإنفصال عن ماله..وحجته في الغالب الأعم خشية الفقر، لذا تراه دوما يمسك ويستزيد.إنه يتوقع الإنفصال دائما لكن من جهة ماله..فهو يخشى "ذهاب المال وبقاءه هو"...
وجاء الحجاج في الآية ليصفع البخيل بتذكيره باحتمال آخروهو "أن يذهب هو ويبقى ماله لغيره"
وهذه أشد من الأولى من جهتين:
-أنها حتمية والأولى ظنية..فالفقر محتمل فقط لكن الموت يقيني..
-أنها تطعن البخيل في الصميم ..فالمال الذي يغار عليه من الناس سوف يبتذلونه ويتداولونه رغم أنفه...فظهرت المفارقة في أبشع صورة بين:
-من تكلف مشقة الجمع بدون استمتاع...
-ومن استمتع بدون تكلف مشقة الجمع...
فانظروا إلى القوة الحجاجية لكلمة ميراث-رحمكم الله-

لكن لكلمة "ميراث" عطاء ثانيا باعتبار معنى انتقال الملكية بعد هلاك صاحبها، واعتبار معنى "فِى سَبِيلِ الله"المقيد للإنفاق...فالتنديد ليس بالممتنعين عن الإنفاق بإطلاق، بل بالممتنعين عن الإنفاق في سبيل الله.. فهذا المنافق يأبى أن يتنازل عن بعض ماله لربه...
فجاء التسفيه :مالك سيرثه الله رغم أنفك..فيضيع مقصودك الأول باستبقاء المال وعدم وصوله لله..وتبوء مع ذلك بسخطه وعقوبته...
كل ملكية هي لله خلقا أولا ،و تخويلا وسطا ، وميراثا آخراً....فما أحمق من لا ينفق في سبيل الله؟!
إذ لا يكون الإنسان إلا رادا الملكية لصاحبها..فأي حرج في ذلك.. وحتى لو أبيت ردها طوعا فستردها كرها...رد وخزي معا...
فأي عاقل يختار لنفسه هذا المسلك وأي راشد يختار لنفسه ذاك المصير!!


و هناك نماذج أخرى كثيرة لبدائع الحجاج القرأنى كما قال الزركشى منها:-
أ- الاستدلال البديع بالمبدأ على المعاد. كقوله تعالى {أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد} وقوله {أيحسب الإنسان أن يترك سدى ألم يك نطفة من مني يمنى ثم كان علقة فخلق فسوى فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى أليس ذلك بقادر على أن يحيى الموتى} وقوله {فلينظر الإنسان مم خلق؟ خلق من ماء دافق، يخرج من بين الصلب والترائب، إنه على رجعه لقادر}
وكذلك النسج البديع لمشهد إهتزاز الأرض و ربوها و بث الحياة و الخضرة و الزرع المختلف ألوانه فيها بعد جفافهاو سكونها للإستدلال به على الحياة بعد الموت للحساب {ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت إن الذي أحياها لمحيي الموتى}
ب- السبر والتقسيم بحصر الأوصاف، وإبطال أن يكون واحد منها علة للحكم، كقوله تعالى {ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أمَّا اشتملت عليه أرحام الأنثيين نبئوني بعلم إن كنتم صادقين ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين قل آلذكرين حرم أم الأنثين أمَّا اشتملت عليه أرحام الأنثيين أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً ليضل الناس بغير علم إن الله لا يهدي القوم الظالمين}
جـ- و أنواع أخرى من الجدل كثيرة، كمناظرة الأنبياء مع أممهم، أو فريق المؤمنين مع المنافقين، وما شابه ذلك... و كلها تعج بالفوائد اباهرات لكن لو تقصيناها لطال المقام جداً!

يتبع إن شاء الله
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و أشهد أن محمداً عبده و رسوله و أن عيسى عبد الله و رسوله و كلمته ألقاها إلى مريم و روح منه

#35 كعب الأحبار الأساسي

  • الأعضاء
  • 2 المشاركات

تاريخ المشاركة : 16 January 2008 - 03:48 PM

سلام ومحبه
عندي سؤال للأخ الكاتب
قلت في طريقتك لكتابة الموضوع دوري هو التجميع "و دورى فى هذا البحث تجميع ما قرأت فى كتب العلما و أصحاب السير "
ثم عنونت
" إعتراضات اهل الكتاب و تفنيدها بالردود المفحمة"
ما معنى كلمة "المفحمة" في العبارة السابقة ؟
شكرا


#36 مجاهد في الله

    عضو مشارك

  • الأعضاء
  • PipPipPip
  • 261 المشاركات

تاريخ المشاركة : 16 January 2008 - 05:59 PM

إقتباس

سلام ومحبه
عندي سؤال للأخ الكاتب
قلت في طريقتك لكتابة الموضوع دوري هو التجميع "و دورى فى هذا البحث تجميع ما قرأت فى كتب العلما و أصحاب السير "

هذا طبيعي فلن يخترع معجزات من عندياته !!

إقتباس

" إعتراضات اهل الكتاب و تفنيدها بالردود المفحمة"
ما معنى كلمة "المفحمة" في العبارة السابقة ؟
شكرا


جد ولا هزار ؟! :)

#37 أبـــ(تراب)ـــو

    مشرف مشروع تفنيد الكتاب المقدس

  • مشرف
  • 357 المشاركات

تاريخ المشاركة : 26 January 2008 - 06:56 PM

بارك الله تعالى فيك أخى مجاهد

الأستاذ كعب إن رغبت فى مناقشة أى أطروحة فى هذه الرسالة فأهلاً و سهلاً بك لكن رجاء أن تفتح لها موضوع مستقل كى لا نقطع تسلسل الرسالة هنا

الفاصلة القرأنية
أغلب مفردات هذا البحث منقولة بتصرف من كتابات دكتور فاضل السامرائى حفظه الله

من روائع التعبير القرأنى التناسق التام و الدقيق لفواصل الأيات بجانب جمال إيقاعها، فالفاصلة القرأنية تحوى الجمال الأدبى والغذاء المعنوى و المناسبة للأية التى وردت فيها، و هى لو توضع لتحقيق مجرد السجع كما يزعم بعض الجهال.... بدليل أن الفاصلة تخالف أحياناً سيرها داخل السورة لأن العبرة بتحقيق المعنى و من أمثلة ذلك:
قوله تعالى ((فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُم مِّنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ )) هذه الفاصلة مغايرة للفاصلة القرآنية في باقي آيات السورة (تزكى، يخشى، هدى) لأن المقصود الأول هو المعنى. وكذلك في سورة الأنبياء الآية ((قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئاً وَلَا يَضُرُّكُمْ)) مغايرة لباقي آيات السورة (يشهدون، ينطقون، تعقلون) وليس لها ارتباط بما قبلها وبعدها.
و لكن العجب أن الفاصلة حتى إن خالفت أخواتها فى سياق فلا تستنكر هذا الإختلاف الأسماع بل تظل الأيات تتدفق بإيقاعها الباهر فى الأذان و تنساب منها إلى القلوب!

و لننظر الأن فى نماذج للفاصلة القرأنية ليتبين لنا روعة كلام البارى سبحانه:-
** تدبر قوله تعالى ((وأضل فرعون قومه وما هدى)).
ظن البعض أنها جاءت مراعاة للفاصلة، و كان من الممكن قول (وما هداهم)... و لكن لو نظرنا لوجدنا أن قوله تعالى ( و ما هدى) أبلغ و أوسع من (و ما هداهم) إذ الأخيرة تنفى تحقيقه الهدى لقومه و لا تنفيه عن غيرهم ....أما (ما هدى) ففيه إطلاق نفي الهداية بمعنى أنه لم يهدي قومه ولا غيرهم ولم يكن أبداً سبباً في هداية أحد...فتأمل

** تدبر قوله تعالى (((ما ودّعك ربك وما قلى))
نفى تعالى في هذه الآية شيئين: نفي التوديع وهو لا يكون إلا بين الأحباب والأصحاب
ونفى القلى الذي لا يكون إلا للمتباغضين.
فلما تكلم في الأمر المحبوب نفى الله تعالى بقوله (ما ودعك) باستخدام ضمير المخاطب إذ فيه تكريم لرسول الله صلى الله عليه و سلم بذكر حرف المخاطب
أما في قوله (وما قلى) فلا يصح استخدام (قلى) بين المحبين فلم يقل (وما قلاك) حتى لا يكون الخطاب مباشرة للرسول عليه السلام من ربه الذي يحبه ولا يقليه ....

** تدبر قوله تعالى ((قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ *قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ ))
أيات تحكى مناظرة إبراهيم عليه السلام لقومه فى عبادتهم للأصنام التى لا تملك الضر ولا النفع
ظن البعض أن إطلاقه للفظ فى قوله (يضرون) فقط ليناسب الفاصلة و أن المراد (يضرونكم)
ولا شك أن الإنسان يعبد معبوده لإعتقاده أن يملك الضر و النفع له و لغيره... و لكنه إن فكر فى النفع فيرجوه لنفسه قبل أن يرجوه لغيره، و إن فكر فى الضر فيرجوه لعدوه قبل أن يخشاه على نفسه
و هذا كما قال قوم هود لنبيهم (إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوَءٍ)
و قد أشار القرأن لهذا المعنى فى مواضع كما قال تعالى (قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً) و قال فى العجل (أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً وَلَا نَفْعاً)
و اللام في "لكم" دالة على الغنم ومقابلها "على" الدالة على الغرم..
كما قال تعالى (لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ) و قال (فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا)
فكان إطلاق اللفظ ههنا بيلغ حكيم ، لأنه إشتمل على نفى الضر الذى يخشاه المشركون على أنفسهم من هذه الأصنام و أيضاً نفى إمتلاك هذه الألهة القدرة على نصرتهم و الإضرار بعدوهم..


** و تدبر قوله تعالى ((يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا * وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا))
جاءت كلمة السبيلا بالألف، و قد يظن البعض أن وضع الألف ههنا لتناسب الفاصلة فحسب، و لكن إن تأملنا الكلام في هذه الآيات سنجده نقلاً لمشهد صريخ أهل النار فى عذابهم ....و المصطرخون يمدون أصواتهم...فجاء المد في الرسولا و السبيلا إذ هو صوت الباكي... و هذا من نفائس التصوير الفنى فى القرأن
و أظهر دليل على أن المد يقصد إلى المعنى لا إلى غيره أننا نقرأ فى نفس السورة فى مطلعها قوله تعالى ((وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً * مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءكُمْ أَبْنَاءكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ * ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً))
فوردت كلمة (السبيل) ههنا على حالها بلا مد رغم مخالفتها للفاصلة قبلها و بعدها ، إذ ليس هناك صراخ ولا تصوير لألم متألم

** كذلك فى قوله تعالى ((إِذْ جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا وتظنون بالله الظنونا))
يسمى علم النحو الألف فى كلمة (ظنونا) ألف الإطلاق ، و إذا انتهت بساكن يسمى مقيّد.
و الحكمة من إيرادها على هذا النحو، أنه سبحانه يصف موقف فيه من الرهبة و الترقب ما زاغت به الأبصار و تشعبت به الظنون، سواء بين المؤمنين بإختلاف درجاتهم الإيمانية، أو بين المنافقين و ما تكنه صدروهم، أو بين صفوف المشركين المعتدين، أو بين اليهود الخائنين
اختلفوا وتشابكوا فاختلفت الظنون و كثرت و تشعبت، ولذا جاءت بالإطلاق (الظنونا) وجب استخدام الألف لإطلاق الظنون.

** و تدبر قوله تعالى (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ) ....( وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيهْ)..( هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ)
من الناحية اللغوية يجوز فى ياء المتكلم الفتح والسكون (كتابي وكتابيه)
و الحكمة من إنتقاء الفاصلة على هذا النحو (ماليه، حسابيه، كتابيه، سلطانيه)
أن هذا الكلام يقال في يوم الحشر وهو يوم ثقيل ،يوم عسير ،يوم عبوس قمطرير ، يبقى فيه الناس خمسين ألف سنة في هذه الشدة حتى يفزعون إلى الأنبياء...و ييبدأ حسابهم و يلقون مصيرهم،،فلكأنها مأخوذة من الأه
فعكست الهاء نهاة المتعبين ، و خفقان قلوب المترقبين....

** و تدبر قوله تعالى ((وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِّنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً ))
فلما ذكر الله مواجهة الأنبياء و أتباعهم للمجرمين ، ناسب أن يذكر أسباب التمكين و هو الهدى فإن من إهتدى و إتبع الحق ينصره الله فجاء النصر تبعاً للهدى مشروطاً به
كذلك رسخت الأية عقيدة فى القدر، فالله هو الله قدر وجود المجرمين بفسقهم ليبتلى المؤمنين بهم، و هو سبحانه الذى يملك هداية المؤمنين و تثبيتهم و من ثم نصرهم ليتم نوره..

** و تدبر قوله تعالى ((أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُم مِّنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ))
الأية تتكلم عن أيات الله الكونية فى البحر و مخلوقاته و جريان الفلك فيه بنعمة الله و رحمته بعباده، و هى أيات للمؤمنين ، و الإيمان شطره صبر و شطره شكر كما قال رسول الله صلى الله عليه و سلم {عجباً لأمر المؤمن إنّ أمره كله له خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له} رواه مسلم
فإستعاض عن ذكر المؤمن بذكر صفاته، لاسيما أن جريان الفلك فى البحر أية تستوجب الصبر و الشكر معاً
الصبر على مشقة السفر و مخاطره و ما قد يقع فى البحر من أحداث مؤلمة
و الشكر على نعمة الله و أياته الجلية في البحر و تسخير الفلك لتحمل بنى أدم فيه لمنافعهم الملائمة

** و تدبر قوله تعالى ((َإِذَا جَاء أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ))
و قوله عز و جل ((وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ))
ختم الأية الأولى بقوله (المبطلون) و ختم الثانية بقوله (الكافرون) ، و ذلك لمناسبة كل كلمة منهما لسياقها
قال الكرمانى فى البرهان: [ الأولى متصل بقوله {قضى بالحق} نقيض الحق الباطل ..
و الثانى متصل بإيمان غير مجد و نقيض الإيمان الكفر {َلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ}]

** و تدبر قوله تعالى ((أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ * أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاء إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ))
فختم الأية الاولى بقوله (يسمعون) و ختم الثانية بقوله (يبصرون)
و ذلك لأن الأية الأولى الموعظة فيها سمعية خبرية إذ يقص ما حدث للأمم الماضية و هو مما يسمع لذلك قال { أولم يهدلهم}.....
اما الأية الأخرى فموعظتها مرئية لأن سوق الماء إلى الأرض الجرز مرئى فى كل وقت لذا قال فى صدرها ( أولم يروا)
- و مثله قوله تعالى ((قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاء أَفَلَا تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ))
لأن الأية الأولى تتكلم عن الليل و هو يصلح للسمع دون البصر، أما الثانية تتكلم عن النهار الذى يصلح للإبصار
قال الكرامى: [إقتضت البلاغة أن {أفلا تسمعون} لمناسبة ما بين السماع و الظرف الليلى الذى يصلح للإستماع ولا يصلح للإبصار]

** و تدبر قوله تعالى ((وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ))
و قوله تعالى ((ِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ))
فقال فى ختام الأولى ( سميع عليم) و فى ختام الثانية (سميع بصير)
لأن الإستعاذة فى الأية الأولى من شيطان الجن الذى نعلمه ولا نراه
أما فى الأية الثانية فالإستعاذة من شيطان الإنس الذى نسمعه و نراه

** و تدبر قوله تعالى ((لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرونَ)) الأنعام
و قوله تبارك إسمه ((لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الأَخْسَرُونَ)) هود
فختمت الأية فى سورة النحل بـ (الخاسرون) بينما ختمت فى سورة هود بـ (الأخسرون)
و ذلك لأن أية سورة هود فيمن صُدوا عن سبيل الله و صدوا غيرهم فضوعف له العذاب { الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ....لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الأَخْسَرُونَ }
أما أية سورة النحل فيمن صُدوا هم و لم يصدوا غيرهم { ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّواْ الْحَيَاةَ الْدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ..... لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرونَ }
فكان الأولون أخسر من الأخرين فجىء لهم باسم التفضيل

** وتدبر قوله تعالى ((وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ))
و قوله جل و علا ((وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ * وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ * وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ))
فختم الأيات فى سورة الرعد بقوله (عقاب) بينما ختمها فى سورة الحج بقوله (نكير)
و ذلك أن أية الرعد تذكر المستهزئين و أية الحج تذكر المكذبين..و المستهزئون أعظم جرماً من المكذبين إذ جمعو التكذب مع الإستهزاء
فناسب أن أن يستعمل فى حق المستهزئين كلمة (عقاب) إذ هى أشد موقعاً من كلمة (نكير) التى إستعملها مع المكذبين...لأن الإنكار لغة يحتمل ما فيه العقاب بالفعل و ما لا عقاب فيه، أما العقاب فغالباً يراد به الأخذ يعذاب مناسب لحال المجرم

** و مثله قوله تعالى ((فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً))
و قوله جل ثناؤه ((فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَاماً فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُّكْراً))
فوصف خرق السفينة بأنه شىء إمر،و وصف قتل الغلام بأنه شىء نكر... والنكر أشد من الإمر
ذلك أن خرق السفينة شروع فى قتل أصحابها – على الظاهر- أما قتل الغلام فتلبس بالقتل عينه

** و تدبر قوله تعالى ((وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ))
و قوله سبحانه ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِين))
فختم الأولى بقوله (الخاشعين) و ختم الثانية بقوله (الصابرين)
و ذلك لأن الكلام فى الأية الأولى من أوله كان عن الصلاة و هى مرتبطة بالخشوع { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِين}
أما الكلام فى الأية الثانية فكان فى سياق الحث على الصبر على البلاء فناسب ذلك أن يختمها بمدح الصبر {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ * وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ}

** و تدبر قوله تعالى ((إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً))
و قوله عز و جل ((إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً))
فختم الأية الأولى بقوله (فقد إفترى إثما عظيماً) و ختم الثانية بقوله ( فقد ضل ضلالاَ بعيداً)
و ذلك كما قال صاحب [من بلاغة القرأن]
أن الأية الأولى وردت فى سياق الحديث عن يهود الذين افتروا على الله الكذب و حرفوا و هم يعلمون، فقال قبل هذه الأية {مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا}، و قال بعدها {انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْماً مُّبِيناً}
اما الأية الثانية فقد وردت فى حديث عن المشركين ، و هم مع شركهم لا يفترون إذ لا كتاب لهم أصلاً ليبدلوه، و لكنهم ضالون ضلالاَ بعيداً

** و تدبر قوله تعالى ((ذَلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ)) الأنعام
و قوله عز و جل ((وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ)) هود
فختم الأية فى سورة الأنعام بقوله ( و أهلها غافلون) و ختم الأية فى سورة هود بقوله ( و أهلها مصلحون)
ذلك أن سياق الكلام فى سورة الأنعام كان عن الرسل و التبليغ و الإنذار.. فقال فى الأية التى قبلها {يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَـذَا قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ}
فلما كان الكلام عن تبليغ الرسالة بين سبحانه أنه لا يهلك قوماً غافلين دون إنذار و هذا كقوله تعالى (لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ)
أما الأية فى سورة هود فجاءت فى كلام عن الإصلاح و النهى عن الفساد فى الأرض، فقال فى الأية التى قبلها {فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ } فناسب ذلك أن يختمها بمدح المصلحين...

** و تدبر قوله تعالى فى قصة صالح مع قومه ((وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوَءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)) الأعراف
و قوله سبحانه ((وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ)) هود
و قوله عز و جل ((َلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ)) الشعراء
فختمت الأية الأولى بقوله (عذاب أليم) و ختمت الثانية بقوله (عذاب قريب) و ختمت الثالثة بقوله (عذاب يوم عظيم) و كل فاصلة منهم ناسبت ما جرت عليه فاصلة السورة التى بها ...و مع ذلك جاءت مقصودة مناسبة للمعنى المبرز فى السياق
- أما أية سورة الأعراف ، فكما قال الكرمانى [بالغ صالح فى الوعظ فبالغ فى الوعيد فقال: عذاب أليم] و زد على ذلك أن الله سبحانه ذكر فى الأعراف تحدى قوم صالح و سخريتهم و عتوهم و لم يذكر ذلك فى أيات سورتى هود و الشعراء ،فناسب ذلك تعظيم العذاب المحذور ((قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ إِنَّا بِالَّذِيَ آمَنتُمْ بِهِ كَافِرُونَ فَعَقَرُواْ النَّاقَةَ وَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُواْ يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ)) الأعراف 76
- أما فى سورة هود قال الكرمانى [ لما اتصل بقوله (تمتعوا فى داركم ثلاثة أيام) ناسب ذلك أن يصف العذاب بالقرب فقال: (عذاب قريب)]
- و أما فى سورة الشعراء فقد ذكر تقسيم الماء بذكر الأيام فقال (قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ) فوعظهم أن يتموا قسمة الأيام قبل أن يأتى اليوم العظيم حيث الحساب فختم الأية بقوله (عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ)

** و تدبر قوله تعالى ((وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ)) إبراهيم
و قوله عز و جل ((وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ)) النحل
فختم أية سورة إبراهيم بقوله (إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ) و ختم أية سورة النحل بقوله (إِنَّ اللّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ)
و ذلك أن السياق فى سورة إبراهيم كان يتكلم عن الإنسان أما فى سورة النحل فكان يتكلم عن الخالق سبحانه....
فأية سورة إبراهيم تذكر طلب الإنسان لنعم الله و تصرفه تجاهها فقال تعالى {وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ}
أما أية سورة النحل فتتكلم عن ذات الله تعالى و بيان أنه الخالق لا يخلق غيره {أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (17) وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ}

** و تدبر قوله تعالى عن لسان إبراهيم ((َمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ))
و قوله تبارك إسمه عن لسان المسيح ((إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ))
فختم الأية الأولى بقوله (فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) و ختم الثانية بقوله (فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)
و ذلك لأن كلام إبراهيم إنما كان عن قوم عصوه لكنهم لم تنقطع بهم بعد سبل النجاة إذ لازالو فى الدار الدنيا..فناسب ذلك أن يدعوا إبراهيم بحلمه الله أن يغفر لهم ذلك و يرحمهم بأن يهديهم إليه
أما قول المسيح فى سورة المائدة فهو نقل لمشهد عظيم سيقع يوم القيامة، حين يقف المسيح بين يدى الله فيسأله عن الذين عبدوه فيتبرأ منهم ثم يفوض أمرهم إلى الله..فقال ختاماً (فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) لأنه يوم الحساب فلا سلطان إلا للعزيز سبحانه و هو بعزته يحكم فى خلقه، والحكيم هو الذى يضع الشىء فى موضعه، و المسيح رسول عظيم يعلم أن من مات على الكفر فلا يستحق الرحمة فلو قال ههنا ( أنت الغفور الرحيم) فلكأنه يطلب ضمناً الرحمة لهم و لكأن الله بعدم إجابته يكون قد ظلمهم، و حاشا لله

- و مثل هذا قول نوح لربه بعد أن غرق إبنه مع قومه ((وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ)) فلم يقل و أنت أرحم الراحمين.. لما سبق و بيناه
- و مثله قوله تعالى فى تقرير حد السرقة ((وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)) و قد تلاها أحد السلف فأخطأ و قال فى أخرها ( و الله غفور رحيم) فرده أعرابى قح دون أن يقرأها، فلما راجعها وجد أن الأعرابى محق ..وأخبره أنها تنتهى بقوله (عزيز حكيم) ثم سأله كيف عرفت أن الفاصلة الأولى خطأ؟ فأجاب: إن هذا حد حازم و موضع عزة و حكم لا موضع مغفرة و رحمة...


**** و من روائع الفاصلة القرأنية وقوع التغير فيها و فى وتيرة الأيات بتغير الموضوع مما يحدث أثراً تفاعلياً فى نفس المستمع مع كلام لله تعالى و ما يعظه به..

- فمثلاً فى سورة مريم قص علينا فيها سبحانه من خبر زكريا و يحيى و عيسى إبن مريم و كانت الأيات دوماً تنتهى بالألأف ...خَفِيّاً ، شَقِيّاً ،وَلِيّاً ،،،، إلى أن تصل إلى قوله تعالى {وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً}
هنا تتغير القافية بالإنتقال من بسط الأحداث إلى التعليق عليها من الله بدءاً من قوله تعالى {ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ } و تسير القافية على هذا فَيَكُونُ ، مُّسْتَقِيمٌ ،عَظِيمٍ ، مُّبِينٍ ،يُؤْمِنُونَ ،،، إلى أن تصل لقوله تعالى { إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ }
يقول الأستاذ سيد قطب: [وهكذا يتغير نظام الفاصلة فتطول , ويتغير نظام القافية فتصبح بحرف النون أو بحرف الميم وقبلهما مد طويل . وكأنما هو في هذه الآيات الأخيرة يصدر حكما بعد نهاية القصة , مستمدا منها , ولهجة الحكم تقتضي أسلوبا موسيقيا غير أسلوب الاستعراض . وتقتضي إيقاعا قويا رصينا , بدل إيقاع القصة الرضي المسترسل ...أهـ ]
و بعدها يعود القرأن إلى القصص فيقص خبر إبراهيم و موسى و يذكر الأنبياء منتهياً بالقافية الأولى { نَّبِيّاً ، شَيْئاً ،سَوِيّاً ، عَصِيّاً ، وَلِيّاً ، مَلِيّاً ، حَفِيّاً ، شَقِيّاً}....إلخ

- مثال أخر فى سورة النبأ تبدأ الأيات بالسؤال و التقرير ((عَمَّ يَتَسَاءلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ * الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ * كَلَّا سَيَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ))
ثم يبدأ فى الجدل و المحاجة فتتغير القافية ((أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَاداً * وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً * وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجاً * وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً * وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاساً * وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشاً * وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً * وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً * وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاء ثَجَّاجاً * لِنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتاً * وَجَنَّاتٍ أَلْفَافاً * إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً))

- و فى سورة النازعات تبدأ السورة بقسم الملك سبحانه بمخلوقاته، فتشعر بقوة و سرعة فى تمرير الأيات على العقل و كلها ينتهى بقافية الألف ((وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً * وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطاً * وَالسَّابِحَاتِ سَبْحاً * فَالسَّابِقَاتِ سَبْقاً * فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً))
ثم تهدأ وتيرة الأيات بالإنتقال إلى التقرير و النذير و تتغير معها القافية ((يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ * تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ * قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ * أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ * يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ))
ثم تتغير القافية مرة ثالثة بالإنتقال إلى سرد قصة موسى عليه السلام ((هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى * إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى * اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى * وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى * فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى))

- كذلك فى سورة أل عمران سارت السورة على القافية الغالبة حتى قرب النهاية , فلما بدأ دعاء من طائفة من المؤمنين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم , تغيرت الفاصلة هكذا { ... رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ . رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ ... إلخ}
إنه تغير فى القافية ينقل النفس إلى مقام التضرع مشاركة مع المؤمنين الذى يدعون ربهم كما قص علينا ربنا


الإبداع فى التقديم و التأخير
أغلب مفردات هذا البحث منقولة بتصرف من كتابات دكتور فاضل السامرائى حفظه الله

تقديم هارون على موسى و موسى على هارون
قال تعالى فى سورة طه ((فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى))
يثور السؤال لما قدم سبحانه هارون على موسى فى شورة طه، بينما الأصل تقديم موسى على هارون كما فى قوله تعالى فى سورة الشعراء ((َأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ))
الجواب : أن ذلك لم يأت فقط لموافقة الفاصلة فى سورة طه، و إنما تكرر ذكر هارون كثيراً في سورة طه (أربع مرات)
{ وَاجْعَل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي}
{ َأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى}
{ وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي}
{ قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا * أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي * قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي}
- كما أن الخطاب وجه إلى موسى وهارون دائماً فبنيت القصة في سورة طه على الثنائية
{ اذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي} { اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى } { فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} { قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَى} { قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} { فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى} { إنّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّى } {قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَى } {قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى}
-كذلك في سورة طه ذكر ضعف موسى البشرى (فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى) بينما لم يذكر الخيفة لهارون....

أما في سورة الشعراء فقد ورد ذكر هارون مرتين فقط والخطاب في السورة كان موجهاً إلى موسى وحده في كل السورة فهي مبنية على الوحدة في الغالب وقد أورد تعالى في سورة الشعراء عناصر القوة في موسى .... ولهذا السبب اختلف السياق واقتضى التقديم والتأخير كما جاء في آيات كل من السورتين...

تقديم و تأخير العلم و الحكمة
قال تعالى فى سورة يوسف ((َكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ))
وقال عز و جل غى سورة الأنعام((وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَـذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِن يَكُن مَّيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاء سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حِكِيمٌ عَلِيمٌ))
فقدم العلم على الحكمة فى الأولى و قدم الحكمة على العلم فى الثانية
قال الكرمانى فى البرهان: [ و أما تقديم الحكيم على العليم فى سورة الأنعام فلأنه مقام تشريع الأحكام فقدم الحكم، اما فى سورة يوسف فقدم العلم على الحكمة لقوله فى أخرها و علمتنى من تأويل الأحاديث]
– و لاحظ أنه كلما إجتمع الإسمان العليم و الحكيم فى سورة الأنعام قدم الحكيم على العليم....و حيث إجتمعا فى سورة يوسف قدم العليم على الحكيم
ذلك أن مواطن يوسف كلها مواظن العلم أولاً، و مواطن الأنعام كلما مواطن الحكمة او الحكم أولاً


تقديم و تأخير تقسيم الرزق فى سورتى الأنعام و الإسراء
قال تعالى فى سورة الأنعام ((وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ))
و قال جل و علا فى سورة الإسراء ((َوَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم))
جاءت الأيتان فى سياق النهى عن عن قتل الولد و تبيان أن الرزق من الله ، و لكن قدم الأباء فى الرزق فى سورة الأنعام،و قدم الذرية فى الرزق فى سورة الإسراء
و سر ذلك أن الأية الاولى تخاطب الفقراء الذين يرفضون الإنجاب بسبب فقرهم فبدأ الله تعالى بطمأنتهم أولاً و تقديمهم،
أما الأية الثانية فتخاطب أغنياء يخشون أن يفتقروا إن عالوا ذرية، و لهذا قدم ذكر الذرية فى الرزق لطمأنتهم

تقديم و تأخير المغفرة و الرحمة
دائماً تأتى المغفرة مقدمة على الرحمة فى القرأن فنقرأ كثيراً أنه تعالى (غفور الرحيم) و ذلك لان درأ المفدسة مقدم على جلب المصلحة، فالعبد يرجو أن يتجاوز الله عن ما أفسد و أذنب ، ثم يرجو أن يتنعم بخير الدنيا و الأخرة برحمة الله إذ لا يدخل أحد جنة الله إلا برحمته
و لكن قال تعالى إستثناءً من هذا الأصل ، إلا أية فى سورة سبأ قال تعالى فيها ((يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ)) فقدم الرحمة على المغفرة..
و سر ذلك أن الأية كانت تتكلم عن علم الله تعالى و العلم قرين الرحمة فى القرأن فناسب ذلك تقديم الرحمة
كما قال تعالى { كتاب فصلناه على علم هدى و رحمة} وقال عز و جل { فوجدا عبداً من عبادنا أتيناه رحمة و اتيناه من لدنا علما} و قال تبارك إسمه { ربنا وسعت كل شىء رحمة و علما}
إذ أن العلم إن كان شرعياً فهو رحمة من الله لعباده و منة ، و كذلك إن كان دنيوياً فإن لم يقرن بالرحمة كان أداة فساد و تشويه، كما نرى فى يومنا لما علم الغرب الكافر ظاهراً من الحياة الدنيا إستعمل علمه فى صناعة أصلحة الدمار و سرطنة الطعام و ما لوث الهواء و السمع و البصر و الحياة...

- أيضاً لو قرأنا الآية في سورة سبأ (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ * يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ ) لم يتقدّم الآية ما يخصّ المكلَّفين أبداً والمغفرة لا تأتي إلا للمكلَّفين والمذنبين الذين يغفر الله تعالى لهم، وإنما جاء ذكرهم بعد الآيتين الأولى والثانية لذا اقتضى تأخير الغفور لتأخر المغفور لهم في سياق الآية. أما في باقي سور القرآن الكريم فقد وردت الغفور الرحيم لأنه تقدّم ذكر المكلَّفين فيذنبون فيغفر الله تعالى لهم فتطلّب تقديم المغفرة على الرحمة.

تقديم و تأخير المال و النفس
قال تعالى فى يسورة أل عمران ((لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ)) و قال عز و جل فى سورة النساء ((َفضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً))
أما فى سورة التوبة فقال تعالى ((إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ)) فقدم ههنا النفس على المال
و سبب ذلك أن الأيات السابقة كانت تتحدث عن البذل و البلاء و الجهاد ، فناسب تقديم ذكر المال لأنه وسيلة التقوى بالعدة و تجهيز الجيوش لتحقيق القوة و من ثم الجهاد بالنفس ، ثم أن الإنسان يفدى نفسه بماله فلو خير بن حياته و بين ماله لقدم بذل ماله...
و لكن لما كان الحديث عن الاخرة و الجنة كما فى سورة التوبة فناسب ذلك تقديم النفس لأنها الموعودة بالجنة و لأنها الأغلى من المال فناسبت غلاء الجنة ألا إن سلعة الله غالية ألا إن سلعة الله الجنة....


تقديم وتأخير اللهو على اللعب في آية سورة العنكبوت
كل الآيات في القرآن جاء اللعب مقدّماً على اللهو إلا فى أية من سورة العنكبوت (وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ).
و سر ذلك أن الأية التى سبقت هذه الأية مباشرة قال تعالى فيها (اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) والرزق ليس من مدعاة اللعب وإنما اللهو كما في قوله تعالى في سورة المنافقون (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ).

تقديم وتأخير كلمة (شهيداً) في آية سورة العنكبوت وآية سورة الإسراء
قال تعالى في سورة العنكبوت (قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ‏)
وقال في سورة الإسراء (قُلْ كَفَى بِاللّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً)
في آية سورة الإسراء ختم تعالى الآية بذكر صفاته (خبيراً بصيرا) لذا اقتضى أن يُقدّم صفته (شهيداً) على (بيني وبينكم)، أما في آية سورة العنكبوت فقد ختمت الآية بصفات البشر (أولئك هم الخاسرون) لذا اقتضى تقديم ما يتعلّق بالبشر (بيني وبينكم) على (شهيدا).

تقديم وتأخير الأرض والسماء في سورتى يونس و سبأ
قال تعالى فى سورة يونس (وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ)
وقال عز و جل فى سورة سبأ (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ)
الكلام في سورة يونس عن أهل الأرض و عملهم فيها، فناسب أن يقدم الأرض على السماء في قوله تعالى (وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء) أما في سورة سبأ فالكلام عن الساعة والساعة يأتي أمرها من السماء وتبدأ بأهل السماء (فصعق من في السموات والأرض) و(ففزع من في السموات ومن في الأرض) ولذلك قدّم السماء على الأرض في قوله تعالى (لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض).
واستخدمت السماء في سورة يونس لأن السياق في الإستغراق فجاء بأوسع حالة وهي السماء لأنها أوسع بكثير من السموات في بعض الأحيان. فالسماء واحدة وهي تعني السموات أو كل ما علا وفي سورة سبأ استخدم السموات حسب ما يقتضيه السياق.

تقديم وتأخير الصابئين في آيتي سورة البقرة والمائدة
قال تعالى في سورة البقرة (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ)
وقال في سورة المائدة (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِؤُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صَالِحاً فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ)
الآيتان فيهما تشابه واختلاف وزيادة في إحداها عن الأخرى.
في سورة البقرة قدّم النصارى على الصابئين (النصب جاء مع العطف لتوكيد العطف)، وفي آية سورة المائدة قدّم الصابئون على النصارى ورفعها بدل النصب.
فمن حيث التقديم والتأخير ننظر في سياق السورتين الذي يعين على فهم التشابه والإختلاف، ففي آية سورة المائدة جاءت الآيات بعدها تتناول عقيدة النصارى والتثليث وعقيدتهم بالمسيح وكأن النصارى لم يؤمنوا بالتوحيد فيما تذكر الآيات في السورة (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ...) ( لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ ...) ثم جاء التهديد (وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ ...) هذا السياق لم يذكر هذا الأمر في سورة البقرة وهكذا اقتضى تقديم الصابئين على النصارى في آية سورة المائدة. فلما كان الكلام في ذم معتقدات النصارى اقتضى تأخيرهم عن الصابئين لبيان حقيقة مكانة دينهم.

تقديم وتأخير اللهو على التجارة في آية سورة الجمعة
قال تعالى (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ‏)
نزلت هذه الأية بينما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يخطب بعد صلاة الجمعة فجاءت العير بتجارة وكانت سنة شديدة فانفضّ الناس بسبب التجارة وليس بسبب اللهو ، فعندما نودي أن القافلة وصلت انفضّ الناس عن الرسول صلّى الله عليه وسلّم ولهذا قدّم التجارة في أول الآية (وإذا رأوا تجارة).
ثم في نهاية الآية قدّم تعالى اللهو على التجارة لأن الذين ينشغلون باللهو عن الصلاة أكثر من الذين ينشغلون بالتجارة تحديداً عنها، إذ أبواب اللهو كثيرة و اهل اللهو أشد بعداً عن الله و طلب الأخرة ، فناسب تقديهم فى الذكر و التذكير بأن ما عند الله تعالى خيرٌ من اللهو ومن التجارة ...
وهناك أمر آخر وهو تكرار (من) في قوله تعالى (من اللهو ومن التجارة) لأنه لو قال (من اللهو والتجارة) لأفاد أن الخيرية لا تكون إلا باجتماعهما أي اللهو والتجارة أما قوله تعالى (من اللهو ومن التجارة) فهي تفيد أن الخيرية من اللهو على جهة الإستقلال ومن التجارة على جهة الإستقلال أيضاً فإن اجتمعا زاد الأمر سوءاً.

تقديم (ما تسبق من أمة أجلها) على (ما يستأخرون) في آية سورة الحجر والمؤمنون
قال تعالى في سورة الحجر (مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ) وقال في سورة المؤمنون (مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ) بتقديم (ما تسبق) على (ما يستأخرون)
أما في سورة الأعراف فقد جاءت الآية بقوله (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ) بتقديم (لا يستأخرون) على (لا يستقدمون).
وإذا لاحظنا الآيات في القرآن نجد أن تقديم (ما تسبق من أمة أجلها) على (وما يستأخرون) لم تأت إلا في مقام الإهلاك والعقوبة.

تقديم وتأخير كلمة ( تخفوا ) في آية سورة البقرة وسورة آل عمران
قال تعالى في سورة البقرة (لِّلَّهِ ما فِي السَّمَاواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)
وقال في آل عمران (قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).
المحاسبة في سورة البقرة هي على ما يُبدي الإنسان وليس ما يُخفي ففي سياق المحاسبة قدّم الإبداء أما في سورة آل عمران فالآية في سياق العلم لذا قدّم الإخفاء لأنه سبحانه يعلم السر وأخفى.

تقديم الشتاء على الصيف والجوع على الخوف في سورة قريش
قال تعالى في سورة قريش (لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ {1} إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاء وَالصَّيْفِ {2} فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ {3} الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ {4}‏ ) والمعروف أن حاجة الإنسان للطعام في الشتاء أكثر من الصيف، والخوف في الصيف أكثر لأنه فيه يكثر قطّاع الطرق والزواحف، لذا لما قدّم تعالى الشتاء قدم ذكرالجوع فى الأية التالية، و لما أخر ذكر الصيف أخر ذكر الخوف، وقال أيضاً أطعمهم ولم يقل أشبعهم لأن الإطعام أفضل من الإشباع. ولقد جاءت سورة قريش بعد سورة الفيل للتركيز على الأمن في البيت الحرام بعد عام الفيل...و هذا كله يدخل أيضاً فى التناسق الموضوعى الذى سنعقد له فصلاً مستقلاً بمشيئة الله

تقدّيم البصر على السمع في آية سورة الكهف وآية سورة السجدة
قال تعالى في سورة الكهف (قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً)
وقال في سورة السجدة (وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُؤُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ)
والمعلوم أن الأكثر في القرآن تقديم السمع على البصر لأن السمع أهم من البصر في التكليف والتبليغ ،ففاقد البصر الذي يسمع يمكن تبليغه أما فاقد السمع فيصعب تبليغه ، بالإضافة إلى أن السمع ينشأ في الإنسان قبل البصر في التكوين.
أما لماذا قدّم البصر على السمع في الآيتين المذكورتين فالسبب يعود إلى أنه في آية سورة الكهف الكلام عن أصحاب الكهف الذين فروا من قومهم لئلا يراهم أحد ولجأوا إلى ظلمة الكهف لكيلا يراهم أحد لكن الله تعالى يراهم في تقلبهم في ظلمة الكهف وكذلك طلبوا من صاحبهم أن يتلطف حتى لا يراه القوم إذن مسألة البصر هنا أهم من السمع فاقتضى تقديم البصر على السمع في الآية.
وكذلك في آية سورة السجدة، الكلام عن المجرمون الذين كانوا في الدنيا يسمعون عن القيامة وأحوالها ولا يبصرون لكن ما يسمعوه كان يدخل في مجال الشك والظنّ ولو تيقنوا لآمنوا أما في الآخرة فقد أبصروا ما كانوا يسمعون عنه لأنهم أصبحوا في مجال اليقين وهو ميدان البصر (عين اليقين) والآخرة ميدان الرؤية وليس ميدان السمع وكما يقال ليس الخبر كالمعاينة. فعندما رأوا في الآخرة ما كانوا يسمعونه ويشكون فيه تغير الحال ولذا اقتضى تقديم البصر على السمع.

تقديم وتأخير الجن والإنس في آيتي الإسراء والرحمن
قال تعالى: ( قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ) الإسراء
وقال عز وجل : ( يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ ) الرحمن
قدم في الأولى الإنس وقدم في الثانية الجن لأن مضمون الآية هو التحدي بالإتيان بمثل القرآن ، ولا شك أن مدار التحدي على لغة القرآن ونظمه وبلاغته وحسن بيانه وفصاحته.
والإنس في هذا المجال هم المقدمون ، وهم أصحاب البلاغة وأعمدة الفصاحة وأساطين البيان ، فإتيان ذلك من قبلهم أولى ، ولذلك كان تقديمهم أولى ليناسب ما يتلاءم مع طبيعتهم.
أما الآية الثانية فإن الحديث فيها عن النفاذ من أقطار السموات والأرض ، ولا شك أن هذا هو ميدان الجن لتنقلهم وسرعة حركتهم الطيفية وبلوغهم أن يتخذوا مقاعد في في السماء للاستماع ، كما قال تعالى على لسانهم : " وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع " الجن 9
فقدم الجن على الإنس لأن النفاذ مما يناسب خواصهم وماهية أجسامهم أكثر من الإنس

تقديم وتأخير (يؤمنون بالله) في آيات سورة آل عمران:
قال الله تعالى في سورة آل عمران ((لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آَيَاتِ اللَّهِ آَنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ ))
وقال تعالى في في نفس السورة ((كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ))
فقدم الإيمان على الأمر بالمعروف فى الأية الأولى، و قدم الأمر بالمعروف على الإيمان فى الثانية، وذلك أن الخطاب في الأخيرة للمسلمين، ونحن آخر الأمم من حيث الترتيب الزمني. فجاء الإيمان بالله آخراً لأن هناك من سبقونا بالايمان من أهل الكتاب من اليهود والنصارى، كما أن هذه الأمة إشتهرت بالأمر بالمعروف و النهى عن المنكر، و فتحت البلاد لدعوتهم لذلك
أما في الآية الأولى فالخطاب لأهل الكتاب الذين أسلموا قبل بعثة الرسول وفي زمن أنبيائهم موسى وعيسى عليهما السلام لذا جاء قوله تعالى يؤمنون بالله أولاً في الترتيب ثم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، و لأن الناهين عن المنكر فيهم قليل ، فاليهود لا يدعون غيرهم إلى دينهم، و النصارى من تعاليمهم (لا تقاوموا الشر) كما أن دين المسيح الحقيقى لم تتسن الدعو له كما وقع بعد تحريفه!
و لهذا ذكر الله السمة العامة لأهل الكتاب إلا من رحم الله منهم فقال
((لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ* كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ))


يتبع إن شاء الله.....
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و أشهد أن محمداً عبده و رسوله و أن عيسى عبد الله و رسوله و كلمته ألقاها إلى مريم و روح منه

#38 أبـــ(تراب)ـــو

    مشرف مشروع تفنيد الكتاب المقدس

  • مشرف
  • 357 المشاركات

تاريخ المشاركة : 15 April 2008 - 07:21 AM

أعتذر بشدة لأخوتى الكرام على طول الغياب، وأرجوا المعذرة على ذلك، و أرجوا من الله ألا يتكرر ذلك بإذن الله

التناسق الموضوعى

من أوجه إعجاز القران الحكيم أنه و رغم نزوله مفرقاً منجماً على مدار ثلاثة و عشرين سنة،و رغم تداخل موضوعاته و تعدد أطروحاته ، فإننا بالنظر فيه نجده وحدة واحدة متناسقة، و مواضيعه متناغمة متناسبة فيما بينها، و مقاصدة متممة على أكمل وجه، فقصصه متناهية البلاغة و التصوير، و محققة للعبرة بأفضل تعبير، و كذا الوعيد و الوعيد، و التذكرة و العظات، و الأحكام و التشريعات، و العقائد و الأخلاق، ما فُرط فى الكتاب من شىء فتبارك الله رب العالمسن
و بالنظرر فى بعض أوجه التناسب الموضوعى نجد فيه:-
* التناسب بين صدر السور و ختامها
* التناسب بين كل سورة و السورة التى تليها
* التناسب بين الأية و الأية التى تليها فى السورة
* التناسب بين أجزاء السورة الواحدة جملة
* التناسب بين بداية القرأن كله و ختامه
و لنضرب أمثلة على كل مما سبق لنعاين عظمة القرأن كلمة الله الخالدة:

التناسب بين بداية القرأن كله و ختامه
تدور رسالة القرأن كله على التوحيد، و أن الله سبحانه متفرد (بالألوهية) فهو المعبود المطاع (الربوبية) فهو الخالق الرازق المحيى المييت (الملك) فهو المتصرف فى أمر ملكه و العبيد عبيده يحكم فيهم فى الدنيا بشرعه و فى الأخره بقهره سبحانه
و هذه المعانى الثلاث هى التى يرددها المسلم فى تلبية فى الحج الأكبر:
فيقر الألوهية بقوله: لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد..
و يقر الربوبية بقوله: و النعمة لك، أى هو الخالق الرازق المنعم
و تقرير الملك بقوله: و الملك لا شريك لك

و هذا هو المعنى الذى نجده فى قوله تعالى فى أول الفاتحة:
( الحمد لله) فهذا هو توحيد الألوهية أننا نتوجه لله بالحمد و حمده بعبادته و دعاءه و الثناء عليه، كما أن لفظ الجلالة (الله) مشتق من الإله بمعنى الإشتراك فى اللفظ و المعنى
(رب العالمين) و هذا تقرير الربوبية
(مالك يوم الدين) و فى قراءة (ملك يوم الدين) و هذا تقرير الملك

و و هذه المعانى الثلاث فى أول سورة فى القرأن هى ذاتها المتقررة فى أخر سورة فى القرأن سورة الناس
(قل أعوذ برب الناس* ملك الناس* إله الناس)
فتأمل....

من امثلة التناسب بين صدر السورة و ختامها
سورة أل عمران
أفتتحت بذكر إنزال القرأن و كذلك التوراة و الإنجيل من قبل ليهدى الناس للإيمان ((نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ..))
و ختمها بقوله تعالى (( و َإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ..))
و أفتتحت بدعاء المؤمنين اللعالمين و منه قولهم((إِنَّ اللّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ))
و أختتمت بدعاء المؤمنين اللبيبين و منه قولهم ((إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعَادَ))

سورة النساء
أفتتحت بذكر بدء الخلق و الولادة ((أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء))
و ختمت بأحكام الوفاة و البتر ((إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ))

و فتحت بذكر الرجل و النساء ((وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء))
و ختمت كذلك ((وَإِن كَانُواْ إِخْوَةً رِّجَالاً وَنِسَاء))

و فتحت بأيات المواريث و الكلالة ((ِّللرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ..))
((وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَو امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ..))

و ختمت كذلك ((يسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ..))


سورة المائدة
بدأت ببيان مسائل أحكام حتى قال تعالى ((إِنَّ اللّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ))1
و ختمت ببيان أن الله مالك الملك و الملك يحكم فى ملكه ما يريد
((لِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ))120

و بدأت بتحريم الصيد ( فى الإحرام) و الشهر الحرام و الهدى و القلائد
((أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ.* يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ اللّهِ وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ الْقَلآئِدَ..))1

و ختمت بذلك أيضاً
((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ..))95
((جَعَلَ اللّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِّلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلاَئِدَ))97

و فى أولها إحلال بهيمة الأنعام ((أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ))1
و فى أخرها الوعيد لمن حرم منها ما لم يحرمه الله ((مَا جَعَلَ اللّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ وَلَـكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ))103

و فى أولها ((َلَقَدْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً..))12
و فى أخرها ((لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلاً..))70

و فى أولها ((لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَآلُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ..))17
و فى أخرها كذلك ((َّلقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَآلُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ)) 72

سورة الأنعام
فى أولها ((ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ))1
و فى أخرها ((وَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ))150

و فى أولها ((أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ)) إلى قوله (( وَأَنْشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ)) 6
و فى أخرها ((وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ))165

سورة الأعراف
فى أولها ((وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ))2
و فى أخرها ((تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ))201

و فى أولها ((اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ))3
و فى أخرها ((قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يِوحَى إِلَيَّ مِن رَّبِّي)) 203

و فى أولها ذكر الشيطان و تكبره عن السجود ((قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ))11
و فى أخرها ذكر الملائكة الركع السجود ((إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ))206

و فى أولها ((ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً)) 55
و فى أخرها ((وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً))205

سورة الأنفال
أفتتحت بقوله عن المؤمنين ((أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ))4
و أختتمت بقوله ((أُولَـئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ)) 74

سورة التوبة
أفتتحت بقوله ((وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّهِ))3
و أختتمت بقوله ((فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِيَ اللّهُ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ)) 129

سورة يونس
أفتتحت بقوله ((أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِّنْهُمْ))2
و أختمت بقوله ((وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ))109

سورة يوسف
أفتتحت بقوله ((نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَـذَا الْقُرْآنَ))3
و أختتمت بقوله ((لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى))111

سورة الروم
بدأت بقوله تعالى ((الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ))
و كان أخرها تأكيد تحقيق وعد الله
((فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ))

سورة الإسراء
أفتتحت بالتسبيح ((سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ))
و أختتمت بالتحميد ((وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ))

و فى أولها يسبح سبحانه نفسه ((سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ))
و فى أخرها يسبحه المؤمنون ((وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا))108

و فى أولها ذكر موسى ((وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلاَّ تَتَّخِذُواْ مِن دُونِي وَكِيلاً)) 2
و فى أخرها ذكر موسى ((وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ))101

سورة المؤمنون
فى أولها ((قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ))1
و فى أخرها ((إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ))117

سورة القصص
بدأت بقوله ((تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ))2
و ختمت بقوله ((وَمَا كُنتَ تَرْجُو أَن يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ))86

و فى أولها ((فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِّلْمُجْرِمِينَ))17
و فى أخرها ((َلَا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِّلْكَافِرِينَ))86

و فى أولها هجرة موسى من وطنه و العودة إليه، و فى أخرها النبوءة للنبى بالعودة إلى مكة

و فى أولها ((وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ))5
و فى أخرها ((تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)) 83
و كذا البشارة للنبى و المؤمنين الذين استضعفوا فى الأرض بالإمامة و أن يرثوا الأرض و يفتحوا مكة ((إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ))85

سورة العنكبوت
بدأت بقوله تعالى ((أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ))
فبينت أن المؤمنين لابد أن يبتلوا و يصبروا و يجاهدو حتى يدللو على صدق إيمانهم
و ختمت ببيان الجزاء الحسن لمن صبر و جاهد فى سبيل الله و صمد امام فتن الدنيا ((وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ))

سورة الأحزاب
جاء فى أولها أمر الله تحذير الله لنبيه من المنافقين و الكافرين و
((يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً))1
و ختمت بالوعيد للكافرين و المنافقين ((لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ ..))73

سورة ص
بدأت بقوله ((وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ))1
و أختتمت بقوله ((إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ))87

سورة الممتحنة
بدأت بقوله ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء))1
و ختمت بقوله ((يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ))13

سورة الحشر
بدأت بقوله ((سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ))1
و ختمت بقوله ((يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ))24


سورة التحريم
بدأت بذكر أزواج النبى صلى الله عليه و سلم، و ختمت بذكر إمرأتين من نساء الجنة
و بدأت بالتحذير من التظاهر علي رسول الله ، و ختمت بذكر زوجتى نوح و لوط لما خانتاهما فلم يعنيا عنهما شيئا أ تحذيراً لأمهات المؤمنين رضوان الله عليهم و تخويفا

سورة القلم
بدأت بقوله تعالى ((مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ))2
و ختمت بقوله ((َإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ))51

سورة عبس
بدأت بذكر العبوس و هو من صفة الوجه ((عَبَسَ وَتَوَلَّى))
و ختمت بوصف الوجوه أيضاً
((جُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ))

و هكذا يسير الحال مع كل السور القرأنية فلا بد أن تجد تناسباً بين ما يطرحه أولها و ما يرد فى أخرها و لولا خشية الإطالة لأوردنا ذلك مفصلاً لكن من أردا التوسع فعليه بكتاب (مراصد المطالع ) للإمام السيوطى رحمه الله بتحقيق د. محمد يوسف الشربجى



من أمثلة التناسب بين السورة و السورة التى تليها

المثال الأول
ختمت سورة البقرة بقوله ((آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ))
و جاءت بداية أل عمران مصدقة لهذا بقوله تعالى ((نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ))

و جاء فى أخر سورة البقرة قوله ((وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ ))
و جاء فى بداية سورة أل عمران قوله ((قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللّهُ))

و جاء فى أخر سورة البقرة تقرير الربوبية ((لِّلَّهِ ما فِي السَّمَاواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ))
فجاء فى أول سورة أل عمران تقرير الألوهية ((اللّهُ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ))

و أختتمت البقرة بدعاء المؤمنين ((رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ))
و أفتتحت سورة أل عمران بدعاء المؤمنين ((رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ * رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ))


المثال الثانى
أختتمت سورة أل عمران بالأمر بالتقوى ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ))
و أفتتحت سورة النساء بالأمر بالتقوى ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ))

المثال الثالث
سورة النساء أختتمت بذكر حكم من الأحكام ((يسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ))
و أفتتحت سورة المائدة بالأمر بالوفاء بالعقود و منها اتباع احكام الشرع الحنيف ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ ))
كما أنها تناولت أيضاً جملة من الأحكام ((أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ))

المثال الرابع
سورة المائدة ختمت بتعظيم الله و تقرير الربوبية ((لِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ))
و بدأت سورة الأنعام بتعظيم الله و تقرير الربوبية ((الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ))

سورة المائدة ختمت بسؤال الله للمسيح عن الذين عبدوه من دونه ((وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ))
و بدأت سورة الأنعام بتكفير الذين يعدلون بالله أحداً كمن قالوا إن الله له ابن او انه المسيح ابن مريم ((ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ))

و فى ختام سورة المائدة قوله سبحانه على لسان المسيح ((ِإن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ))
و فى بداية سورة الأنعام قوله تعالى فى تقرير تفرده بالألوهية و علم الغيب ((وَهُوَ اللّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ))

المثال الخامس
فى ختام سورة الأنعام إمتن سبحانه على المؤمنين أن جعلهم خلائف لمن أهلكهم قبلهم ((َهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ))
و فى بداية سورة الأعراف ذكر خبر من أهلكهم سبحانه من قبل ((وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءهَا بَأْسُنَا بَيَاتاً أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ))

و جاء فى ختام سورة الأنعام قوله تعالى ((وَهَـذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)) (155)
و فى بداية سورة الأعراف قوله ((اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ))3

و جاء فى ختام الأنعام أمره تعالى لنبيه ((قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)) (162)
و فى بداية سورة الأعراف أمره لنبيه أن يؤدى رسالته خالصاُ لله غير مبال بغيره (( كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ))


المثال السادس
فى ختام سورة الأعراف الأمر بذكر الله خوفاً و إنابة ((وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلاَ تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ)) (205)
و فى بداية سورة الأنفال وصف المؤمنين بخشية الله و وجل القلوب لذكره ((إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ))(2)

و فى ختام سورة الأعراف بيان حال المؤمنين فى التعامل مع نزغ الشيطان و فتنته ((إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ))201
و فى أول سورة الأنفال ضرب مثلا على ذلك بالذين سألوا عن الأنفال- غنائم يوم بدر- فأمرهم سبحانه أن يردوا حكمها لله و الرسول، و امرهم بالتقوى و الإصلاح و ترك النزاع بينهم
((يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ))1

المثال السابع
فى ختام سورة النحل يواسى سبحانه نبيه الكريم، فأمره الله بالصبر و عدم الحزن او الضيق مما يلقاه من الأذى، خاتماً بأن الله تعالى ولى المتقين المحسنين
((وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللّهِ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ * إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ)) (128)
و فى بداية سورة الإسراء ذكر حادثة الإسراء التى كانت أعظم تخفيف و تسلية لرسول الله و أعظم ما رأى من الأيات الكبرى، و كانت بعد أن مر بكربات متلاحقة من موت خديجة و عمه و رفض الناس دعوته و تعديهم على شخصه الكريم حتى رشقوه بالحجارة!
((سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ))1

المثال الثامن
سورة الإسراء أختتمت بحمد لله و نفى الولد عنه ((وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً))
و سورة الكهف بدأت بحمد لله و الوعيد لمن نسب له الولد ((الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا )) إلى قوله ((وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً ))

المثال التاسع
فى ختام سورة هود قوله تعالى ((وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءكَ فِي هَـذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ))120
و فى بداية سورة يوسف قوله عز و جل ((َنحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَـذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ))3

المثال العاشر
فى ختام سورة المؤمنين قوله تعالى ((وَقُل رَّبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ))
فكانت الإستجابة بقوله تعالى ((سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ))
لأن القرأن بكل ما فيه من العقائد و الأحكام و القصص هو رحمة الرحمن الرحيم ((وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ))
فتتجلى الرحمة بالتصريح بالسورة فى بداية سورة النور و أنه سبحانه أنزلها تعظيماً لقدرها، و أنزل فيها أيات جعلها مبينة لتهدى الناس للحق بلا ريب رحمة من لدنه
فكل القرأن رحمة حتى ما يشتمله من حدود و جزاءات ، لأنها رحمة بالمجتمع ككل و تأديب و كفارة من رب العالمين

كما أن بداية سورة المؤمنين فيها بيان أن الزنا معصية ((وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ))

ففصل فى صدر سورة النور العقوبة المقررة على هذا التعدى ((الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ))

المثال الحادى عشر
ختمت سورة السجدة بقوله تعالى ((فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانتَظِرْ إِنَّهُم مُّنتَظِرُونَ))
و أفتتحت سورة الأحزاب بقوله ((يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ..))

المثال الثانى عشر
جاء فى ختام سورة الأحزاب قوله تعالى ((لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ))
و ‏أفتتحت سورة سبأ بقوله ((الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ))
فكان هذا الوصف فى أول سبأ لائقاً بذلك الحكم فى أخر الأحزاب ،فإن الملك العام والقدرة التامة يقتضيان ذلك
كما أنه ختم الأية بقوله ( و هو الحكيم الخبير) فالحكيم الذى يضع الأمور فى موضعها فيعذب من يستحق و يرحم من يستحق، كما أن الخبير هو الذى يعلم سبحانه أمور عباده و قلوبهم فيعلم المنافقات و المنافقات و إن أظهروا الإيمان!

و جاءت خاتمة سورة الأحزاب‏:‏ ‏{‏وكانَ اللَهُ غَفوراً رَحيماً‏ }‏ وفاصلة الآية الثانية من مطلع سبأ‏:‏ ‏{ وهوَ الرحيم الغفور}‏


المثال الثالث عشر
سورة الواقعة متآخية مع سورة الرحمن في أن كلا منهما في وصف القيامة والجنة والنار
وانظر إلى اتصال قوله فى الواقعة ((إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ )) بقوله فى سورة الرحمن ((فإِذَا انشَقَّتِ السَّمَاء))‏ ولهذا اقتصر في الرحمن على ذكر انشقاق السماء وفي الواقعة على ذكر رج الأرض فكأن السورتين لتلازمهما واتحادهما سورة واحدة ولهذا عكس في الترتيب فذكر في أول هذه السورة ما ذكره في آخر تلك وفي آخر هذه ما في أول الأخرى
فافتتح الرحمن بذكر القرآن ثم ذكر الشمس والقمر ثم ذكر النبات ثم خلق الإنسان والجان من مارج من نار ثم صفة القيامة ثم صفة النار ثم صفة الجنة
وابتدأ الواقعة هذه بذكر القيامة ثم صفة الجنة ثم صفة النار ثم خلق الإنسان ثم النبات ثم الماء ثم النار ثم النجوم ولم يذكرها في الرحمن كما لم يذكر فى الواقعة الشمس والقمر ثم ذكر القرآن فكانت هذه السورة كالمقابلة لتلك وكردّ العجز على الصدر


المثال الرابع عشر
سورة نوح جاءت متأخية مع سورة الجن
* ذلك أن سورة نوح أفتتحت بذكر أول رسول أرسل للبشر و أن دعوته خاصة بقومه و هو نوح عليه السلام
((إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ))
و سورة الجن أفتتحت بذكر أخر رسول أوحى إليه و بيان أن دعوته عامة للإنس و الجن صلى الله عليه و سلم
((قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً))

* و كان قوم نوح قد عبدوا الأصنام بعدما كان التوحيد فى الأرض
كذلك قوم رسول الله عبدوا الأصنام بعدما كان التوحيد فى الأرض

* و كانت عبادة قوم نوح للأصنام بسبب تزيين الشيطان ،كما جاء فى الحديث القدسى((خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين عن فطرتهم))
حتى عاتبهم نوح لكذبهم على الله ((مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً))
و هذا ما تبرأ منه الجن الذين أسلموا
((وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطاً))

*و فى سورة نوح الوعد برزق السماء لمن أمن
((فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً*يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً))
و كذلك فى سورة الجن
((وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقاً))

* و فى سورة نوح الوعد بالبعث بعد الموت
((وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتاً* ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجاً))
و فى سورة الجن إعلامهم بالبعث بعد الموت
((وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَداً))

* و فى سورة نوح قوله عن خسران العصاة
((قَالَ نُوحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَاراً)) حتى قوله ((مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَاراً))
و فى سورة الجن قوله عن خسران العصاة
((وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً))


المثال الخامس عشر
*سورة الهمزة متأخية مع سورة الفيل، إذ لما ذكر سبحانه فى الهمزة ، الذى جمع مالا و تقوى به و تجبر ، عقب بذكر قصة أصحاب الفيل الذين كانو شديدى القوة و اكثر مالاً و عتواً، و قد جعل الله كيدهم فى تضليل و اهلكهم بأصغر الطير و أضعفه
فمن كان قصارى تعزيه بالمال و همز اللسان كان أقرب للهلاك و أدنى للذلة

*كما أن سورة الفيل تناسب سورة قريش بعدها
إذ واقعة الفيل حدثت لقريش ، و نجاهم الله من عدوهم و أمنهم من الخوف تكريماً للبيت الحرام، فناسب ذلك أن يأمرهم فى سورة قريش بأن يعبدو رب هذا البيت الذى أطعمهم من جوع و أمنهم من خوف



أمثلة على تناسب كل أية مع الأية التى تليها
المثال الأول
تدبر قوله تعالى فى سور أل عمران حاكيا عن الجهاد و نصر الله ((وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)) ....إلى قوله تعالى ((وَلِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ))
ثم قال فى الأية التالية (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ))

و مناسبة ذكر الربا فى سياق أيات الجهاد، و بالتحديد بعد ذكر نصر بعد الذى جاء فى وقت الذل و الإستضعاف، هو التنبيه إلى أن الربا من أسباب الهزيمة و الذل بعد العزة ، لأنه من أخبث الخبائث إذ أن المرابى لا يحارب عدوه البشرى فقط بل يحارب ربه ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ*فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ))
و من يخذله الله فلا ناصر له و من يذله فلا معز له
و لهذا بين رسول الله أن الربا (العينة) من أهم أسباب نزول الذل و الهزيمة فقال صلى الله عليه و سلم:
[إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ وَتَرَكْتُمْ الْجِهَادَ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ] صحيح بمجموع طرقه، رواه أبوداود وأحمد.

المثال الثانى
تدبر قوله تعالى فى سورة النساء ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ بِاللّهِ وَاعْتَصَمُواْ بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً ))
ثم قوله فى الأية التالية (( يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِن كَانُواْ إِخْوَةً رِّجَالاً وَنِسَاء فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ))

و التناسب بين الأيتين أنه سبحانه لما أشار في الأولى إلى نزول القرأن من لدنه و وصفه بأنه (نور مبين) ، قسم الناس إلى نوعين ، الأول هم {الذين آمنوا بالله }و{ واعتصموا به } أي تمسكوا بحكمه و شرعه و جعلوه عصاماً لهم { فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً }
و تلك الرحمة و ذلك الهدى فى الدنيا و الأخرة، و رحمة الدنيا بالتوفيق لإتباع شرعه و الوقوف على حدوده و تعظيم محارمه..

أما النوع الثانى فهم الكافرون و المنافقون الذين { إِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ } صدوا عن رسول الله صدوداً و ابتغو حكم الجاهلية عن حكم الله، و قد تم ذكرهم من قبل قريباً فى ذات السورة ، فأعرض عن ذكرهم لمعرفة العقل بهم بداهة و أنهم نقيض النوع الأول فى الصفات و فى المأل ، فكان هذا من بلاغة الإيجاز فى القرأن
ووضع موضعهم حكماً من أحكام الفرائض المفتتح بها السورة التي هي من أعظم مقاصدها من غير حرف عطف، بل بكمال الاتصال، فقال { يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة } إشارة إلى عظيم مكانة الشرع، و أن الله هو المشرع الأوحد و أن رسول الله صلى الله عليه و سلم مبلغ عن ربه، حتى وصل إلى قوله فى أخر الأية { يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ }
فكان هذا تفسير قوله عن القرأن (نوراً مبياً) يهتدى به الناس فى ظلمات الدنيا ، و تفسير لقوله (وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً) فهذه الفرائض هى من جملة هداية الله كى لا يضل الناس...فتأمل.

المثال الثالث
قال تعالى فى سورة إبراهيم (( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ اللّهِ كُفْراً وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ * وَجَعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً لِّيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ * قُل لِّعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ يُقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَيُنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خِلاَلٌ * اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ * وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآئِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ * وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ))

ثم قال فى الأيات التالية ((وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَـاذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ* رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ))

و التناسب بين الأيات الأولى و الأيات التى تقص خبر إبراهيم بعدها عظيم
- فالأيات الأولى تبكت مشركى قريش الذى بدلوا نعمة الله بالتوحيد و البيت الحرام كفراً و جعلو لله أندادا ((أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ اللّهِ كُفْراً وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ * وَجَعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً لِّيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ))
فذكرهم سبحانه بأبيهم إبراهيم إمام الموحدين الذى لم يك من المشركين ، و الذى بنى لهم البيت لتتم نعمة الله عليهم و دعا الله أن يجنبه و بنيه أن يعبدو الأصنام التى صاروا يعبدونها من بعده و بدلوا بذلك نعمة الله
((وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَـاذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ))

- كذلك فى الأيات الأولى وجه الله أمره للمؤمنين أن يقيموا الصلاة (( قُل لِّعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ يُقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَيُنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ ))
و من ثم عدد نعمه على عبيده حتى بلغ قوله تعالى ((وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ))
لأن إقامة الصلوات و فعل الخيرات سبب فى تنزل الرحمات و تعدد المعطيات
فناسب ذلك تذكيرهم بأن أرضهم هذه كانت واد مقفر لا زرع فيه ولا حياة و إنما أعطاهم الله الماء و الحياة و جمع له خيرات الأرض بدعاء إبراهيم الموحد لما سكنها ، و إبراهيم ما سكنها إلا لتقام الصلاة فتأمل
((رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ))

المثال الرابع
تدبر قوله تعالى فى سورة الإسراء ((سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ))
و قواه فى الأية التالية ((وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلاَّ تَتَّخِذُواْ مِن دُونِي وَكِيلاً))

و مناسبة ذكر موسى بعد ذكر حادثة الإسراء عظيمة
أن يوم الإسراء التقى رسول الله صلى الله عليه و سلم بموسى فصلى به و بسائر النبيين إماما فى المسجد الأقصى ،فكأنه يشير إلى تبعية موسى لرسول الله صلى الله عليه و سلم الذى جعله الله إمام النبيين و إمام المسجدين ..
لذلك أمر سبحانه بنى إسرائيل فى أخر الأيات قائلا (ألا تتخذو من دونى وكيلا) فحذرهم من معصيته ، و ذكرهم بعهده باتباع النبى الذى يجدونه فى الكتاب الذى أتاه الله موسى هدى لهم

،- كذلك إلتقى رسول الله صلى الله عليه و سلم ذلك اليوم بموسى فى السماء الخامسة
و كان موسى هو الذى يراجع رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى يراجع ربه فى أعظم فريضة فرضت فى الإسلام بعد شهادة الحق و هى الصلاة، و كان له فضل علينا فى تخفيف هذه الصلاة ، و تفرد موسى بذلك للتشابه الكبير بينه و بين رسول الله صلى الله عليه و سلم

المثال الخامس
فى سورة النمل قال سبحانه ((حَتَّى إِذَا جَاؤُوا قَالَ أَكَذَّبْتُم بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْماً أَمَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِم بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنطِقُونَ ))
ثم قال فى الأية التالية (( أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِراً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ))
و التناسب بين الأيتين ، أن الله تعالى لما أخبر بأمر غيبى و هو أمر القيامة و أحداثها ، ذكر أياته المشاهدة لتكون دلالة على الخالق و على صدق الوعد بالبعث و الحساب، و هذا كثير فى القرأن أن يوثق اليقين فى الغيبيات بسرد الأيات المشاهدات

المثال السادس
تدبر سبب ورود قصة قارون فى سورة القصص فى موضعها، و بيان ذلك على النحو التالى:
1- سورة القصص بنيت على قصة نبى الله موسى ، فناسب ذكر قارون فيها لأنه من قوم موسى ((إنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى))

2- أن سورة القصص دارت حول معنى مدح المؤمنين المستضعفين و الوعد لهم، و ذم الكافرين المستكبرين و الوعيد لهم
ففى أولها قوله تعالى ((وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ))
و فى أخرها قوله تعالى ((تلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ))

فناسب ذلك ذكر فرعون (عدو موسى) الذى تكبر فى الأرض و ادعى الألوهية
((إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ))
((وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي))
((وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ))
ولما جعل الله المؤمنين أئمة الفلاح كما قال فى صدر السورة، جعل جزاء فرعون و قومه أنهم أئمة الخسران ((وجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنصَرُونَ)) فأنظر إلى التناسب العجيب بين الأيات و الكلمات و المضمون!

وناسب ذلك أيضاً أن يذكر قارون الذى كان شيمته التكبر و الغرور حتى نسى فضل ربه فقال عن ماله ((قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي))
فكان جزاءه قريبا من جزاء فرعون ، فهذا أجرى الله الأنهار من فوقه بعد أن قال ( و هذه الأنهار تجرى من تحتى) و ذاك خسف به الأرض و جعلها فوقه

3- لما ذكرت الأيات فى صدرالقصص خبر نبى الله موسى ،أتبعها سبحانه بذكر موقف قوم رسول لله صلى الله عليه و سلم منه ، حين إستكبروا عن القرأن و قالوا عنه و عنه التوراة ((قالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ))
فعقب بتذكيرهم أنه سبحانه يهلك القرى التى بطرت معيشتها و فسدت عقائدها ((وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ))
فناسب ذلك أن يضرب مثلاً بقارون لأنه من قوم موسى فبغى عليه كما كانت قريش قوم رسول الله فبغوا عليه!
لذلك قال فى سياق قصة قارون ((أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ))

4- أن ذكر قارون فيه تسلية لرسول الله لأن الله أخبره فى سورة القصص أنه لا يهدى من يحب و لو كان أقرب الأقربين و إنما الهدى هدى الله ((إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ))
فذكر قارون الذى كان من قوم موسى بل و من المقربين حتى اغتر بنفسه و نسى ربه،فيطمئن قلب رسول الله أن هذه سنة جارية و أن الفضل بالتقوى

5- أخيراً فإن الأيات عن قارون سبقها مباشرة بيان عجز البشر و ضعفهم فى الدنيا و أن الله المتصرف فيهم كيفما يشاء
((قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاء أَفَلَا تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ))
كما تضمنت بيان عجز البشر و ضعفهم فى الأخرة و أن الله هو المتصرف فيهم كيفما يشاء
(( وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ * وَنَزَعْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ))
فلما قدم ببيان حقيقة الإنسان و ضعف قوته و قلة حيلته و إفتقاره إلى مولاه فى الدنيا و الأخرة سبحانه، ذكر قصة قارون لتكون عبرة و تذكرة ملائمة لهذا المعنى،فلا يغتر إنسان بقوة أو مال و يعلم أن الله جبار عليه و فوقه قهار

المثال السابع
فى سورة سبأ قال تعالى ((أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِّنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِّكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ ))
ثم قال تعالى ((وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ ))
و التناسب بين الأيتين بديع:
ففى الأية الأولى يوقف سبحانه الكافرين على مكانتهم الحقيقة، فهم لا حول لهم ولا قوة ، ولا قيمة لهم عند ربهم إن كفروا، فلا أرض تقلهم ولا سماء تظلهم من الله ، بل تكون الأض و السماء نقمة عليهم و عذاب
و ختم الأية سبحانه ببيان أن فى ذلك عبرة لكل (عَبْدٍ مُّنِيبٍ)
(فالعبد) الذى أتم أركان العبودية و قام فى مقامها لله (المنيب) الذى يتوب و يعود إلى ربه متضرعاً ،ذاك من يستفيد قلبه بالذكر و يتعظ به فيرفع الله قدره
فناسب ذلك أن يذكر سبحانه نبى عظيم من أنبياءه و هو داود عليه السلام الذى شهد له القرأن بتحقيق مقام العبودية و الإنابة كما قال تعالى فى سورة ص
((اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ))
و أيضاً لأن من الأيات التى إختص الله بها داود أن سخر الله له الجبال و الطير تنيب معه و ألان له الحديد و لإبنه سليمان سخر له الريح و الطير و الجن
فكانت الأيات أشبه بمقارنة حية بين الكافرين الصاغرين الممقوتين عند ربهم و عند مخلوقاته فى الأرض و السماء
و بين المؤمنين المكرمين عند ربهم و عند مخلوقاته فى الأرض و السماء

المثال الثامن
تدبر قوله تعالى فى سورة لقمان ((وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ))
ثم قوله فى الأية التالية (( وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ *وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُون))
و العلاقة بين الأية الأولى و الثانية، أن الله تعالى بعدما وصى الوالد بولده بالنصح له كما فعل لقمان، ، ناسب أن يوصي الولد بوالده. فالإسلام يراعي التوازن والوسطية والعدل في الحقوق والواجبات لجميع أصناف الناس.
كما أن النهي عن الشرك، لا يعني عدم جواز طاعة الوالدين، بحجة خشية الوقوع في الشرك، فناسب ذلك التنبيه على بر الوالدين و الأحسان لهما بعد التحذير من الشرك
ولا يستبعد أن تكون التوصية بالوالدين جزءاً من موعظة لقمان لابنه، ونسَبَها إلى الله تعالى (ووصينا) بإسناد فعل التوصية إلى الله تعالى؛ إشارة إلى أنه لولا شريعة الله تعالى لما فطنتم لمثل هذا، فمصدر الهداية هو الله تعالى،أو يكون المراد: وصينا بمثل ما وصَّى به، وأسند الفعل إليه ـ سبحانه وتعالى ـ؛ لبيان أهمية طاعة الوالدين

الثال التاسع
تدبر قوله تعالى فى سورة الحديد ((أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ))
ثم قوله فى الأية التالية ((اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ))

و العلاقة بين الثانية و الأولى، أنه سبحانه يشبه القلوب بالأرض فكام أنها تكون ميتة فينزل الله سبحانه الماء فيحييها و يثمرها، كذلك القلوب ميتة بدون ذكر الله و معرفته، فأحياها الله بنزول أيات القران و لهذا أمر المؤمنين أن تخشع قلوبهم لذكر الله و ما نزل من الحق

المثال العاشر
بدأ الله تعالى سورة المنافقين بفضح أحوالهم و سرد الكلام عنهم و بكيتهم حتى بلغ قوله جل و علا
((وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ ))
و قال بعد ذلك مباشرة مخاطباً المؤمنين
(( ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَـائِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ))

و التناسب بين الأيات محكم، إذ لما حكى سبحانه حال المنافقين و عجائب نفوسهم المريضة نبه على أن علة ذلك طمس البصيرة، و علة طمس البصيرة الإقبال بجميع القلب على الدنيا و زينتها و الإعراض عن الله و الإنفاق فى سبيله، كما قال تعالى فى سورة التوبة
((وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِين َ* فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ*فأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُواْ اللّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ))
و هذا يظهر جلياً فى قولهم هنا ((هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنفِقُوا عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ))
فناسب ذلك أن تتبع هذه الأيات تحذير الله للمؤمنين من الإقبال على الدنيا وأن تلههم أموالهم و اولادهم عن ذكر ، و من ثم حثهم على الإقبال على الأخرة و النفقة فى سبيل الله
((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ..))
و أيضاً فإن هذا التعلق بالمال و الدنيا و عدم اليقين فى أن الله مالك الملك و رازق الرزق هو عين ما حذر الله منه المؤمنين فى ختام سورة الجمعة التى تسبق سورة المنافقين فقال
((وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ))
فتنبه إلى التلاحم بين الأيات و السور أرشدك الله


المثال الحاشر عشر
تناولت سورة الطلاق جملة من أحكام للنساء فى أمور الطلاق و السكن و النفقة و الرضاع ، ولما كانت أمور النساء في المعاشرة والمفارقة من المعاسرة والمياسرة في غاية المشقة، فلا يحمل على العدل فيها والعفة إلا خوف الله، كررسبحانه الحث على التقوى إشارة إلى ذلك وترغيباً في لزوم ما حده سبحانه، فقال عز و جل
((وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً ))
((وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً))
((وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً ))
حتى قال عز و جل ((لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً ))

ثم قال بعد هذه الأيات مباشرة
((وَكَأِيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَاباً شَدِيداً وَعَذَّبْنَاهَا عَذَاباً نُّكْراً * فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْراً * أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً فَاتَّقُواْ اللَّهَ ياأُوْلِي الأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُواْ قَدْ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً ))

و هذه الأيات متكاملة تماماً مع سابقتها إذ لما كان الأمر قد بلغ النهاية في الأحكام والمواعظ والترغيب لمن أطاع، فلم يبق إلا التهديد لمن عصى بما شوهد من المثلات وبالغ العقوبات، و هكذت تكامل الوعد مع الوعيد

ولما تمت الأحكام ودلائلها، وأحكمت الآيات وفواصلها، والتهديدات وغوائلها، كانت ثمرة سياقها وموعظتها الأمر بالتقوى فقال تعالى : { فَاتَّقُواْ اللَّهَ ياأُوْلِي الأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُواْ قَدْ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً }
فمن كانوا لهم سمع و بصيرة و عقول منيرة فليتعظو بالموعظة و يتقوا الله بإمتثال أمره و إجتناب نهيه الذى تضمنه ذكره المنزل على قلب نبيه

المثال الثانى عشر
كذلك فى سورة قريش لما قال تعالى ((لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ * إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاء وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ))
قال بعدها سبحانه ((الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ))
فقدم ذكر نعمة الرزق و الإطعام لأنه قدم ذكر التجارة و رحلة الشتاء و الصيف
و ذكر بعد ذلك نعمة الأمن من الخوف لأنها كانت بسبب وجود البيت الحرام فى أرضهم و هو المتأخر ذكره فى الأيات الأولى



أمثلة على التناسب بين أجزاء السورة الواحدة جميعاً

المثال الأول
سورة الضحى (( وَالضُّحَى . وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى . مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى . وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى . وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى . أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى . وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى . وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى . فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ . وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ . وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ))
يظهر التناسق الفنى و الموضوعى فى هذه السورة من خلال تدبر الإيقاع رتيب الحركات، وئيد الخطوات , رقيق الأصداء ، و التمعن فى اللفظ المختار الذى أطلق جواً من الحنان اللطيف , والرحمة الوديعة , والرضاء الشامل , والشجى الشفيف ..... فلما أراد إطاراً لهذه الأجواء جعل الإطار من الضحى الرائق , ومن الليل الساجي . أصفى آنين من آونة الليل والنهار , وأشف آنين تسري فيهما التأملات . وساقهما في اللفظ المناسب ..
فالليل هو ( الليل إذا سجى ) لا الليل على إطلاقه بوحشته وظلامه , الليل الساجي الذي يرق ويصفو , وتغشاه سحابة رقيقة من الشجى الشفيف , كجو اليتم والعيلة ، ثم ينكشف ويجلي , ويعقبه الضحى الرائق , مع ( ما ودعك ربك وما قلى , وللآخرة خير لك من الأولى ولسوف يعطيك ربك فترضى ) فتلتئم ألوان الصورة مع ألوان الإطار , ويتم التناسق والإتساق .
و لاحظ التناسب بين قوله تعالى ((أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى))
ثم قوله فى الأيات التالية ((فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ * وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ))
نجد تلاحماً بين الموهوبات و التكليفات
- فلما قال (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى) ناسب أن يطالب رسوله بالرفق باليتامى (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ)
- و لما قال ( وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى) ناسب أن يأمر نبيه بالإحسان إلى السائلين (وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ) لأن المسئول ليس فقط المال و إنما يشمل كل الخيرات و على رأسها العلم الذى هو الأمر الوحيد الذى سأل رسول الله ربه الإستزادة منه ((وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً))
- و لما قال (وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى) ناسب ذلك أن يأمر نبيه بإظهار نعمة ربه عليه (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ)

المثال الثانى
و الأن تدبر سورة الليل
(( وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى* وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى* وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى* إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى*فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى*وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى* فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى* وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى* وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى* فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى*وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى* إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى* وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى* فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى* لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى* الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى* وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى* الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى* وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى* إِلَّا ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى* وَلَسَوْفَ يَرْضَى ))
أنظر إلى روعة بناء السورة الواحدة على الثنائية ، فى إطار المقابلة بين الأبيض و الأسود !
- فتقرأ فيها: (الليل إذا يغشى) ،وتقرأ بعدها (النهار إذا تجلى) , المقابل تماما لليل إذا يغشى .
وتقرأ فيها : (الذكر والأنثى) المتقابلان في النوع والخلقة .
- و تقرأ فيها: (من أعطى و اتقى و صدق بالحسنى)، و تقرأ مقابله (من بخل و استغنى و كذب بالحسنى)
- و تقرأ فيها: للمتقى (فسنيسره لليسرى) و تقرأ للمسىء (فسنيسره للعسرى) المقابل تماما!
- و تقرأ فيها: ( الأخرة و الأولى) ، و هما متقابلتان
- و تقرأ فيها عن النار ( لا يصلها إلى الأشقى) و تقرأ فى المقابل ( و سيجنبها الأتقى)
و تقرأ فيها ( الذى كذب و تولى) و مقابله تماما ( الذى يؤتى ماله يتزكى....إبتغاء وجه ربه)
فذلك إطار مناسب للصورة التي يضمها .

أما الإيقاع المصاحب , فهي أخشن وأعلى من نظيره فى " الضحى " لذلك كان التعبير بـ (الليل إذا يغشى) لا بـ (الليل إذا سجى) الذى هو تعبير أرق فى سياقه، ولكن يظل أيضاً التعبير هنا ليس عنيفاً ولا قاسياً , لأن الجو للسرد والبيان , أكثر مما هو للهول والتحذير، فتأمل!

المثال الثالث
والآن استمع إلى إيقاع مختلف , وانظر إلى إطار آخر , لصورة تقابل هذه الصورة
((وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحاً* فَالْمُورِيَاتِ قَدْحاً* فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحاً* فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً* فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً* إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ* وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ* وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ * أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ* وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ* إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ ))
تجد الإيقاع هنا شبيه بنظيره فى " النازعات " بل هو أشد وأعنف , فيه خشونة ودمدمة وفرقعة ، تناسب الجو الصاخب المعفر الذي تنشئه القبور المبعثرة , والصدور المحصل ما فيها بقوة . وجو الجحود وشدة الأثرة .. فلما أراد لهذا كله إطارا مناسبا , اختاره من الجو الصاخب المعفر كذلك , تثيره الخيل الضابحة بأصواتها , القادحة بحوافرها , المغيرة مع الصباح , المثيرة للغبار ؛ فكان الإطار من الصورة , والصورة من الإطار , لدقة التنسيق وجمال الاختيار .

المثال الرابع
- و تدبر سورة من قصار السور و هى خذ سورة " الفلق " .
ثم انظر ما الجو المراد إطلاقه فيها ؟ إنه جو التعويذة , بما فيه من خفاء وهيمنة وغموض . وإبهام . فاسمع
(( قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ . مِن شَرِّ مَا خَلَقَ . وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ . وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ . وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ))
فما الفلق الذي يستعيذ بربه ؟ نختار من معانيه الكثيرة معنى الفجر , لأنه أنسب في الاستعاذة به من ظلام ما سيأتي : مما خلق , ومن الغاسق , والنفاثات , والحسد . ولأن فيه إبهاما خاصا سنعلم حكمته بعد قليل .
يعوذ برب الفجر " من شر ما خلق " هكذا بالتنكير وبما الموصولة الشاملة . وفي هذا التنكير والشمول يتحقق الغموض والظلام المعنوي في العموم . " ومن شر غاسق إذا وقب " الليل حين يدخل ظلامه إلى كل شئ , ويمسي مرهوبا مخوفا . " ومن شر النفاثات في العقد " وجو النفث في العقد من الساحرات والكواهن كله رهبة وخفاء وظلام , بل هن لا ينفثن غالبا إلا في الظلام . " ومن شر حاسد إذا حسد " والحسد انفعال باطني مطمور في ظلام النفس , غامض كذلك مرهوب .
الجو كله ظلام ورهبة , وخفاء وغموض . وهو يستعيذ من هذا الظلام بالله , والله رب كل شئ . فخصصه هنا " برب الفلق " لينسجم مع جو الصورة كلها , ويشترك فيه . ولقد كان المتبادر إلى الذهن أن يعوذ من الظلام برب النور , ولكن الذهن هنا ليس المحكم , إنما المحكم هو حاسة التصوير الدقيقة . فالنور يكشف الغموض المرهوب , ولا يتسق مع جو الغسق والنفث في العقد , ولا مع جو الحسد . و" الفلق " يؤدي معنى النور من الوجهة الذهنية ثم يتسق مع الجو العام من الوجهة التصويرية , وهو مرحلة قبل سطوع النور , تجمع بين النور والظلمة , ولها جوها الغامض المسحور .
ثم ما هي أجزاء الصورة هنا أو محتويات المشهد ؟
هي من ناحية : " الفلق " و" الغاسق " مشهدان من مشاهد الطبيعة .
ومن ناحية : " النفاثات في العقد " و" حاسد إذا حسد " مخلوقان آدميان .
وهي من ناحية : " الفلق " و " الغاسق " مشهدان متقابلان في الزمان .
ومن ناحية : " النفاثات " و" الحاسد : جنسان متقابلان في الإنسان .

** و نوع آخر من تصوير الألفاظ بجرسها يبدو في سورة الناس
(( قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ . مَلِكِ النَّاسِ . إِلَهِ النَّاسِ . مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ . الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ . مِنَ الْجِنَّةِ وَ النَّاسِ ))
اقرأها متوالية تجد صوتك يحدث " وسوسة " كاملة تناسب جو السورة . جو وسوسة " الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس " .
[منقول بتصرف من التصوير الفنى فى القرأن]

المثال الخامس
سورة المجادلة، هى سورة تتبدى فيها روائع التنسيق، و عجائب التصريف، و هى التى تكرر ذكر لفظ الجلالة (الله) فى كل أياتها!

* لما ختمت الحديد ببيان عجز الخلق و التفرد بعظيم الفضل لله
سبحانه
((وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ))
كان سماع أصوات جميع الخلائق من غير أن يشغل صوت عن صوت وكلام عن كلام من الفضل العظيم،
وكان علمه سبحانه بشكوى المؤمنة المسكينة من ظهار زوجها وإزالة ضررها بحكم عام لها ولغيرها معلماً بأنه ذو الفضل العظيم
(( قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِيا إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمآ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ))

* و لما انتهى سبحانه من بيان كفارة الظهار و أتم نعمته على المؤمنين ختم الحكم بقوله
((وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ))
و هذا تحذير منه سبحانه لمن يتجاوز حدوده و يعرض عن حكمه ،
فناسب ذلك أن يبدأ الأية التالية بتفصيل عذاب الكافرين الذى يتجاوزون حدود الله (يحادونه)
(( إِنَّ الَّذِينَ يُحَآدُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُواْ كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنزَلْنَآ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ ))

* و لما كانت السورة منذ بدايتها تتناول قدرة الله العظيمة و أنه مع عباده بسمعه و بصره و علمه، لا يخفى عنه منهم خافية أتبع هذه الأيات بالحديث عن علمه الواسع سبحانه بسرهم و جهرهم و بيان هذه المعية، ثم تكلم عن النجوى و هى الحديث سراً ، فذم من بتناجى بالإثم و معصية الرسول، و مدح من يتناجى بالبر و التقوى....
((أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىا ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنَىا مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُواْ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ))
((أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُواْ عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ ))
((ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوااْ إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلاَ تَتَنَاجَوْاْ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْاْ بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى..))

و ختم ذلك ببيان أن النجوى بالإثم هى من فعل الشيطان ليحزن المؤمنين
((إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئاً إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ..))

*ولما ذكر ما يحزن من السر لكونه إختصاصاً عن الجليس بالمقال ، أتبعه بالنهى عن الإختصاص بالمقام ،وهو مباعدة الأجسام مما يرتب ذات الظن المذموم، معلماً لهم بكمال رحمته مراعاة حسن الأدب بينهم.
((ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُواْ فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُواْ يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ..))

*ولما كانت التوسعة يكفي فيها التزحزح مع دوام الجلوس تارة وأخرى تدعو الحاجة فيها إلى القيام للتحول من مكان إلى آخر أمرهم الله قائلا
((وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا ..))
و حتى يؤلف قلوبهم على طاعة الأمر أتبع ذلك ببيان جزاء الإستجابة
((يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ))

*ولما نهى عما يحزن من المقال والمقام، بينما كانت مناجاة رسول الله
صلى الله عليه و سلم لا حرج فيها، أكثر البعض من ذلك بقصد الترفع حتى شق عليه صلى الله عليه وسلم،فأُمر من أراد أن يناجيه بالتصدق ليكون ذلك أمارة على صدق الحاجة و الإيمان ، و لما تحقق المراد و هو التنبيه إلى الرفق برسول الله و عدم إكثار المناجاة خفف عنهم ليتم نعمته سبحانه
َ(( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ))
((أأشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُواْ وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ...))
ثم أمرهم ان يشكروا نعمته بالتخفيف عنهم بإقامة الصلاة و إيتاء الزكاة
((فَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ))

*ولما أخبر فى اخر الأية السابقة بإحاطة عمله (( و الله خبير بما تعملون)) أتبع ذلك بفضح المنافقين الذين يبطنون الكفر و يظهرون الإيمان و توعدهم
((أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِم مَّا هُم مِّنكُمْ وَلاَ مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ *أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ)) حتى قوله تعالى ((أُوْلَـائِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الخَاسِرُونَ ))


* و لما كانت السورة بدأت الوعيد لمن يحادون الله ( يتجاوزون حدوده) ناسب أن تختم بذلك
((إِنَّ الَّذِينَ يُحَآدُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـائِكَ فِي الأَذَلِّينَ))

* و لما أتم سبحانه نعمته على المؤمنين الملتزمين حدوده و الوعيد للكافرين المتعدين حدوده و بيان أنهم حزب الشيطان و أنهم الخاسرون
ختم السورة بأمره للمؤمنين أن يتبرئو مما حاد الله و رسوله و لو كانو أقرب الأقربين و ختم بييان أن هؤلاء هم حزب الله و أنهم الفائزون

((لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوااْ آبَآءَهُمْ ......... أُوْلَـائِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ))


المثال السادس
سورة الأحزاب ، و هى سورة عظيمة يتجلى فيها ما يعرف بـ "التجانس" و "التميز"
هذه الثنائية تقوم على ادعائين:
- دعوى أن القرآن كله متجانس في أسلوبه متشابه فى نسجه.
-دعوى أن كل سورة في القرآن تتميز عن أخواتها أسلوبا ونسجا.
فيكون الوجه الإعجازي جليا:اقتراب متزامن من نهايتين متضادتين:تميز الأفراد بحيث يتجانس المجموع.....!!ويتشابه المجموع في حين ينزع كل فرد إلى التفرد...!!
و قد تميزت سورة الأحزاب المباركة- مثلاً- عن أخواتها بظاهرة أسلوبية يسهل التقاطها بمجرد قراءة السورة وقد لا تتكرر في أية سورة أخرى بالوتيرة ذاتها....و هى ظاهرة "التعدد والتعداد" أو الاسترسال في العطف.
ومن الطريف أن نلاحظ بدءا أن اسم السورة –الأحزاب-مؤشر قوي على معنىالتعدد والتعداد..
كما أن مطلع السورة الندائي الذي يقرع الأذن يدخل القاريء إلى فضاء سيستأنس فيه بتكرار النداءات وتعددها على نحو لا يجده في سورة أخرى.لقد أحصيت 13 نداء :

-يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّه.
-يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ.
-يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ.
. يَا نِسَاء النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ
-يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء.
-يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيرا.
-يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيرا.
-يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ.
-يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَك.
-يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ.
-يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ-
-يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى.
-يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً.

تعدد المنادى : النبي خمس مرات، المؤمنون ست مرات, ونساء النبي مرتين.
ومابين نداء ونداء يمر التالي بسلسلة من "التعدادات" حتى يتيقن أن التعداد هي ميزة السورة بلا ريب........

أليس في سورة الأحزاب:
{إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً}
تعداد مبارك لأهل البر ذكورا وإناثا بلغ عشرين – أوعشرة أزواج-

أليس في سورة الأحزاب:
{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ}
تعداد لما أحل الله لرسوله .-سبع أصناف-

وهذا تعداد في سياق آخر:
{لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاء إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاء أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً}
-سبع أصناف –

وهذه آيتان هما أجمع لصفات النبي صلى الله عليه وسلم وهما من "الأحزاب"طبعا:
{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً* وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً}
-سبع صفات أيضا:النبوة والرسالة والشهادة والبشارة والنذارة والدعوة إلى الله والهدى-

وهذه سلسلة من أدب المؤمنين مع نبيهم ونسائه معدودة في كل الأحوال:
{يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيماً}

وهذا تعداد لأولي العزم من الرسل وهم خمسة من صفوة خلق الله:
{وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً}

ثم تمضي السورة المباركة في تعداد أنواع المشركين والمنافقين وتعداد ما أفاء الله على المؤمنين في غزوتهم......إلى ان تصل إلى التعداد الختامي:

{ لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً.}
كتبه الشيخ أبى عبدالمعز


المثال السابع
سورة البقرة

أولاً:
إشتملت هذه السورة العظيمة على الدين كله:-
* إشتملت على أركان الإسلام الخمس ، ففيها ذكر التوحيد و الصلاة و الزكاة و الصيام و الحج
* و إشتملت كذلك على أركان الإيمان
((كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ))
* تألف نظمها العجيب من مقدمة و أربعة مقاصد و خاتمة كما رتبها الدكتور دراز رحمه الله:
1)المقدمة : تعريف بالقران الكريم و بيان أنه يؤمن به المتقين و يعرض عنه من لا قلب له أو كان فى قلبه مرض
2)المقصد الأول: دعوة الناس عامة إلى إعتناق الإسلام
3)المقصد الثانى: دعوة أهل الكتاب خاصة إلى إعتناق الإسلام
4)المقصد الثالث: عرض شرائع هذا الدين تفصيلا
5)المقصد الرابع:ذكر الوازع الدينى الذى يدفع لإلتزام تلك الشرائع
6)الخاتمة:فى التعريف بالذين إستجابوا لدعوة الله المشتملة على تلك المقاصد و بيان ما ينتظرهم فى عاجلهم و أجلهم

ثانياً:
* يتناسب أول السورة مع أخرسورة الفاتحة، إذ ختمت سورة الفاتحة بتصنيف الناس إلى (المنعم عليهم، و المغضوب عليهم، و الضالين)
كذلك بدأت سورة البقرة بتصنيف الناس إلى (متقين، و كافرين، و منافقين) و هى أصناف تشملها الأصناف المذكورة فى أخر الفاتحة
* و يتناسب أول السورة مع اخرها إذ بدأت بذكر المؤمنين و اختتمت بذكر المؤمنين
((ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ..))
((آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ..))
* كذلك يتناسب اخر سورة البقرة مع أول سورة أل عمران ، إذ أختتمت بذكر المؤمنين و إيمانهم بالله و كتبه
((أمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ))
و بدأ أل عمران بتفصيل الكتب التى أنزلها سبحانه
((َنزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ))

ثالثاً:
* لما كانت أول سورة فى القرأن بعد الفاتحة راعت الأولية فى كل شىء:-
- فبدأت بثلاثة أحرف مقطعة عجيبة ، تدعو الناس لليقين أن علمهم قاصر أمام علم ربهم، و أنهم عجزهم ظاهر أمام قرأن يتحداهم بيد أنه يتألف من أحرف لغتهم التى يتقنون!
- ثم كان أول ما تكلمت عنه هو حقيقة القرأن نفسه
فذُكر موصوفاً بثلاثة صفات، أنه الكتاب (فلا كتاب مثله)، و أنه لا ريب فيه ، و أنه هدى ...
و هكذا كان موقع هذه الجمل الثلاث بعد تلك الأحرف الثلاثة موقع التنويه بالمقصود بعد التنبيه إليه!
- ثم انتقلت لتصنيف من أنزل إليهم هذا الكتاب ، و هم البشر جميعاً فصنفتهم أيضاًً ثلاثة أصناف:
1- المؤمنين ((الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ))
2- الكافرين ((إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ))
3- المنافقين ((وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ))
و لاحظ بلاغة الإنتتقال لهذا التصنيف، إذ مزج الحديثين مزجاً يدع أقدر الناس تصريفاً للقول لا يفطن لما حدث بينهما من إنتقال، و ذلك بقوله (هدى للمتقين) فكان حرف اللام فقط هو المعبر السرى الذى إنزلق منه الكلام لتصنيف البشر تفصيلاً!

* ثم إنتقال سبحانه لأول نداء و أول أمر فى القرأن كله ، و لما كان أول النداءات، كان أعمها فوجهه إلى كل الناس، و كان أعظمها إذ دعاهم إلى شهادة لا إله إلا الله!
((يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ))
- و تأمل الإنتقال من تصنيف الناس و الكلام عنهم بصيغة الغائب إلى نداءهم بصيغة المتكلم، ذلك أنهم بعد أن كانوا غيباً فى أول الحديث أصبحوا بعد وصف القرأن الشافى و ضرب الأمثال الوافى حاضرين فى الخيال كأنهم رأى عين!
- كما أن نداءهم مباشرة فيه شعور برحمة المربى سبحانه و هو ينادى عباده للنجاة نداءً تكاد تسمعه بمجرد قراءته، لاسيما بعدما تبين خطورة ما هم عليه من العمى بالأمثال المضروبة

* و بعد دعوة البشر إلى لا إله إلا الله ثنى بإثبات الركن الأخر فى الشهادة ... محمد رسول الله
فمن شك فى نبوته صلى الله عليه و سلم فليأتى و لو بسورة من مثل القرأن فإن لم تفعلوا و لن تفعلوا فاتقوا النار التى أعدت للكافرين، و مقابلها البشارة بالجنة التى أعدت للمؤمنين
فاشتملت هذه الأيات على على الإيمان بالله و الإيمان برسوله و الإيمان بكتابه و الإيمان باليوم الأخر

* ثم أتبع ذلك بضرب أول مثل فى القرأن و لما كان أول مثل ضربه بأحقر مخلوق فى عين الناس و هى البعوضة فما فوقها إمعاناً فى إعجاز الناس أمام ألاءه صغيرها و كبيرها !

*ثم انتقل سبحانه إلى أول قصة فى القرأن و لما كانت أول قصة ناسب أن تكون لأول إنسان، أبينا أدم عليه السلام...
فانظر كيف راعت السورة الأسبقية و الأولية فى كل شىء!

رابعاً:
بين العلما أن كل سورة من سور القرأن لها مفتاح خاص بها و معنى تدور حوله، و مفتاح سورة البقرة هو
(الإستخلاف و الإبدال)
((سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللّهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُ فَإِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ))
و لهذا سميت بهذا الإسم "البقرة"، إشارة إلى إستخلاف المؤمنين فى هذه الأمة بمن سبقهم من اهل الكتاب الذين تكبروا عن أمر الله و تنطعوا، و لننظر فى بيان ذلك:-
1- كانت أول قصة فى القرأن قصة نبى الله أدم و بين سبحانه أنه إختاره (خليفة) فى الأرض
و ظهر فى هذه القصة الفرق بين المسلم لأمر الله (نبى الله ادم) و المتكبر عن أمر الله( عدو الله إبليس)،
و هذا أساس الإستخلاف و الإبدال، و هو نفسه المغزى من مثل البعوضة من قبل!
2- ثم توجه سبحانه بالخطاب إلى بنى إسرائيل لأنها أشبه الأمم بأمة الاسلام من حيث امتلاكها كتاب و شريعة حكمها نبيها بها.... و هى الأمة التى سيتبدلها الله تعالى بأمة الإسلام و يستخلف المسلمين بهم!
- لذا اخذت تذكر نعم الله و مننه عليهم، و مقابلتهم المن بالجحود و القسوة و التكبر...
- حتى وصلت إلى قصة البقرة، و العظة الأعظم فيها التعريف بضرورة التسليم لأمر الله ، و هو ما لم يتوفر فى اليهود قساة القلوب

- ولاحظ كيف إختتمت قصة البقرة بقوله (ثم قست قلوبكم من بعد ذلك..) فلم يحدد مدى زمنى لهذه القسوة ، إشارة إلى إستمرار تلك القسوة و ذلك الجحود إلى زمن الرسول صلى الله عليه و سلم فما بعده إلى يوم القيامة!

- لذلك أتبع هذه الأية ببيان حالهم فى زمن رسول الله صلى الله عليه و سلم، فقسمهم إلى فريقين، علماء مضلون يحرفون كلام الله و يكتمون الحق، و عوام جهال مضللون هم أسارى الامانى و الأوهام ، فمن يطمع فى إيمان من كان هذا حالهم؟!
و استطرد فى الكلام عنهم و تفنيد حججهم و فضح احوالهم و تتميم دعوتهم حتى ختمت الأيات فى الكلام عنهم بنفس ما بدأت به ...
فبدأت بقوله تعالى ((يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ)) 47
و ختمت بقوله تعالى ((يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ))122

3- لما كانت تدور السورة حول معنى الإستخلاف و الإبدال ، و بالخصوص إبدال بنى إسرائيل بأمة الإسلام، جاءت الإرهاصات تحديداً لواحدة من أعظم التشريعات فى السورة و هو "تحويل القبلة" الذى يعتبر تجسيداً مادياً للإبدال و الإستخلاف و بيان ذلك:-
- قوله تعالى بعدما قص خبر اليهود أمراً المؤمنين أن يعتبروا بهم ولا يفعلوا فعلهم و ليحذروا حقدهم
((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ انظُرْنَا وَاسْمَعُوا ْوَلِلكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ * مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَاللّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ))
و لما ذكر الله الفضل العظيم قال بعده مباشرة ((مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ))
لأن من الخير الذى اصطفى الله به المؤمنين و من الفضل العظيم الذى قدره الله لهم جعل قبلة الدين هى المسجد الحرام بعدما كان المسجد الأقصى ، فكان الكلام هنا إرهاصاً و تعريضاً بما هو أت، لذا قال بعدها سبحانه
((وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ..)) 109 إلى قوله ((وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ إِنَّ اللّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)) 115
فتأمل سياق الأيات!

- بعدما ذكر خبر أدم و تفضيله على إبليس لما استكبر، و خبر بنى إسرائيل و غضب الله عليهم بعدما استكبروا ، عقب بذكر إبراهيم لمناسبة ذلك فى الرد على بنى إسرائيل الذين ينتسبون اليه ، و بيان أنه كان مسلماً لا يهوديأ ولا نصرانياً
((رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ))
- و تناول فى قصة إبراهيم ههنا بالخصوص بناء المسجد الحرام
((وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ))
و ما ذاك إلا إشارة إلى قدسية المسجد الحرام، و إرهاصاً لتحويل القبلة إليه، و تبياناً لكونه قبلة قديمة تعود لأبى الأنبياء إبراهيم بل من لدن نوح، لأن البيت كان موجوداً قبل إبراهيم و عمله كان رفع القواعد منه!
((و َإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ))

و هكذا يتبين لك أن كل ما سبق كان إرهاصاً للنبأ العظيم ، تحويل القبلة و تبديل الأمة!
((قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ))

- و بذلك استقر معنى إستبدال أمة الإسلام و نبيها العربى ببنى إسرائيل و أساس هذا الإستبدال ليس العرق ولا الجنس و إنما التقوى و التسليم
فانظر إلى روعة التنسيق يا رعاك الله!


خامساً:
لنتأمل بعض أمثلة التناسب البديع بين الأيات ، إذ يصعب جداً أن نسهب فى تناول هذه السورة العظيمة تفصيلاً، و هو أمر كم نتمناه لما فيها من العجب العجاب، لكن أنّى لنا أن نخرج فى هذا المقام كل درر سورة قال عنها رسول الله أنها "فسطاط القرأن"!

المثال الأول
تدبر قوله تعالى فى سورة البقرة ((َشهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ...الأية))
ثم قوله عز و جل ((وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ))
ثم عودته للكلام عن الصيان بقوله ((أحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ...الأية))
- فإن مناسبة وضع أية ( و إذت سألك عبادى عنى..) بين الأيات التى تتناول الصيام، هو أن الصيام عبادة جليلة يتقرب بها العبد إلى ربه أيما قربة، و من أسباب إستجابة الدعاء التضرع حال الصيام، كذلك للصائم عند فطره دعوة لا ترد، فناسب ذلك أن يبين الله قربه لعباده و استجابته دعاءهم فى سياق أيات تشريع الصيام

المثال الثانى
قال سبحانه ((إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ ))
ثم قال تعالى (( إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَـئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ ))
ثم قال عز و جل (( وَإِلَـهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ))
و الأيات هنا فى غاية التناسب:
- فالأية الأولى إستكملت ما يخص بيت الله الحرام من شعائر ، و منها شعيرة السعى بين الصفا و المروة التى نسبها إلى نفسه سبحانه، و أثبتها فى الحج و العمرة،فكان ذلك توكيداً إضافيا لاستحقاق البيت لأن يكون قبلة ، و كان أيضاً مكملاً لقصة إبراهيم و إسماعيل السابق ذكرها إذ تعود هذه الشعيرة إلى فعل هاجر أم إسماعيل عليه السلام
- و أما الأية الثانية فجاءت بعد أية الصفا ، لأن علام الغيوب علم أن اهل الكتاب الحاقدين سيطعنون فى هذه الشعائر من إستقبال الكعبة ، و السعى بين الصفا و المروة ، فبادرهم بالتهديد و الوعيد أمراً إياهم ان يذعنوا للحق و لا يكتموه!
((إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَـئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ)) إلى قوله ((خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ))
- و أما الأية الثالثة ((وَإِلَـهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ))
فسر ورودها هنا تفنيد الشبهات حول شعائر البيت الحرام ، و بيان أن المؤمنين لا يعبدون الصفا ولا المروة ولا الكعبة و إنما يفعلون ذلك تعبداً لله الإله الأوحد ، و ما هذه الشعائر إلا رحمة يرحمنا به الرحمن الرحيم
و لما ختم الأية بذكر بقوله (الرحمن الرحيم) أتبع ذلك بذكر أيات رحمته التى تحيط بنا فى البر و البحر و السماء و الأرض ، و الليل و النهار!
((إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)) فتأمل

المثال الثالث
قال تعالى ((وَاذْكُرُواْ اللّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ))
ثم قال عز و جل ((وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ))
و الأيات هنا فى غاية التناسب، إذ السياق فى أيات الحج، فبين سبحانه أن هذه العبادة التى قد يتمها بعد الناس رياءً و سمعة، لا تقبل إلا إن تحقق الأخلاص (لمن اتقى) و عقب بتكرار الأمر بالتقوى و التذكير بالموت و الحشر (وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ)
فناسب ذلك الوعيد أن يتبعه بذكر المنافق الذى هو أحق الناس بالاتعاظ هنا، المنافق المرائى الذى يظهر الخير و يبطن الشر و الفساد!
و مثل ذلك لما ذكر الله ضد ذلك المنافق و هو المؤمن الذى ينفق فى سبيل الله (مِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ) اتبع ذلك بقوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً)
فكان النداء للمؤمن الذى هو أخر مذكور قبل النداء ليكون هذا النداء واقعاً في أذن هذا الواعي كما كان المنافق مصدوعاً بما سبقه من التقوى والحشر

المثال الرابع
قال تعالى ((وإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إَلاَّ أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلاَ تَنسَوُاْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ))
ثم قال سبحانه (( حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ))
ثم عاد للكلام عن الطلاق و العدة(( وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم مَّتَاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِيَ أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ))
و سر ذلك ثلاثة أمور:
1- لما طال تعاقب الآيات المبينة تشريعات تغلب فيها الحظوظ الدنيوية للمكلفين ، ضمن تلك التشريعات بتشريع تغلب فيه الحظوظ الأخروية ، لكي لا يشتغل الناس بدراسة أحد الصنفين من التشريع عن دراسة الصنف الآخر ، قال البيضاوي { أمر بالمحافظة عليها في تضاعيف أحكام الأولاد والأزواج ، لئلا يلهيهم الاشتغال بشأنهم عنها}
و هذا مصداق قوله تعالى (( ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ))
يإختصار: لما ذكر حقوق الناس دلهم على المحافظة على حقوق الله
2- لأن الصلاة هى خير ما يستعين به الإنسان لإصلاح أحواله و رفع الكربات و المشاكل التى يواجهها، و السياق هنا كان فى أمور الشقاق و الطلاق و الترمل و غيرها من مشكلات الدنيا،
فليستعن العبد بالصلاة لتحقيق الصبر على البلاء ، و لبسط الرزق و تنزل النعماء
((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ))
3- ما قال الأستاذ سيد قطب ، و هو تبيان أن الزواج و الطلاق و العدة و خيرها من الأحكام هى فى الحقيقة عبادة لله نتعبد له بالإلتزام بها ، ولما كانت عبودية الصلاة واضحة جدا عند كل الناس والعبوديات الأخرى قد يخفى التعبد فيها بحكم تلبسها بالواقع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي ، ضمن سبحانه ذكرالصلاة في قلب سياق المعاملات إشارة إلى أن هذه من جنس تلك ،وتلك من جنس هذه...فتتفق وحدة العبادة

المثال الخامس
قال تعالى ((َألَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ ))
ثم قال سبحانه((وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ))
ثم قال جل ثناؤه ((أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ))
و الأيات فى قمة التناغم ، إذ الأية الأولى تقص علينا نبأ الذى خرجوا بالألاف حذر الموت ، فإذا بأمر الله يلاقيهم و يموتوا ثم يعجزهم أكثر بقدرته فأحياهم!
- فلما تقرر هذا الخبر الذى هو بيان عظيم لقدرة الله على عبيده ، أتبعه بأمر المؤمنين أن يقاتلوا فى سبيل الله ولا يفروا حذر الموت الذى يدركهم بأمر الله أينما كانوا!
- و لما كان من أعظم العبادات التى تعين على الجهاد النفقة فى سبيل الله و إعداد العدة ثنى الله تعالى بها و حث المؤمنين عليها موعداً إياهم بالجزاء الجزيل، و ختم الأيات بتقرير أنه سبحانه الذى يملك أن يوسع على عباده و أن يقدر عليهم رزقهم ، و أنهم جميعاً سيموتون و يرجعون إليه سبحانه
- و لما جاء بالأمر بالجهاد، و الصحابة الكرام كانوا كثيراً ما يتمنون أن يؤذن لهم فيه، حذرهم الذى يعلم السر و أخفى من أن تكون عزائم البعض منهم ضعيفة، فإذا ما فرض الجهاد تخاذلوا، أو أن يعصوا أمر قائدهم رسول الله أبداً فى ساحة القتال، فجعل ذلك الإنذار متمثلاً فى خبر ما سبق من تخاذل بنى إسرائيل!
ملحوظة: هذا كله من دلالات الإبدال و الإستخلاف الذى تدور عليه السورة
*فبنى إسرائيل لما فُرض عليهم القتال تخلفوا و عصوا
فأمر الله المؤمنين أن يطيعو و يجاهدوا و ينفقوا متعظين بمصير من قبلهم

* و فى أول القرأن تقرأ ((ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ))
فالمتقين يؤمنون بالقرأن ولا ريب فيه عندهم
- مقابلهم أهل الكتاب و من تبعهم على الكفر فى ريب من كتاب الله
((وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ ..))

* المؤمنبن يطيعو أمر الله و يؤمنون بالكتاب كله
((آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ))
أما أهل الكتاب فيؤمنون ببعض الكتاب و يكفرون ببعض
((وإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ بِمَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَاءهُ ))

* أهل الكتاب قالوا سمعنا و عصينا
((وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُواْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا))
أما المؤمنين فيقولون سمعنا و أطعنا
((وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ))

* و لما أمر بنى إسرائيل أن يتقوا يوماً لا خلة فيه ولا شفاعة
((وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ))
فكرر سبحانه نفس الأمر للمؤمنين لأنها سنته الجارية
((يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ))

* ولما أمر سبحانه بنى إسرائيل أن يشكروا نعمة و يصبروا مستعينين بالصلاة فأبوا
((وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ))
وجه سبحانه نفس الأمر للمسلمين بعدما أظهر نعمته عليهم ببعثة النبى و إنزال القرأن و إصطفاء القبلة فيهم، ليعتبروا ببنى إسرائيل و يطيعوا، فيظهر التناسب بين العبرة و المعتبر ، و بين البديل و المبدل
((كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ * فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ))

المثال السادس
قال تعالى ((تلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَـكِنِ اخْتَلَفُواْ فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَـكِنَّ اللّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ))
ثن قال عز و جل (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ))
و التناسب بين الأيتين أن الأية الأولى أشارت إلى وقوع الشقاق بين أتباع الأنبياء و الإقتتال بعدما عرفوا الحق، فوجب للمؤمنين أن يستعدو لجهاد اليهود و النصارى و غيرهم من أهل الملل الذين تفروقا و رفضو التوحد على الحق بحجة إتباع أنبياءهم الذين هم منهم براء، و لما كان عماد الجهاد النفقة فى سبيل الله أتبع سبحانه بالحث عليها و التكذير بالأخرة

المثال السابع
قال تعالى (( اللّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ))
ثم قال سبحانه ((لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ))
ثم قال عز و جل (( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ))

و هذه الأيات كلها فى غاية التناسب، أما أية الكرسى العظيمة فقد جاءت بعد الأمر بالجهاد و و النفقة فى سبيل الله ، فناسب ذلك أن يحدث الله المؤمنين عن تفرده بالألوهية سبحانه و عن أسماءه و صفاته العظيمة، فيعلموا أنه الإله الأوحد الحى القيوم الذى يدبر الأمر ،ولا يغفل عن عباده ولا ينام ، و أنه مالك الملك ، فتتشوف النفوس للجهاد مطمئنة بمعية و تأييد رب العالمين طامعة فى ثوابه راضية بقدره، و ناسب أن يذكر أمر الشفاعة الدالة على أن الملك لله فى الأخرة كما أنه له فى الدنيا، و ليكمل معنى الأية السابقة فى حث المؤمنين على النفقة قبل مجىء يوم لا شفاعة فيه
- و لما أتم سبحانه فرائضة و أظهر حجته ، و عرف البشر بنفسه و عظمته، وفند كل الشبهات و أقام البراهين الباهرات، حتى اتضحت الدلائل لكل عالم وجاهل صار الدين إلى حد لا يحتاج فيه منصف لنفسه إلى إكراه فيه فقال (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) فتأمل
- أما الأية الأخيرة و التى فيها حجاج إبراهيم الملك، قال البقاعى: لما ذكر ما له سبحانه وتعالى من الإحاطة والعظمة وأتبعه أمر الإيمان وتوليه حزبه وأمر الكفران وخذلانه أهله، أخذ يدل على ذلك بقصة المحاج للخليل والمار على القرية مذكراً بقصة الذين قال لهم موتوا ثم أحياهم في سياق التعجيب من تلك الجرأة!
نلاحظ:
أولاً: وردت ههنا ثلاثة قصص كلها تتكلم عن إحياء الله للمخلوقات:
- قصة إبراهيم مع النمرود ((إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ))
و قصة صاحب القرية (( أو كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىَ يُحْيِـي هَـَذِهِ اللّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ))
و طلب إبراهيم من الله ((وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي الْمَوْتَى))
و ورود القصص الثلاثة بعد أية الكرسى العظيمى التى بدأت بقوله تعالى ((اللّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ)) دلالة على قدرة الله و على هاذين الإسمين العظيمين، فالله تعالى هو الحى الحياة الكاملة الذى تستمد المخلوقات حياتها منه فهو محييها، و هو القيوم القائم بذاته المقيم لغيره من المخلوقات!
ثانياً: ناسب ذكر هذه الأخبار فى الإحياء فى أخر سورة البقرة ما ورد فى أولها من ذكر أخبار فيها إحياء أيضاً
((كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ))
((وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ * ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون))
((وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ * فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ))
فتأمل
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و أشهد أن محمداً عبده و رسوله و أن عيسى عبد الله و رسوله و كلمته ألقاها إلى مريم و روح منه

#39 د. هشام عزمي

    لله العزة ولرسوله وللمؤمنين

  • المشرف العام
  • 2,013 المشاركات

تاريخ المشاركة : 15 April 2008 - 01:36 PM

أيووووووووووووووووه ..!
لك - والله - وحشة عظيمة أخي الحبيب !

لكن كتاب الله بحرٌ لا ساحل له ، لا تنقضي عجائبه ..
فكنت أرى - والرأي رأيك - أن تتجنب التوسع في إبراز مواطن الإعجاز فيه ..
فإن هذا ما تقصر دونه المبسوطات والمطولات .

والله يوفقك ويحفظك ويرعاك .


إن عرفتَ أنك مُخلط ، مُخبط ، مهملٌ لحدود الله ، فأرحنا منك ؛ فبعد قليل ينكشف البهرج ، وَيَنْكَبُّ الزغلُ ، ولا يحيقُ المكرُ السيء إلا بأهلِهِ .
الذهبي " تذكرة الحفاظ " ( 1 / 4 ) .

#40 أبـــ(تراب)ـــو

    مشرف مشروع تفنيد الكتاب المقدس

  • مشرف
  • 357 المشاركات

تاريخ المشاركة : 15 April 2008 - 04:35 PM

حياك الله اخى الحبيب جداً و الله الدكتور هشام
أنا معك اخى الحبيب ، و قد التزمت منذ بداية البحث منهج الإختصار مع البرهنة و التجديد و و التجميع قدر المستطاع
لكن لما بلغت جانب إعجاز القرأن البيانى تحديداً و تأملت فى الكتب التى تناولت دلائل النبوة بإطلاق وجدت علماءنا دائما ماً يوقفون أنفسهم عن نزول هذا البحر العميق تفصيلا، و إنما يبينوا الخصائص العامة التى تميز القرأن و أوجه إعجازه جملة، و اما التفصيل فتكون فى كتب مفردة
فرأيت أن أخالف هذا المنهج - قليلاً- فى هذا البحث، و إلا فلو ركزنا على ما تضمنته كتب إعجاز القرأن فسيتحول البحث الميسر إلى موسوعة !
لكن أبشر أخى الحبيب فلم يتبق فى الكلام عن القرأن إلا ثلاث مشاركات بإذن الله، و رغم كثرة المشاركات السابقة -نسبيا- فى الكلام عن إعجاز القرأن البيانى، إلا أنى راعيت و التوفيق من الله ألا تكون أى مشاركة عبارة عن موضوع إنشائى، بل كل مشاركة تطرح فائدة بيانية أو فنية فى كتاب الله فى صورة نقاط قصيرة و أمثال، فلا يشعر القارءى أنه بحاجة أن يقرأ المقال كاملاً من مرة واحدة ليتسفيد، بل أينما وقع نظره وجد نكتة مفيدة
أنا سعيد جداً بتوجيهك أخى، و أرجوا ألا تبخل علينا به أبداً ولا الأخوة الكرام، ولا يحسبن أحد الأخوة ان نقد أى شىء فى البحث أو أسلوبه قد يضايقنى بالعكسن هذا يشعرنى أن اخوتى يقرئون و يريدون أن يستفيدو من نقولات أخيهم فيناقشونه فيها
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و أشهد أن محمداً عبده و رسوله و أن عيسى عبد الله و رسوله و كلمته ألقاها إلى مريم و روح منه





عدد القراء الحاليين لهذا الموضوع : 1 ، الأعضاء:0 ، الزوار:1 ، الأعضاء المجهولين:0