مُختارات منتدى الجامع |  المشاركات الجديدة
 
 
  • موضوع جديد
  • إضـافـة رد
  • تابع جديد هذا الموضوع
 

من طريق الهجرتين
 
مهاجر
   
شارك Mar 15 2010, 07:44 AM مشاركة #121

عضو ذهبي
********
المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 918
التسجيل: 27-October 08
رقم العضوية: 17,154
  
يقول ابن القيم رحمه الله :
"فإذا قيل : "الحمد كله لله" فهذا له معنيان :
أحدهما : أَنه محمود على كل شيء وبكل ما يحمد به المحمود التام وإن كان بعض خلقه يحمد أيضاً كما يحمد رسله وأنبياؤه وأَتباعهم - فذلك من حمده تبارك وتعالى بل هو المحمود بالقصد الأَول وبالذت وما نالوه من الحمد فإنما نالوه بحمده فهو المحمود أَولاً وآخراً وظاهراً وباطناً ، وهذا كما أَنه بكل شيء عليم ، وقد علم غيره من علمه ما لم يكن يعلمه بدون تعليمه ، وفى الدعاء المأْثور : "اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ كُلُهُ ، ولَكَ الْمُلْكُ كُلُّهُ ، وَبِيَدِكِ الْخَيْرُ كُلُّهُ ، وَإِلَيْكَ يَرْجِعُ الأَمْرُ كُلُّهُ ، أَسْأَلُكَ مِنَ الْخَيْرِ كله وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ الشَّرِّ كُلِّهِ" ، وهو سبحانه له الملك وقد آتى من الملك بعض خلقه ، وله الحمد وقد آتى غيره من الحمد ما شاءَ . وكما أن ملك المخلوق داخل في ملكه ، فحمده أَيضاً داخل فى حمده ، فما من محمود يحمد على شيء مما دق أَو جل إِلا والله المحمود عليه بالذات والأَولوية أَيضاً ، وإِذا قال الحامد : "اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْد" ، فالمراد به أَنت المستحق لكل حمد ، ليس المراد به الحمد الخارجى فقط .
المعنى الثاني أَن يقال : "لَكَ الْحَمْد كلُّه" أي الحمد التام الكامل فهذا مختص بالله عز وجل ليس لغيره فيه شركة . والتحقيق أَن له الحمد بالمعنيين جميعاً ، فله عموم الحمد وكماله ، وهذا من خصائصه سبحانه" . اهــ
ص139 .

فالحمد لله ، كما قرر أهل العلم قد استغرقت أجناس المحامد قدرا فذلك عموم الحمد ، ووصفا فهذا كمال الحمد فــ : "أل" فيها جنسية استغراقية ، ودلالة الخبر فيها لا تخلو من دلالة الإنشاء ، فإن من علم عموم وكمال اتصاف الباري ، عز وجل ، بأوصاف الكمال على جهة الإطلاق ، وتنزهه عن أوصاف النقص على جهة الإطلاق ، لزمه أن يحمده بما أنزل على رسله وورد في كتبه ، فيكون الخبر : خبرا من جهة الدلالة على كمال الوصف ، إنشاء من جهة الأمر بمداومة الحمد لمن هذا وصفه ، فالحمد له إثباتا على جهة الاستحقاق والاختصاص ، التي تدل عليها لام : "لله" ، الحمد له بأشرف أجناس المحامد مما علمه البشر من جهة الوحي من أوصاف الثناء على الرب ، جل وعلا ، الحمد له بما علمنا وما لم نعلم من وصف كماله فلا يحصي أشرف خلقه ثناء عليه فكيف بمن دونه ؟! ، الحمد له على جهة الإطلاق فتكون دلالة : "أل" من هذا الوجه لا تخلو من معنى العهد فهو حمد معهود قد بلغ الغاية في الكمال ، الحمد له على ما تقدم من الدلالات الخبرية لازمه : احمدوه بأوصاف كماله فالإنشاء لازم الإخبار فلا يخلو خبر ، عند التدبر والنظر ، من دلالة إنشائية ، فإن كان عن الرب ، جل وعلا ، فهو أمر بالثناء عليه بما أخبر به عن نفسه ، وإن كان وعدا فهو آمر : رجاءَ نيل الموعود به ، وإن كان وعيدا فهو نهي : خشيةَ وقوع المتوعد به .
وبعض أهل العلم قدر المصدر الذي صدرت به الآية نائبا عن عامله ، فتقدير الكلام عنده إنشاء ابتداء : فــ : احمدوا الرب ، جل وعلا ، حمدا ، ثم حذف العامل لدلالة المصدر عليه ، ثم رفع مئنة من الثبوت ، فالحمد لله آكد في إثبات معاني الثناء للرب ، جل وعلا ، من : حمدا لله ، لدلالة الأولى على الثبوت والاستمرار فذلك من دلالات الإخبار بالجملة الاسمية كما اطرد في كلام البلاغيين ، بينما الثانية دالة على التجدد والحدوث ، فذلك من دلالات الإخبار بالجملة الفعلية كما اطرد ، أيضا ، في كلام البلاغيين والرب ، جل وعلا ، متصف بالكمال المطلق دوما فلم يكتسب ، كما تقدم مرارا ، وصف كمال كان منه خليا ، وإن أحدث من صفات أفعاله الكاملة المتعلقة بمشيئته العامة ، فذلك من تجدد آحاد الفعل الذي يوقعه إذا شاء على الوجه اللائق بجلاله ، فنوعه أزلي أولي على جهة الإطلاق بأولية الذات القدسية ، فلم يكتسب أصل الوصف بعد أن لم يكن له ، ليصح القول بأن إحداثه ما شاء من أفعال كماله يلزم منه اتصافه بكمال لم يكن متصفا به ، فأصل الصفة أو نوعها ، كما تقدم ، أولي بأولية الذات القدسية ، وآحادها متجددة بتجدد مشيئة الرب ، جل وعلا ، إيقاعها على الوجه اللائق بجلاله .
فما قيل من دلالة : الحمد لله ، و : حمدا لله ، من جنس ما قيل في قوله تعالى : (وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ) ، فتحيتهم من قبيل الإخبار بالفعل الدال على الحدوث ، وتحيته من قبيل الإخبار بالاسم الدال على الثبوت ، والثبوت أقوى دلالة من الحدوث ، فكانت تحية الخليل عليه السلام أبلغ من هذا الوجه .

يقول ابن القيم رحمه الله :
"فهو المحمود على كل حال وعلى كل شيء أكمل حمد وأَعظمه ، كما أَن له الملك التام العام فلا يملك كل شيء إِلا هو وليس الملك التام الكامل إِلا له وأَتباع الرسل صلوات الله وسلامه عليهم يثبتون له كمال الملك وكمال الحمد فإِنهم يقولون : إِنه خالق كل شيء وربه ومليكه ، لا يخرج عن خلقه وقدرته ومشيئته شيء ألبتة فله الملك كله" . اهــ
ص139 .
فحمده يستلزم تمام ملكه ، فالحمد يستغرق أوصاف الجلال والجمال ، وتمام ملكه للأعيان والأفعال ، فهو الخالق لها بقدرته المدبر لها بحكمته ، فلا يخرج شيء منها عن سلطانه ، كل ذلك مئنة من وصف جلاله فهو القدير على كل شيء ، ووصف جماله فهو الحكيم المدبر لكل شيء على نحو ينتظم به أمر العالم المشهود ، فمن أخرج شيئا من الكون من دائرة ملكه خلقا أو تدبيرا ، فقد أشرك معه غيره في ربوبيته ، وهذا حال القدرية المجوسية نفاة خلق الأفعال فإنهم وصفوا الرب ، جل وعلا ، بوصف الجمال فأثبتوا حكمته ، وجعلوها من جنس حكمة البشر ، فهم مشبهة الأفعال ، كما تقدم مرارا ، وفرطوا في وصفه ، عز وجل ، بوصف الجلال ، فأثبتوا له بلازم قولهم : شركاء في خلق الأفعال بعدد فاعليها فكل فاعل خالق لفعله على جهة الاستقلال ، وهذا ، أيضا ، حال من ادعى لغيره ، عز وجل ، تدبيرا في الكون بالتأثير بالنفع أو الضر ، وذلك مؤد لا محالة إلى الوقوع في شرك الألوهية ، فإن من اعتقد في غير الله ، عز وجل ، نفعا أو ضرا تعلق قلبه ، به رغبة في نفعه أو رهبة من ضره ، فصرف له من العبادات الباطنة والظاهرة ، كما يرى حول القبور والأضرحة ، من مسالك الغلاة في الرهبان أو الأئمة أو الشيوخ .... إلخ من المعظمين برسم الديانة ، فالزائر قد علق قلبه بالميت الذي لا يملك لنفسه نفعا أو ضرا فحال الداعي أكمل من حاله بالنظر إلى كونه ميتا قد انقطع عمله فلا ينفع نفسه فضلا عن أن ينفع غيره ، بل هو بحاجة إلى نفع غيره من دعاء أو صدقة ..... إلخ من أعمال البر التي يصل إلى الميت نفعها . ومثله في عالم الشهادة من اعتقدوا في الجناة على الشرع المنزل بالتحريف والتبديل ، من اعتقدوا فيهم كمال عقل ، وهم أنقص الناس عقولا وأفسدهم قياسا ، فتابعوهم على ما ضاهوا به الشرع المنزل من الشرع المحدث سواء أكان ذلك في الإلهيات ، كما هو حال من خاض فيها بعقله ، أو الشرعيات ، وهي الصورة الأظهر في زماننا ، فقد عطلت الشرائع الحكمية ، فاستبدل الناس الشرائع البشرية المضطربة ، بالشرائع الرحمانية المنضبطة ، فالرضا بذلك ومتابعة واضعه عليه ، والاحتكام إليه اختيارا شرك في الربوبية لازمه إشراك محدث تلك الشرائع في الألوهية باتخاذه حكما في المنازعات والإعراض عن حكم رب البريات ، جل وعلا ، فلفاعله نصيب من قوله تعالى : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا) .

يقول ابن القيم رحمه الله في معرض بيان طرف من حال القدرية المجوسية وقد صدر الكلام بذكرهم : "والقدرية المجوسية يخرجون من ملكه أَفعال العباد ، فيخرجون طاعات الأنبياء والمرسلين والملائكة والمتقين من ملكه كما يخرجون سائر حركات الملائكة والجن والإِنس عن ملكه . وأَتباع الرسل يجعلون ذلك كله داخلاً تحت ملكه وقدرته ، ويثبتون كمال الحمد أَيضاً ، وأَنه المحمود على جميع ذلك وعلى كل ما خلقه ويخلقه ، لما له فيه من الحكم والغايات المحمودة المقصودة بالفعل" . اهــ
ص140 .

والله أعلى وأعلم .


 
مهاجر
   
شارك Mar 16 2010, 07:22 AM مشاركة #122

عضو ذهبي
********
المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 918
التسجيل: 27-October 08
رقم العضوية: 17,154
  
يقول ابن القيم رحمه الله :
"وأَما نفاة الحكمة والأَسباب من مثبتي القدر فهم في الحقيقة لا يثبتون له حمداً كما لا يثبتون له الحكمة فإن الحمد من لوازم الحكمة والحكمة إِنما تكون في حق من يفعل شيئاً لشيء فيريد بما يفعله الحكمة الناشئة من فعله فأما من لا يفعل شيئاً لشيء ألبتة فلا يتصور في حقه الحكمة . وهؤلاءِ يقولون : ليس في أَفعاله وأَحكامه لام التعليل ، وما اقترن بالمفعولات من قوى وطبائع ومصالح فإِنما اقترنت بها اقتراناً عادياً ، لا أَن هذا كان لأَجل هذا ، ولا نشأَ السبب لأَجل المسبب ، بل لا سبب عندهم ولا مسبب ألبتة ، إِن هو إِلا محض المشيئة وصرف الإِرادة التي ترجح مثلاً على مثل ، بل لا مرجح أَصلاً ، وليس عندهم في الأَجسام وطبائع وقوى تكون أَسباباً لحركاتها ، ولا في العين قوة امتازت بها على الرِّجل يبصر بها ، ولا في القلب قوة يعقل بها امتاز بها على الظهر ، بل خص سبحانه أَحد الجسمين بالرؤية والعقل والذوق تخصيصاً لمثل على مثل بلا سبب أَصلاً ولا حكمة ، فهؤلاءِ لم يثبتوا له كمال الحمد ، كما لم يثبت له أُولئك كمال الملك ، وكلا القولين منكر عند السلف وجمهور الأُمة" . اهــ
ص140 .

فأشار ابن القيم ، رحمه الله ، إلى التلازم بين الحمد والحكمة ، فإن القدرية النفاة عطلوا أوصاف الجلال الثابتة لله ، عز وجل ، فنفوا تقديره السابق وإيجاده اللاحق ، فعطلوا جزءا من معنى الحمد بتعطيل معاني الجلال ، وفي المقابل فإن نفاة الحكمة والتعليل في أفعاله ، عز وجل ، والغالب على حالهم الجبر ، عطلوا معنى الحكمة ، وهو من أوصاف الجمال الثابتة للرب ، جل وعلا ، فعطلوا جزءا آخر من معنى الحمد غير الجزء الذي عطله الأولون ، فغلاة النفاة : حمدوه جل وعلا بوصف الجمال من الحكمة وعطلوه عن وصف الجلال بالقدرة على الخلق والتقدير . وغلاة الجبرية : حمدوه ، تبارك وتعالى ، بوصف الجلال من القدرة ، حتى أثبتوا قدرة بلا حكمة ، بلازم مقالتهم في نفي الأسباب ، ونفي التعليل بها ، فإن التعليل بها من آثار حكمته ، جل وعلا ، في كونه ، إذ أقيم الشرع والكون ، على جملة من الأسباب الشرعية والكونية يتوصل بها إلى مسبباتها ، فيتوصل ، كما تقدم في مواضع سابقة ، بالسبب الشرعي إلى مسببه من الثواب ، ويتوصل بالسبب الكوني إلى مسببه من الخير أو الشر ، بمقتضى ما ركز الرب ، جل وعلا ، في الأسباب من القوى الفاعلة المؤثرة التي لا تنتج مسبباتها إلا بإذن خالق الأسباب ومجريها جل وعلا ، فمرد الأمر إليه انتهاء ، وهي أعم من أسباب الشرع من جهة شمولها : أسباب الخير والشر معا ، بخلاف أسباب الشرع فإنها تقتصر على أسباب الخير فقط ، إذ الأولى متعلق المشيئة ، والمشيئة تكون لما أحب الرب ، جل وعلا ، ولما كره ، فيشاء كليهما خلقا وإيجادا ، والثانية متعلق المحبة ، فلا تكون إلا لما يحبه الرب ، جل وعلا ، ويرضاه مما وافق شرعه ، فلا يحب إلا المشروع من الطاعة ، وإن لم يشأ وقوعه ، ولا يبغض إلا المحظور من المعصية ، وإن شاء وقوعه ، فجهة المشيئة أعم من جهة المحبة ، وأما أهل السنة فإنهم الذين انفردوا بحمده ، جل وعلا ، بكلا الوصفين : فأثبتوا القدرة والحكمة معا ، فالله ، عز وجل ، قدير على كل الممكنات ، حكيم في إجراء الأسباب فتؤدي إلى مسبباتها في عالم الشهادة على وفق ما قدر في عالم الغيب ، فلا يكون كمال الحمد إلا بوصف الجلال مشيئة لكل الموجودات ، فما شاء منها كان وإن اجتمع الخلق كلهم أجمعون لمنعه ، وما لم يشأ لم يكن ، وإن اجتمع الخلق كلهم أجمعون لإيجاده ، ووصف الجمال حكمة في تسيير وتدبير الكائنات ، فبالأسباب الشرعية والكونية ، كما تقدم ، ينتظم أمر المكلف في الدنيا : صلاح حال ، وفي الآخرة : صلاح مآل ، فيباشر جملة من الأسباب الكونية يصلح بها بدنه ، وجملة من الأسباب الشرعية يصلح بها روحه .

وأشار إلى مذهب الكسب الذي جعل اقتران القوى والطبائع بالمفعولات الكائنة في عالم الشهادة : اقترانا عاديا ، كما تقدم في مواضع سابقة من مثال النار الحارقة التي يقع الإحراق عندها لا بها فهي كالعلامة الوضعية فلا تأثير لها حقيقة في وقوع المفعول فالحريق لا ينتج من قوى الإحراق الفاعلة وإنما ينتج عند علامة الاشتعال التي تصادف وقوع الحريق وذلك أمر ينكره الحس الذي يدرك بداهة تأثير العلة في وقوع معلولها ، فالنار تؤثر في وقوع الحريق بما أودع الرب ، جل وعلا ، فيها من قوى الإحراق ، وإن كانت علة غير تامة من جهة افتقارها إلى علل أخرى تعضدها وانتفاء ما يبطلها كقوى الإطفاء في الماء ، والعلل كلها ، كما تقدم مرارا ، تتسلسل حتى تصل إلى علة لا علة ورائها ، إذ التسلسل في الفاعلين ممتنع ، فبها توجد العلل المخلوقة إذ هي كلمة كونية غير مخلوقة ، بها يكون المخلوق فيشاء الرب ، جل وعلا ، جريان الأسباب المؤدية إليه إما : عادة كخلق الابن من أب وأم ، وإما إعجازا بخرق العادة كخلق المسيح عليه السلام من أم بلا أب ، فكلا النوعين : العادي والخارق إنما يكون بالكلمة التكوينية النافذة ، فلا راد لها ولا مبطل لأثرها في عالم الشهادة ، فبها خلق آدم وحواء والمسيح عليهم السلام على جهة الإعجاز ، فهم كلمات من الرب ، جل وعلا ، باعتبار صدورهم عنها لا باعتبار كونهم نفس الكلمات فإن المسبَّب ليس عين سببه بداهة ، بل هو أثر من آثاره ، فالمخلوق المكوَّن هو أثر الكلمة المكوِّنة ، فليس ذات الكلمة إذ هي غير مخلوقة فهي من وصف الرب ، جل وعلا ، وهو مخلوق بها ، ولا يكون غير المخلوق مخلوقا أو حالا في مخلوق ، كما تقدم في مواضع سابقة ، فإنه إن حل في مخلوق تغير وصفه فاكتسب من المخلوق عوارض التغير والفناء ، وتصور ذلك في وصف الرب ، جل وعلا ، لازمه الحكم بفناء الذات المتصفة بهذه الكلمة ، فإذا كان الفناء جائزا بل واجبا في حق الكلمة إن سلم جدلا بصحة حلولها أو اتحادها بمخلوق ، فهو جائز في حق الذات القدسية المتصفة بهذه الكلمة ، وتصور ذلك من الفساد بمكان ، فالرب ، جل وعلا ، الأول الآخر السلام من كل عيب القدوس من كل نقص .

فالجبرية أو من سار على طريقتهم في نفي العلل والأسباب برد الأمر إلى القدرة فقط ، ولازم قولهم وصف الرب ، جل وعلا ، بالظلم لعباده ، هؤلاء لم يثبتوا له كمال الحمد فمعناه في وصف الجمال وهو الحكمة التي نفوها أظهر ، والقدرية النفاة لم يثبتوا له ، جل وعلا ، كمال الملك فمعناه في الفعل الرباني وهو مئنة من جلاله تبارك وتعالى بإنفاذ قدره كما شاء فتلك قدرته ، معناه في ذلك أظهر ، وأهل السنة ، كما تقدم ، أثبتوا كلا الأمرين فهو جل وعلا : الحكيم جمالا القدير جلالا .

يقول ابن القيم رحمه الله :
"ولهذا كان منكرو الأَسباب والقوى والطبائع يقولون : العقل نوع من العلوم الضرورية كما قال القاضيان أبو بكر بن الطيب ، (وهو : القاضي الباقلاني رحمه الله) ، وأبو يعلى بن الفراءِ وأَتباعهما . وقد نص أَحمد على أَنه غريزة ، وكذلك الحارث المحاسبي وغيرهما ، فأولئك لا يثبتون غريزة ولا قوة ولا طبيعة ولا سبباً ، وأبطلوا مسميات هذه الأَسماءِ جملة وقالوا : إِن ما في الشريعة من المصالح والحكم لم يشرع الرب سبحانه ما شرع من الأَحكام لأَجلها بل اتفق اقترانها بها أَمراً اتفاقياً كما قالوا نظير ذلك في المخلوقات سواء ، والعلل عندهم أَمارات محضة لمجرد الاقتران الاتفاقي" . اهــ
ص140 .

فأشار ابن القيم ، رحمه الله ، إلى خطأ من قال بأن العقل : نوع من العلوم الضرورية ، فذلك مظنة نفي العلل والأسباب ، كما تقدم من كلام أصحاب نظرية الكسب ، والصحيح أن العقل غريزة ، كما نص على ذلك أحمد والمحاسبي ، رحمهما الله ، فهو غريزة مركوزة في الإنسان بها يدرك الحكم التي نفاها منكرو التعليل ، فجعلوا الأمر ، كما تقدم ، محض اقتران بين السبب ومسببه لا يظهر فيه أثر فاعل للسبب في إيجاد مسببه على وفق ما قدر الرب ، جل وعلا ، أزلا .

وقسمهم إلى قسمين بقوله :
"وهم فريقان :
أَحدهما : لا يعرجون على المناسبات ولا يثبتون العلل بها ألبتة ، وإِنما يعتمدون على تأْثير العلة بنص أَو إِجماع ، فإِن فقدوا فزعوا إِلى الأَقيسة الشبهية .
والفريق الثاني : أَصلحوا المذهب بعض الإِصلاح وقربوه بعض الشيء وأَزالوا تلك النفرة عنه ، فأثبتوا الأَحكام بالعلل والعلل بالمناسبات والمصالح ، ولم يمكنهم الكلام فى الفقه إلا بذلك ، ولكم جعلوا اقتران أَحكام تلك العلل والمناسبات بها اقتراناً عادياً غير مقصود فى نفسه والعلل والمناسبات أَمارات ذلك الاقتران" . اهـــ
ص140 ، 141 .

فالأولون لا يستعملون القياس إلا قياس الشبه وهو من أضعف الأقيسة كما تقرر في الأصول ، وذلك مئنة من جفائهم في إثبات تأثير العلل في إيجاد معلولاتها فهو جار على ما تقدم من نفي التعليل في أفعال الرب ، جل وعلا ، احترازا مما ألزموا به أنفسهم من قياس فعل الرب ، جل وعلا ، على فعل العبد ، فالعبد لا يفعل إلا لحاجة ، فراموا تنزيهه ، عز وجل ، عن الحاجة ، فنفوا الحكمة لظنهم أن فعل الرب ، جل وعلا ، من جنس فعل العبد ، فذلك ناتج قياس التمثيل أو الشمول سواء في الصفات أو الأفعال ، والصحيح أن لكل فعلا يليق بذاته كمالا في حق الرب ، جل وعلا ، ونقصانا في حق العبد ، فقياس الكامل الغائب وهو فعل الرب ، جل وعلا ، الذي لا تدرك العقول كنهه وإن أدركت معناه على فعل العبد الناقص الشاهد : قياس مع الفارق ، فهو فاسد الاعتبار من هذا الوجه .

والآخرون : تلطفوا كما يقول ابن القيم ، رحمه الله ، فأثبتوا العلل والمصالح في الأحكام الفقهية ليستقيم لهم باب القياس ، فلو نفوا العلل جملة وتفصيلا لبطل أصل القياس في حقهم ، وقد اطرد في كلامهم في الأحكام العملية : استعمال القياس في تخريج الفروع على الأصول ، بينما جعلوه في باب الإلهيات : في كلامهم عن أفعال الرب ، جل وعلا ، من قبيل الاقتران فالسبب يقارن المسبب ولا يؤثر في إيجاده ، سواء أكان قدرة بشرية فهي عندهم اقترانية لا تؤثر في إيجاد المفعول ، أم كان قوة طبيعية مؤثرة كامنة في سبب مخلوق ، كما تقدم في مثال النار ، فجعلوا الاقتران بينها وبين أثرها من الإحراق من قبيل العادة .

يقول ابن القيم رحمه الله :
"وهؤلاءِ يستدلون على إثبات علم الرب تعالى بما فى مخلوقاته من الإحكام والإِتقان والمصالح ، وهذا تناقض بين منهم ، فإِن ذلك إِنما يدل إِذا كان الفاعل يقصد أَن يفعل الفعل على وجه مخصوص لأَجل الحكمة المطلوبة منه ، وأَما من لم يفعل لأَجل ذلك الإحكام والإِتقان وإِنما اتفق اقترانه بمفعولاته عادة فإِن ذلك الفعل لا يدل على العلم ، ففى أَفعال الحيوانات من الإِحكام والإِتقان والحكم ما هو معروف لمن تأمله ، ولكن لما لم تكن تلك الحكم والمصالح مقصودة لها لم تدل على علمها . والمقصود أَن هؤلاءِ إِذا قالوا : إِنه تعالى لا يفعل لحكمة امتنع عندهم أَن يكون الإِحكام دليلاً على العلم وأَيضاً فعلى قولهم يمتنع أَن يحمد على ما فعله لأَمر ما حصل للعباد من نفع ، فهو سبحانه لم يقصد بما خلقه نفعهم ولا خلقه لنفعهم ومصالحهم ، بل إنما أَراد مجرد وجوده لا لأَجل كذا ولا لنفع أَحد ولا لضره ، فكيف يتصور فى حق من يكون فعله ذلك حمد ؟!" . اهــ
ص141 .

فأشار ابن القيم ، رحمه الله ، إلى وجه تناقض في قولهم فإنهم يثبتون العلم بما اصطلح على تسميته بــ : دليل الإتقان ، فهو مئنة من علم الرب ، جل وعلا ، إذ علم مقادير الخلق ، فأعطى كل شيء خلقه ثم هدى ، ولا يكون ذلك بداهة ، بلا حكمة مؤثرة في إيقاع المقدور على نحو متقن ، فيأتي كما قدر الرب جل وعلا بلا زيادة أو نقصان ، فإثبات العلم ونفي الحكمة في آن واحد : تناقض بين متماثلين ، بالتفريق بين متماثلين من جهة ورود النص بإثباتهما معا فالاقتصار على إثبات أحدهما دون الآخر : تفريق بين متماثلين ، وهو تناقض من وجه آخر إذ هو : تفريق بين متلازمين ، فإنه لا يتصور علم بلا حكمة ، ولا حكمة بلا علم يسبقها ، فمن علم أزلا على جهة الإحاطة ، فإنه يجري قدره الكوني على وجه تظهر به آثار علمه فيأتي خلقه على أكمل الوجوه ، ولا يكون ذلك الإتقان بداهة إلا بحكمة بالغة ، فتظهر بهذا الخلق آثار أوصاف الرب جل وعلا : جلالا بالقدرة على الخلق وجمالا بالعلم والحكمة التي بهما يكون المخلوق على أكمل وجوه الإتقان والإحكام ، فلا بد من إثبات الأمرين معا ، كما تقدم مرارا ، ليسلم العبد من التناقض في هذا الباب الجليل .

والله أعلى وأعلم .


 
مهاجر
   
شارك Mar 19 2010, 06:59 AM مشاركة #123

عضو ذهبي
********
المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 918
التسجيل: 27-October 08
رقم العضوية: 17,154
  
يقول ابن القيم رحمه الله :
"فلا يحمد على فعل عدل ، ولا على ترك ظلم ، لأَن الظلم - عندهم - والممتنع الذي لا يدخل فى المقدور ، وذلك لا يمدح أَحد على تركه وكل ما أَمكن وجوده فهو عندهم عدل فالظلم مستحيل عندهم إِذ هو عبارة عن الممتنع المستحيل لذاته الذي لا يدخل تحت المقدور ولا يتصور فيه ترك اختياري فلا يتعلق به حمد ، وإخباره تعالى عن نفسه بقيامه بالقسط حقيقة عندهم مجرد كونه فاعلاً لا أَن هناك شيئاً هو قسط في نفسه يمكن وجود ضده" . اهــ
ص141 .

فذلك جار على تعريف المتكلمين للظلم بأنه : الممتنع لذاته ، والممتنع لذاته ليس بشيء ، أصلا ، لتتعلق به الإرادة فعلا أو تركا ، بل هو عدم محض ، والقدرة إنما تتعلق بالممكنات لا بالممتنعات فهي ، كما تقدم ، معدومات لا وجود لها إلا في الأذهان على سبيل الفرض فلا يتصورها عقل ، بل يقترحها برسم الفرضية العقلية ، فلا يمتنع فيها فرض المحال ، فيتعلق بها العلم ، باعتبار العلم بلازمها لو قدر ، فرضا ، وقوعها ، كما في قوله تعالى : (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا) ، مع أن ذلك محال لذاته ، فتعلق به العلم باعتبار اللازم لو وجد كيف ستكون حال الكون ، فإذا كان الظلم عدما لا تتعلق به القدرة ابتداء ، فما وجه الكمال في نفيه عن الرب ، جل وعلا ، إن لم يكن الرب ، جل وعلا ، قادرا عليه ، ولكنه تنزه عنه لاتصافه بكمال ضده من العدل والحكمة ، على ما اطرد من دلالة الصفات المنفية تنزيها على إثبات كمال ضدها ثناء ، فمن يقدر على الشيء الممكن ولكنه يتنزه عنه أكمل حالا ممن لا يقدر على شيء غير مقدور عليه أصلا لكونه عدما ! ، فالصحيح أنه ، عز وجل ، قادر على الظلم فهو ممكن تتعلق به القدرة ، ولكنه بمقتضى ما سمى به نفسه ، واتصف به ، من كمال مطلق ، فهو الحكم العدل ، فلا يظلم العباد أبدا فــ : (مَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا) ، و : (مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) .

يقول شارح الطحاوية رحمه الله :
"الذي دل عليه القرآن من تنزيه الله نفسه عن ظلم العباد ، يقتضي قولا وسطا بين قولي القدرية والجبرية ، فليس ما كان من بني آدم ظلما وقبيحا يكون منه ظلما وقبيحا ، كما تقوله القدرية والمعتزلة ونحوهم ! فإن ذلك تمثيل لله بخلقه ! وقياس له عليهم ! هو الرب الغني القادر ، وهم العباد الفقراء المقهورون . وليس الظلم عبارة عن الممتنع الذي لا يدخل تحت القدرة ، كما يقوله من يقوله من المتكلمين وغيرهم ، يقولون : إنه يمتنع أن يكون في الممكن المقدور ظلم ! بل كل ما كان ممكنا فهو منه - لو فعله - عدل ، إذ الظلم لا يكون إلا من مأمور من غيره منهي ، والله ليس كذلك . فإن قوله تعالى : { وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا } ، وقوله تعالى : { مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ } وقوله تعالى : { وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ } ، وقوله تعالى : { وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا } ، وقوله تعالى : { الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ } ، وذلك يدل على نقيض هذا القول .
ومنه قوله الذي رواه عنه رسوله : « يا عبادي ، إني حرمت الظلم على نفسي ، وجعلته بينكم محرما ، فلا تظالموا » . فهذا دل على شيئين :
أحدهما : أنه حرم على نفسه الظلم ، والممتنع لا يوصف بذلك .
الثاني : أنه أخبر أنه حرمه على نفسه ، كما أخبر أنه كتب على نفسه الرحمة ، وهذا يبطل احتجاجهم بأن الظلم لا يكون إلا من مأمور منهي ، والله ليس كذلك . فيقال لهم : هو سبحانه كتب على نفسه الرحمة ، وحرم على نفسه الظلم ، وإنما كتب على نفسه وحرم على نفسه ما هو قادر عليه ، لا ما هو ممتنع عليه . وأيضا : فإن قوله : { فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا } - قد فسره السلف ، بأن الظلم : أن توضع عليه سيئات غيره ، والهضم : أن ينقص من حسناته ، كما قال تعالى : { وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى } وأيضا فإن الإنسان لا يخاف الممتنع الذي لا يدخل تحت القدرة حتى يأمن من ذلك ، وإنما يأمن مما يمكن ، فلما آمنه من الظلم بقوله : { فَلَا يَخَافُ } - علم أنه ممكن مقدور عليه . وكذا قوله : { لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ } إلى قوله : { وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ } - لم يعن بها نفي ما لا يقدر عليه ولا يمكن منه ، وإنما نفي ما هو مقدور عليه ممكن ، وهو أن يجزوا بغير أعمالهم . فعلى قول هؤلاء ليس الله منزها عن شيء من الأفعال أصلا ، ولا مقدسا عن أن يفعله ، بل كل ممكن فإنه لا ينزه عن فعله ، بل فعله حسن ، ولا حقيقة للفعل السوء ، بل ذلك ممتنع ، والممتنع لا حقيقة له ! !" . اهــ
"شرح الطحاوية" ، ص442 ، 443 .

فهم ، كما تقدم مرارا ، قد وقعوا في التشبيه باستعمال قياس التمثيل على الخلق ، فالأولون يجعلون فعله الرباني الكامل غير المخلوق فهو قائم بذاته القدسية وهي غير مخلوقة بداهة ، يجعلونه من جنس فعل العبد الناقص المخلوق ، فهو قائم بذاته الأرضية فنقصانه من نقصانها ، كما أن كمال فعل الرب ، جل وعلا ، من كمال ذاته ، فالأمر مطرد منعكس ، فللذات الكاملة ما يليق بها من وصف الكمال ، ولضدها من الذوات الناقصة ما يليق بها من الأفعال الناقصة ، والآخرون يلتزمون بقياس التمثيل أيضا ما يشبهون به الرب ، جل وعلا ، بخلقه ، فلا يتصور وقوع الظلم إلا من مأمور ، والله ، عز وجل ، ليس بمأمور بداهة ، وهذا صحيح ، ولكنه لا يلزم من تنزهه عن الظلم أنه مأمور بذلك من غيره ، بل هو ، جل وعلا ، الذي حرمه على نفسه ، كما كتب على نفسه الرحمة ، فذلك من فضله ، عز وجل ، على عباده ، فلم يأمره غيره على جهة القهر ليصح لازمهم .

يقول ابن القيم رحمه الله :
"وكذلك قوله : {وَمَا رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ} [فصلت : 46] نفى عندهم لما هو مستحيل فى نفسه لا حقيقة له ، كجعل الجسم في مكانين فى آن واحد ، وجعله موجوداً معدوماً في آن واحد ، فهذا ونحوه عندهم هو الظلم الذي تنزه عنه ، وكذلك قوله : "يَا عِبَادِي ، إِنِّى حَرَّمْتُ الْظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي ، وَجَعَلْتُهُ مُحَرَّماً بَيْنَكُمْ ، فَلا تَظَالَمُوا" ، فالذي حرمه على نفسه هو المستحيل الممتنع لذاته كالجمع بين النقيضين وليس هناك ممكن يكون ظلماً فى نفسه وقد حرمه على نفسه ، ومعلوم أَنه لا يمدح الممدوح بترك ما لو أَراده لم يقدر عليه . وأَيضاً فإِنه قال : "وَجَعَلْتُهُ مُحُرَّماً بَيْنَكُمْ" فالذي حرمه على نفسه هو الذي جعله محرماً بين عباده وهو الظلم المقدور الذي يستحق تاركه الحمد والثناءَ" . اهــ
ص141 ، 142 .
فأي مدح في نفي المعدوم ، وهو منفي ابتداء إذ لا وجود له أصلا كما تقدم .

ثم أشار ابن القيم ، رحمه الله ، إلى سبب ظهور هذه المقالة ، بقوله :
"والذي أوجب لهم هذا مناقضة القدرية المجوسية ورد أُصولهم وهدم قواعدهم ، ولكن ردوا باطلاً بباطل وقابلوا بدعة ببدعة وسلطوا عليهم خصومهم بما التزموه من الباطل فصارت الغلبة بينهم وبين خصومهم سجالاً مرة يغلبون ومرة يغلبون لم يستقر لهم نصرة " . اهـ
ص142 .
فهي نقيض مقالة القدرية النفاة ، فإنهم على الضد منهم فغلو في النفي ، رد عليه أهل الجبر بالغلو في الإثبات فردوا الغلو بالغلو ، والباطل بالباطل ، وإنما يرد الغلو بالتوسط والاقتصاد في القول والفعل ، والباطل بالحق ، وهذا ما رد به أهل السنة كل المقالات الحادثة ، فهم دوما وسط في كل مقالة دينية ، فلا غلو ولا جفاء في مقالتهم ، إذ هي على رسم السنة المحضة ، والوسطية الحقة ، بخلاف الطرفين المتناقضين ، فأحدهما يزيد غلوا ، والآخر ينقص جفاء ، والحق وسط بين طرفين كما تقدم في أكثر من موضع .
فأثبت أهل السنة ما عند الفريقين من الحق ، فأثبتوا إرادة العبد التي أثبتها القدرية النفاة ، ولكنهم لم يجعلوها خالقة أو مستقلة بالتأثير في إيجاد المقدور ، فلا يوجد الفعل إلا بها ، بل هي سبب من جملة أسباب خلقها الله ، عز وجل ، ويسرها لإيقاع المقدور على ما قد علم أزلا وكتب في اللوح جزما لا يقبل التعليق أو التبديل ، وأثبتوا إرادة الرب ، جل وعلا ، فهي المهيمنة على كل حركة في هذا الكون ، فالإرادات كلها لها تبع ، فلا تستقل إرادات المخلوقين بالفعل ، بل تباشره ، كما تقدم ، بإذن الرب ، جل وعلا ، فلا تخرج الإرادات المخلوقة عن الإرادة الربانية العامة .

ثم ختم ابن القيم ، رحمه الله ، هذا الفصل ببيان وصف أهل السنة فهم حزب الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم وفئته الذين : "لم يتحيزوا إِلى فئة غير رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يلتزموا غير ما جاءَ به ، ولم يؤصلوا أَصلاً ببدعة يسلطون عليهم به خصومهم ، بل أصلهم ما دل عليه كتاب الله وكلام رسوله وشهدت به الفطر والعقول" .
ص142 .
فمقالتهم صحيحة النقل توافق العقل الصريح والفطرة السوية .

فلم يحدثوا مقالة ، ويعقدوا ألوية الولاء والبراء لها ، بل ألويتهم معقودة بالحب لمن وافق السنة ، والبغض لمن خالفها ، فهي مستندهم في الشرعيات : أخبارا وأحكاما ، فإليها يفزعون وعنها يصدرون ، فلا ينطقون في أمر الديانة إلا بما نطق به الوحي المعصوم ، ولا يستدلون إلا على منهاج النبوة ، فعقولهم تبع للوحي ، منه تستمد أسباب الزكاء ، وبالنظر في نصوصه تستنبط الأحكام .

يقول ابن تيمية ، رحمه الله ، في فقرة جامعة لهذا المعنى الجليل :
"فَعَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ أَنْ لَا يَتَكَلَّمَ فِي شَيْءٍ مِنْ الدِّينِ إلَّا تَبَعًا لِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ وَلَا يَتَقَدَّمُ بَيْنَ يَدَيْهِ ؛ بَلْ يَنْظُرُ مَا قَالَ فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَبَعًا لِقَوْلِهِ وَعَمَلُهُ تَبَعًا لِأَمْرِهِ فَهَكَذَا كَانَ الصَّحَابَةُ وَمَنْ سَلَكَ سَبِيلَهُمْ مِنْ التَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانِ وَأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ ؛ فَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْهُمْ يُعَارِضُ النُّصُوصَ بِمَعْقُولِهِ وَلَا يُؤَسِّسُ دِينًا غَيْرَ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ وَإِذَا أَرَادَ مَعْرِفَةَ شَيْءٍ مِنْ الدِّينِ وَالْكَلَامِ فِيهِ نَظَرَ فِيمَا قَالَهُ اللَّهُ وَالرَّسُولُ فَمِنْهُ يَتَعَلَّمُ وَبِهِ يَتَكَلَّمُ وَفِيهِ يَنْظُرُ وَيَتَفَكَّرُ وَبِهِ يَسْتَدِلُّ فَهَذَا أَصْلُ أَهْلِ السُّنَّةِ ، وَأَهْلُ الْبِدَعِ لَا يَجْعَلُونَ اعْتِمَادَهُمْ فِي الْبَاطِنِ وَنَفْسِ الْأَمْرِ عَلَى مَا تَلَقَّوْهُ عَنْ الرَّسُولِ ؛ بَلْ عَلَى مَا رَأَوْهُ أَوْ ذَاقُوهُ ثُمَّ إنْ وَجَدُوا السُّنَّةَ تُوَافِقُهُ وَإِلَّا لَمْ يُبَالُوا بِذَلِكَ فَإِذَا وَجَدُوهَا تُخَالِفُهُ أَعْرَضُوا عَنْهَا تَفْوِيضًا أَوْ حَرَّفُوهَا تَأْوِيلًا . فَهَذَا هُوَ الْفُرْقَانُ بَيْنَ أَهْلِ الْإِيمَانِ وَالسُّنَّةِ وَأَهْلِ النِّفَاقِ وَالْبِدْعَةِ وَإِنْ كَانَ هَؤُلَاءِ لَهُمْ مِنْ الْإِيمَانِ نَصِيبٌ وَافِرٌ مِنْ اتِّبَاعِ السُّنَّةِ لَكِنَّ فِيهِمْ مِنْ النِّفَاقِ وَالْبِدْعَةِ بِحَسَبِ مَا تَقَدَّمُوا فِيهِ بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَخَالَفُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ثُمَّ إنْ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ ذَلِكَ يُخَالِفُ الرَّسُولَ وَلَوْ عَلِمُوا لَمَا قَالُوهُ لَمْ يَكُونُوا مُنَافِقِينَ بَلْ نَاقِصِي الْإِيمَانِ مُبْتَدِعِينَ وَخَطَؤُهُمْ مَغْفُورٌ لَهُمْ لَا يُعَاقَبُونَ عَلَيْهِ وَإِنْ نَقَصُوا بِهِ" . اهــ

والله أعلى وأعلم .


 
مهاجر
   
شارك Mar 23 2010, 07:33 AM مشاركة #124

عضو ذهبي
********
المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 918
التسجيل: 27-October 08
رقم العضوية: 17,154
  
ثم انتقل ابن القيم ، رحمه الله ، إلى بيان شمول حمد الرب ، جل وعلا ، فقال :
"والمقصود بيان شمول حمده تعالى وحكمته لكل ما يحدثه من إحسان ونعمة وامتحان وبلية ، وما يقضيه من طاعة ومعصية ، أنه سبحانه محمود على ذلك مشكور حمد المدح وحمد الشكر ، أَما حمد المدح فإنه محمود على كل ما خلق إِذ هو رب العالمين والحمد لله رب العالمين وأَما حمد الشكر فلأن ذلك كله نعمة في حق المؤمن إِذا اقترن بواجبه من الإحسان ، والنعمة إِذا اقترنت بالشكر صارت نعمة والامتحان والبلية إذا اقترنا بالصبر كانا نعمي ، والطاعة من أَجلّ نعمه" . اهــ
ص142 .

فقسم ابن القيم ، رحمه الله ، الحمد إلى قسمين :
حمده ، عز وجل ، لذاته القدسية وصفاته العلية ، فهو ، تبارك وتعالى ، كما تقدم في أكثر من موضع ، المحمود لذاته ، وإن لم يصلنا من أثر صفات جماله شيء ، فإن النفوس لا تلتفت غالبا إلا إلى حظها ، فيكون الثناء على الرب ، جل وعلا ، بما أنعم به وأولى ، وذلك ضرب من الثناء عليه عظيم ، فشكره على نعمه الجليلة ، من أعظم صور العبادة ، فشكره لا يستوفي نعمه ، فمهما شكر العبد فإنه لن يوفي شكر نعمة واحدة من نعمه ، عز وجل ، بخلاف شكره ، فإنه الشكور ، على حد المبالغة ، فيشكر قليل العبد بتكثيره وتثميره ، فيقابل إحسان العبد على ضآلته بإحسان عظيم يضاعف فيه لمن شاء ما شاء من الحسنات ، فــ : (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) ، فذلك ، كما تقدم ، ضرب من ضروب الثناء عليه يكافئ دعاء المسألة فهو لازمها ، فإن العبد يسأل افتقارا ، والرب يعطي تفضلا وامتنانا ، فيشكره العبد بقلبه ولسانه وجوارحه ، إن كان من أهل الديانة ، ولكنه ليس الضرب الوحيد ، بل أعظم منه لو تأمل العبد ، لا سيما إن نظر في معاني أسماء وأوصاف الرب ، جل وعلا ، أعظم منه دعاء الثناء عليه لذاته ، عز وجل ، فهو المحمود لذاته لكمال أسمائه وأوصافه وأفعاله ، فله كمال الذات والصفات والأفعال أزلا وأبدا ، فأوليته ، كما تقدم مرارا ، أولية كمال مطلق من كل وجه فهو الأول بكمال الذات ، الأول بكمال الصفات ، الأول بكمال الأفعال ، فله الحمد لذاته ، وإن لم يصل عباده شيء من آثار أوصافه ، مع أن ذلك ، لو تأمل الناظر ، فرض عقلي محال فإن من لوازم أوصاف جماله ، ظهور آثارها في عباده ، فيصلهم من الرزق ما هو أثر اسمه الرزاق ، فهو دال على صفة الرزق ، بفتح الراء ، كما نبه إلى ذلك بعض أهل العلم في معرض التفريق بين الفعل الرباني وأثره من المفعول المخلوق في عالم الشهادة ، فهو دال عليها تضمنا ، فالاسم والوصف غير مخلوقين ، وهو دال مع ذلك على الرزق ، بكسر الراء ، وهو المفعول المرزوق ، فالمفعول أثر الفعل الذي وجد به ، فيدل عليه تضمنا ، كما أشار إلى ذلك ابن القيم ، رحمه الله ، في "شفاء العليل" ، ص249 ، فوجود الوصف الرباني دون وجود أثره الدال عليه تضمنا ، كما تقدم ، أمر محال عقلا ، فهو ينافي دلالة العقل الضرورية ، فالعقل يدرك ضرورة وجوب وجود الأثر بوجود المؤثِّر ، فوصف الكمال عنه تصدر كلمات الرب ، جل وعلا ، الكونية التي بها يظهر أثره في عالم الشهادة فهي السبب أو العلة المتعلقة بمشيئته ، عز وجل ، إيجاد أثر وصفه في خلقه ، فيشاء رزقا لمرزوق فيسوقه إليه بأمره الكوني ، بتيسير أسبابه ، فيصل إلى المرزوق كما قد سطر في اللوح المحفوظ ، بلا زيادة أو نقصان ، فلا راد لكلماته الكونيات النافذات ، وذلك أمر مطرد في كل وصف رباني : جمالا كان بالنعمة ، أو جلالا بالنقمة ، فأثر الصفة لا يظهر في الخلق إلا إذا شاء الرب ، جل وعلا ، ذلك ، فأمر بمشيئته ظهور ذلك ، فإن شاء أعز ، وإن شاء أذل ، وإن شاء أعطى ، وإن شاء نزع ، فــ : (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) ، فله في كل يوم شأن في عباده بالرزق والمنع ، والخفض والرفع ...... إلخ ، فــ : (يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) . وبالإضافة إلى ذلك يقال ، أيضا ، بأن افتراض صفة ربانية لا أثر لها في الكون يظهر به كمال وصف الرب ، جل وعلا ، مما ينافي حكمة الرب ، جل وعلا ، فالحكمة تقتضي وقوع المسبَّب إذا وجد سببه ، فإذا وجد سبب انتظام أمر هذا الكون ، وهو صفات الرب ، جل وعلا ، الفاعلة ، التي رد المحققون علة صدور هذا الكون إليها ، إذا وجد هذا السبب الذي نشأ العالم وانتظم شأنه بالأمر الكوني المظهر له ، إذا وجد : وجد المسبب لزوما وهو ما يقع في هذا الكون من الأحداث الكونية على هذا النحو الدقيق الذي يوافق العلم الأول والكتابة الكونية النافذة ، فلا زيادة ولا نقصان ، فكل ذلك مما يجعل وجود الوصف الرباني بلا أثر له في عالم الشهادة : فرضا عقليا محضا ، فإذا ثبت له ، عز وجل ، كمال الحمد لذاته ، وإن لم يصلنا من أثره شيء ، فكيف ونحن في آثار أوصاف كماله نتقلب ، فمن نعمة هي أثر وصف جماله ، أو نقمة هي أثر وصف جلاله ، جزاء وفاقا لما كسبت أيدينا ، أو محنة تستنبط بها منحة غفران الذنب ، فيظهر أثر وصف المغفرة التي دل عليها اسمه : "الغفور" ، وأثر وصف الفرح ، على الوجه اللائق بجلال الرب ، جل وعلا ، فليس فرحه من جنس فرحنا الذي يصاحبه الذهول وعدم العلم بالأمر المفرح قبل وقوعه ...... إلخ من اللوازم المصاحبة للصفة البشرية والتي تنزه عنها رب البرية جل وعلا بداهة ، وأثر وصف الرحمة التي أعقبت المغفرة في الذكر ، في مواضع من التنزيل كقوله تعالى : (وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) ، على حد القصر بتعريف الجزأين ، وهو قصر إضافي من جهة جواز اتصاف المخلوق بهما ، وقصر حقيقي باعتبار انفراد الرب ، جل وعلا ، بكمالهما فلا يماثله أو يشابهه أحد من خلقه فيهما ، وذلك ، كما تقدم مرارا ، أصل مطرد في الصفات التي يشترك فيها الرب جل وعلا والعبد من جهة المعنى الكلي واللفظ الدال عليه ، فالرحمة هي التالية للمغفرة ، فتخلية بالمغفرة تذهب عين النجاسة وأثرها ثم تحلية بالرحمة فذلك مما يطيب به المحل .
فتكون المعصية من مراد الرب ، جل وعلا ، من هذا الوجه ، فهي مراده الكوني وإن خالف مراده الشرعي ، وبها يحصل من مراده الشرعي الذي يحبه ويرضاه ما يفوق مفسدتها الكونية العارضة ، فذلك من عظيم حكمته ، عز وجل ، إذ جعل المكروه الكوني طريقا إلى المحبوب الشرعي ، وإلى طرف من ذلك أشار ابن القيم ، رحمه الله ، بقوله :
"وأَما المعصية فإِذا اقترنت بواجبها من التوبة والاستغفار والإِنابة والذل والخضوع فقد ترتب عليها من الآثار المحمودة والغايات المطلوبة ما هو نعمة أيضاً وإِن كان سببها مسخوطاً مبغوضاً للرب تعالى ، ولكنه يحب ما يترتب عليها من التوبة والاستغفار ، وهو سبحانه أَفرح بتوبة عبده من الرجل إِذا أضل راحلته بأَرض دوِّية مهلكة عليها طعامه وشرابه فأَيس منها ومن الحياة فنام ثم استيقظ فإِذا بها قد تعلق خطامها فى أَصل شجرة فجاءَ حتى أخذها ، فالله أَفرح بتوبة العبد حين يتوب إِليه من هذا براحلته ، فهذا الفرح العظيم الذى لا يشبهه شيء أَحب إِليه سبحانه من عدمه ، وله أَسباب ولوازم لابد منها ، وما يحصل بتقدير عدمه من الطاعات وإِن كان محبوباً له فهذا الفرح أَحب إليه بكثير ووجوده بدون لازمه ممتنع ، فله من الحكمة في تقدير أَسبابه وموجباته حكمة بالغة ونعمة سابغة .
هذا بالإضافة إلى الرب جل جلاله ، وأَما بالإِضافة إلى العبد فإِنه قد يكون كمال عبوديته وخضوعه موقوفاً على أَسباب لا تحصل بدونها ، فتقدير الذنب عليه إِذا اتصل به التوبة والإنابة والخضوع والذل والانكسار ودوام الافتقار كان من النعم باعتبار غايته وما يعقبه وإِن كان من الابتلاء والامتحان باعتبار صورته ونفسه والرب تعالى محمود على الأمرين ، فإِن اتصل بالذنب الآثار المحبوبة للرب سبحانه من والتوبة والذل والإِنابة والانكسار فهو عين مصلحة العبد ، والاعتبار بكمال النهاية لا بنقص البداية ، وإِن لم يتصل به ذلك ، فهذا لا يكون إِلا من خبث نفسه وشره وعدم استعداده لمجاورة ربه بين الأرواح الزكية الطاهرة فى الملأ الأعلى ومعلوم وأن هذه النفس فيها من الشر والخبث ما فيها ، فلا بد من خروج ذلك منها من القوة إلى الفعل ليترتب على ذلك الآثار المناسبة لها ومساكنة من تليق مساكنته ومجاورة الأَرواح الخبيثة فى المحل الأَسفل ، فإن هذه النفوس إِذا كانت مهيأَة لذلك فمن الحكمة أَن تستخرج منها الأسباب التي توصلها إلى ما هي مهيأَة له ولا يليق به سواه والرب تعالى محمود على إنعامه وإحسانه على أهل الإحسان والإنعام القابلين له فما كل أحد قابلاً لنعمته تعالى فحمده وحكمته تقتضي أن لا يودع نعمه وإِحسانه وكنوزه فى محل غير قابل لها" . اهــ
ص142 ، 143 .
فآلت المسألة إلى : رجحان المنفعة العظيمة التي تتولد من الذنب الطارئ على المفسدة العارضة منه ، فإنه لا يخلو من وقوع أمر يكرهه الرب ، جل وعلا ، ويبغضه لمخالفته أمره الشرعي الحاكم ، فذلك من لوازمه ، ووجود الشيء دون وجود لوازمه أمر ممتنع ، كما أشار إلى ذلك ابن القيم رحمه الله ، فذلك مما يناقض بدائه العقول ، فهو من جملة العلوم الضرورية التي يلزم من نفيها إبطال قياس العقل الصريح ، وإبطال وصف الحكمة ، بتعطيل الأسباب ، فلا يتولد من السبب مسبَّبه ، على ما سن الرب ، جل وعلا ، من سنن الكون المتقنة ، الجارية على مقتضى حكمته الباهرة ، فلا مغفرة بلا ذنب ابتداء ، ولازم الذنب وقوع ما يكره الرب ، جل وعلا ، شرعا ، فيقع بإرادته الكونية فيصير ذريعة إلى وقوع محبوب أعظم من ندم وتوبة واستغفار ، فذلك فعل العبد ، ومغفرة وستر ورضوان فذلك ، فعل الرب ، جل وعلا ، فبالذنب ، وإن كان منهيا عنه بمقتضى الشرع ، للذنب الواقع لا محالة بمقتضى الأمر الكوني ، فالجهة ، كما تقدم مرارا منفكة فإنه مراد من وجه غير مراد من آخر فمراد كونا غير مراد شرعا ، لهذا الذنب أثر ظاهر في خضوع العبد إلى ربه ، عز وجل ، إن تاب وأناب ، فيكون ذريعة إلى ظهور آثار وصف جمال الرب ، جل وعلا ، من مغفرة ورحمة ...... إلخ ، كما تقدم ، وله ، أيضا ، أثر ظاهر في تمرد العبد وطغيانه ، فيكون ذريعة إلى ظهور آثار وصف جلال الرب ، جل وعلا ، من إهلاك وانتقام ، فلا بد أن يستخرج مكنون الصدر فيصير فعلا بعد أن كان قوة كامنة ليتعلق به الثواب إن كان محمودا أو العقاب إن كان مذموما .

وقول ابن القيم رحمه الله : "والاعتبار بكمال النهاية لا بنقص البداية" هو ما صاغه بعض أهل العلم في عبارة : "من كانت بدايته محرقة ، كانت نهايته مشرقة" ، فبداية مؤلمة ونهاية يلتذ بها العاقل حقا ، فهو ينظر إلى المآل لا إلى الحال ، فالحال شدة وكرب ، والمآل : سعة وفرج ، وذلك أمر مشاهد ، فإن من عاش الأهوال في صباه وشبابه ، إن ألهم الصبر والاحتساب ، فلم يضجر ولم يجزع ، فإن توالي الضربات عليه يشد ظهره ، بخلاف الجازع الذي تنهد أركانه مع أول ضربة ، والمثبت من ثبته الباري ، عز وجل ، فلا يستوي مع نقصان بدايته باعتبار الظاهر ، لا يستوي ومن كانت بدايته منعمة مترفة فلم يباشر من الآلام ما يعمل عمل المصل الواقي من نوائب الزمان ، فالشدائد تصنع ، مع كره النفس لها وسؤال العاقل الرب جل وعلا النجاة منها ابتداء ، تصنع الرجال ، فلا يستوي مبتلى ومترف ، فالغالب على أهل البلاء : الصلابة والصبر ، والغالب على أهل الترف : الليونة بل الميوعة في أحايين كثيرة وسرعة الجزع و :
غير مأسوف على زمن ******* ينقضي بالهم والحزن
إنما يرجو الحياة فتى ******* عاش في أمن من المحن

وتأمل حال أهل البلاء في ديار كالبلقان وبيت المقدس وبلاد الأفغان والعراق ، على وجه الخصوص ، كيف صنعتهم المحن ، وكيف استخرج الرب ، جل وعلا ، بنازلة كنازلة البلقان ، جيلا من الشباب المجاهد الذي تحرر من أسر الشهوات التي تحكم أي مجتمع غربي ، ولو كان مسلما ، بل أي مجتمع يحيى على النمط الغربي ، ولو كان شرقيا إسلاميا ، فهو أسير الشهوات ، فالعبرة بعموم المعنى لا بخصوص لفظ : شرقي أو غربي ، وإنما الشأن : إسلامي أو غير إسلامي ، فتحرر أولئك الأفاضل ، كما شاهدنا في كثير من الأفلام الوثائقية عن تلك النازلة المفجعة ، فقضى منهم من قضى نحبه برسم الشهادة ، ولا نزكيهم على ربهم جل وعلا ، وثبت الآخرون في ميادين القتال مع ضعف الإمكانيات والتدريب أمام جيش صربيا المدرب المدجج بالسلاح ، وقبل ذلك بعقيدة صليبية مقيتة تربى عليها جنده في كنائس البغي الصربية الأرثوذكسية ، فضلا عن السمات الإجرامية الأصيلة في الشخصية الصربية فقد صادف إفراز الكنيسة وقيحها الخبيث محلا خبيثا يلائمها فازداد خبثا على خبث ، ومع ذلك صمد أولئك الأفاضل ، والتاريخ شاهد ، لا سيما أيام الحرب الأخيرة للتفوق الكاسح للمسلمين على النصارى الصرب الأرثوذكس والكروات الكاثوليك حتى لجأ الغرب كعادته إلى الحيل السياسية ليلتف على تقدم المسلمين فأنهى الحرب باتفاقية ، وإن شئت الدقة فقل بهدنة : "دايتون" المؤقتة كما ذكر ذلك الدكتور علي عزت بيجوفيتش ، رحمه الله ، الزعيم والرئيس البوسنوي السابق .

وتأمل حال أهل الأرض المقدسة من لدن بدأ اليهود في الوفود عليها وما صاحب ذلك من ملاحم وانتفاضات واجه فيها أبناء الأرض المقدسة الاحتلال الإنجليزي واليهودي ببسالة منقطعة النظير شهد بها جنرالات الجيش الإنجليزي . فما نراه الآن من صمود أهل بيت المقدس وأهل غزة ليس وليد اللحظة فإن لله ، عز وجل ، سننا في كونه ، فلا بد من تمحيص بالآلام ابتداء ، ثم تربية يمتاز بها الشديد من اللين الذي نشأ في أحضان الترف ، كما هو حال كثير من أبناء جيلنا في الدول المحيطة بالأرض المقدسة ، والتي يعجب فيها المترفون من صمود أولئك ، فأحدنا يجزع إذا انقطعت المياه أو التيار الكهربي لساعات لما نشأنا فيه من سعة وأمن ، ولو نسبيا فهو على أقل الأحوال أفضل بكثير من الوضع الإنساني في الأرض المقدسة لا سيما مع التواطؤ والخيانة الجماعية ، فلا يستوي مبتلى شدت الآلام ظهره ، ومترف يسهل كسره وعصره .


وتأمل حال أبناء العراق من المقاومين ، على ما وقع من بعض فصائل المقاومة من أخطاء شرعية جسيمة ، إلا أنهم ظهروا مع ألم البداية الدامية لا سيما مع اشتداد وطأة فرق الموت الطائفية التي كانت رأس حربة احتلال آخر آت من الشرق الفارسي فضلا عن الاحتلال الغربي الرومي ، فظهروا وكادوا يحققون النصر لولا ما وقع من الأخطاء التي أجلت النصر وإن كان آتيا إن شاء الله ، ولا ينال ما عند الله ، عز وجل ، إلا بطاعته ، فاقتضت حكمته أن يتأخر النصر لما خرج البعض عن ناموس الشريعة فوقع البغي والعدوان ، ولو كان صاحبه مجتهدا ، فلا ينصر الدين بنية صالحة إن فسد العمل ، مع أن ذلك لا يخلو غالبا من نوع حظ نفس خفي لا يكاد يسلم منه أحد في زماننا مهما خلصت النوايا ، فذلك خلاف السنة الشرعية والكونية ، فإذا كان : لا تمكين إلا بابتلاء ، فذلك الشق الكوني ، فأيضا : لا تمكين إلا بمباشرة أسباب الشرع من توبة واستغفار وبذل للأسباب برسم التوكل ...... إلخ ، فلا تمكين إلا بمباشرتها وحدها في رفع هذا البلاء ، فذلك الشق الشرعي في هذه المعادلة التي أقام الرب ، جل وعلا ، عليها كونه ، فلا تبديل لسنته ، ولا مناص من السير عليها وإن طال السير ، فإن الرب ، جل وعلا ، لا يعجل لعجلة أحد ، ولا يخرج جيل قد تربى تربية شرعية سليمة يحقق الرب ، جل وعلا ، على يديه التمكين لدينه ، لا يخرج جيل هذا وصفه في يوم وليلة ، إلا إذا كان الأمر سحرا وشعوذة لا سننا ربانية محكمة .


وأما الأفغان فهم الأفغان ! ، وهم بمقتضى سنة الابتلاء الكونية في حالة حرب متواصلة من نحو ثلاثين سنة من بداية الاحتلال السوفييتي سنة 79 وإلى يوم الناس هذا ، فعندهم من الشدة ما ولدتها تلك الابتلاءات المتواصلة فضلا عن طبيعة الأرض والمناخ والمعيشة القاسية التي تشكل عامل تربية طبيعي .

وكل ميسر لما خلق له ، فهناك من يسر للقتل والحرب ، وهناك من يسر للأكل والمنكح ! ، فلا تستوي النفوس في علومها وإراداتها وأعمالها .

والله أعلى وأعلم .


 
مهاجر
   
شارك Mar 25 2010, 07:17 AM مشاركة #125

عضو ذهبي
********
المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 918
التسجيل: 27-October 08
رقم العضوية: 17,154
  
يقول ابن القيم رحمه الله :
"ولا يبقى إِلا أَن يقال : فما الحكمة فى خلق هذه الأرواح التى هى غير قابلة لنعمته ؟ . قد تقدم من الجواب عن ذلك ما فيه كفاية . وأَن خلق الأضداد والمقابلات وترتيب آثارها عليها موجب ربوبيته وحكمته وعلمه وعزته ، وأَن تقدير عدم ذلك هضم من جانب الربوبية" . اهــ
ص143 .
وتلك حكمة خلق الأضداد ، فبها يظهر عموم وصف الربوبية ، فالرب ، كما تقدم في أكثر من موضع ، هو خالق الشيء وضده ، وبها يظهر وصف الحكمة بوقوع التغاير في الأحكام تبعا للتغاير في الأعيان والأفعال فــ : (قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ) ، فالتسوية بينهما مع افتراقهما في الذات أو الوصف : تسوية بين مختلفين تناقض قياس العقل الصريح الذي جاء التنزيل بمعاضدته لا بمناقضته بتصور المحالات وإلزام العقول بالتسليم بها ، وإن كانت على خلاف المعقول الصريح والحس السليم ، كما يظهر ذلك جليا ، في المقالات الحادثة في الملل أو النحل الباطلة ، فاقتضت حكمته ، جل وعلا ، خلق الشيء وضده ، واقتضت حكمته تخصيص كلٍ بحكم ، فتعلق المدح بالمأمور ، وتعلق الذم بالمحظور ، فذلك ناموس الشرع الذي أقيم عليه الكون ، فالشريعة قد باينت بين المتفرقات بإعطاء كل حكمه ، كما تقدم ، وساوت بين المتماثلات ، فلا ينتظم أمر العالم إلا بها ، بل لا يصح قياس عقل إلا بإجرائها .

يقول ابن القيم رحمه الله :
"وأَيضاً فإن هذه الحوادث نعمة فى حق المؤمن ...... فهو مأمور أن يكرها بقلبه ويده ولسانه فقط أَو بقلبه فقط ، ومأمور أَن يجاهد أَربابها بحسب الإِمكان ، فيترتب له على الإنكار والجهاد من مصالح قلبه ونفسه وبدنه ومصالح دنياه ، وآخرته ما لم يكن ينال بدون ذلك" . اهــ
ص143 ، 144 .

فلولا العدو ، ما قامت سوق الجهاد ، ولولا حزب أعداء الرسالات ، ما امتاز حزبها ، فعرف الولي من العدو ، فتسليط أهل البغي على أهل العدل ، كما هو مشاهد في زماننا ، لا سيما في بيت المقدس ، ميدان الصراع المحتدم بين أتباع الرسالة الخاتمة وشذاذ الآفاق المنتسبين إلى الشريعة الموسوية زورا وبهتانا ، هذا التسليط مما يقع به من التمحيص والتمييز بين المؤمن والمنافق ، فيستوي الصف ويجود بإسقاط التالف ، ومن ثم تظهر آثار سنة المدافعة الكونية ، لزوما ، فيلتقي الصفان ، ويظهر بهذا اللقاء صور من آثار حكمة الرب ، جل وعلا ، في تدبير أمر الفريقين ، وآثار قدرته بنصر حزب الإيمان إن أخلص ونصح وبذل السبب وإلا استبدل كما استبدلت أجيال سابقة وهذا الجيل مرشح بقوة لجريان سنة الاستبدال عليه كما جرت على سابقيه ! ، ويقع من صور العبوديات الباطنة والظاهرة ما يحبه الرب ، جل وعلا ، ويرضاه لعباده ، فذلك من تمام عنايته بهم أن يسر لهم أسباب مرضاته ، ليظهر بهم دينه على الدين كله ولو كره الكافرون ، فأعظم بها من وظيفة ، وأكرم به من استعمال ، أن يستعمل العبد في مراضي الرب ، جل وعلا ، فيكون حارسا على بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه ، كالحرس المرابط في بيت المقدس ، ويكون ناصرا بما استطاع لحرم الله وقدسه ، ودينه وشرعه ، ولو بغضبة حر تأبى أن تنتهك محارم الرب ، جل وعلا ، وإن لم يقدر على دفع ذلك أو رفعه ، فتلك العبوديات العظيمة تفوق مفسدة تسلط شرذمة حقيرة على البيت المقدس ، فلولا تسلطها ما نفر الجند المرابط في البيت ، ولولا بغيها ما استيقظت ضمائر قد نامت ، واستنفرت نفوس قد خملت ، وعقدت همم قد حلت ، ولا نصر إلا بالسير على طريق النبوة ، فبها صلاح الأولى بالنجاة من كيد الكافرين ، وصلاح الآخرة بالنجاة من عذاب رب العالمين .

والمتأمل لهذه الحكم العظيمة يزول ما في نفسه من تعجب : لماذا اختارت تلك الشرذمة الأرض المقدسة دون غيرها لإقامة وطن يجمع أشتاتهم ، فلم يقيموا ملكا برسم نبوة ، أو حتى دين محرف ، وإنما رداء اليهودية التي يستترون به ، وديانة الكليم عليه السلام منها براء ، إنما ذلك الرداء هو الرباط السياسي الجامع لأولئك الضائعين الذين وفدوا من كل صوب وحدب لَفَظَهُم لعظم إفسادهم في كل أرض نزلوها ، فهم ، كما تقدم مرارا ، أحقر البرية ، والحقير لا يهدأ له بال حتى يرى من فوقه ، وقد صار بإفساده دونه ، فذلك مئنة من نفسية مريضة تعاني إحساسا بالدونية والنقص ، فهي على رسم الزانية التي لا يهدأ لها بال حتى تصير كل العفائف زوان مثلها ، ولذلك كان إفسادهم للأديان والأخلاق سمة رئيسة في مسلكهم ، فحرصهم على التعريض بالنبوات وكشف العورات والتحقير من شأن الدين والعفة ، والترويج للإلحاد والفجور ، كل ذلك مما قد ورثوه عن أجدادهم كتاب التلمود زمن السبي ، الذي نفثوا في صفحاته وأسطره بل وكلماته حقدهم الدفين على النوع الإنساني عموما ، وعلى أتباع النبوات خصوصا ، فهم أعداء الحق ، ومعدن الحق : النبوات ، فهم أعداء النبوات لزوما ، فتسلطوا على النصرانية حتي صيروها وثنية على يد شاؤول المتنصر زورا والمعروف بــ : "بولس" ، وكتموا وصف النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم حقدا على العرب أن اصطفاهم الرب ، جل وعلا ، بهذه الكرامة ، ولكنهم ، لعظم منة الرب ، جل وعلا ، على أمة الرسالة الخاتمة لم يسلطوا على دينها بتحريف أو تبديل كما وقع للنصرانية ، وإن تسلطوا على أتباعها بالإذلال والإهانة ، كما هو جار لنا في هذا العصر ، بمقتضى العقاب الرباني العادل لمن فرط في أمر الديانة وزهد فيه فسلط عليه بجنايته : أذل الخلق وأحقرهم ، وفي العصر الحاضر كان أقطاب الفساد من اليهود من أمثال ماركس وفرويد ودوركاييم ، فأفسدوا بمقرراتهم الخبيثة : الأديان والأخلاق والمجتمعات ، ونفسية وضيعة كهذه النفسية لا تستطيع أن تحيى في سلام ، فلو خلت الأرض إلا منهم لكادوا لبعضهم ، فلا بد من مكر بالغير ، لتسكن النفس التي جبلت على حب الإفساد في الأرض ، وهذا أمر واقع حتى في زماننا فالمجتمع اليهودي اللقيط في الأرض المقدسة قد تصدع بنيانه بشروخ اجتماعية غائرة ، نظرا لكونه مزيجا غير متجانس من شذاذ الآفاق الذين لفظتهم سائر الأمصار ، فاجتمعوا بعقد ديانة باطل ، مع اختلاف أصولهم وعوائدهم ، وإن جمعتهم خلفية نفسية مريضة فاسدة هي القاسم المشترك الأكبر بينهم ، ولكنه لم يكن كافيا في إحداث التجانس بين مكونات هذا المزيج ، فإن النفوس لا تجتمع على رسم الصلاح فيقع بينها من التجانس والتلاؤم ما يصلح به حال الجماعة ، لا تجتمع على ذلك إلا برباط النبوة الصحيحة لا المبدلة ، فلا يجمع أشتات الأمم إلا حبل الله المتين ، ولا يمسك بطرف هذا الحبل إلا أتباع الوحي السالم من التحريف ، ولذلك كان من أعظم منن الرب ، جل وعلا ، على نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن جمع له هذه القلوب التنافرة فألف بينها فـــ : (أَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) ، وكان من أعظم نعم الله ، عز وجل ، على أتباع الديانة الخاتمة أن ألف بين قلوبهم ، فأمروا بالاعتصام بحبل الله فهو العاصم من الفرقة المنجي من التشرذم الذي نعاني منه الآن لما ارتخت اليد القابضة على الحبل المتين ، فــ : (اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) ، والشاهد أنه لم يجد أولئك إلا حبل اليهودية المحرفة البالي ليجمعوا به شراذمهم ، فليست يهودية الدولة التي يدندنون حولها الآن ، مئنة من تدين ، وإنما هي استبقاء لرباط ، ولو بال ، يحفظون به التماسك الظاهر لدولتهم الآيلة للسقوط قريبا إن شاء الله ، عز وجل ، على يد فئة يصنعها الله ، عز وجل ، على عينه ، في بيت المقدس وفي أكنافه وفي داخل كل موحد غيور يأبى تدنيس القدس وهتك العرض ، فسلب الأقصى ، كما يقول بعض الفضلاء عندنا ، هتك للعرض الإيماني لكل مسلم بقي فيه بقية غيرة إيمانية ، إن كان ثَمَّ عرض لم يهتك ! .

فيهوديتهم السياسية من جنس ما نراه في نصرانية جنوب السودان فهي أيضا سياسية يراد بها تقسيم البلاد فأقطابها لا يقيمون للديانة وزنا وإنما محض غطاء شرعي لكيان مستقل ، وهو ما يحاوله نصارى مصر فهويتهم الدينية ما هي إلا هوية سياسية مغلفة بالدين تحقيقا لمآرب شخصية لرءوس تستحق القطع ، وقل مثل ذلك فيما يجري في بعض مناطق المغرب العربي لا سيما شرق الجزائر الذي يسعى المنصرون لنشر النصرانية فيه لتكون مقوما آخر من مقومات التباين بين شرق الجزائر وبقيته ليكون ذريعة إلى التقسيم ، فالأمر ، كما تقدم ، ازدراء للأديان باتخاذها غطاء لمآرب سياسية رخيصة .

ولذلك كانت وصية تيودور هرتزل لهم وقد كان خبيرا بأحوالهم كانت وصيته هي التمسك بيهودية الدولة أيا كان مكانها في بيت المقدس أو في غيرها من مستعمرات بريطانيا آنذاك ، فتلك اليهودية المنتحلة هي ، كما تقدم ، الرباط الجامع لهذه الأشتات ولو ظاهرا . وقد أشار عليهم بالعدول عن الأرض المقدسة إلى أرض أخرى طرحت كبدائل آنذاك ، ولكن مشيئة الرب الحكيم ، جل وعلا ، اقتضت أن يفدوا على الأرض المقدسة تحديدا ، وأن يكون مرادهم إقامة هيكلهم على أنقاض الأقصى تحديدا ، لا مكنهم الله منه ، لتظهر بذلك آثار سنة المدافعة بين أهل الأرض المقدسة وبينهم ، فيستخرج الرب ، جل وعلا ، بها من العبوديات ما يجدد شباب هذا الدين في قلوب أتباعه فتلك من أعظم المنح التي تواكب تلك المحن العظيمة فهي مظنة مراجعة الدين وتجديد التعظيم له في قلوب نسيته أو كادت .

فيهود ، وإن كانوا في الظاهر يقاتلون لإقامة دين ، إلا أنهم في الحقيقة إنما يقاتلون لإقامة وطن يحيون فيه ، فالدنيا أكبر همهم : (وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ) ، فنكرت : "حياة" تحقيرا أو لبيان النوع المطلق دون التطرق إلى الوصف المقيد ، فأي حياة عزيزة كانت أو ذليلة هي غايتهم العظمى ، وذلك ، كما تقدم ، مئنة من خسة تلك النفوس الوضيعة ، وذلك ، كما تقدم ، مما يزيد المرارة في نفوس الموحدين الذين ابتلوا بتسلط أذل الخلق عليهم برسم الإذلال والإهانة .

وشتان من يقاتل ليحيى ولو ذليلا ومن يقاتل لينال الشهادة أو النصر ، فإن مات فحميدا وإن عاش فكريما . وذلك ما يحير يهود في صراعهم مع أبناء الأرض المقدسة مع الفارق الهائل في التسليح ، فلا يدركون ذلك المعنى ، وإن علموه فتصور لا يستطيعون التحلي بمثله للفارق الهائل ، أيضا ، في التركيبة النفسية بين أبناء الأرض المقدسة وبينهم .

يقول ابن القيم ، رحمه الله ، في معرض بيان طرف من حكم تمكين أهل الكفر فيستخرج بذلك من صور العبودية ما يفوق تلك المفسدة العارضة :
"والمقصود بالقصد الأول إِتمام نعمته تعالى على أَوليائه ورسله وخاصته فاستعمال أعدائه فيما تكمل به النعمة على أُوليائه غاية الحكمة ، وكان في تمكين أَهل الكفر والفسق والعصيان من ذلك إِيصال إِلى الكمال الذى يحصل لهم بمعاداة هؤلاء وجهادهم والإِنكار عليهم والموالاة فيه والمعاداة فيه وبذل نفوسهم وأَموالهم وقواهم له .
فإِن تمام العبودية لا يحصل إِلا بالمحبة الصادقة ، وإِنما تكون المحبة صادقة إِذا بذل فيها المحب ما يملكه من مال ورياسة وقوة في مرضاة محبوبه والتقرب إِليه ، فإِن بذل له روحه كان هذا أعلى درجات المحبة" . اهــ
ص144 .

فبذل الروح أقوى الأدلة والشواهد على صدق المحب ، فإن ذلك من المواضع التي يمتاز البشر فيها فيظهر الصادق من الكاذب ، وفي أوقات الشدة يظهر لكل منا من نفسه ما لم يكن يعلمه في زمن العافية ، والمثبت من ثبته الرب جل وعلا .

يقول ابن القيم رحمه الله :
"ومن المعلوم أَن من لوازم ذلك التي لا يحصل إِلا بها أَو يخلق ذواتاً وأَسباباً وأَعمالاً وأَخلاقاً وطبائع تقتضى معاداة من يحبه ويؤثر مرضاته لها وعند ذلك تتحقق المحبة الصادقة من غيرها فكل أَحد يحب الإِحسان والراحة والدعة واللذة ، ويجب من يوصل إِليه ذلك ويحصله له ، ولكن الشأْن فى أَمر وراءَ هذا وهو محبته سبحانه ومحبة ما يحبه مما هو أَكره شيء إِلى النفوس وأَشق شيء عليها مما لا يلائمها ، فعند حصول أَسباب ذلك يتبين من يحب الله لذاته ويحب ما يحب ممن يحبه لأَجل مخلوقاته فقط من المأْكل والمشرب والمنكح والرياسة ، فإِن أُعطي منها رضي وإِن منعها سخط وعتب على ربه وربما شكاه وربما ترك عبادته" . اهــ
ص144 .
فحصول الابتلاء مما يظهر حقيقة المحبة ، وهل يحب العبد الرب ، تبارك وتعالى ، لذاته ، أو يحبه لما يصله منه من النعم الكونية ، وإن كان كلا الأمرين مرادا شرعيا ، ولكن الأول أشرف ، والاقتصار على الثاني علامة نقص ، فإن الرب ، جل وعلا ، كما تقدم ، يحب لأوصاف كماله الذاتية ، ويحب لأوصافه الفعلية التي بها تظهر آثار رحماته في خلقه بما يجريه عليهم من النعم المتكاثرة فلا يحصيها عدد ، ولا يقدر قدرها عقل .

والله أعلى وأعلم .


 
مهاجر
   
شارك Mar 28 2010, 07:34 AM مشاركة #126

عضو ذهبي
********
المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 918
التسجيل: 27-October 08
رقم العضوية: 17,154
  
يقول ابن القيم رحمه الله :
"فلولا خلق الأضداد وتسليط أَعدائه وامتحان أَوليائه بهم لم يستخرج خالص العبودية من عبيده الذين هم عبيده ، ولم يحصل لهم عبودية الموالاة فيه والمعاداة فيه والحب فيه والبغض فيه والعطاء له والمنع له ، ولا عبودية بذل الأرواح في جهاد أَعدائه ونصرته وعبودية مفارقة الأمر عنده أحوج ما يكون إليهم عبده في مرضاته ما يتحسر إليهم وهو الذي عاب نفسه وملاذ بها بأيديهم قد جنى بمفارقتهم ومشايعتهم وأما من موالاة الحق عليهم ، فلولا الأَضداد والأَسباب التي توجب ذلك لم تحصل هذه الآثار" . اهــ

فتحصل بخلق الأضداد من المكاره الشرعية ، فخلقت بالإرادة الكونية وإن لم توافق الإرادة الشرعية ، تحقق بخلقها : من المحاب والمراضي من أجناس العبوديات الباطنة والظاهرة ، ما هو أعظم من مفسدتها ، فلا يقعد أهل الحق عن نصرة الحق ، فليسوا على رسم الجبر الباطل بإظهار الخضوع والخنوع لأعداء الرسالات ، برسم التسليم للقضاء والقدر ، فليس ذلك من الرضا في شيء ، بل الرضا إنما يكون ببذل السبب المشروع ، سواء أكان مشروعا على جهة التعبد كالدعاء لرفع النازلة الكونية ، أم كان مشروعا على جهة بذل السبب المقدور من أمور الدنيا كإعداد عدة لقتال عدو أو لنصرة مظلوم مبتلى ، لا لحصاره والتضييق عليه كما يقع في زماننا ! ، فالرضا إنما يكون بعد ذلك لا قبله قعودا وتكاسلا عن تغيير المنكر قدر الاستطاعة ، فالرضا والتسليم بالكفر والعصيان بزعم الرضا بما رضيه الرب ، جل وعلا ، إذ شاء وقوعه ، ولو لم يرضه ما شاءه ، ذلك الرضا المذموم سبب رئيس في حل عرى الولاء والبراء في القلب ، وإطفاء جذوة الغيرة على محارم الرب ، جل وعلا ، كما وقع لكثير من أهل زماننا ، وإن لم يظهروا الجبر الصريح ، فقد استجابوا لتخذيل المخذلين ، وتخدير المخدرين من أصحاب الطرق والمسالك الباطلة بزعم الوصول إلى الرب ، جل وعلا ، من غير طريق النبوة ، فلم يكن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على طرائقهم الحادثة من الجبر والشطح والصرع في مجالس الذكر بزعم الوصول ، وذلك وصول ، إن صدقوا ، إلى مراتب دنية لا تليق بآحاد السالكين إلى الله ، عز وجل ، فضلا عن مقدم المتقين صلى الله عليه وعلى آله وسلم .
وإن لم ينتسب كثير من أهل زماننا إلى تلك الطرق إلا أنها نجحت بامتياز طيلة القرون الماضية في إعادة تشكيل المزاج العام للجماعة المسلمة فأثرت فيه بالسلب أيما تأثير فنال كلا من ذلك ما ناله وإن لم يكن من أتباع طريقة بعينها ، وسبب هذا التخليط هو التسوية بين المحبة والمشيئة ، فجعلوهما سواء ، ولا يستويان ، فليس كل ما شاء الرب ، جل وعلا ، يحبه ، وليس كل ما يحبه يشاؤه ، فــ : (ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ) ، فلو شاء الانتصار منهم لانتصر ، ولكنه لم يشأ ، مع كون ذلك له مقدورا محبوبا ، وإنما لم يشأ وقوعه ، مع كون ظهور الكافرين على المؤمنين مبغضا له مذموما ، لئلا تفوت المصلحة الأعظم بفوات وقوعه ، فبه ، تستخرج العبوديات الجليلة التي سبقت الإشارة إليها ، فبضدها تتميز الأشياء ، فيظهر كمال ربوبيته في خلق الأضداد ، فتلك في حد ذاتها غاية عظيمة ، ولو لم يكن ثم مصلحة في خلق الشر إلا هي لكفت ، فكيف وقد انضاف إليها من الحكم والغايات العظيمة ما ظهر أثره ولا زال يظهر في عالم الشهادة من صور تخليص النوايا وتصحيح الأعمال لتكون على رسم الشريعة ظاهرا وباطنا ، ولا يكون ذلك ، كما تقدم مرارا ، إلا باقتفاء أثر النبوة ، وهل كان جهاد ورباط الصابرين في الأرض المقدسة من الرجال بل والنساء اللاتي يرابطن الآن في البيت المقدس لصد غارة قطعان يهود ، مع قعود بقية رجال المسلمين برسم الاضطرار أحيانا ورسم الاختيار أحايين كثيرة ، فلم يعد الأمر يعني كثيرا من ذكور المسلمين في زماننا ! وإن كان في المسلمين رجال حيل بينهم وبين ما يشتهون من الانتصار من شذاذ الآفاق من يهود ، هل كان ذلك سيقع لولا مشيئة الرب ، جل وعلا ، وجود خلق من أحقر الخلق وأبغضهم إليه ، تبارك وتعالى ، وهل كان إظهار مادة النفاق في القلوب التي استعلن أصحابها بنفاقهم في هذه الأعصار بلسان الحال بل والمقال أحيانا ، هل كان سيقع لولا النوازل التي تظهر المعادن ؟! ، وقد كشفت نوازل عظام من قبيل : نازلة العراق وعزة وبيت المقدس كثيرا من الزيف ، فظهر حقائق كثير من أبطال الورق وصناع الاستسلام برسم التنمية والرخاء ! . فضلا عما يصاحب تلك النوازل من صور العودة الفردية إلى دين رب البرية ، جل وعلا ، وهي عودات ، فيها من الخير ما فيها ، وإن كانت لا تكفي لحصول الظهور العام للدين ، فلا يكون ذلك إلا بعودة الجماعة المسلمة حكاما ومحكومين عودة عامة يقع قبلها من صور الابتلاء والتمحيص ما يقع ، فتلك سنة الرب ، جل وعلا ، ولا تبديل لسنته الكونية ، فلن يستيقظ المسلمون غدا ليروا الدين قد ظهر وهم قاعدون بل نائمون ! ، فكما استغرق هدمه في النفوس أجيالا فكذلك بناؤه فيها يتطلب ، أيضا ، أجيالا .

والله أعلى وأعلم .


 
مهاجر
   
شارك Apr 3 2010, 08:32 AM مشاركة #127

عضو ذهبي
********
المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 918
التسجيل: 27-October 08
رقم العضوية: 17,154
  
يقول ابن القيم رحمه الله :
"وأَيضاً فلولا تسليط الشهوة والغضب ودواعيهما على العبد لم تحصل له فضيلة الصبر وجهاد النفس ومنعها من حظوظها وشهواتها محبة لله وإِيثاراً لمرضاته وطلباً للزلفى لديه والقرب منه" . اهــ

ص144 .

فذلك من قبيل التمثيل للأضداد المخلوقة وما تولد من ذلك من المصالح بجريان سنة التدافع بينها ، فتلك من أعظم وأعسر صور جهاد النفس ، فالطباع الجبلية تستعصي في الغالب على التغيير ، إلا أن يشاء الرب القدير ، جل وعلا ، وفي أحيان كثيرة يتغلب الطبع على التطبع ، فإن نجح الإنسان في إلجام الشهوة والغضب ، فإنه قل من يسلم من الزلل ، فيجاهد ، وينتصر حينا ، فيظهر أثر وصف الرب الجليل ، تبارك وتعالى ، الذي أمده بأسباب الغلب ، فأقدره بقدرته ومشيئته على صرع عدوه الباطن من نازع النفس الأمارة ، وعدوه الظاهر من هاتف الشر ، فألجأهم إلى الفرار ، ويغلب تارة ، ليعلم ذله وضعفه وافتقاره إلى عون الرب ، جل وعلا ، فيمتاز وصف الربوبية الكاملة من وصف العبودية الناقصة ، فالأول غني لذاته على جهة الإطلاق ، والثاني فقير لذاته على جهة الإطلاق فيفتقر إلى مدد الرب ، جل وعلا ، من الأسباب التي بها يصلح دينه ودنياه ، فبأسباب الوحي يصلح أمر الدين ، وبأسباب الكون يصلح أمر الدنيا ، فتلك مصلحة عظمى تظهر فيها آثار حكمة الرب ، جل وعلا ، أن وكل العبد حينا إلى نفسه ليخوض النزال بقواه ، فيظهر له ضعفه الجبلي ، فلا يقوى على عدوه الداخلي أو الخارجي إلا أن يمده الرب ، جل وعلا ، بجند من عنده ، فيمده بجند الصبر ، وجند الكظم للغيظ ، وجند العفة إن بدت له شهوة محرمة ...... إلخ ، وما يعلم جنود ربك إلا هو ، بل ويمده بروح منه على جهة التأييد ، وبملك كريم ينفث في روعه هاتف الخير فتقوى في نفسه نوازع الإيمان ، فتفر عساكر الشيطان والنفس الأمارة من لقاء عساكر الملك والنفس اللوامة ، فكل قد ارتدى لأمته ، وأعد العدة لخوض النزال ، فخاضته النفس المطمئنة بلأمة الإيمان ، وخاضته النفس الأمارة بلأمة الوعود الكاذبة والأماني الخادعة فــ : "يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا" ، فلما التقت الفئتان سواء أكان اللقاء في الخارج في ساحات القتال الظاهر ، أم في الداخل في ساحة القلب : (نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ) ، فيفر العدو في الخارج من تكبير جند الحق ، وذلك أمر قد جربه أعداء الديانة ولا زالوا ، إلى يوم الناس هذا ، وقصصهم في ذلك معروف متداول ، فلا تفزعهم إلا صيحات التكبير إذا انطلقت من حناجر الموحدين ، ويفر الشيطان ، وتنكسر عساكر النفس الأمارة بالتكبير والاستعاذة فإن ذلك يردها ويشفي وساوسها .

يقول ابن القيم رحمه الله :
"وأَيضاً فلولا ذلك لم تكن هذه النشأَة الإِنسانية إِنسانية ، بل كانت ملكية ، فإِن آلله سبحانه خلق خلقه أَطواراً :
فخلق الملائكة عقولاً لا شهوات لها ولا طبيعة تتقاضى منها خلاف ما يراد من مادة نورية لا تقتضى شيئاً من الآثار والطبائع المذمومة ، وخلق الحيوانات ذوات شهوات لا عقول لها ، وخلق الثقلين- الجن والإنس وركب فيهم العقول والشهوات والطبائع المختلفة لآثار مختلفة بحسب موادها وصورها وتركيبها . وهؤلاءِ هم أَهل الامتحان والابتلاءِ ، وهم المعرضون للثواب والعقاب ولو شاءَ سبحانه لجعل خلقه على طبيعة واحدة وخلق واحد ولم يفاوت بينهم ، لكن ما فعله سبحانه هو محض الحكمة وموجب الربوبية ومقتضى الإلهية ، ولو كان الخلق كله طبيعة واحدة ونمطاً واحداً لوجد الملحد مقالاً وقال : هذا مقتضى الطبيعة ، ولو كان فاعلاً بالاختيار لتنوعت أَفعاله ومفعولاته ولفعل الشيء وضده والشيء وخلافه" . اهــ
ص144 ، 145 .

فاقتضت سنة الابتلاء التي تتمايز بها النفوس : فنفوس تقية أبية ، وأخرى فاجرة دنية ، ولم يكن ذلك ليقع لو كانت خلقة الإنسان ملكية لا تعرف نزوعا إلى شهوة ، فيلجمها صاحب الديانة بلجام الشرع ، وينفلت زمامها من الفاجر ، فيكدح في تحصيل شهواتها ، وهي مع ذلك لا ترضى ولا تقنع ، بل تزداد نهما وشرها إلى ما يمرضها بل يقتلها ، فلو كان لها بقية عقل سالم من آفات الهوى المتبع ، لنأت بنفسها عن أسباب هلاكها كما ينأى العاقل عن السم الذي يميت بدنه ، فما باله يحترز لبدنه ما لا يحترز لروحه ، وهي أشرف مادة منه ، وأولى بالعناية منه ، فيتعاطى ما يؤذيها من الشبهات الردية والشهوات الدنية التي تصيره في آخر أمره : بهيمة في مسالخ البشر ، بل البهيمة ، كما تقدم مرارا ، أحسن حالا منه ، فإنها قد عرفت ربها ، عز وجل ، فسبحت بحمده ثناء وتنزيها ، وهو لم يعرفه بعد ، فقد استولى جند الشيطان على قلبه وبدنه ، فأسره في قيد التصورات والإرادات الفاسدة وما يتولد منها من المعاصي والمنكرات الظاهرة .

يقول ابن القيم رحمه الله :
"وكذلك لولا شهود هذه الحوادث المشهودة لوجد الملحد أَيضاً مقالاً وقال : لو كان لهذا العالم خالقاً مختاراً لوجدت فيه الحوادث على حسب إرادته واختياره ، كما روى الحسن أَو غيره قال : كان أَصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يقولون : جلَّ ربنا القديم ، إنه لو لم يتغير هذا الخلق لقال الشاك فى الله إنه لو كان لهذا العالم خالق لحادثه بينا هو ليل إِذ جاءَ نهار وبينا هو نهار إِذ جاءَ ليل ، بينا هو صحو إِذ جاءَ غيم وبينا هو غيم إِذ جاءَ صحو ، ونحو هذا من الكلام ، ولهذا يستدل سبحانه فى كتابه بالحوادث تارة وباختلافها تارة ، إِذ هذا وهذا يستلزم ربوبيته وقدرته واختياره ووقوع الكائنات على وفق مشيئته ، فتنوع أَفعاله ومفعولاته من أَعظم الأَدلة على ربوبيته وحكمته وعلمه" . اهــ
ص145 .

فإن حدوث الكائنات في عالم الشهادة باستمرار وتجدد مئنة من وجود قادر مريد مختار يحدث ما شاء من الأفعال ، فهو : (فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ) ، فصيغة المبالغة مئنة من دوام الفعل ، فهي محولة عن صيغة فاعل لقصد المبالغة والتكثير ، كما ذكر ذلك ابن هشام ، رحمه الله ، في "شرح شذور الذهب" ، وصيغة فاعل بدورها نائبة عن المضارع ، والمضارع ، كما قد علم من دلالته الوضعية في لسان العرب ، يدل على وقوع الفعل في الحاضر والمستقبل ، فهو ، جل وعلا الفعال بمشيئته العامة النافذة ، لما يريد ، فجاءت الصلة : "يريد" على حد المضارعة على ما تقدم من دوام الحدوث ، فإحداث الرب ، جل وعلا ، ما شاء في كونه ، بكلماته الكونيات النافذة ، فهي علة صدور الكائنات ، كما تقدم مرارا ، ذلك الإحداث بالعلم والحكمة والقدرة والإرادة الاختيارية ، فهو ، جل وعلا ، فاعل باختيار ، لا باضطرار ، كما قال الفلاسفة ، نفاة صفات الرب ، جل وعلا ، ذلك الإحداث : رد لمقال كل ملحد أو زنديق من شيوعيي الزمن الماضي من الدهريين الذين قالوا : (مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ) ، ودهريي هذا الزمان من الشيوعيين ، الذين ردوا هذا الكون المحكم الجاري على ذلك السنن الرباني المتقن إلى محض الصدفة في الوجود والآلية في السير ، فلا قوة عليا موجدة له ، مدبرة لأمره ، ولو كان كما ادعوا لسار رتيبا ، فجاء تنوع الأفعال والمفعولات إبطالا لمقالتهم ، فهي مئنة من وجود تلك القوة العليا : القوة الربانية التي أنكروها ، ومن كان ذلك وصفه من كمال التصرف بالإيجاد والتسيير لخلقه بقدر سابق وقضاء حاضر يتجدد بتجدد مشيئته ، جل وعلا ، وقوع المقدور الأزلي ، فيقع كما قد قدر بلا زيادة أو نقصان ، على وجه يظهر به كمال علمه وحكمته ، فلا ينازعه مخلوق في أوصاف كماله ، فهو المنفرد بها ، من كان ذلك وصفه فهو المستحق لكمال التأله بداهة ، فتوحيد الربوبية علة توحيد الألوهية فمتى أقر العبد بانفراد الرب ، جل وعلا ، بأوصاف الربوبية لزمه إفراده بتوحيد الألوهية ، وإلا وقع في التناقض العقلي بإثبات العلة ونفي معلولها .

والله أعلى وأعلم .


 
مهاجر
   
شارك Apr 7 2010, 07:03 AM مشاركة #128

عضو ذهبي
********
المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 918
التسجيل: 27-October 08
رقم العضوية: 17,154
  
يقول ابن القيم رحمه الله :
"والمقصود أن تنويع المخلوقات واختلافها من لوازم الحكمة والربوبية والملك ، وهو أيضاً من موجبات الحمد فله الحمد على ذلك كله أَكمل حمد وأَتمه أَيضاً ، فإِن مخلوقاته هى موجبَات أَسمائه وصفاته ، فلكل اسم وصفة أَثر لا بد من ظهوره فيه واقتضائه له ، فيمتنع تعطيل آثار أَسمائه وصفاته كما يمتنع تعطيل ذاته عنها ، وهذه الآثار لها متعلقات ولوازم يمتنع أَن لا توجد كما تقدم التنبيه عليه". اهــ
ص146 .

فبتنوع المخلوقات : تظهر آثار صفات الرب ، جل وعلا ، جمالا وجلالا ، فصفات الجمال تدل عليها الرحمات والعطايا ، وصفات الجلال يدل عليها العذاب النازل وصور الحرمان من العطايا عقوبة على مخالفة مراده الشرعي ، فأخذه شديد ، سواء أكان أخذ الاستئصال كما في قوله تعالى : (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) ، أو أخذ العذاب : (وَلَقَدْ أَخَذْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ) ، فمادة الأخذ : مادة جلال ، فلا تكون آثارها في الكون إلا عقوبات ونقما ، فالأثر دال على المؤثر ، فالرب ، جل وعلا ، فاعل بصفاته بإرادة اختيارية ، فلا مكره له ، ولا موجب يوجب عليه فعلا ، بل هو الذي يوجب على نفسه ما شاء ، ويوجب على خلقه ما شاء من أحكامه الكونية فلا راد لها ، وأحكامه الشرعية ، فلا يسع أحدا الخروج عنها ، فيؤثر الرب ، جل وعلا ، بوصفه ، فيظهر أثر الوصف بكلمات كونية يكون بها العطاء أو المنع ، الإحياء أو الإماتة ، الإنجاء أو الإهلاك ..... إلخ من الأضداد التي تدل على عموم ربوبيته ، فالحوادث الكونية هي أثر الصفات الربانية ، فظهور أثر الصفة هو الصحيح في هذه المسألة ، فالصفات الربانية الفاعلة هي علة صدور هذا الكون ، فبفعل الإحياء تكون الحياة ، وبفعل الإماتة يكون الموت ...... إلخ ، بخلاف من خلط بين الرب والعبد فجعل الظهور هو ظهور ذات الرب ، جل وعلا ، بصفاته ، في خلقه ، ففرعون ظهور الرب ، جل وعلا ، بصفات الجلال ! ، والمسيح عليه السلام ظهور بصفات الجمال ...... إلخ ، وذلك فرقان بين دين الإسلام وبقية الأديان ، فإن سائر الأديان لم تسلم من لوثة التشبيه ، بتشبيه الرب ، جل وعلا ، بالخلق ، بل حلوله فيهم واتحاده بذواتهم ، فعطلوا الرب ، جل وعلا ، عن وصف كماله الذي انفرد به ، فليس كمثله شيء ، ولم تسلم من لوثة التعطيل لزوما ، فإن تعطيل الرب ، جل وعلا ، عن صفات كماله غلوا في التنزيه إنما هو لازم التشبيه ابتداء بجعل أوصافه العلية من جنس أوصاف سائر البرية ، فيمعن النافي في نفيه حتى يسلب الرب ، جل وعلا ، وصف كماله ، وهو عين ما وقع فيه المشبه ، فكلاهما مشبه معطل في نفس الوقت ، وما ذلك إلا سوء ظن بالرب ، جل وعلا ، وضعف إيمان بالغيب ، من جنس طريقة يهود في تقديس المحسوس المشاهد ، فقد عبدوا العجل لما رأوا غيرهم يعبده فلم تطق نفوسهم الكثيفة ، وفطرهم البليدة ، عبادة رب لا يرونه بأبصارهم في عالم الشهادة فقالوا للكليم عليه السلام : (لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً) ، فكذلك كل من جاء بعدهم من أصحاب الملل والنحل المحرفة ، فالنصارى مع عظم عدائهم لليهود ، أو هكذا يفترض ! ، جسدوا الرب ، جل وعلا ، أو وصفا من أوصافه بما أحدثوه من مقالة الأقنوم الذي تجسدت فيه الكلمة الكونية والصحيح أن الناسوت كان بها ، فخلق بالكلمة التكوينية ، لا أنها عين الناسوت المخلوق ، فجسدوا الرب ، جل وعلا ، أو وصفا من صفاته في ذات المسيح عليه السلام ، فتلك مادية يهودية ظاهرة ، مع ادعائهم الروحانية التي تكذبها طرائقهم لا سيما في الأعصار المتأخرة وقد غلبت عليهم المادية بعد انتصار العلمانية على دين الكنيسة ، فما كان لها أن تنتصر إلا وقد تهيأت العقول لقبولها ، فغلبت عليهم المادية حتى فاقوا يهود في بعض صورها ، وذلك مئنة من الأثر اليهودي الظاهر في دين النصرانية ، فما التثليث إلا بدعة بولسية أدخلها شاؤول المتنصر زورا ليفسد دين المسيح عليه السلام ، فحملوها عنه ، وقد ظهر أثر هذه البدعة في سلوكهم ، فمن جسد الإله في ناسوت بشري ، فلم يقدر على الإيمان برب جليل يباين الخلق فليس فيه شيء منهم وليس فيهم شيء منه فقد تنزه عن أوصاف النقص التي طبعوا عليها ، فمن لم يقدر على الإيمان إلا برب يراه ، ولو في صورة منتحلة أو حتى حقيقية للمسيح عليه السلام تعلق على جدران الكنائس ، من كان ذلك حاله كيف لا يكون قبوله لأي فكر مادي قبولا يسيرا ، لا سيما مع ضغط الكنيسة المرهق وإرهابها الفكري والبدني الذي بغض الدين إلى أتباعه .

فبإزاء الغلو في تقديس الكهنوت إلى حد التصديق بالخرافة ، كان الغلو في تعظيم "الأنا" في أوروبا التي عبدت نفسها بعد أن كانت تعبد الكنيسة ، فمنطلقها ، كما يقول بعض الفضلاء المعاصرين ، من : "الأنا" فالفرد هو محور هذا الكون بخلاف دين المرسلين عليهم السلام ، دين الإسلام ، الذي ينطلق فيه الإنسان من قاعدة شرعية راسخة ترد الأمر إلى خالق الكون ، جل وعلا ، فتتلاشى : "الأنا" بتلاشي حظوظ النفس أمام حكم الرب جل وعلا .

والشاهد أن آثار صفات الرب ، جل وعلا ، هي ما نعاينه من الحوادث الكونية التي تتجدد بتجدد مشيئة الرب ، جل وعلا ، إيقاعها ، فصفاته الفاعلة : حادثة الأفراد باعتبار تعلقها بالمشيئة ، قديمة الأنواع باعتبار تعلقها بالذات القدسية ، فأنواعها قديمة قد اتصف الرب ، جل وعلا ، بها أزلا ، فلما شاء ظهور آثارها في عالم الشهادة أحدث من آحادها ما ظهرت به هذه الآثار ، فشاء خلق فلان من الناس فتعلق ذلك بمشيئته ، فكان فلان بكلمته التكوينية النافذة بعد أن لم يكن ، وشاء هلاك فلان فتعلق ذلك ، أيضا ، بمشيئته ، فهلك فلان بكلمة تكوينية أخرى ، فلكل فعل كلمة تكوينية تخصه ، كما أن لكل فعل آثارا في الكون تدل عليه .

يقول ابن القيم رحمه الله :
"وأَيضاً فإِن تنويع أَسباب الحمد أَمر مطلوب للرب تعالى محبوب له ، فكما تنوعت أَسباب الحمد تنوَّع الحمد بتنوُّعها وكثر بكثرتها ومعلوم أَنه سبحانه محمود على انتقامه من أَهل الإِجرام والإِساءة ، كما هو محمود على إِكرامه لأَهل العدل والإِحسان ، فهو محمول على هذا وعلى هذا .

مع ما يتبع ذلك من حمده على حلمه وعفوه ومغفرته وترك حقوقه ومسامحة خلقه بها والعفو عن كثير من جنايات العبيد فنبههم باليسير من عقابه وانتقامه على الكثير الذى عفا عنه ، وأَنه لو عاجلهم بعقوبته وأَخذهم بحقه لقضى إِليهم أَجلهم ولما ترك على ظهرها من دابة ، ولكنه سبقت رحمته غضبه وعفوه انتقامه ومغفرته عقابه ، فله الحمد على عفوه وانتقامه ، وعلى عدله وإِحسانه ، ولا سبيل إِلى تعطيل أَسباب حمده ولا بعضها . فليتدبر اللبيب هذا الموضع حق التدبر ، وليعطه حقه يطلعه على أَبواب عظيمة من أَسرار القدر ، ويهبط به على رياض منه معشبة وحدائق مونقة . والله الموفق الهادي للصواب" . اهــ
ص146 .

فالحمد ، كما تقدم ، يكون على كل أفعال الرب ، جل وعلا ، جمالا وجلالا ، فتنوع صفاته إلى : صفات جلال وصفات جمال يلزم منه تنوع آثارها فآثار صفات الجمال هي سائر الرحمات الكونية والشرعية التي تستوجب الحمد والشكر له تبارك وتعالى ، وآثار صفات الجلال هي صور انتقامه وبطشه بأعداء الرسل ، عليهم السلام ، فلما كان ، تبارك وتعالى ، أهلا لسائر أجناس المحامد ، حال العافية وحال البلاء ، حال النعمة وحال النقمة ، لزم من ذلك تنوع وجوه القدر الكوني بوقوع المتضادات ، ليظهر أثر أوصاف جلاله ومقابلها من أوصاف جماله ، فإن لم يكن ثم أعداء للرسل عليهم السلام : كيف يظهر وصف جلاله بإهلاكهم ؟! ، وتلك من أجل حكم خلق الشر ، فخلقه في حد ذاته مئنة من كمال قدرة الرب ، جل وعلا ، فهو خالق الشيء وضده ، ومئنة من حكمته ، بوقوع سنة التدافع بين الخير والشر فينتظم بذلك أمر الكون على هذا النحو المتقن ، ومئنة من علمه المحيط ، فشاء وقوع الشر بقدره الكوني النافذ لما علمه بعلمه الأزلي الأول من الخير الآجل الذي لا يقع إلا بوقوع الشر العارض ، فذلك من جملة السنن الكونية ، لما جبلت عليه الكائنات من خير أو شر ذاتي فيها ، فلا يتصور خلوها من وصفها الذاتي الملازم لها فذلك مخرج لها عن طبيعتها التي خلقها الله ، عز وجل ، عليها ، فلا يظهر كمال الخير إلا بظهور ضده من الشر ، ولا يمكن أن يظهر إلا بذلك ، وإلا بطلت السنة الكونية ، بنزع القوى المؤثرة بالخير أو الشر من الكائنات ، فتصير عديمة الوصف ، فلا ينبني عليها حكم ، فالحكم بالمدح أو الذم إنما يكون تبعا للوصف ، فيدور معه وجودا وعدما ، فيدور حكم المدح مع وصف الخير والنفع ، ويدور حكم الذم مع وصف الشر والضر .

والله أعلى وأعلم .


 
مهاجر
   
شارك Apr 13 2010, 07:02 AM مشاركة #129

عضو ذهبي
********
المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 918
التسجيل: 27-October 08
رقم العضوية: 17,154
  
يقول ابن القيم رحمه الله :
"وأَيضاً فإِن الله سبحانه نوَّع الأَدلة الدالة عليه والتى تعرّف عباده به غاية التنوع ، وصرّف الآيات وضرب الأَمثال ، ليقيم عليهم حجته البالغة ويتم عليهم بذلك نعمته السابغة ، ولا يكون لأحد بعد ذلك حجة عليه سبحانه ، بل الحجة كلها له والنعم كلها له والقدرة كلها له فأَقام عليهم حجته ، ولو شاءَ لسوَّى بينهم فى الهداية كما قال تعالى : {فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} [الأنعام : 149] : فأَخبر أَن له الحجة البالغة ، وهي التي بلغت إِلى صميم القلب وخالطت العقل واتحدت به فلا يمكن العقل دفعها ولا جحدها". اهــ
ص146 .
فتنوعت أدلة الرب ، جل وعلا ، الكونية والشرعية ، الخبرية والعقلية ، على وحدانيته ، عز وجل ، فهو المنفرد بأوصاف الكمال : جلالا وجمالا ، المنفرد بالأفعال الكونية النافذة ، فمرد التأثير في هذا العالم إيجادا وإعداما ، إلى كلماته الكونيات النافذة ، فله كمال الوصف الذاتي والفعلي ، فتوحيد أسمائه وصفاته ، وتوحيد ربوبيته : قد ثبتا بالدليل النقلي الصحيح والعقلي الصريح ، فثبت لزوما توحيده ألوهية بأفعال عباده ، فضربت الأمثال ، وتنوعت الدلائل الخبرية والعقلية والفطرية والحسية على كمال انفراده بمنصب الربوبية ، ووجوب إفراده بمنصب الألوهية ، وبذلك بعث الرسل ، عليهم السلام ، فالرسالات قد تضمنت الهدى الخبري والبينات العقلية ، فدلائل الخبر والعقل قد تعاضدت ، وأيدتها من الخارج أدلة الحس بالنظر في الآيات الكونيات الباهرة : (سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ) ، فرؤية الآيات الكونية ذريعة إلى تبين الحق والرشد ، فذلك جار على ما اطرد من التلازم الوثيق بين نوعي التوحيد : الخبري والعملي ، فحصل ببيان النبوات : قيام الحجة البالغة على النوع الإنساني ، فالرسل عليهم السلام قد بعثوا : (مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُل) ، فبشروا بخبر الوعد ترغيبا في امتثال المأمور ونفروا بخبر الوعيد ترهيبا من ارتكاب المحظور ، فاستوفت الرسالات شطري : العلم ولازمه من الانقياد بالطاعة ، فذلك العمل الذي لا ينفك عن العلم ، فهو الصورة الظاهرة لما قام بالقلب من التصورات الباطنة ، فتخلفه مئنة من فساد التصور جزما ، فمن المحال بمقتضى ما جبل عليه النوع الإنساني من الحركة الباطنة في المعقولات والحركة الظاهرة في المحسوسات ، أن يوجد تصور علمي صحيح ، يولد في القلب إرادات صحيحة ، مع صحة في آلات الفعل ، فأطراف الصحة الباطنة والظاهرة قد اجتمعت ، ومع ذلك يتخلف العمل المصدق لذلك العلم الجازم فهو ترجمانه ولسان الصدق الشاهد له ، فعلى أي شيء تشهد الجند إن لم تشهد لما يريده الملك فهي تحت رايته تقاتل وعن ملكه تنافح سواء أكان ملكا قد أسس بنيانه على التقوى أم ملكا قد أسس بنيانه على شفا جرف هار ، فالنبوات هي التي قامت بها الحجة على البشر ، ولذلك توجهت إليها سهام القدح من الملاحدة الذين يحطون من شأنها فقد صيروها من جنس السياسات الملوكية التي يحدثها المتملكة والمتأمرة لسياسة الخلق ، فينتحل صاحبها النبوة ليسبل على ملكه إزار القداسة والعصمة والتأييد بالوحي ، فيستر بذلك حقيقة أمره ، فهو ملك كسائر ملوك الأرض يريد تعبيد الناس له وإن زعم تعبيدهم للرب ، جل وعلا ، وإخضاعهم لناموسه الذي زعم له القداسة والعصمة لمكان النبوة ، وإن زعم أنه ناموس إلهي نازل ، فليس في حقيقته إلا ناموسا أرضيا من عقل صاحبه قد صدر ليسوس البشر به سياسة أصحاب الكهنوت لأتباعهم ، فقياسه قد بلغ الغاية من الفساد إذ جعل النبوة الهادية من جنس الكهنوت ، معدن الضلال بالتقليد الأعمى لبشر قد صيروا أنفسهم أربابا من دون الله ، عز وجل ، فيحلون ما شاءوا ويحرمون ما شاءوا ، فقد نازعوا الرب ، جل وعلا ، منصب ربوبيته ، فادعوا لأنفسهم من التدبير الشرعي : بالتحليل والتحريم ما لا يكون لغير الرب ، جل وعلا ، فهو من أخص أوصافه ، والواقع يكذب هذه الدعوى الجائرة فــ : (مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ) ، فالرسل عليهم السلام لم يكونوا على طريقة الطواغيت ، فلم يبلغوا إلا الرسالات ، بلا زيادة أو نقصان ، ولم يروموا إلا سياسة الخلق بأحكام الوحي لا بأحكام الهوى كما كان أصحاب الكهنوت يرومون ، وكما يروم العلمانيون في زماننا فيريدون إخراج الناس من عبودية رب العباد ، جل وعلا ، إلى عبودية العباد برد الأمر إلى العقول والأهواء المضطربة ، فكل عقل بما لديه فرح ، وبقياسه مطمئن وإن خالف الوحي المنزل ، ولا يفصل النزاع بين تلك الأهواء المتلاطمة إلا كتاب منزل من السماء ، فمنزله ، جل وعلا ، قد بلغ الغاية من العلم والحكمة ، فهو العليم بحال عباده الحكيم فلا يشرع من الدين إلا ما بلائم أحوالهم ، فــ : (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا) ، وإن بدا لهم خلاف ذلك لقصور نظرهم فلا يدرك المآل إدراكه للحال ، فيروم تحصيل المصلحة العاجلة الصغرى ولو فوت على نفسه بذلك تحصيل المصلحة الآجلة العظمى فــ : (كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (20) وَتَذَرُونَ الْآَخِرَةَ) ، فالنبوات شرط صحة في النجاة ، فلا تكون نجاة إلا باقتفاء آثارها تصديقا وامتثالا .

يقول ابن القيم رحمه الله :
"ثم أَخبر أَنه سبحانه قادر على هداية خلقه كلهم ، ولو شاءَ ذلك لفعله لكمال قدرته ونفوذ مشيئته ، ولكن حكمته تأْبى ذلك وعدله يأْبى تعذيب أَحد وأَخذه بلا حجة ، فأَقام الحجة وصرّفَ الآيات وضرب الأمثال وَنوَّع الأدلة" . اهــ
ص146 ، 147 .

فصرف الرب ، جل وعلا ، الآيات ليقيم الحجج ويقطع الأعذار التي يتعلل بها منكرو الرسالات ، فــ : (مَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) ، فذلك عموم قد خصص عموم قوله تعالى : (وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ) ، فمن لم يبلغه النذير على وجه تحصل به إقامة الحجة الرسالية ، فتستوفى شروطها وتنتفي موانعها وترتفع الشبهات عنها ، من لم يبلغه النذير على هذا الوجه فهو معذور بشرط أن يكون طالبا للهدى مسترشدا في سؤاله لا معاندا ، فمن بلغه ذكر الرسالة الخاتمة ، فأعرض عن النظر في حججها وبراهينها النقلية والعقلية ، فليس بمعذور إذ قد بلغه ذكر من يزعم أنه نبي يوحى إليه ، وجنس النبوات في البشر ، لا سيما أهل الكتاب ، قد ذاع وانتشر ، فينظر في أدلة تلك الدعوى وحال صاحبها ، فيبعد ، كما تقدم في مواضع سابقة ، أن يمكن الرب ، جل وعلا ، لكاذب مفتر ، فالكذاب في أمر الدنيا مآله إلى افتضاح وإن راج كذبه حينا ، فكيف بالكذاب في أمر الدين بادعاء أعظم المناصب البشرية : منصب البلاغ عن رب البرية ، جل وعلا ، كيف يظهر أمره ويرتفع ذكره ، وينصر على عدوه ، وتسلم رسالته من القوادح ، فغاية أعدائها إثارة الشبهات الواهية بتتبع المتشابه والعدول عن المحكم ، كيف يكون كل ذلك وهو في نفس الأمر كاذب مفتر ؟! ، فذلك ، كما تقدم في مواضع سابقة سوء ظن عظيم بالرب الجليل الكريم تبارك وتعالى .

يقول ابن القيم رحمه الله :
"ولو كان الخلق كلهم على طريقة واحدة من الهداية لما حصلت هذه الأُمور ولا تنوعت هذه الأَدلة والأَمثال ، ولا ظهرت عزته سبحانه فى انتقامه من أَعدائه ونصر أَوليائه عليهم ، ولا حججه التي أَقامها على صدق أَنبيائه ورسله ولا كان للناس آية في فئتين التقتا فئة تقاتل فى سبيل الله ، وأُخرى كافرة يرونهم مثليهم رأْي العين ، ولا كان للخلق آية باقية ما بقيت الدنيا في شأْن موسى وقومه وفرعون وقومه وفلق البحر لهم ودخولهم جميعاً فيه ثم إِنجاءَ موسى وقومه ولم يغرق أَحد منهم وأَغرق فرعون وقومه لم ينج منهم أَحد ، فهذا التعرف إِلى عباده وهذه الآيات وهذه العزة والحكمة لا سبيل إِلى تعطيلها ألبتة ولا توجد بدون لوازمها". اهــ
ص147 .

فتلك الأمور لا تحصل مع كون البشر على طريقة واحدة ، فالتنوع مظنة التباين في الأخلاق والمسالك فيقع التدافع بينها لزوما ، فتظهر الآيات الدالة على ربوبيته ، عز وجل ، لكونه : جمالا وجلالا ، فيرضى عن المؤمنين وينصرهم ويسخط على الكافرين ويخذلهم ، فتتنوع الأحكام تبعا لتنوع الأوصاف فلكل وصف ما يلائمه من الأحكام ، فذلك مقتضى الحكمة الربانية التي توافق صريح الأقيسة العقلية .

يقول ابن القيم رحمه الله :
"وأَيضاً فإِن حقيقة الملك إِنما تتم بالعطاءِ والمنع والإِكرام والإِهانة والإِثابة والعقوبة والغضب والرضا والتولية والعزل وإِعزاز من يليق به العز وإِذلال من يليق به الذل ، قال تعالى : {قُلِ اللّهُمّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمّنْ تَشَآءُ وَتُعِزّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلّ مَن تَشَآءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنّكَ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ تُولِجُ اللّيْلَ فِي الْنّهَارِ وَتُولِجُ النّهَارَ فِي الْلّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيّ مِنَ الْمَيّتِ وَتُخْرِجُ الَمَيّتَ مِنَ الْحَيّ وَتَرْزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [آل عمران : 26 - 27] ، وقال تعالى : {يَسْأَلُهُ مَن فِى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِى شَأْنٍ}". اهــ
ص147 .

فالملك لا يكون إلا بالتصرف التام في الكون ، فالملك ، بكسر الميم ، قد يكون لمن لا تصرف له ، وذلك أمر منتف في حق الرب ، جل وعلا ، بداهة ، فهو المالك الملك ، المليك الجامع للوصفين فالزيادة في مبنى الاسم مئنة من الزيادة في المعنى بالجمع بين الوصفين ، فله مِلك العين فهو خالقها ، وله المُلك فهو مدبر أمرها بكلماته الكونية التي تعمل بها الجند الملائكية فلا تصدر إلا عنها ، فلا استقلال لها بتأثير في أحداث الكون بعطاء أو منع ، بل ذلك للرب ، جل وعلا ، على جهة الانفراد بالمشيئة العامة فكل مشيئة لها تبع ، فله في كل يوم شأن .
يقول ابن القيم رحمه الله :
"يغفر ذنباً ويفرّج كَرْباً ويكشف غما ، وينصر مظلوماً ويأْخذ ظالماً ويفك عانياً ويغني فقيراً ويجبر كسيراً ويشفي مريضاً ويقيل عثرة ويستر عورة ويعز ذليلاً ويذل عزيزاً ويعطى سائلاً ويذهب بدولة ويأْتي بأُخرى ويداول الأَيام بين الناس ويرفع أَقواماً ويضع آخرين يسوق المقادير التي قدرها قبل خلق السموات والأَرض بخمسين أَلف عام إلى مواقيتها فلا يتقدم شيء منها عن وقته ولا يتأَخر ، بل كل منها قد أَحصاه كما أَحصاه كتابه وجرى به قلمه ونفذ فيه حكمه وسبق به علمه ، فهو المتصرف في الممالك كلها وحده تصرف ملك قادر قاهر عادل رحيم تام الملك لا ينازعه فى ملكه منازع ولا يعارضه فيه معارض ، فتصرفه فى المملكة دائر بين العدل والإِحسان والحكمة والمصلحة والرحمة فلا يخرج تصرفه عن ذلك" . اهــ
ص147 .

فيتصرف في كونه بصفات جلاله وجماله ، فما نراه من انتظام أمر هذا العالم مع تدافع الخلق ووقوع الشر بالقضاء الكوني النافذ ، ففيه مفسدة عارضة تعقبها مصالح عظيمة ، تظهر بها آثار صفات الحكمة والعلم المحيط ، ما نراه من هذا السنن العجيب والتدبير العام لكل حركة في الكون فلا يخرج عن مشيئته شيء في الأرض ولا في السماء ، إنما هو مئنة من وجود الخالق بالقدرة المدبر بالحكمة ، جل وعلا ، فهو أول بذاته متصف بكمال الوصف والفعل ، فالكون إنما خلق لتظهر آثار أسمائه وصفاته فيه ربوبية ، فيوحده ويفرده المكلفون من الجن والإنس بالعبودية : ألوهية ، فله كمال الانفراد بالألوهية فذلك فرع لازم عن كمال انفراده بالربوبية ، على ما اطرد مرارا ، من دلالة التمانع بين فعل الرب جل وعلا : ربوبية وإحسانا ، وفعل العبد : ألوهية وإجلالا .

والله أعلى وأعلم .


 
مهاجر
   
شارك Apr 16 2010, 08:11 AM مشاركة #130

عضو ذهبي
********
المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 918
التسجيل: 27-October 08
رقم العضوية: 17,154
  
قال ابن القيم رحمه الله :
"والمقصود أَن الملك والحمد فى حقه متلازمان ، فكل ما شمله ملكه وقدرته شمل حمده ، فهو محمود فى ملكه وله الملك والقدرة مع حمده ، فكما يستحيل خروج شيء من الموجودات عن ملكه وقدرته يستحيل خروجها عن حمده وحكمته ، ولهذا يحمد سبحانه نفسه عند خلقه وأَمره ، لينبه عباده على أَن مصدر خلقه وأَمره عن حمده ، فهو محمود على كل ما خلقة وأَمر به حمد شكر وعبودية ، وحمد ثناءٍ ومدح ، ويجمعهما التبارك ، فتبارك الله يشمل ذلك كله ، ولهذا ذكر هذه الكلمة عقيب قوله : {أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ ، تَبَاركَ اللهُ رَبُّ العالَمِينَ}" . اهــ
ص148 .
فالملك والحمد متلازمان شرعا وعقلا ، فالملك : السبب ، والحمد : المسبَّب عنه ، فالملك مئنة من القدرة والحكمة ، فهو ملك للشيء وتدبير لشأنه ، كونا وشرعا ، كما تقدم مرارا ، والتدبير لا يكون إلا بعلم بحال المدبَّر ، وحكمة بإجراء ما يلائم حاله من الأسباب الكونية الملائمة لقوى بدنه المحسوسة ، والأسباب الشرعية الملائمة لقوى روحه المعقولة ، فمن له ذلك الوصف المحيط بخلقه ، لا يكون إلا محمودا في ذاته وأسمائه وصفاته ، فله كمال الذات القدسية ، وله كمال الأسماء والصفات العلية ، وحمده ، عز وجل ، حمد ثناء ، فذلك من قبيل دعاء الثناء الذي يصدر به دعاء المسألة ، توطئة للطلب ، فذلك من كمال الأدب مع ملوك الدنيا ، فملك الملوك ، جل وعلا ، أحق به وأولى ، فله المثل الأعلى ، وحمد شكر وعبودية ، فهو لازم الثناء ، فيثني العبد على ربه ، جل وعلا ، بما هو أهله من صفات الربوبية التي تقتضي لزوما : إفراده ، جل وعلا ، بأجناس العبودية ، والحمد منها ، فيحمد على عطائه شكرا ، ويحمد على منعه صبرا ورضا ، فيجمع النوعين : التبارك ، ولعل ذلك وجه إفراده ، جل وعلا ، بهذا الوصف ، كما قال بعض أهل العلم ، فالتبارك لا يكون إلا للرب ، جل وعلا ، فــ : "تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" ، فتبارك على جهة الألوهية ثناء لاتصافه بكمال وصف الربوبية ملكا وقدرة وخلقا ، إذ لا يستحق الحمد على جهة العموم لكمال وصفه وكمال فعله بالعطاء والمنع ، بالمعافاة والابتلاء .... إلخ إلا هو ، فكل محمود سواه فإنما يحمد لغيره ، فيحمد العبد على نفعه المتعدي إلى غيره ، بينما الرب ، جل وعلا ، يحمد لذاته لكمال وصفه اللازم من علم وحكمة ..... إلخ ، ويحمد لغيره لسبوغ نعمته على أوليائه فذلك من وصف فعله المتعدي إلى غيره ، وعظيم نقمته على أعدائه فذلك ، أيضا ، من وصف فعله المتعدي ، ولكن الأول : وصف جمال وفضل ، ترجوه النفوس رغبة ، والثاني : وصف جلال وعدل ، تخشاه النفوس رهبة .
فــ : "أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ" : فذلك مئنة من كمال ملكه ، فخلق بقدرته ، فالخلق المشهود أثر كلماته التكوينية النافذة ، وأمر في ملكه بما يشاء : تكوينا فجاءت الكائنات كما قد قدر وكتب ، فقضاؤها في عالم الشهادة تأويل المعلوم الأول ، و : تشريعا على ألسنة رسله عليهم السلام فبعثهم بأصدق الأخبار وأعدل الأحكام ، ففيها الصلاح العاجل والآجل ، وبها يقع الابتلاء ، فالناس في الأخبار إما : مصدق وإما مكذب ، وفي الأحكام إما : طائع وإما عاص ، ولا ينفك الأمران عن بعضهما ، فبينهما تلازم شرعي وعقلي وحسي وثيق ، فإن التصديق الباطن على جهة الإقرار الجازم أصل كل حركة ظاهرة : نطقا أو فعلا ، فلذلك شمل الإيمان : الاعتقاد والقول والعمل ، فالأول منشأ الآخرين ، فمن المحال عقلا أن يقع الانفكاك بين إرادة باطنة ، وآلة نطق أو فعل صحيحة مختارة ، فلا بد أن يكون الفرع دليلا على الأصل : صحة أو فسادا ، إلا إذا كان صاحبه : منافقا ، وهو مع ذلك لا بد أن يفتضح ، فيجري على لسانه أو جوارحه ما يدل على حقيقته ، ولا يقدح ذلك في الأصل ، لأنه استثناء لا يعول عليه في تقرير القاعدة الجامعة التي يسلم بها كل عاقل يدرك طبيعة النفس البشرية المتحركة باطنا بالتصورات والإرادات ، والمتحركة ظاهرا بتأويل ذلك بالأقوال والأفعال .
ثم جاء الثناء بالتبارك : "تَبَاركَ اللهُ رَبُّ العالَمِينَ" لعموم الحمد ، كما تقدم ، فله كمال الذات والصفات والأفعال ، فذلك الملزوم ، ولازمه : كمال الحمد ثناء وعبودية ، فتبارك على جهة الانفراد بكمال الحمد الذاتي والفعلي ، فذلك مما اختص به نفسه ، جل وعلا ، فلا يشركه فيه غيره من المحمودين وإن شرفت ذواتهم وعظمت أوصافهم .


يقول ابن القيم رحمه الله :
"فالحمد أَوسع الصفات وأَعم المدائح والطرق إِلى العلم به فى غاية الكثرة ، والسبيل إِلى اعتباره فى ذرّات العالم وجزئياته وتفاصيل الأَمر والنهى واسعة جداً ، لأَن جميع أَسمائه تبارك وتعالى حمد ، وصفاته حمد وأَفعاله حمد ، وأَحكامه حمد ، وعدله حمد ، وانتقامه من أَعدائه حمد ، وفضله فى إحسانه إلى أَوليائه حمد والخلق والأَمر إِنما قام بحمده ووجد بحمده وظهر بحمده وكان الغاية هى حمده فحمده سبب ذلك وغايته ومظهره وحامله فحمده روح كل شيء ، وقيام كل شيء بحمده ، وسريان حمده فى الموجودات وظهور آثاره فيه أَمر مشهود بالأَبصار والبصائر : فمن الطرق الدالة على شمول معنى الْحمد وانبساطه على جميع المعلومات معرفة أَسمائه وصفاته ، وإقرار العبد بأَن للعالم إِلهاً حياً جامعاً لكل صفة كمال واسم حسن وثناءٍ جميل وفعل كريم" . اهــ
ص149 .
فالحمد أوسع الصفات من جهة عمومه لكل أفعال الرب ، جل وعلا ، جمالا وجلالا ، فيحمد في السراء على أثر صفات جماله ، ويحمد في الضراء على أثر صفات جلاله ، فله الحمد في كل الأحوال والأوقات ، فهو المحمود بوصف ذاته وصفاته وافعاله ، أزلا وأبدا ، فلم يكن معطلا أبدا عن وصف الكمال ، حتى اكتسبه ، بل أفعاله المتعلقة بمشيئته النافذة ، هي أثر صفاته الفاعلة التي اتصف بها أزلا ، فلا يلزم ، كما تقدم مرارا ، من اتصافه بآحاد الأفعال الحادثة بمشيئته إيقاعَها على الوجه اللائق بجلاله ، لا يلزم من ذلك طروء كمال لم يكن متصفا به ، فيحمد على وجه الاستئناف بكمال لم يكن به متصفا ، بل ذلك الفعل هو أثر كمال سابق له قد اتصف به ، جل وعلا ، أزلا ، فهو محمود لاتصافه به أزلا ، فذلك من الحمد الأزلي ، محمود إذا شاء وقوعه أثره في عالم الشهادة من فعله الذي بلغ الغاية في القدرة والحكمة ، فذلك من حمده المتجدد بتجدد آثار أوصاف كماله في كونه ، فليس حمدا مستأنفا على شيء لم يكن متصفا به ، كما تقدم ، بل هو من الحمد المتجدد المؤكد للحمد الأزلي المتقرر ، فله الحمد أزلا وأبدا ، أولا وآخرا ، أكرم أو أهان ، أعطى أو منع ، ابتلى أو عافى ، فحمده قد عم ، كما تقدم ، كل الأحوال وكل الأوقات ، فلا زال ولا يزال وسيزال الحميد بأوصاف الجمال ، المجيد بأوصاف الجلال ، فالكون بنفاذ سننه ، ودقة نظامه ، وإتقان بنيانه دال على وحدانية خالقه ومدبره ، فلا ند له ولا نظير ، وأحديته فهو الموصوف بوصف الكمال فآثار قدرته وحكمته ظاهرة في كل الأعيان والأحداث الكائنة في عالم الشهادة فــ : (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ) .

يقول ابن القيم ، رحمه الله ، في بيان واف لهذا المعنى الجليل :
"وأَنه سبحانه له القدرة التامة والمشيئة النافذة والعلم المحيط والسمع الذى وسع الأَصوات والبصر الذى أَحاط بجميع المبصرات والرحمة التى وسعت جميع المخلوقات والملك الأَعلى الذى لا يخرج عنه ذرة من الذرات والغنى التام المطلق من جميع الجهات والحكمة البالغة المشهود آثارها فى الكائنات والعزة الغالبة بجميع الوجوه والاعتبارات والكلمات التامات النافذات التى لا يجاوزهن بر ولا فاجر من جميع البريات ، واحد لا شريك له فى ربوبيته ولا فى إلهيته ، ولا شبيه له فى ذاته ولا فى صفاته ولا فى أَفعاله ، وليس له من يشركه فى ذرة من ذرات ملكه ، أَو يخلفه فى تدبير خلقه ، أَو يحجبه عن داعيه أَو مؤمليه أو سائليه ، أَو يتوسط بينهم وبينه بتلبيس أَو فرية أَو كذب كما يكون بين الرعايا وبين الملوك ، ولو كان كذلك لفسد نظام الوجود وفسد العالم بأَسره : {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا الله لَفَسَدَتَا} . فلو كان معه آلهة أُخرى كما يقول أَعداؤه المبطلون لوقع من النقص فى التدبير وفساد الأَمر كله ما لا يثبت معه حالٍ ، ولا يصلح عليه وجود" . اهــ
ص149 .
فالتمانع في الربوبية باطراد السنن الكونية فلا نقص في تدبير الكون فهو على وصف من الصلاح ظاهر لكل ذي بصر وبصيرة ، ذلك التمانع مئنة من التمانع في الألوهية ، فالآمر واحد ، إذ لو تعددت الآلهة الآمرة لوقع التعارض بل والتناقض بين أوامرها لزوما ، فحصل من ذلك من الفساد في الكون ما لا مندوحة عنه ، وانتظام أمر العالم على هذا النحو البديع شاهد ببطلان ذلك ، فبطل الملزوم لبطلان لازمه .

يقول ابن القيم رحمه الله :
"ومن أَعظم نعمه علينا وما استوجب حمد عباده له أَن يجعلنا عبيداً له خاصة ولم يجعلنا ربنا منقسمين بين شركاءَ متشاكسين ، ولم يجعلنا عبيداً لإِله نحتته الأَفكار ، لا يسمع أَصواتنا ولا يبصر أَفعالنا ولا يعلم أَحوالنا ولا يملك لعابديه ضراً ولا نفعاً ، ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً ، ولا تكلم قط ولا يتكلم ولا يأْمر ولا ينهى ، ولا ترفع إِليه الأَيدي ولا تعرج الملائكة والروح إِليه ، ولا يصعد إِليه الكلم الطيب ، ولا يرفع إِليه العمل الصالح ، وأَنه ليس داخل العالم ولا خارجه ولا فوقه ولا عن يمينه ولا عن يساره ولا خلفه ولا أَمامه ولا متصلاً به ولا منفصلاً عنه ولا محاذياً له ولا مبايناً ، ولا هو مستو على عرشه ولا هو فوق عباده ، وحظ العرش منه حظ الحشوش والأَخلية ولا تنزل الملائكة من عنده بل لا ينزل من عنده شيء ولا يصعد إِليه شيء ولا يقرب منه شيء ، ولا يحِب ولا يحَب ، ولا يلتذ المؤمنون بالنظر إِلى وجهه الكريم فى دار الثواب ، بل ليس له وجه يرى ولا له يد يقبض بها السماوات وأُخرى يقبض بها الأَرض ، ولا له فعل يقوم به ولا حكمة تقوم به ، ولا كلم موسى تكليماً ، ولا تجلى للجبل فجعله دكاً هشيماً ، ولا يجيء يوم القيامة لفصل القضاءِ" . اهــ
ص149 ، 150 .

فمن أعظم نعمه توحد وجهة الداعين ، فوجهتم رب واحد له من الأسماء والصفات ما تعرف به إلينا ، فله الأسماء الحسنى والصفات العلى بخلاف من نفى صفات كماله ، كما هي طريقة المعطلة ، أو أثبت له وصف سوء كحال النصارى الذين شبهوه بالبشر ، فحل بذاته أو وصفه في ناسوت بشري مخلوق فجرى عليه ما يجري على البشر من أعراض النقص الجبلي التي يتصف بها المربوب ويتنزه عنها الرب ، جل وعلا ، وحال المجسمة الذين جعلوا أوصافه العلية من جنس الأوصاف البشرية ، فأهل الإسلام عموما ، وأهل السنة خصوصا أسعد الناس حظا في هذا الباب الجليل ، كسائر أبواب الدين ، فخبرهم صحيح وقياسهم صريح ، فالمستند النقلي : (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ) ، والمستند العقلي : (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) ، فنزل الكتاب العزيز بلسان عربي مبين ليعقله أولوا الألباب ، فهو : (هُدًى لِلنَّاسِ) : فذلك النقل الصحيح ، و : (وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ) : فذلك القياس الصريح ، ففيه الدعوى الخبرية الصحيحة وفيه الدليل السالم من المعارضة على صحتها .

والله أعلى وأعلم .


 
مهاجر
   
شارك Apr 23 2010, 07:28 AM مشاركة #131

عضو ذهبي
********
المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 918
التسجيل: 27-October 08
رقم العضوية: 17,154
  
يقول ابن القيم ، رحمه الله ، في معرض بيان طريقة نفاة الصفات بالإطناب في النفي وذلك مما يستقبح في مدح آحاد الملوك فكيف بملك الملوك ، عز وجل ، فمن مقالتهم أنه جل وعلا :
"لا ينزل كل ليلة إلى سماءِ الدنيا فيقول : لا أَسأَل عن عبادي غيري ، ولا يفرح بتوبة عبده إِذا تاب إِليه ويجوز فى حكمته تعذيب أَنبيائه ورسله وملائكته وأَهل طاعته أَجمعين من أَهل السموات والأرضين ، وتنعيم أَعدائه من الكفار به والمحاربين والمكذبين له ولرسله ، والكل بالنسبة إِليه سواءٌ ولا فرق ألبتة إِلا أَنه أَخبر أَنه لا يفعل ذلك ، فامتنع للخبر بأَنه لا يفعله ، لا لأَنه فى نفسه مناف لحكمته ، ومع ذلك فرضاه عين غضبه وغضبه عين رضاه ومحبته كراهته وكراهته محبته ، إِن هي إِلا إِرادة محضة ومشيئة صرفة يشاءُ بها لا لحكمة ولا لغاية ولا لأَجل مصلحة ، ومع ذلك يعذب عباده على ما لم يعملوه ولا قدرة لهم عليه ، بل يعذبهم على نفس فعله الذي فعله هو ونسبه إِليهم ، ويعذبهم إِذا لم يفعلوا فعله ويلومهم عليه ، يجوز فى حكمته أن يعذب رجالاً إِذا لم يكونوا نساءَ ونساءً حيث لم يكونوا رجالاً وطوالاً حيث لم يكونوا قصاراً وبالعكس وسوداً إِذا لم يكونوا بيضاً وبالعكس، (وذلك قول نفاة الحكمة الربانية من أهل الجبر الذين غلوا في إثبات القدر ، فأثبتوا القدرة ونفوا الحكمة) ، بل تعذيبه لهم على مخالفته هو من هذا الجنس إذ لا قدرة لهم ألبتة على فعل ما أُمروا به ولا ترك ما نهوا عنه .

فله الحمد والمنة والثناءُ الحسن الجميل إِذ لم يجعلنا عبيداً لمن هذا شأْنه فنكون مضيعين ، ليس لنا رب نقصده ، ولا صمد نتوجه إِليه ونعبده ، ولا إِله نعوّل عليه ، ولا رب نرجع إليه بل قلوبنا تنادي في طرق الحيرة : من دلنا وجمع علينا رباً ضائعاً لا هو داخل العالم ولا خارجه ، ولا مباين له ولا محاذ له ، ولا متصل به ولا منفصل عنه ، ولا نزل من عنده شيء ولا يصعد إليه شيء ، ولا كلَّم أَحداً ولا يكلمه أَحد" . اهــ
بتصرف من : ص150 ، 151 .

فذلك إطناب من ابن القيم ، رحمه الله ، في بيان مقالة نفاة الصفات ، فقد فصلوا في النفي حتى صيروا الرب ، جل وعلا ، وهو المتصف بكل كمال مطلق ، عدما لا حقيقة له ، فهو محض فرض ممتنع ، على طريقة نفاة الضدين ، أو القائلين بالمطلق بشرط الإطلاق من كل وجه ، كما هي مقالة الفلاسفة فهم من الغلاة في نفي الصفات الإلهية ، فهذا لا يكون خارج الذهن ، فالأعيان لا توجد خارجه إلا مقيدة بأوصاف يقع بها التمايز ، فيمتاز المخلوق بأوصافه التي تلائم ذاته ، ويمتاز الخالق ، عز وجل ، بأوصافه التي تقوم بذاته القدسية ، فكمالها المطلق فرع عن كمال ذاته المطلق ، كما سبقت الإشارة إلى ذلك مرارا ، فمن أطنب في النفي على هذا الوجه فمآل أمره : إنكار وجود الرب ، جل وعلا ، أو إثبات وجود ناقص لم ينزل به وحي ، ولم ينطق به نبي ، فطريقة الأنبياء عليهم السلام : الإثبات المفصل لأوصاف الكمال ، مع قطع الطمع في إدراك كنهها ، فلا يعلم ذلك إلا الرب ، جل وعلا ، فــ : (وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ) ، فلا يحيطون بشيء من علم ذاته أو صفاته إلا بما شاء ، على القول برجوع الضمير على ذات الرب ، جل وعلا ، الموصوفة بالكمال المطلق ، وذلك من الخصوص ، أو : لا يحيطون بشيء من علمه وذلك أعم من علم الأسماء والصفات فيشمل كل المغيبات والمشهودات ، فلا يحيطون بشيء من علمها إلا بما شاء ، وذلك العموم ، وعلى كلا الوجهين فقد شاء ، تبارك وتعالى ، ألا نعلم إلا معاني ما قد بلغته الرسل وجاءت به الكتب من أسمائه وصفاته ، فالكيف عن عقولنا محجوب فهو من الغيب الذي استأثر بعلمه الرب ، جل وعلا ، ليقع بذلك الابتلاء بتصديق الخبر ، فضلا عن تعظيم الرب ، جل وعلا ، فهو أعظم الغيوب ، وللغائب ، وإن كان مخلوقا هيبة في القلوب ، فكيف بالخالق ، عز وجل ، بل إن رؤية أهل دار السلام له ، جل وعلا ، رؤية تنعم لا إحاطة ، فجل ، تبارك وتعالى ، أن يحيط به مخلوق ، فالهيبة والإجلال كائنان في كل حال ، سواء أكان ذلك في دار الابتلاء بالاحتجاب ، أم في دار النعيم بالرؤية .


يقول ابن القيم ، رحمه الله ، في معرض بيان طريقة النفاة خصوصا وأهل الإحداث في الملل والنحل عموما من من خالفهم :
"ولا ينبغي لأحد أن يذكر صفاته ولا يعرفه بها بل يذكرها بلسانه فلا يتكلم بها وبقلبه فلا يعقلها وينبغي له أَن يعاقب بالقتل أَو بالضرب والحبس من ذكرها أَو أَخبر عنه بها أَو أَثبتها له . أَو نسبها إلِيه أَوْ عرفه بها ، بل التوحيد الصرف جحدها وتعطيله عنها ونفي قيامها به واتصافه وما لم تدركه عقولنا من ذلك فالواجب نفيه وجحده وتكفير من أثبته واستحلال دمه وماله أو تبديعه وتضليله وتفسيقه ، وكلما كان النفي أَبلغ كان التوحيد أتم ، فليس كذا وليس كذا أَبلغُ في التوحيد من قولنا هو كذا وهو كذا ، (وهذا قول النفاة كما تقدم فإطنابهم في النفي بخلاف إطناب الرسل عليهم السلام فهو إطناب في إثبات وصف الكمال للرب ، جل وعلا ، كما نزل به الروح الأمين عليه السلام فمرد هذا الباب إلى الوحي)" . اهــ
بتصرف من : ص151 .

فذلك مسلك النفاة الذين امتحنوا عقيدة السلف أصحاب الحديث في شخص الإمام المبجل : أحمد بن حنبل ، رحمه الله ، وذلك شأن صاحب كل مقالة حادثة في الملل أو النحل ، فإنه يعتقد أمرا ، ثم يتكلف له الدليل ، ولو بتأويل باطل شرعا وعقلا ينقض ما جاءت به النبوات نقضا ، ثم يمتحن غيره عليه ، فإن أجاب وإلا أبطن تكفيره أو تفسيقه ، فإن سلط عليه بالقدر الكوني ، فسيفه سيف ظلم غشوم ، يستأصل المخالف ، ولو كان الحق معه ، فسيف إرهاب معنوي بتكفير أو حرمان من الخلاص ، على طريقة رءوس الضلالة في دين النصارى المثلثة ، وسيف إرهاب بدني بالقتل والتنكيل ، ومحاكم تفتيش النصارى المثلثة ، أيضا ، خير شاهد على ذلك ، فهم سلف لكل ضال جاهل متعصب ، يسد على أتباعه منافذ الهداية بالترغيب تارة وبالترهيب أخرى ، وبصرف الهمم عن طلب الحق والتنفير منه ومن أهله بإطلاق الشائعات واختلاق الأكاذيب ، على طريقتهم في هذا العصر ، لا سيما في الآونة الأخيرة التي استعلن فيها القوم بسفالاتهم ، مع غياب سيف الشريعة الحاسم لأدواء الصدور ، فهم ، عند التأمل ، سلف كل محدث في الملة الآخرة ، فالجهل والتعصب والتشنيع على المخالف بالكذب المكشوف والإرهاب لطلاب الحق من الأتباع ، وإلهاء الجموع عن المسائل العقلية الملحة التي يجدها كل ذي عقل ينتحل مقالة تنقض دلالة العقل نقضا ، فمن أحدث في هذا الأمر فإنه حتما سيقع في التناقض الذي يفضح زيف طريقته ، ومع تخاذل أهل الحق تارة ، وعجزهم عن نصرة المستضعفين من طلاب الحق المسترشدين أخرى ، يستطيل أهل الباطل أكثر وأكثر ، وليس ثم سلطان للشرع يفزع إليه المستضعفون ، فسلطان هذا الزمان : سلطان جور يحكم بما تمليه الأهواء والمصالح دون نظر إلى المصالح والمفاسد الشرعية المعتبرة .

يقول ابن القيم رحمه الله :
"فللَّه العظيم أَعظم حمد وأَتمه وأَكمله على ما منَّ به من معرفته وتوحيده والإقرار بصفاته العلى وأَسمائه الحسنى ، وإِقرار قلوبنا بأَنه الله الذى لا إِله إِلا هو عالم الغيب والشهادة رب العالمين قيوم السماوات والأرضين إِله الأَولين والآخرين ، ولا يزال موصوفاً بصفات الجلال ، منعوتاً بنعوت الكمال ، منزهاً عن أضدادها من النقائص والتشبيه والمثال .
فهو الحي القيوم الذي لكمال حياته وقيوميته لا تأْخذه سنة ولا نوم، مالك السماوات والأرض الذي لكمال ملكه لا يشفع عنده أَحد إِلا بإِذنه ، العالم بكل شيء الذي لكمال علمه يعلم ما بين أَيدي الخلائق وما خلفهم فلا تسقط ورقة إلا بعلمه ولا تتحرك ذرة إلا بإذنه يعلم دبيب الخواطر في القلوب حيث لا يطلع عليها الملك ويعلم ما سيكون منها حيث لا يطلع عليه القلب ، البصير الذي لكمال بصره يرى تفاصيل خلق الذرة الصغيرة وأعضائها ولحمها ودمها ومخها وعروقها ، ويرى دبيبها على الصخرة الصماءِ في الليلة الظلماءِ ، ويرى ما تحت الأرضين السبع كما يرى ما فوق السموات السبع . السميع الذي قد استوى فى سمعه سر القول وجهره ، وسع سمعه الأصوات ، فلا تختلف عليه أصوات الخلق ، ولا تشتبه عليه ، ولا يشغله منها سمع عن سمع ، ولا تغلطه المسائل ، ولا يبرمه كثرة السائلين" . اهــ
ص151 .

فتلك طريقة الأنبياء عليهم السلام ، فقد فصلوا القول في إثبات وصف الرب جل وعلا فهو :
الحي القيوم فله كمال الذات والأسماء والصفات والأفعال : فحياته ، جل وعلا ، أصل صفات الذات ، وقيوميته أصل صفات الأفعال ، فله كمال الذات وما يقوم بها من الأفعال على الوجه اللائق بذاته القدسية ، فهو الحي لزوما ، المحيي تعديا ، القائم بنفسه لزوما ، المقيم لغيره تعديا ، فله كمال وصف الذات اللازم ، وكمال وصف الفعل المتعدي .
وهو العالم الذي أحاط علمه بكل الموجودات : فعلم الكلي والجزئي ، الماضي والحاضر والمستقبل ، فعلمه أول أزلي ، به يكون التقدير ، ثان ، لما يقع في عالم الشهادة من التأويل للمقدور الأول ، فقدر أولا وأحصى ثانيا ، وعلمه قد بلغ الغاية فهو الخبير العليم بدقائق الأمور ، الحكيم فذلك لازم إحاطته للكون بعلمه ، فلا يقع شيء فيه إلا لحكمة ربانية جليلة علمها من علمها وجهلها من جهلها ، فليست حكمته من جنس حكمة البشر ليجري عليها ما يجري على أفعال البشر من الأحكام تحسينا أو تقبيحا ، مرده إلى الشرع ، فالرب ، جل وعلا ، منزل الشرع ، فكيف يحكم على فعله بما شرعه لغيره ؟! . وذلك سبب زلل القدرية النفاة ، الذي قاسوا فعل الرب الكامل على فعل العبد الناقص ، فهم مشبهة الأفعال كما سبقت الإشارة إلى ذلك مرارا .
وهو البصير بالأعيان والأحوال ، قد ثبت له وصف العينين ، على الوجه اللائق بجلاله ، فذلك مفهوم النفي في قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في وصف الدجال : "إن الله لا يخفى عليكم ، إن الله ليس بأعور ، وأشار بيده إلى عينه ، وإن المسيح الدجال أعور العين اليمنى ، كأن عينه عنبة طافية" ، فهو من الوصف الذاتي الخبري ، يبصر بهما كيف شاء ، فمن بصره : بصر الإحاطة بالأعيان ، وبصر الإحاطة بالأعمال فــ : (وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ) ، وبصر العناية بأوليائه ، ففلك نوح عيسى عليه السلام : (تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ) ، مئنة من كمال العناية بنوح ومن معه من المؤمنين فتلك من العناية الخاصة بجماعة ، و : (وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي) ، فتلك من العناية الخاصة بفرد ، و : (قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى) ، فتلك من العناية بالتأييد للرسل عليهم السلام حال البلاغ .
وهو السميع : فذلك أيضا مئنة من كمال علمه ونفاذه في كل الكائنات ، فله سمع الإحاطة العام الذي وسع كل الأصوات ، وسمع الإحاطة الخاص على جهة التهديد لأعدائه : (أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ) ، وسمع الإحاطة الخاص على جهة التأييد لأوليائه كما تقدم في قوله تعالى : (قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى) ، فهو تأييد لهما من وجه ، تهديد لعدوهما من وجه آخر .

يقول ابن القيم رحمه الله :
"قالت عائشة : الحمد لله الذي وسع سمعه الأَصوات ، لقد جاءَت المجادلة تشكو إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأني ليخفي علي بعض كلامها، فأنزل الله عز وجل : {قَدْ سَمِع اللهُ قَوْلَ الَّتِى تُجَادِلُكَ فِى زَوجِهَا وَتَشْتَكِى إِلَى اللهِ وَاللهُ يَسمَعَ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} [المجادلة : 1]" . اهــ
ص151 ، 152 .

فالآية قد تضمنت وصف الرب ، جل وعلا ، بالسمع ، ماضيا قد دخلت عليه "قد" تحقيقا ، فذلك من سمع الإحاطة العام ، وهو يدل لزوما على إحاطته العلمية لسائر الكائنات ، فسمع الله ، عز وجل ، قولها ، وسمع تحاروها مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، على حد المضارعة ، استحضارا لتلك الصورة الدالة على كمال وصف الرب ، جل وعلا ، فضلا عما تدل عليه من تجدد تعلق وصفه بالمسموعات حال وقوعها ، فذلك وصف متجدد بتجدد تعلق سمعه ، تبارك وتعالى ، بما شاء حدوثه من المسموعات ، فصفة السمع صفة ذات باعتبار قيامها بالذات القدسية ، صفة فعل باعتبار تعلقهابمشيئته ، عز وجل ، سماع ما يقع في كونه من المسموعات على جهة الإحاطة أو التهديد أو التأييد ، كما تقدم من دلالات سمع الباري ، عز وجل ، في التنزيل ، فله ، تبارك وتعالى ، كمال الذات والفعل ، وذيلت الآية بإثبات وصف السمع بصيغة المبالغة مقرونا بالبصر ، فهما لازما العلم المحيط ، كما تقدم ، فالآية قد استجمعت من أوصاف الرب ، جل وعلا ، صفات الإحاطة : سمعا وبصرا بدلالة المنطوق الصريح ، وعلما بدلالة اللزوم ، فعلمه قد أحاط بكل المعلومات ، كما سمعه وبصره قد أحاط بكل المسموعات والمبصرات ، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ، لا يفوته سماع داع أو مناج ، فيعطي فضلا ، ويمنع إما فضلا بادخار ثواب الدعاء ، أو برد مقدور شر به فما زالا يتعالجان ، وإما عدلا لقيام مانع الإجابة من خبث مطعم ، أو دعاء بإثم ..... إلخ من أسباب المنع ، وأظهر اسم الرب تبارك وتعالى : "الله" : الدال على الذات القدسية المتصفة بكل كمال ، أظهر في المواضع الأربعة : "قَدْ سَمِعَ اللَّهُ" ، و : "وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ" ، و : "وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا" ، و : "إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ" ، تربية للمهابة باستحضار صورة الإجلال للرب ، جل وعلا ، ذي الجلال ، فسمع الإحاطة مئنة من إحصاء ما يلفظ به اللسان ، فــ : (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) ، فجاءت النكرة في سياق النفي المقرون بالاستثناء حصرا ، فدلت على العموم مئنة من كمال الإحاطة ، وزيد في التوكيد بورود : "من" فهي تفيد التنصيص على العموم ، فذلك عموم بعد عموم ، وهو آكد في تقرير معنى المراقبة للرب ، جل وعلا ، فلا يلفظ اللسان إلا بما يرضي الرب ، جل وعلا ، فالآيات ، وإن كانت أخبار عن وصف كماله : سمعا وإحصاء ، إلا أنها تفيد الإنشاء من وجه ، فنص الوعيد ، كما تقدم في مواضع سابقة ، يحمل العبد على الترك ، فمعنى الزجر والنهي فيه : إنشاء ، فتجتمع له الدلالتان : الخبرية عن وصف الربوبية والإنشائية لأمر الألوهية ، فإن الإله هو الذي يأمر وينهى ، فإذا انتهى العبد عما يغضب الرب ، جل وعلا ، من الأقوال والأفعال ، فقد حقق لازم الربوبية من إفراده ، جل وعلا ، بالألوهية ، فآية تصديق الخبر : امتثال الأمر ، على ما تقدم مرارا ، من التلازم الوثيق بين وصف الربوبية ولازمه من تكليف الألوهية ، وما يدل عليه ذلك من التلازم الوثيق بين الباطن العلمي الذي يتلقى الأخبار تصديقا أو تكذيبا ، فيتولد من ذلك تصور معقول ، ينتج في القلب إرادات خير أو شر ، يظهر أثرها لزوما في الواقع المحسوس .

يقول ابن القيم رحمه الله :
"القدير الذي لكمال قدرته يهدي من يشاءُ ويضل من يشاءُ ويجعل المؤمن مؤمناً والكافر كافراً والبر براً والفاجر فاجراً ، وهو الذي جعل إِبراهيم وآله أَئمة يدعون إِليه ويهدون بأَمره، وجعل فرعون قومه أَئمة يدعون إِلى النار . ولكمال قدرته لا يحيط أَحد بشيء من علمه إِلا بما شاءَ سبحانه أَن يعلمه إِياه" . اهــ
ص152 .

وهو سبحانه : القدير ، فله القدرة على إيجاد الأعيان ، وله القدرة على تصريفها على سائر الأحوال ، فمهتد إذا شاء فضلا ، وضال إذا شاء عدلا ، فليست القدرة على الإيجاد فقط ، فذلك منطوق لسان المشركين : (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) ، بل هو القدير على حد المبالغة ، يصرف القلوب ، على ما قد علم أزلا من حالها ، فقدر لكل ما يلائمه من مادة هدى أو ضلال ، وهو القدير الذي دانت له السماوات والأرض ، وخضع لكلماته الكونيات : الأحياء والجمادات ، العقلاء والعجماوات ، فكل عن أمره الكوني يصدر ، فليس ثم حركة في كونه لا يعلمها ، فهو الذي قدرها بحكمته في عالم الغيب أولا ، وأوجدها بقدرته في عالم الشهادة ثانيا ، فله التقدير الكوني على جهة الإحاطة والنفاذ ، فلزم من ذلك أن يكون له التقدير الشرعي على جهة الكمال ، فالشرع فرع الكون ، كما تقدم مرارا ، فبلوغ وصفه الذاتي والفعلي الكمال المطلق يدل بداهة على بلوغ أمره الكوني ، خلقا ، وأمره الشرعي ، حكما : الكمال المطلق ، فالكامل لا يصدر عنه إلا كامل ، فتقديره الكوني النافذ : أثر صفات جلاله فلا راد لقضائه ، وتقديره الشرعي الحاكم : أثر صفات جماله ، فلا معارض لحكمه الذي أنزله ، وإن عدل عنه ضلال البشر إلى قياس أو ذوق ، فحكمهم ، وإن تحقق منه نوع مصلحة ، فهي مصلحة جزئية آنية قاصرة ، لقصور العلم والتصور ، فيكون الحكم قاصرا لزوما ، فالنقص يولد النقص ، بل إن ما فيه من كمال ، كما يقول بعض الفضلاء المعاصرين ، إنما يكون فيما وافق فيه الشرع المنزل ، وإن لم يدر قائله بذلك ، وكم أنطق الله ، عز وجل ، من لسان كافر أو جاحد بالرسالة الخاتمة بما يدل على كمالها وصلاحها ، فواطأها بما أجرى الله ، عز وجل ، على لسانه من الحق ، لتقوم عليه الحجة من لفظه ، فشهد بكمال ما يجحده ، ولا أدل على ذلك ، كما ضرب بذلك المثل ذلك الفاضل ، لا أدل على ذلك من الأزمة الاقتصادية التي عاشها العالم في الآونة الأخيرة ، ولا زالت آثارها إلى اليوم قائمة ، فقد حملت الغرب حملا على الإقرار بتفوق النظام المالي الإسلامي على النظام الرأسمالي الغربي ، فأخذوا منه ما يصلح دنياهم ، وجحدوا ، لتعصبهم ومركزيتهم الفكرية العنصرية ، جحدوا ما يصلح أمر أخراهم ، فأنطقهم الله ، عز وجل ، بلسان المقال والحال ، بكمال الشريعة الخاتمة ، فالمصلحة الكلية باعتبار الحال والمآل ، لمن تدبر ورزق فهما وسدادا ، المصلحة الكلية في الشرع المنزل ، وكماله مئنة من حكمة شارعه ، عز وجل ، كما أن نفاذ قدره الكوني مئنة من كمال قدرة مقدره .

ثم عرض ابن القيم ، رحمه الله ، إلى صورة من صور كمال القدرة الربانية بقوله :
"ولكمال قدرته خلق السموات والأَرض وما بينهما في ستة أَيام وما مسه من لغوب ولا يعجزه أحد من خلقه ، ولا يفوته ، بل هو فى قبضته أَين كان ، فإن فر منه فإِنما يطوى المراحل في يديه كما قيل :
وكيف يفر المرءُ عنك بذنبه ******* إِذا كان يطوي فى يديك المراحلا" . اهــ
ص152 .

فخلق فذلك وصف الإثبات المراد لذاته ، وما مسه من لغوب أو نصب ، فذلك وصف النفي المراد لغيره ، فالنفي الدال على العموم المؤكد بــ : "من" ، آكد ، كما تقدم ، في تقرير الوصف ، ومع تضمنه التنزيه للرب ، جل وعلا ، عن وصف السوء ، فإنه يدل لزوما على اتصافه ، عز وجل ، بكمال ضده من وصف القدرة ، فهو القدير على الخلق إيجادا فلا يعجزه خلق الكائنات : (أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ) : فذلك من الاستفهام الإنكاري الإبطالي في معرض تقرير الحجة العقلية الدامغة على منكري البعث ، فإنه ، عز وجل ، لم يعجزه الخلق الأول ، بل هو البديع الذي أوجد لا على مثال سابق ، فإعادة الخلق الجديد جائزة بل واجبة شرعا وعقلا في حقه ، جل وعلا ، فذلك من قياس الأولى الذي تكرر وروده في التنزيل في معرض تقرير الأخبار من بعث ونشور ، فضلا عن استعماله في تقرير أسماء وصفات الرب ، جل وعلا ، على الوجه اللائق بجلاله ، فهو خالق الكمال في كونه ، فاتصافه به ثابت من باب أولى ، وهو الأولى بكل كمال مطلق ، فما كان منه في خلقه ، فهو ثابت له من باب أولى ، فالمخلوق قد يوصف بالعلم مع قصور علمه ، فيوصف الرب ، جل وعلا ، وجوبا ، لدلالة الشرع والعقل ، بالعلم مع كماله وتنزهه عن عوارض النقص من جهل أو نسيان ، فوصفه بالعلم الكلي الكامل قياسا على اتصاف المخلوق بالعلم الجزئي الناقص ، من قياس الأولى ، فله من كل وصف ثناء مطلق أرفع درجة وأعلى منزلة .

والله أعلى وأعلم .


 
مهاجر
   
شارك Apr 30 2010, 07:15 AM مشاركة #132

عضو ذهبي
********
المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 918
التسجيل: 27-October 08
رقم العضوية: 17,154
  
يقول ابن القيم رحمه الله :
"ولكمال غناه استحال إضافة الولد والصاحبة والشريك والشفيع بدون إِذنه إِليه" . اهــ
ص152 .

فإضافة الولد والصاحبة له : مئنة من نقص الذات ، فيفتقر إلى زوج ، كما يفتقر الأزواج إلى بعضهم في عالم الشهادة ، وذلك مما يتنزه عنه الرب ، جل وعلا ، بداهة ، فهو الغني بذاته عن الأسباب ، فلا يستوحش ليفتقر إلى الأنس بزوج أو ولد ، فذلك وصف نقص تنزه عنه من الأزل ، فله كمال الذات والوصف أزلا وأبدا ، وإنما يستوحش من نقصت ذاته أو صفاته فافتقر إلى ما يكمل نقصه ويجبر كسره : حسا أو معنى ، فيفتقر إلى الزوج حسا ليقضي وطره ، ويفتقر إليه معنى ليشبع نفسه بالأنس به والتودد إليه كما يقع بين الأزواج في هذه الدنيا ، وتلك معان لا تليق بداهة بمن كملت ذاته وصفاته ، فقياسه وهو الكامل كمالا ذاتيا أزليا أبديا مطلقا ، على الناقص جبلة فلا ينفك عن افتقار إلى رب الأسباب ، جل وعلا ، لييسر له منها ما يقيم أمره ويصلح شأنه ، ذلك القياس من الفساد بمكان ، فالرب يطعم ولا يطعم ، ويرزق ولا يرزق ، فــ : (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) ، وبذلك احتج النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على وفد نصارى نجران ، فالمسيح عليه السلام بالإجماع : كان يأكل ويشرب وينام ويحدث ...... إلخ من عوارض الجبلة البشرية الناقصة ، فــ : (مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآَيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) ، ولا يعيبه ذلك فــ : (إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ) ، ولازم العبودية العامة : الافتقار إلى الأسباب الكونية من مطعم ومشرب ..... إلخ ، فمن نازع في ذلك بالإقلال من الطعام والشراب على وجه يقع به الإخلال والإضرار بالبدن ، لزهد يدعيه ، وإنما هو محص غلو قد أحدثه ، فرام الخروج عن طور البشرية إلى طور الملائكية ، وربما الإلهية ! ، إن كان الجوع والعطش وكثرة السهر قد أفسدت عقله ، كما يقع لكثير من الغلاة في هذا الباب ، فكثير منهم جاهل يسير في طريق العمل بلا دليل من العلم يعصمه ، فترد على عقله المختل وساوس الشيطان فيظنها فتحا من الرحمن بنبوة أو ولاية تسقط التكليف ، أو ترفعه إلى منزلة فوق منزلة البشر ، فهو شيخ طريقته ومحقق مقالته ، فله من الفتوح ما ليس للأتباع ، ولا سبيل لهم إلى بلوغ السلامة ونيل الكرامة إلا بالسير على خطاه ، فتتعدد صور الهداية بتعدد صور الجائعين في الخلوات ! ، فلكل تجربة تباين تجارب بقية الشيوخ ، فمن مقل ومن مستكثر من الرسوم والأوراد ، فلكل رسوم طريقته من هيئات التعبد والتنسك ، ولكل أذكاره التي لا مستند لها إلا نقل ضعيف ، أو تأليف حادث لمأثور صحيح ، فيركب منها هيئات ومقادير ليس عليها دليل فيقع في البدعة الإضافية ، فأمره دائر بين البدعة المطلقة بإحداث ما لا أصل له من الديانة ، والبدعة الإضافية بالتأليف والتركيب لما صح عن صاحب الشريعة صلى الله عليه وعلى آله وسلم على وجه حادث لم يرد في كتاب أو سنة ، ولم يؤثر عن سلف هذه الأمة .
والشاهد أنهم بذلك قد خرجوا عن قانون الأنبياء عليهم السلام فــ : (مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) ، و : (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ) ، فهم بشر يفتقرون إلى ما يفتقر إليه البشر من أسباب الحياة ، مع كونهم خير طباق الخلق ، فكيف بمن دونهم ؟! ، فإن فقره ثابت من باب أولى ، إذ لو كانت طريقته في طلب ما ليس للبشر من خصائص الغنى بهجر الأسباب على جهة الغلو بترك كلي أو إقلال خارج عن حد العادة ، لو كانت طريقته تلك طريقة مثلى ، فهي مما حض عليه الشارع وجوبا أو استحبابا ، لكان الأنبياء بها أولى وعليها أحرص ، لا سيما أفضلهم وخاتمهم صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهو القائل في بيان حاله ، وحاله أكمل الأحوال البشرية بداهة ، لكونه أفضل الخلق على الإطلاق ، فلا مطمع لملك أو إنسي أو جني في بلوغ منزلته ، فلا يصل إليها ملك مقرب أو نبي مرسل ، فهو القائل في بيان حاله : "أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي" ، فلم يخرجه وصف الرسالة عن طور البشرية ، كما تقدم من قوله تعالى : (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ) ، فصدر الخبر بوصف البشرية قطعا لطريق الغلو ، ثم ثنى بوصف الرسالة قطعا لطريق الجفاء ، فهو بشر فيما يتناوله من أسباب حياة البدن الكثيف ، فيشترك مع سائر البشر في ذلك ، وإن فضل عليهم بقدر زائد من قبيل : "إِيَّاكُمْ وَالْوِصَالَ إِيَّاكُمْ وَالْوِصَالَ قَالُوا فَإِنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي" ، وما روي عن طاووس وصفوان بن سليم مرسلا وروي نحوه عن أبي هريرة رضي الله عنه : "أعطي رسول الله صلى الله عليه وسلم قوة أربعين رجلا في الجماع" ، وقال سليمان عليه السلام : "لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى مِائَةِ امْرَأَةٍ أَوْ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ كُلُّهُنَّ يَأْتِي بِفَارِسٍ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ" ، فذلك القدر وإن امتاز به الأنبياء عموما والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم خصوصا ، إلا أنه لا يخرجهم ولا يخرجه عن طور البشرية بل غايته أن يثبت به لهم أشرف الهيئات والجبلات الآدمية ، وهو : نبي بما يتناوله من أسباب الوحي : مادة حياة الروح اللطيف ، فذلك قدر زائد قد اختص به الأنبياء عليهم السلام وأعظمهم قدرا وأوفرهم نصيبا منه النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فلا يعدل عن هذه الطريقة الكاملة إلى بنيات الطرق الحادثة بطرائق الزهد والنسك الغالية إلا محدث في الملة ، كما وقع من رهبان النصارى ، أو النحلة كما وقع من شيوخ الطرق أصحاب الكشوف والإلهامات الشيطانية ، التي ظنوها لسوء قصد باطن وفساد عمل ظاهر فتوحا رحمانية ، ولا يميز بين النوعين : الرحماني والشيطاني ، إلا من أوتي علما به يحصل الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ، فأمرهم قد يلتبس ، بادي الرأي ، بخارقة يجريها الرب ، جل وعلا ، على أيديهم ، فتكون في حق الصالح : آية أو كرامة تدل على نبوة صادقة أو ولاية صحيحة ، وتكون في حق الطالح : خارقة شيطانية تدل على فساد طريقة صاحبها ، فيفتن بها أصلا ، ويفتن بها أتباعه تبعا ، فهي تكريم للأول ، إهانة للثاني ، وإن كان القدر الظاهر منها مشتركا ، وإن كانت الآية أو الكرامة ، عند التحقيق ، أعظم قدرا ، بل الآية لا تلتبس بالكرامة ، فالآية معجزة من كل وجه فلا تجري إلا على يد نبي بخلاف الكرامة التي تجري على أيدي من دون النبي من الأولياء الصالحين ، ومع ذلك فالاشتراك ، ولو في الجنس الأعلى ، مظنة الإجمال ، فيشتبه الأمر على عموم المكلفين ، إذ خرق العادة لكليهما حاصل ، فلا يفصل هذا النزاع ، ويرفع هذا الإجمال إلا بيان كبيان الإمام المطلبي رحمه الله : "إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء ويطير في الهواء فلا تغتروا به حتى تعرضوا أمره على الكتاب والسنة" ، فمناط الأمر : تعظيم النبوة تصديقا واتباعا ، ولا يكون ذلك إلا للولي الصالح ، فلا بد أن يظهر من صلاح طريقته ما يمتاز به عن الكاهن أو الساحر ، فهما أعظم الناس قدحا في النبوة ، فليس لهم من التصديق والامتثال نصيب ، فــ : (مَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا) ، فيستحيل بداهة أن تجتمع ولاية الرحمن وولاية الشيطان في إنسان واحد ، فهما على حد التناقض ، والمتناقضان لا يجتمعان ولا يرتفعان كما قرر أهل النظر .
فالمسيح عليه السلام وسائر من غلا فيهم أتباعهم أو المنتسبون إليهم ، ولو دعوى باطلة لا مستند لها من شرع أو عقل ، أولئك لم يكونوا إلا فقراء مربوبين ، فلا غنى لهم عن أسباب الحياة ، ولا غنى لهم عن امتثال أمر الرب ، جل وعلا ، فلم يطلب المسيح عليه السلام ما ليس له من أوصاف الربوبية ، بل أرجع كل ما جرى على يديه من الخوارق إلى الإذن الكوني النافذ : (وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) ، فثبت بذلك بطلان ربوبيتهم ، وبطلان ألوهيتهم لزوما ، فهم عباد كبقية العباد لهم من الهيئات البشرية ما يبطل بداهة دعوى من ادعى فيهم الألوهية ، فخصائص الألوهية بالأمر والنهي ، قد انفرد بها من له كمال الربوبية بالخلق والملك ، وليس ذلك بداهة إلا للرب ، جل وعلا ، بل إن من أثبت له شريكا في ملكه أو أمره ، مقر بتفرده بوصف زائد يجعله أعلى درجة ، كالأب عند النصارى فإنه أشرف قدرا ووصفا من الابن ، وإن أثبتوا لكليهما وصف القدم والأزلية ، فالابن عندهم قد صدر عن الأب ، فهو أقنوم تجسد فيه اللاهوت ، أو وصف من أوصافه هو الكلمة ، فالصورة اللاهوتية أو الإلهية أشرف بداهة من الصورة الناسوتية أو البشرية ، وذلك قدر يكفي لإبطال هذه المقالة العجيبة ، فإن الأمر ، يؤول في النهاية ، إلى واحد ليس له في وصفه مثيل ، فبطل اشتراك غيره معه في منصبه ، ولزم عقلا إبطال تجسد ذاته أو وصفه في مخلوق حادث ، فذلك وصف نقص مطلق يلحقه بخلقه الحادث الذي تجري عليه أعراض النقص والفناء ، فما من مخلوق حادث إلا وله أجل ينتهي ويفنى عنده ، وذلك أمر لا يليق بذات أو وصف الرب الأول الآخر ، جل وعلا ، فالعقل الصريح شاهد عدل لما جاء به النقل الصحيح في هذا الباب الجليل وفي كل أبواب الديانة ، وغنى الرب ، جل وعلا ، المطلق ، مما يستدل له بنص الشرع وقياس العقل على نحو تزول معه كل شبهة ، بل ويستدل به على لازمه من تمام تفرده بمنصب الربوبية تكوينا ، فلا خالق إلا هو ، وتشريعا فلا حاكم إلا هو ، بحكمه الذي أنزله في كتابه أو أجراه على لسان أنبيائه ، فهم أصحاب الشرائع المتبوعة ، فحكمهم من حكمه فــ : (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) ، و : "ألا وإن ما حرم رسول اللَّه صَلَّى اللَّه عليْهِ وسَلَّم مثل ما حرم اللَّه" ، فالغني لا أرب له في غيره ليظن في حكمه ميل أو جور ، فإنما يقع الجور لافتقار الحاكم الجائر إلى ما يمكن به سلطانه ويقهر به أتباعه ، ولو كان ظلما وهضما لحقوقهم ، كما هو حال أئمة الجور في زماننا وفي كل زمان ، فالفقر الذاتي اللازم لهم يحملهم على ظلم غيرهم بسن القوانين الجائرة فيها تستباح الأنفس والأموال ، ولا فقر أعظم من ذلك ، وهو مما تنزه عنه الرب ، جل وعلا ، بداهة : "يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا" ، فلا يظلم ، جل وعلا ، عباده ، وإن كان قادرا على ذلك ، لكمال غناه ، فوصفه على الضد من وصف ملوك الدنيا : فالغنى وصف ذاتي لازم له ، به يتنزه عن ظلم العباد بهضم حقوقهم فــ : (مَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا) ، و : (إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) ، بل إنه الشكور لعملهم ، وإن قل ، فيربيه لهم : (وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ) ، وينميه لهم فــ : "مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّا الطَّيِّبَ وَإِنَّ اللَّهَ يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهِ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ" ، ويثمره لهم بالتكثير : (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ) ، والتضعيف فــ : (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً) ، فمن ذلك وصفه كيف لا تكون ذاته أكمل الذوات وأشرفها وصفاته أكمل الصفات وأعظمها وأفعاله أعدل الأفعال وأحكمها ، وشرائعه المنزلة ، لا سيما الشريعة الخاتمة ، أكمل الشرائع وأوفاها بيانا لما يجب انتحاله من الأخبار وامتثاله من الأحكام ، فمن آمن بغناه المطلق لزمه أن يرضى ويسلم لأمره الكوني النافذ وأمره الشرعي الحاكم ، فذلك مناط التكليف والابتلاء .

وإثبات الشريك والشفيع بدون إذنه له : مئنة من نقص الفعل ، فالعاجز عن فعل الشيء بنفسه هو الذي يفتقر إلى شريك يقاسمه التصرف أو يظاهره ، وكلا الأمرين منتف في حق غير الله عز وجل : (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ) ، وذلك مما باين فيه أهل الحق أهل الباطل من الغلاة في الأكابر كالأنبياء والأئمة والأولياء ، أو الأصاغر ، كسائر من ادعي له الفضل ، وليس له بأهل ، فهم يثبتون للرب ، جل وعلا ، شريكا في الأمر الكوني ، فليس منفردا بتدبير هذا الكون ، بل من الأئمة والألياء من يقول للشيء كن فيكون ، كما يزعم الغلاة من سدنة ورواد الأضرحة والمشاهد ، وذلك ما لم يقع فيه حتى المشركون الأوائل ، فلم يكن توحيد الربوبية : توحيد الملك والتدبير : محل نزاع بين الرسل عليهم السلام وأقوامهم ، فــ : (لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ) ، وإنما كان النزاع ، كما تقدم مرارا ، في لازم هذا التوحيد الذي لا ينفك عنه : توحيد الألوهية : توحيد الطاعة والانقياد ، وأما حال الغلاة في زماننا : الوقوع في نوعي الشرك : العلمي فيثبتون للمخلوق وصف الخالق ، عز وجل ، من سماع دعاء وإجابة وتصرف في الكون بالضر أو النفع ...... إلخ ، والعملي : فيصرفون له من أجناس العبادة ما لا يجوز صرفه إلا لله ، عز وجل ، فهو وحده : الرب الفعال لما يريد ، المعبود بحق بما يشرع . وعند النظر والتأمل ، يظهر أن الفساد في نوعي التوحيد : فساد متلازم ، فإنه ما دعا غير الله ، عز وجل ، فوقع في شرك العبادة إلا بعد أن اعتقد أن لهذا الغير من وصف الرب ، جل وعلا ، من التصرف والتأثير في الكون ما يسوغ دعاءه .
والشاهد أن إثبات أي وصف رباني للمخلوق هو شرك في الربوبية ، ولا يقتصر الأمر ، كما تقدم مرارا ، على صور الشرك الصريح بصرف العبادة مباشرة لغير الله ، عز وجل ، بل يتعدى ذلك إلى صور من الشرك العصري ، إن صح التعبير ، كحال من بدل الشرع المنزل ، فاتخذ أربابا من البشر يشرعون بما استحسنته عقولهم أو أذواقهم ، سواء أكان ذلك في التشريعات التعبدية كما يقع من كثير من شيوخ الطرق ، فكل يحدث من الأذكار والأوراد والهيئات التعبدية ..... إلخ ما يضاهي به المشروع منها ، فهو محدث في الديانة من هذا الوجه ، ثم يأمر أتباعه لزوما على جهة الإيجاب ، بالسير على تلك الطرائق الحادثة ، فلسان حاله : التشريع في العبادات ، أم في التشريعات العامة كما يقع من صناع الدساتير الوضعية التي لا تمت في جملتها إلى الشرع المنزل بصلة ، وإن وافقته في بعض المسائل ، غالبا ما تقتصر على الشئون الخاصة كالأحوال الشخصية ، فحال المحدث في التشريع العام كحال المحدث في التشريع الخاص ، فهو يحدث ما شاء مما استحسنه عقله من الأحكام ، ثم يدعو غيره إلى اتباعه اختيارا أو لزوما ، فيضطر أصحاب الحقوق إلى الاحتكام إليه لاستخلاص حقوقهم ، وذلك ، أيضا ، مما يقدح في ربوبيته ، عز وجل ، ولسان حال بل مقال فاعله في كثير من الأحيان : الطعن في حكمة الرب ، جل وعلا ، وعلمه ، والطعن في الحكمة : طعن في الفعل الصادر عنها ، فالفعل لا يكون كاملا إلا إذا صدر ممن له كمال الحكمة ، فإذا انتقص من قدرها انتقص من قدره بداهة ، فالفرع يتبع أصله في الحكم : كمالا أو نقصانا .

ومثل ذلك اتخاذ الشفيع عنده بلا إذنه ، فإن ذلك قياس فاسد للرب ، جل وعلا ، على خلقه ، فالملك من ملوك الدنيا يقبل شفاعة الشافعين عنده ، ولو اضطرارا فلا يكون المشفوع فيه على مراده ولكنه يضطر إلى قبول الشفاعة اضطرارا خشية خروج الشافع عن أمره ، فيداهن ويتملق الشافع ليستبقي وده ، فهو من أعوانه ، كما اطرد من حال أئمة الجور ، فإنهم يقربون أعوانهم ويقبلون شفاعاتهم في ذويهم وأتباعهم ، ليستبقوا قوتهم في حفظ ملكهم الجائر ، فيخشى الملك الظالم ألا يلبي شفاعة تابع من أتباعه لئلا يكيد له ، ويثير الرأي العام عليه ! ، أو يفضحه إن كان قد اطلع على أدلة تدينه ، وتلك معان منتفية في حق الرب ، جل وعلا ، بداهة ، فإنه جل وعلا ، غني عن الشريك والظهير فلا يفتقر إلى اصطناع أتباع من خلقه ، إذ كيف يفتقر إليهم وهو الذي أوجدهم وأمدهم بالأسباب ، فكل ما لهم من القوى والأسباب إنما هو محض عطية منه ، لا تنقص من ملكه ، جل وعلا ، شيئا ، فكيف يفتقر إلى قبول شفاعة من هذا حالهم من النقص والفقر ، وهو الكامل في ذاته الغني في صفاته .

والله أعلى وأعلم .


 
مهاجر
   
شارك May 3 2010, 06:59 AM مشاركة #133

عضو ذهبي
********
المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 918
التسجيل: 27-October 08
رقم العضوية: 17,154
  
وهي حيلة قديمة زينها الشيطان للغلاة في البشر فأغراهم باتخاذ الوسائط الأرضية في صورة من أفسد صور قياس العقل قيس فيها ملك الملوك ، جل وعلا ، على سائر ملوك الأرض الذين لا يمكن الدخول عليهم غالبا إلا باتخاذ الوسائط والشفاعات .

يقول ابن القيم رحمه الله :
"ولكمال عظمته وعلوه وسع كرسيه السموات والأَرض ، ولم تسعه أَرضه ولا سماواته ولم تحط به مخلوقاته ، بل هو العالي على كل شيء وهو بكل شيء محيط ، ولا تنفد كلماته ولا تبدل ، ولو أَن البحر يمده من بعده سبعة أبحر مداداً وأَشجار الأَرض أَقلاماً، فكتب بذلك المداد وبتلك الأَقلام ، لنفد المداد وفنيت الأَقلام ، ولم تنفد كلماته إِذ هى غير مخلوقة ، ويستحيل أَن يفنى غير المخلوق بالمخلوق . ولو كان كلامه مخلوقا - كما قاله من لم يقدره حق قدره ، ولا أَثنى عليه بما هو أَهله - لكان أَحق بالفناءِ من هذا المداد وهذه الأَقلام ، لأَنه إِذا كان مخلوقاً فهو نوع من أَنواع مخلوقاته ، ولا يحتمل المخلوق إفناءَ هذا المداد وهذه الأَقلام وهو باق غير فان" . اهــ
ص152

فإن العلو من لوازم العظمة ، كما تقدم مرارا ، فمن مفرداته : علو الشأن ، وذلك من مقتضيات العظمة ، فالعظيم عظيم في ذاته ، عظيم في وصفه ، عظيم في قدره ، عظيم في قهره ..... إلخ ، وقل مثل ذلك في العلو فمنه الذاتي ومنه الوصفي ، ومنه علو القدر والقهر ....... إلخ ، فتعالى أن يشبه وصفه وصف ، وتعالى أن يحيط به عقل ، وإنما للعقل ، كما تقدم مرارا ، إدراك المعاني الذهنية دون الحقائق الخارجية ، وتعالى أن يحيط بوصفه مخلوق ، فلا تحده جهة مخلوقة ، وإنما له العلو المطلق ، وتعالى أن يحيط بكلماته قرطاس أو مداد ، فإن المخلوق لا يحيط بغير المخلوق بداهة ، وبذلك رد أهل الإسلام والسنة على من قال بحلول الوصف الإلهي في المخلوق الأرضي ناسوتا حيا كان كالنصارى ، أو كائنا جامدا كالمعتزلة الذين قالوا بخلق الكلمات الإلهية في الشجرة التي نودي موسى الكليم ، عليه السلام ، من جهتها ، وأضل منهم من قال من النصارى الأرثوذكس بحلول الرب ، جل وعلا ، نفسه في ناسوت المسيح عليه السلام فلزمهم أن يكون هو المخلوق في رحم البتول ، عليها السلام ، المولود لها ، المغتذي بلبنها ، المحدث للحدث كسائر البشر ، المفتقر إلى الطعام والشراب والنوم ..... إلخ من عوارض البشر التي احتج بها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في جداله لأهل الكتاب من نصارى نجران ، كما تقدم ، وأضل منهم من قال بالحلول أو الاتحاد العام بسائر المخلوقات كما قد صرح بذلك غلاة أهل الطريق ، فلا مقالة في الدنيا في الرب الإله المعبود أفسد من مقالتهم ، وكل تلك المقالات إنما صدرت من قائليها لكون بضاعتهم من النبوات : مزجاة ، فإما نقل مبدل ، وإما قياس عقل فاسد ، وإما ذوق فاسد غلا في الفناء في ذات المعبود ، جل وعلا ، محبة ، بزعمه ، فوقع في فناء الوجود ، وما يلزم منه من الحلول أو الاتحاد ، فلكل نصيبه من الضلال بقدر بعده عن مصدر التلقي المعصوم : وحي النبوات المحفوظ رواية فنقله متواتر ، ودراية ، فبلسان عربي مبين قد نزل ، فلا يحمل إلا على لسان من قد نزل عليهم ، ولم يكن ذلك إلا لأهل الإسلام عموما ، وأهل السنة خصوصا .


يقول ابن القيم رحمه الله :
"وهو سبحانه يحب رسله وعباده المؤمنين ويحبونه ، بل لا شيء أَحب إِليهم منه ولا أشوق إليهم من لقائه ولا أَقر لعيونهم من رؤيته ولا أحظى عندهم من قربه ، وأَنه سبحانه له الحكمة البالغة فى خلقه وأمره وله النعمة السابغة على خلقه ، وكل نعمة منه فضل وكل نقمة منه عدل ، وأنه أرحم بعباده من الوالدة بولدها" . اهــ
ص152 .
فذلك من وصفه ، عز وجل ، بصفة المحبة على الوجه اللائق بجلاله ، فهي محبة حقيقية ، لا يلزم منها ما يلزم من بعض آثار محبة البشر المخلوق ، فبعضهم يظلم ويتعدى إرضاء لمحبوبه ، فيميل إليه لمحبته ، وإن كان ظالما جائرا ، فيغمض عينه عن مساويه ، لميله إليه ميلا جائرا يناقض معنى العدل الذي يعطى به الحق لأصحابه ، ولو كانوا أعداء ، وينزع به الحق ممن ليسوا بأصحابه ، وإن كانوا أحبة ، فذلك العدل المستوجب لوضع كل شيء في محله وإعطاء كل ذي حق حقه ، فبه تقوم السماوات والأراضين ، وبه تستقيم أمور الدنيا والدين ، فالمحبة البشرية قد تنقض هذا المعنى من وجه إذا كانت ميلا واتباعا للهوى ، ولذلك علقت المحبة الكاملة ، وهي محبة العبد لربه ، جل وعلا ، على اتباع الرسالة تصديقا وامتثالا ، فــ : (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) ، وذلك أمر يقتضي العدل لزوما ، فإن الرسالات لم تأمر بالجور ، بل قد أمرت بالعدل في كل أبواب الديانة ، ففي حق الرب ، جل وعلا ، أمرت بتوحيده فهو صاحب هذا الحق الذي لا شريك له فيه ولا منازع ، فقياس العقل الصريح : إعطاء كل ذي حق حقه ، ولا يوجد أحد سوى الله ، عز وجل ، يستحق صرف شيء من العبادة الباطنة أو الظاهرة له ، بل الرسل عليهم السلام ما انقادت القلوب لرسالاتهم إلا فرعا عن كونها من الرب ، جل وعلا ، قد صدرت ، فاتباعهم المطلق فرع عن الأمر الشرعي بذلك لمكان عصمتهم ، كما تقدم من آية المحنة ، فهم المبلغون عن الرب ، جل وعلا ، رسالاته أخبار وأحكاما ، فاتباعهم عند التحقيق : اتباع لمرسِلهم ، جل وعلا ، فتوحيد المرسَل بتصديقه وامتثال أمره ، ذريعة إلى توحيد المرسِل ، جل وعلا ، وذلك معنى يغيب عن كل من غلا في أمر المحبة فجعل المحبة الشركية بالغلو في الأفاضل من جنس المحبة الشرعية ، مع أنها تعارضها ، بل تنقض عراها نقضا ، فالمحبة الشرعية : محبة توحيدية لا تقبل الشراكة ، والمحبة الغالية : محبة شركية تخلع فيها أوصاف الخالق ، عز وجل ، على المخلوق ، فيصرف له من حقه تبارك وتعالى ، ما يعادل قدر ذلك الصرف ، فذلك جار ، على ما تقدم مرارا ، من التلازم الوثيق بين الربوبية والألوهية ، فهذه محبة باطلة فيها من جنس الميل عن الحق وإعطاء من لا يستحق ما لا يستحق من أجناس التعظيم بالعبادة التي لا تكون إلا للرب جل وعلا بداهة ، فيها من هذا الجنس الجائر ما ينقض معنى العدل نقضا ، فهو على النقيض منه : ظلم بين ، بل هو أعظم أجناس الظلم قدرا ووصفا .
والشاهد أن معنى المحبة معنى كلي يجمع أجناسا من المحبة الكاملة والمحبة الناقصة ، فلا يثبت منها لله ، عز وجل ، على الوجه اللائق بجلاله ، إلا الأجناس التي تليق بكمال ذاته القدسية ، لئلا يقع التناقض بين صفاته العلية ، فلو شبه مشبه يقيس وصف الرب ، جل وعلا ، على وصف عباده ، لو شبه محبته بمحبة البشر التي تدرك آثارها بالحس ، ويقع فيها من صور النقص ما يقع ، فالغالب على البشر الميل واتباع الهوى في الحب والبغض ، فذلك مما جبلت عليه النفوس التي تتعصب للمحبوب فترفعه فوق المرتبة التي هو بها ، بمقتضى الشرع ، كما رفعت النصارى المسيح عليه السلام من مرتبة النبوة فتلك مرتبته الشرعية إلى مرتبة الإلهية فتلك مرتبة شركية لا يرضاها صاحب الشأن ، عليه السلام ، بل هو منها براء ، فلسان مقاله يوم العرض : (سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (116) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (117) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) ، فما حصلوا شيئا من الغلو فيه إلا ضد ما أرادوه فنسبوا إليه من أوجه النقص ما نسبوا فقد أهانه أعداؤه وهم أخبث أجناس البشر فأغروا به عدوه ثم تسلطوا عليه بالقتل والصلب الذي نزهه الرب جل وعلا ، عنه فرفعه وطهره من رجسهم ، فمقالتهم فيه ، عليه السلام ، من التعصب والميل في الحب بمكان ، ونظيره في طرائق الإسلاميين من أصحاب المقالات والطرق ما وقع من بعض الفرق الغالية في تعظيم بعض أكابر الصحابة ، رضي الله عنهم ، على وجه وقع به جنس ما وقع في دين النصارى من رفع بشر فوق منزلته ، على نحو لا يرضاه ، هو نفسه ، فذلك عند التحقيق انتقاص من قدره وقدح في كماله وفضله ، وإنما يغلو الجاهل في محبوبه فيذمه من حيث أراد أن يمدحه ، وذلك شأن كل غال ، فالجهل والتعصب والغلو قرائن لا تنفك غالبا ، وفي مقابل هذا الغلو في المدح ، يقع لزوما غلو آخر في الذم ، فتنسب كل فضيلة إلى المحبوب ، ولو لم تكن فيه ، بل قد تكون ، كما تقدم ، مما يذم به ، ولكن الغالي فيه لنزقه وجهالته قد فسد قياس عقله فلا تمييز عنده بين المنقبة والمنقصة ، وفي المقابل تنزع كل فضيله من غيره ممن يساويه في المنزلة ، بل قد يفوقه ، فالنصارى ، قد غلوا في المسيح فنسبوا إليه الآيات والمعجزات وجعلوها مئنة من ألوهيته ، وذلك أمر ينقضه قياس العقل الصريح فمعجزات موسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام أكثر عددا وأعظم قدرا ولم يلزم من ذلك غلو فيهما بادعاء الألوهية لهما ، ولكن القوم لعظم جهالتهم ، قد غفلوا عن ذلك ثم عمدوا إلى القدح فيمن سواه ممن يشاركه وصف النبوة ، لا سيما النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم الذي أبان عن عوار طريقتهم بما أوحى إليه الرب جل وعلا من التنزيل الذي جاء بتقرير التوحيد الناقض للتثليث ، فتولد من غلوهم في المدح ، غلو آخر في الذم ، وفي كليهما قد أساءوا الأدب لجهل عظيم وهوى مستحكم ، وذلك أمر ظاهر فيهم إلى يومنا هذا ، بل قد زاد في الأعصار الأخيرة ، فصار القدح في النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من نصارى الغرب والشرق أمرا ممنهجا ، يكشف عن سوء طوية وضحالة علم وضعف عقل صاحبه ، فلا نقل ولا عقل ولا إرادة صحيحة لطلب الحق بتجرد وإنصاف ، وهو ، أمر ، يظهر ، أيضا ، بنفس القدر في مسالك الغلاة من الإسلاميين ، فلا بد من سلب كل فضيلة من غير الممدوح ، بل لا بد من نبزه بكل نقيصة ، ولو كان أرفع شأنا من الممدوح ، كما يظهر ذلك من طريقة من قدح في جمهور الصحابة ، رضي الله عنهم ، ففرق بينهم مع تماثلهم في وصف الصحبة العام وتفاضلهم بما قد اختص به بعضهم دون بعض من الخصائص أو الفضائل ، فأشبه من وجه ، من قد قال فيهم الرب جل وعلا : (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا) ، فهؤلاء يريدون التفريق بين الرسل عليهم السلام فيؤمنون ببعض ويكفرون بعض ، وأولئك يريدون التفريق بين الصحابة ، رضي الله عنهم ، فيوالون بعضا ويعادون بعضا ، والمسلك ، كما تقدم ، واحد ، وإن اختلفت أعيان الممدوحين ، فالنفس البشرية واحدة في حركاتها ، فتتشابه مسالك أهل العدل والاستقامة ، كما تتشابه مسالك أهل الجور والضلالة .

والشاهد أن من شبه الرب ، جل وعلا ، بمحبة هذا وصفها فإنه بين أمرين لا ثالث لهما :
إما أن يثبت هذه المحبة الباطلة لله ، عز وجل ، فيكون قد وقع في قياس التمثيل ، فسوى بين وصف الخالق ، جل وعلا ، ووصف المخلوق لمجرد الاشتراك في معنى المحبة العام .

وإما أن يفر من هذا اللازم ، وليس بلازم إلا له بما ألزم به نفسه من القياس الباطل ، فينفي وصف المحبة عن الله ، عز وجل ، بالكلية ، كما فعل المعطلة ، أو يؤوله بنحو إرادة الإحسان أو الإنعام ..... إلخ ، كما فعل المتكلمون ، فغايته أن ينفي ذلك المعنى الباطل ، ونفيه حق ، ولكنه قد نفى معه المعنى الصحيح الثابت للرب ، جل وعلا ، على الوجه اللائق بجلاله فلا يعتريه ما يعتري وصف البشر من النقص ، وإن اشترك معه في المعنى الكلي الجامع ، فذلك من قبيل الاشتراك المعنوي في الأصول الذهنية للمعاني دون حقائقها الخارجية ، فلكل وصف يليق بذاته كمالا أو نقصانا كما سبقت الإشارة إلى ذلك مرارا ، فلا يستوي وصف الخالق ، عز وجل ، الكامل ، ووصف المخلوق الناقص .

وأصل كل بلاء في هذا الباب : تشبيه الخالق ، عز وجل ، بالمخلوق ، كما وقع من النصارى جفاء في حق الرب ، جل وعلا ، فجوزوا اتصافه بأوصاف النقص ، وشاركهم في ذلك من وجه : نفاة صفات الكمال عنه ، جل وعلا ، فلازمه اتصافه بنقيضها من أوصاف النقص الذي يتنزه عنه شرعا وعقلا ، وتشبيه المخلوق بالخالق ، ولا يكاد ينفك عن النوع الأول ، كما وقع من النصارى ، أيضا ، غلوا في حق المسيح ، عليه السلام ، فخلعوا عليه من أوصاف الربوبية ما انتفى بداهة في حق عموم البرية ، وشاركهم في ذلك من وجه أيضا : كل من غلا في معبود أو متبوع أو مطاع ، سواء أرضي بذلك كطواغيت البشر ، كأمثال السحرة الذين يدعون علم الغيب والقدرة على التأثير بالضر والنفع فينازعون الرب ، جل وعلا ، وصفا من أخص أوصاف ربوبيته وهو التدبير الكوني ، فأولئك من جملة الطواغيت ، أو من جوز لنفسه أن يعارض شرع الرب ، جل وعلا ، بشرع مبدل وضعه بهواه أو ذوقه فينازع الرب ، جل وعلا ، أيضا ، وصفا من أخص أوصاف ربوبيته وهو التدبير الشرعي ، فهو ، أيضا ، من جملة الطواغيت ، أم لم يرض ، كالملائكة والمسيح ، عليه السلام ، وسائر الأئمة والصالحين الذين ابتلوا بالغلو فيهم وهم من ذلك براء فــ : (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ) ، و : (يَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (40) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ) .

يقول ابن القيم رحمه الله :
"وأنه أفرح بتوبة عبده من واجد راحلته التي عليها طعامه وشرابه في الأَرض المهلكة بعد فقدها واليأْس منها" . اهــ
ص152 .

فذلك من عظم فضله وكرمه ، فمع غناه التام عن عبده العاصي ، يمهله ويحلم عليه ، حتى يراجعه فيفرح بتوبته ، فرحا يليق بجلاله ، فنسبة الفرح هنا ، أيضا ، ليست كنسبة الفرح إلى البشر الذين يفرحون بمسرات طارئة لم يكن لهم بها علم سابق ، وذلك منتف في حق الرب ، جل وعلا ، بداهة ، بل هو العليم أزلا ، فيعلم متى يتوب العاصي الذي امتن عليه باصطفائه وتقريبه فقبل توبته مع عظم إساءته ، وذلك أمر يجد أثره كل عاص قد أمهله الرب ، جل وعلا ، حتى تاب ، فيقدر في عقله : ماذا لو لم يتب الرب ، جل وعلا ، عليه فمات على عصيانه ماذا سيكون حاله ؟! ، فذلك مما يستشعر به منة الرب ، جل وعلا ، عليه ، فنعمته حاصلة حال العصيان بالإمهال ، حاصلة حال التوبة بالإقلاع ، حاصلة حال الطاعة بتيسير أسبابها فذلك من عظيم فضله ، فهو المنعم في كل حال . ومن لم يقدر له التوبة فإنه يصبر عليه ويوفيه أجره في هذه الدار ، فلا ينفك عن نعمة من الرب ، جل وعلا ، وإن كانت معجلة فــ : (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ) .

يقول ابن القيم رحمه الله :
"وأَنه سبحانه لم يكلف عباده إِلا وسعهم وهو دون طاقتهم ، فقد يطيقون الشيء ويضيق عليهم ، بخلاف وسعهم فإِنه ما يسعونه ويسهل عليهم ويفضل قدرهم عنه كما هو الواقع .

وأَنه سبحانه لا يعاقب أَحداً بغير فعله ولا يعاقبه على فعل غيره ، ولا يعاقبه بترك ما لا يقدر على فعله ولا على فعل ما لا قدرة له على تركه" . اهــ
ص153 .

فذلك من كمال عدله وحكمته ، جل وعلا ، فقد علق الأحكام في الدارين على الأوصاف التي يكتسبها الفاعل بفعله ، فالأسماء والأحكام الشرعية فرع عن تلك الأفعال ، فيستحق اسم المدح ووصفه بفعل ما يستوجبه ، ويستحق ضده من الذم بفعل ما يستوجبه ، أيضا ، ولا يكلف ، جل وعلا ، لنيل درجة الكرامة إلا بما يطاق ، فلا يؤاخذ المكره ، على تفصيل ، أو المجنون ... إلخ ممن تعرض لهم عوارض التكليف فترفعه ، فلا يلامون شرعا وإن توجه إليهم خطاب الضمان وضعا . فأرسل الرسل مبشرين ومنذرين لتقام بهم الحجة : (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) ، فلا ثواب ولا عقاب إلا بعد ورود الشرع ، وإن أدرك العقل طرفا من حسن أو قبح الأقوال والأفعال ، فتلك آثار الفطرة المجملة التي تولى الرسل عليهم السلام بيانها ، فببيانهم زال الإشكال ، وأقيمت الحجة الرسالية على عموم البرية ، إلا من استثنى الرب ، جل وعلا ، من أهل الفترات ، كما في حديث الأسود بن سريع ، رضي الله عنه ، مرفوعا : "أربعة يحتجون يوم القيامة : رجل أصم لا يسمع شيئًا ، ورجل أحمق ، ورجل هرم ، ورجل مات في فترة ، فأما الأصم فيقول : رب ، قد جاء الإسلام وما أسمع شيئًا ، وأما الأحمق فيقول : رب ، قد جاء الإسلام والصبيان يحذفوني بالبعر ، وأما الهَرَمُ فيقول : رب ، لقد جاء الإسلام وما أعقل شيئًا ، وأما الذي مات في الفترة فيقول : رب ، ما أتاني لك رسول . فيأخذ مواثيقهم ليُطِعنّه فيرسل إليهم أن ادخلوا النار ، فوالذي نفس محمد بيده لو دخلوها لكانت عليهم بردًا وسلامًا" ، ولم يؤاخذ مكلفا إلا بفعله أو آثاره المترتبة عليه اللازمة له ، فيحاسب على فعل غيره من هذا الوجه ، فذلك جار مجرى : "مَنْ سن في الإسلام سنة حسنة ، كان له أجرها وأجر من عمل بها من بعده ، من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا ، ومَنْ سن في الإسلام سنة سيئة ، كان عليه وزرها ووزرُ مَنْ عمل بها من بعده ، من غير أن ينقص من أوزارهم شيئًا" ، فالأصل في هذا الباب : (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) ، وذلك عموم مخصوص بالوزر المتعدي الذي يقع فيه الإغواء للغير ، فيناله من أوزارهم ، فذلك ، عند التحقيق ، من كسبه الذي يؤاخذ عليه ، فلولا أن قدر الرب ، جل وعلا ، عليه ذلك كونا ، فجعله إمام ضلالة عقوبة لفئة نكصت عن الشريعة ، لولا ذلك ما وقعوا في المحظور ، فصار سببا مؤثرا يتوجه إليه الذم بمجموع أفعالهم : "ووزرُ مَنْ عمل بها من بعده" ، كما يتوجه إليهم بآحادها : "من غير أن ينقص من أوزارهم شيئًا" ، وذلك أمر ظاهر في واقع الناس فكم من عالم سوء ، لا سيما في زماننا ، قد أفتى بالباطل ، فانساق الناس وراءه متابعة لأهوائهم ، فكانت فتواه عقوبة لهم ، فلو علم الله ، عز وجل ، فيهم خيرا لأسمعهم فتوى حق من لسان إمام هدى ، ولكنه ، بمقتضى علمه الأول المحيط ، علم فيهم شرا فأسمعهم ضلالة ، أشربها القلب ، فهو محل قابل لها بما طبع عليه من فساد التصور والإرادة ، فــ : (الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ) .

ونظيره قوله تعالى : (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى) ، فقد استدل بها من قال بعدم انتفاع العبد يما يوهب له من ثواب الأعمال بعد موته مما ورد الدليل به كالصدقة والحج ، وأجيب بأن ذلك من كسب من وهب له ، وهو بالخيار يهب ثواب عمله لمن أحب ، وهو من سعي الميت من وجه آخر ، إذ قد اكتسب محبة أولئك في دار الابتلاء بما بذله لهم من الإحسان ، فذلك نوع كسب ، يجعله أهلا لنيل ما يهبونه له من ثواب الأعمال .

يقول ابن القيم ، رحمه الله ، في معرض بيان جملة من أوصاف الرب جل وعلا :

"وأنه حكيم كريم" :
فذلك جار على ما تقدم من تعليق الحكم على سببه ، فتعلق أوصاف المدح والذم على أسبابها الشرعية مئنة من حكمة من سن الشرائع وأرسل الكتب وبعث الرسل عليهم السلام ، وحكمته ، تبارك وتعالى ، ظاهرة في سننه الكونية ، فعلقت الأفعال على القوى الكامنة في الأعيان ، فهي الأسباب التي لا تعمل إلا بإذنه ، جل وعلا ، الكوني النافذ ، وعلقت الأحكام الشرعية ، كما تقدم ، على الأعمال ، صلاحا أو فسادا ، فالعمل الصالح يلائمه وصف المدح والوعد بالثواب ، والعمل الفاسد يلائمه وصف الذم والوعيد بالعقاب ، فــ : (كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ) ، و : (وَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا) ، لكمال عدله وحكمته وغناه عن ظلم عباده ، فلا يظلم ، كما تقدم مرارا ، إلا فقير غير مستغن عن متاع من ظلمه ، فيسلبه إياه ليستمتع به ، وذلك معنى تنزه عنه الرب جل وعلا شرعا وعقلا .

وهو الكريم فيعطي بلا سؤال ، فمنزلة الكرم أعلى من منزلة السخاء ، فالسخي يعطي عند السؤال ، فعطاؤه مقيد بخلاف عطاء الكريم المطلق ، ولله من الأسماء : الحسنى ، فالسخي : حسن ، والكريم : أحسن ، فيعم الحسن ويزيد عليه ، وذلك الأليق بمقام الرب جل وعلا .

"جواد ماجد" : فالجود من أوصاف الجمال ، والمجد الذي صيغت منه الصفة المشبهة : "ماجد" فهي مئنة من ثبوت الوصف وملازمته لذاته القدسية ، المجد اسم جامع لصفات الجلال في مقابل ، الحمد فهو اسم جامع لأوصاف الجلال ، ولذلك قرن بينهما في التشهد فهو ، تبارك وتعالى ، الحميد بأوصاف جماله ، المجيد بأوصاف جلاله ، وقد يراد بها المعنى الأعم ، فالمجد مئنة من السعة ، فله ، جل وعلا ، وصف السعة ذاتا وصفات ، وذلك أمر يستغرق عموم صفاته ، سواء أكانت صفات جمال أم صفات جلال .

"محسن" : فذلك وصفه المتعدي إلى عباده فأحسن إليهم بأجناس النعم الشرعية والكونية ، فأنزل الكتب والشرائع إحياء للنفوس ، وأنزل الأرزاق والأقوات إحياء للأبدان .

"ودود" : يقبل من تاب بعد إساءة ، بل يصطفيه ويدنيه فيهبه من خالص محبته ، ويسبغ عليه آلاءه الظاهرة والباطنة ، فذلك من عظيم منته .

"صبور" : يصبر على أذى خلقه ، فــ : "لا أَحَدَ أَصْبَرُ عَلَى أَذَى سَمْعِهِ مِنَ اللهِ ، يَجْعَلُونَ لَهُ وَلَداً وَهُوَ يَرْزقُهُمْ وَيُعَافِيهِم" ، ويصبر على الطغاة استدراجا فذلك من إملائه لمن سبق في علمه توليه وكفره ، ويحلم عمن سبق في علمه رجوعه وتوبته فذلك من إمهاله .

"شكور يطاع فيشكر ، ويعصى فيغفر ، لا أحد أصبر على أذى سمعه منه ، ولا أحد أحب إليه المدح منه ، ولا أحد أحب إليه العذر منه ، ولا أحد أحب إليه الإحسان منه" : يعطي على القليل الكثير كما أشار إلى ذلك بعض المفسرين كابن كثير رحمه الله .

ولا أحد أحب إليه المدح منه : فذلك مما باين به الخالق ، عز وجل ، المخلوق ، فيحب المدح إذ هو له أهل ، لكمال وصف ذاته وفعله ، بخلاف المخلوق فإن ذلك لا يليق به لنقصان ذاته وصفاته فحبه لما ليس له مئنة من الظلم والتعدي الذي يذم صاحبه ، فافترق الخالق ، عز وجل ، والمخلوق من هذا الوجه .

يقول ابن القيم رحمه الله :
"فهو محسن يحب المحسنين ، شكور يحب الشاكرين جميل يحب الجمال ، طيب يحب كل طيب ، نظيف يحب النظافة ، عليم يحب العلماءَ من عباده ، كريم يحب الكرماءَ ، قوي والمؤمن القوي أَحب إِليه من المؤمن الضعيف ، بر يحب الأَبرار ، عدل يحب أَهل العدل حى ستير يحب أهل الحياءِ والستر عفو غفور يحب من يعفو من عباده ويغفر لهم ، صادق يحب الصادقين ، رفيق يحب الرفق ، جواد يحب الجود وأهله ، رحيم يحب الرحماءَ ، وتر يحب الوتر ، ويحب أَسماءه وصفاته ويحب المتعبدين له بها ويحب من يسأَله ويدعوه بها ويحب من يعرفها ويعقلها ويثني عليه بها ويحمده ويمدحه بها .
كما فى الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم : (لا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْمَدْحُ مِنَ اللهِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ أَثْنَى عَلَى نَفْسِهِ ، ولا أَحَدَ أَغْيَرُ مِنَ اللهِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنَ اللهِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ أَرْسَلَ الرُّسُلَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ) ، وفي حديث آخر صحيح : (لا أَحَدَ أَصْبَرُ عَلَى أَذَى سَمْعِهِ مِنَ اللهِ ، يَجْعَلُونَ لَهُ وَلَداً وَهُوَ يَرْزقُهُمْ وَيُعَافِيهِم)" . اهــ
ص153 .

فيحب من عباده من اتصف بوصفه الذي يجوز للمخلوق أن يتصف به ، فهو كمال في حقه ، كما أنه كمال في حق الخالق ، جل وعلا ، من باب أولى فــ : "فهو محسن يحب المحسنين ........." ، فيحب أسماءه وصفاته ، ويحب من اتصف بها ، وذلك مخصوص بما لا يجوز للعباد الاتصاف به من أوصاف الجلال كالكبرياء والعظمة والجبروت ، فهي كمال في حق الرب ، جل وعلا ، نقص في حق المخلوق ، فلا تلائم حاله ، فالفقر والنقص والضعف أوصاف لازمة لمحله ، فلا يصلح لقبول آثار صفات الجلال ، بخلاف ذات الرب ، جل وعلا ، فله من الغنى والكمال والقوة ما صح بل وجب معه شرعا وعقلا : وصفه بأوصاف الجلال فهي لازمة لذاته لا تنفك عنها ، وهي متعلق الرهبة ، كما أن أوصاف الجمال لازمة ، أيضا ، لذاته ، فلا تنفك عنها ، وهي متعلق الرغبة ، وبينهما يتردد العباد فتارة يرهبون فيتركون ، وأخرى يرغبون فيعملون .

يقول ابن القيم رحمه الله :
"ولمحبته لأَسمائه وصفاته أمر عباده بموجبها ومقتضاها ، فأمرهم بالعدل والإِحسان والبر والعفو والجود والصبر والمغفرة والرحمة والصدق والعلم والشكر والحلم والأَناة والتثبت ولما كان سبحانه يحب أَسماءَه وصفاته كان أَحب الخلق إِليه من اتصف بالصفات التى يحبها، وأَبغضهم إِليه من اتصف بالصفات التى يكرهها ، فإِنما أبغض من اتصف بالكبر والعظمة والجبروت لأَن اتصافه بها ظلم ، إِذ لا تليق به هذه الصفات ولا تحسن منه ، لمنافاتها لصفات العبيد ، وخروج من اتصف بها من ربقة العبودية ومفارقته لمنصبه ومرتبته ، وتعديه طوره وحدَّه ، وهذا خلاف ما تقدم من الصفات كالعلم والعدل والرحمة والإِحسان والصبر والشكر فإِنها لا تنافى العبودية ، بل اتصاف العبد بها من كمال عبوديته ، إِذ المتصف بها من العبيد لم يتعد طوره ولم يخرج بها من دائرة العبودية". اهــ
ص153 ، 154 .

فذلك جار على ما تقرر من حسن اتصاف العبد بما يليق له الاتصاف به من صفات الرب ، جل وعلا ، وقبح اتصافه بما لا يليق له لمنافاته وصف العبودية ، فصفات الجلال والعظمة ، كما تقدم ، مظنة الغنى المطلق ، وذلك وصف : واجب للرب ، جل وعلا ، فصح اتصافه بها ، محال في حق العبد بل الواجب الثابت في حقه : ضده من الفقر المطلق ، فبطل اتصافه بها بداهة ، فلكل ذات ما يليق بها من الأسماء والأوصاف والأفعال كمالا أو نقصانا ، فللرب ، جل وعلا ، منها : الكمال المطلق ، وللعبد منها : ما لا ينفك عن النقص ، وإن مدح شرعا وعقلا لاتصافه به ، فإن وصف بالعلم : فعلمه ناقص يعتريه الجهل السابق والنسيان الطارئ ، وإن وصف بالحكمة : فحكمة قاصرة لا تدرك المآل فغايتها أن تدرك الحال ولذلك لم يكن للعقول حظ في تقرير الشرائع فذلك منصب قد تفرد به الرب جل وعلا وإن نازعه من نازعه من البشر فشرائعهم ناقصة فرعا عن نقصان عقولهم ومداركهم فليس لهم من الحكمة البالغة والعلم المحيط ما للرب جل وعلا ، وإن وصف بالكرم : فكرم محدود فلا يسع الناس بعطائه ، وإن عظم ، وإن وصف بالحلم : فحلم لا ينفك عن عوارض النقص من جهل بحلم في غير موضعه ، أو غضب يتعدى به على غيره فــ : "اتق شر الحليم إذا غضب" والغضب في حق البشر مظنة الظلم وذلك أمر قد تنزه عنه الرب ، جل وعلا ، وإن وصف بالعدل فبقدر ما بلغه علمه ، فــ : "إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْهُ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ فَلَا يَأْخُذَنَّ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ" ، فيجتهد الحاكم في إقامة العدل قدر استطاعته ، فإن استفرغ وسعه فلم يصب العدل لما حجب عنه مما انطوت عليه صدور المتخاصمين لديه ، فلا إثم عليه ، والقضية قد أجلت لمجلس قضاء آخر في الدنيا لمن أراد الرب ، جل وعلا ، القصاص منه في هذه الدار ، أو في الآخرة فهي دار القصاص الكامل ، ولذلك كانت الآخرة ، كما يقول بعض الفضلاء ، ضرورة شرعية وعقلية ، فلو لم يأت الشرع بإثباتها وبيان أحوالها لدل عليها العقل إجمالا ، فكثير من المظلومين قد ماتوا ولما يستوفوا حقهم ، وكثير من الظالمين ماتوا ولما ينالوا جزاءهم ، فلا بد شرعا وعقلا من دار أخرى تحال إليها هذه القضايا المؤجله فــ : (الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) .

والله أعلى وأعلم .


 
مهاجر
   
شارك May 7 2010, 07:42 AM مشاركة #134

عضو ذهبي
********
المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 918
التسجيل: 27-October 08
رقم العضوية: 17,154
  
يقول ابن القيم رحمه الله :
"والمقصود أَنه سبحانه لكمال أَسمائه وصفاته موصوف بكل صفة كمال ، منزه عن كل نقص ، له كل ثناءٍ حسن ولا يصدر عنه إِلا كل فعلٍ جميل ، ولا يسمى إِلا بأَحسن الأَسماءِ ولا يثنى عليه إِلا بأَكمل الثناءِ وهو المحمود المحبوب المعظم ذو الجلال والإِكرام على كل ما قدره وخلقه ، وعلى كل ما أَمر به وشرعه" . اهــ
ص154 .
فله الحمد على قضائه الكوني النافذ ، وله الحمد على قضائه الشرعي الحاكم ، فهو المحمود على أمره الكوني ، وأمره الشرعي ، فكل قد صدر عن وصف كماله جلالا كان أو جمالا ، على ما اطرد مرارا ، من صدور آحاد الفعل الرباني عن أوصاف الكمال اللازمة لذاته من علم وسمع وبصر ..... إلخ ، وأوصاف الأفعال المتعدية خلقا ورزقا ..... إلخ ، فله كمال وصف الذات ، وكمال وصف الفعل ، نوعا لازما لذاته القدسية ، وآحادا تتعلق بإرادته الكونية ، فأفعاله في كونه آثار كمال ذاته وصفاته ، فخلق الكون لتظهر آثار جلاله وجماله ، فيحمد عليها حمد السراء المقرون بالشكران بالقلب والقول والفعل ، وحمد الضراء فلا يحمد على مكروه سواه ، فالمكروه ، باعتبار ذاته ، لا باعتبار صدوره من الأمر الكوني النافذ ، فليس في أمره ، جل وعلا ، شر ، بل قد تنزه عن الشر فعلا ، وإن قدره في المأمور المقدور خلقا ، فكماله في كل آن ، وعلى كل حال ، قد وجبت له معاني الحمد المطلق لكمال ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله المطلق ، فالحمد المطلق لازم الكمال المطلق ، بخلاف حمد غيره ، فمهما بلغ كماله ، فهو مقيد ، فحمده على ذات الوصف من التقييد جار ، فالمطلق للمطلق ، والمقيد للمقيد ، فذلك قياس العقل الصريح بالتفريق بين المتباينات ، فلا يستوي حمد الخالق ، عز وجل ، على آلائه فهو المجري لها بكلماته الكونية النافذة ، وحمد المخلوق ، فحمده جار على وزان قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "لا يشكر الله من لا يشكر الناس" ، فشكرانه لكونه سببا في ورود النعمة ، فليس مسبِّبا لها ، ليشكر لذاته ، بل كل ما خلا الله ، عز وجل ، فإنما يحمد لغيره ، فغايته أن يكون من جملة الأسباب التي يجريها الله ، عز وجل ، بمقتضى سنته الكونية المحكمة في تعليق المسببات على أسبابها ، فلا يشتغل بالسبب عن مسبِّبه ، إلا من قصر نظره وغلظ حجاب قلبه ، ولا يغفل شكر السبب المخلوق ، فيجحد فضله ، إلا من لؤم طبعه وفسد خلقه ، فلا مناص من الجمع بين النوعين : حمد الخالق لذاته بما اتصف به من صفات كماله اللازم ، وما أجراه من صور فضله المتعدي ، وحمد المخلوق لغيره إذ يسره الله ، عز وجل ، لقضاء الحاجة وبذل المنفعة لطالبها ، فصار أهلا للشكر ، فذلك من تمام شكر خالقه عز وجل .

يقول ابن القيم رحمه الله :
"ومن كان له نصيب من معرفة أَسمائه الحسنى واستقراء آثارها فى الخلق والأَمر ، رأَى الخلق والأَمر منتظمين بها أَكمل انتظام ، ورأَى سريان آثارها فيهما وعلم بحسب معرفته بها ما يليق بكماله وجلاله أَن يفعله وما لا يليق ، فاستدل بأَسمائه على ما يفعله وما لا يفعله فإِنه لا يفعل خلاف موجب حمده وحكمته، وكذلك يعلم ما يليق به أَن يأْمر به ويشرعه مما لا يليق به ، فيعلم أَنه لا يأْمر بخلاف موجب حمده وحكمته . فإِذا رأَى بعض الأَحكام جوراً وظلما أَو سفهاً وعبثاً ومفسدة أَو ما لا يوجب حمداً وثناءً فليعلم أَنه ليس من أَحكامه ولا دينه ، وأَنه بريء منه ورسوله ، فإِنه إِنما أَمر بالعدل لا بالظلم وبالمصلحة لا بالمفسدة وبالحكمة لا بالعبث والسفه" . اهــ
ص154 .
فله ، جل وعلا ، الخلق بالأمر ، فالخلق فعله ، والأمر كلماته التي بها يكون الفعل ، فبالأمر الكوني يكون الخلق الأرضي ، حيا كان أو جامدا ، فبالأمر الكوني ، خلق آدم عليه السلام من تراب ، وبالكلمة الكونية كان المسيح عليه السلام من أم بلا أب ، وبها تقام ممالك وتزول أخر ، وإن جرى ذلك على مقتضى السنة الكونية في بناء الأمم وزوالها فلا يكون ذلك بين عشية وضحاها ، بل يستغرق قرونا وأجيالا ، والتاريخ بتعاقب أيامه وتبدل أحواله تأويل تلك السنة المحكمة التي تظهر فيها آثار قدرة الرب ، جل وعلا ، وحكمته ، فــ : (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) ، فلا يتغير الحكم صحة أو فسادا إلا بتغير الوصف صحة أو فسادا ، فبأمره كان هذا الخلق ، وبعطفهما ظهر التغاير بينهما ، فالأول : مسبَّب ، والثاني سببه ، والسبب خارج عن المسبب في الماهية ، وبه احتج أهل السنة على من أحدث مقالة خلق الكلمات الشرعية ، فهي من جملة الأمر الذي ينقسم إلى : شرعي حاكم ، وكوني نافذ ، وكلاهما من وصف الخالق ، عز وجل ، فلا يكونان مخلوقان بداهة ، فالمخلوق عن أحدهما ، وهو الأمر الكوني ، قد صدر ، فهو علته الأولى فلا علة وراءها ، فلزم التباين بينها وبين سائر العلل ، فكل العلل التالية له : مخلوقة ، وهو : غير مخلوق لقيامه وصفا بالخالق ، عز وجل ، وهو غير مخلوق بداهة .
ومن نظر في آثار أمره ، جل وعلا ، في كونه ، فتأمل انتظام العالم ، فهو على سنن الحكمة والإتقان جار ، علم صدق رسالاته التي جاءت بوصفه بأكمل الصفات ونعته بأكمل النعوت ، فوصف ذاته أكمل وصف ، ووصف فعله أعدل وصف ، فله الحمد لذاته ولغيره مما قد أراده في كونه ، فــ : (لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآَخِرَةِ) ، وله الحمد على ما تفضل به من النعم ، وله الحمد على ما ابتلى به من المحن ، وذلك الحمد الذي يعسر على كثير من النفوس وإن جرت به الألسنة في أزمنة السعة فلا ابتلاء ، وأزمنة الضيق والحال يكذب المقال ، وله الحمد على أن ستر جزع النفوس حال الشدائد بما ألهم من الصبر ، فذلك من فضله ، وله الحمد بما فضح به وهن النفوس حال المصائب ، فذلك من عدله ، فالنظر في ذلك يجعل الإنسان يعلم ما يجب لربه ، جل وعلا ، وجوبا ذاتيا من أوصاف الكمال المطلق ، وما يستحيل عليه من أوصاف النقص المطلق ، وما يمكن في حقه فإن ورد الدليل بإثباته صار كمالا لاتصافه ، جل وعلا ، به ، فلا يتصف إلا بكل كمال ، ولا يتنزه إلا عن كل نقص ، فتلك ضورة شرعية وعقلية غفل عنها من غفل ممن فسد قياس عقله وتردت فطرته في أودية الشرك والغلو ، فجوز اتصاف الرب ، جل وعلا ، بما يتنزه عنه ، من صفات النقص الذاتي ، من اتخاذ صاحبة وولد ، وجوع وعطش ، وغفلة ونوم وموت ، وجهل بالمآلات فلا يعلم ما هو آت ، وذلك لسان مقال القدرية النفاة ، ولسان حال العلمانيين ومن يروج لتبديل الشرائع برسم التجديد فلسان حاله ، بل ومقاله إن أظهر زندقته صريحة ، ورود ما كان خافيا عن الرب ، جل وعلا ، فلا يصلح حكمه الشرعي له ، فوجب استحداث أو استيراد شرائع جديدة من عقول مضطربة قد صدرت فلا تسلم من أهواء وأذواق تنقض ناموس الشرع نقضا ، فيكون تجديد الديانة بهدمها وبنائها من جديد على قواعد أرضية حادثة ! ، وذلك عين الطعن في النبوات ، فإن من وصف الرب ، جل وعلا ، بالنقص في ذاته ، كما وقع من النصارى ومن سار على طريقتهم في القدح في ذات الرب ، جل وعلا ، وصفاته بتجويز اتصافه بما لا يليق به من أوصاف النقص المطلق الذي تنزه عنه ، أو نفي صفات الكمال عنه ، أو تأويل صفاته فرارا من لوازم عقلية فاسدة ...... إلخ ، من صنع ذلك فقد طعن في أخبار النبوة العلمية الصادقة ، ومن عطل الشرائع وبدلها فقد طعن في أحكام النبوة العملية العادلة ، فالنبوات قد جاءت بأصدق الأخبار العلمية وأعدل الأحكام العملية ، وإنما يؤتى المرء من قبل جهله ، فإنه ما قدح من قدح في النبوات إلا لقصور علمه بها ، لهوى في نفسه مستحكم ، قد صده عن طلب الحق وقبوله ، فإن ظهر له ، فما يزيده إلا نفورا واستكبارا ، لفوات حظ نفسه بظهوره كحال سائر رءوس الضلالة في الدين أو الدنيا ، فظهور الحق يؤذن بزوال رياساتهم ، فليس لهم من التجرد في طلب الحق الباقي ، والزهد في المتاع الفاني ، ليس لهم من ذلك ما يجعلهم أهلا لقبول الحق واتباعه ، فإن الحق عزيز لا تطيقه إلا النفوس العظيمة ، بخلاف النفوس الحقيرة التي يثقل عليها حملانه ، والصبر على الأذى في سبيل إعزازه ، و :

على قدر أهل العزم تأتي العزائم ******* وتأتي على قدر الكرام المكارم .


يقول ابن القيم رحمه الله :
"وإِنما بعث رسوله بالحنيفية السمحة لا بالغلظة والشدة ، وبعثه بالرحمة لا بالقسوة ، فإِنه أَرحم الراحمين ، ورسوله رحمة مهداة إِلى العالمين ، ودينه كله رحمة ، وهو نبى الرحمة وأُمته الأُمة المرحومة وذلك كله موجب أَسمائه الحسنى وصفاته العليا وأًَفعاله الحميدة ، فلا يخبر عنه إِلا بحمده ولا يثنى عليه إِلا بأَحسن الثناءِ كما لا يسمى إِلا بأحسن الأسماءِ" . اهــ
ص154 .


فبعث الرب ، جل وعلا ، رسله ، عليهم السلام ، عموما ، ورسوله الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم خصوصا ، بتقرير آثار صفات كماله ، جمالا وجلالا ، فغلبت على بعض الرسالات آثار صفات الجلال كالرسالة الموسوية ، وغلبت على بعضها الآخر آثار صفات الجمال كالرسالة العيسوية ، وجاءت الرسالة الخاتمة بآثار الكمال : جلالا وجمالا ، فهي الحنيفية السمحة ، فلا إفراط ولا تفريط ، فيسر مع إتقان ، وذلك مئنة من علم وحكمة منزلها ، جل وعلا ، فنزلت الشريعة الخاتمة ببيان ما أجمل في الرسالات السابقة من أخبار الصدق وأحكام العدل ، ولا يكون ذلك بداهة إلا ممن قد أحاط بعلمه سائر المعلومات وبلغت حكمته الغاية فلا تجري أحكامه إلا على سنن العدل والإتقان .

يقول ابن القيم رحمه الله :
"وقد نبه سبحانه على شمول حمده لخلقه وأَمره ، بأن حمد نفسه فى أَول الخلق وآخره وعند الأَمر والشرع وحمد نفسه على ربوبيته للعالَمين ، وحمد نفسه على تفرده بالإلوهية وعلى حياته ، وحمد نفسه على امتناع اتصافه بما لا يليق بكماله من اتخاذ الولد والشريك وموالاة أَحد من خلقه لحاجته إِليه ، وحمد نفسه على علوه وكبريائه ، وحمد نفسه فى الأُولى والآخرة ، وأخبر عن سريان حمده فى العالم العلوي والسفلي" . اهــ
ص154 ، 155 .

فهو المحمود لكمال غناه عن غيره فلم يتخذ صاحبة ولا ولدا ، وهو المحمود لكمال ربوبيته ، فصفاته أكمل الصفات ، وأفعاله أحكم الأفعال ، وهو المحمود لكمال ألوهيته ، فــ : (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) ، فله كمال الذات وكمال الصفات فهذه مقدمة أولى ، ومن له ذلك الوصف من الكمال فهو المستحق وحده لوصف الربوبية الكاملة ، فهذه مقدمة ثانية ، ومن له ذلك الوصف من كمال الربوبية فهو المستحق وحده لوصف الألوهية الكاملة ، فهذه مقدمة ثالثة ، وليس ذلك إلا لله ، عز وجل ، فهذه نتيجة ، فهو الرب الكامل ، الإله الحق ، فلا معبود بحق سواه .


يقول ابن القيم رحمه الله :
"ونبه على هذا كله فى كتابه وحمد نفسه عليه ، فتنوع حمده وأسباب حمده ، وجمعها تارة وفرقها أُخرى ليتعرف إِلى عباده ويعرفهم كيف يحمدونه وكيف يثنون عليه ، وليتحبب إليهم بذلك ويحبهم إذا عرفوه وأحبوه وحمدوه . قال تعالى : {الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة : 2- 4] ، وقال تعالى : {الْحَمْدُ للهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورِ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} [الأنعام : 1] ، وقال تعالى : {الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لهُ عِوَجاً قَيِّماً لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِين} [الكهف : 1-2] ، وقال : {الْحَمْدُ للهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرِ} [سبأ : 1] ، وقال تعالى : {الْحَمْدُ للهِ فَاطِرِ السَّمَواتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنَحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ} [فاطر : 1] ، وقال : {وَهُوَ اللهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِى الأُولَى وَالآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [القصص : 70] ، وقال : {هُوَ الْحَي لا إلَهَ إِلا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينِ الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [غافر : 65] ، وقال : {فَسُبْحَانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ وَلَهُ الْحَمْدُ فِى السّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُونَ} [الروم : 17- 18]" . اهــ
ص155 .

فمادة الحمد من المواد التي تكرر ذكرها في الكتاب العزيز ، بل ذلك من غايات التنزيل الرئيسة ، فما بعث الرسل ، عليهم السلام ، إلا بتقرير ما فطر الناس عليه من وجوب وجود خالق ، رازق ، مدبر ، علي الذات والشأن ، قادر قاهر ، لا يغلبه غيره بل هو الغالب لكل ما سواه من الكائنات ...... إلخ ، فذلك من الوجوب العقلي الذي يجده كل منا في نفسه ، ضرورة علمية لا يمكن دفعها ، فهي من جملة العلوم الضرورية التي يستدل بها ، ولا يستدل لها ، فيستدل بالضرورة التي يجدها كل مكلف في نفسه ، فهو يعلم بداهة أولى : وجوب وجود رب مدبر لكل الكائنات ، ولا يكون من هذا شأنه ، إلا كامل الذات والصفات ، بداهة ثانية ، فيحيط بخلقه علما ومشيئة ورحمة ، فيستدل بهذه البدهيات الضرورية على وجوب إفراده ، جل وعلا ، بالألوهية والعبودية : نية باطنة ، وعملا ظاهرا ، تصورا خاصا على مستوى الأفراد بإفراده ، جل وعلا ، بأوصاف الثناء المطلق ، فليس كمثله شيء في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله ، كما سبقت الإشارة إلى ذلك مرارا ، فهو حجر الزاوية في بنيان الإيمان ، فمبدؤه تصور علمي صحيح للرب ، جل وعلا ، ليثبت في العقل الصريح وجوب إفراده ، جل وعلا ، بالألوهية ، فلن يقوم البناء الإيماني في نفس المكلف إلا بالتصور العلمي الأول ، فإذا أحسن الظن بربه ، جل وعلا ، بوصفه بأوصاف الكمال وتنزيهه عن أوصاف النقصان ولا يكون ذلك على جهة البيان ، إلا من مشكاة النبوات ، التي جاءت بما يواطئ قياس العقول الصريحة وطرائق الفطر المستقيمة التي تدرك ، كما تقدم ، بداهة ، وجوب اتصافه ، جل وعلا ، فلا ينقض ناموس النبوة ناموس العقل الصريح ، إلا إن كانت النبوة محرفة فجوزت اتصاف الرب ، جل وعلا ، بالنقص المطلق ، كما قد وقع في نبوة موسى وعيسى عليهما السلام ، فهما مما قد وقع في كتابيهما من التحريف والتبديل براء ، فما بعثا إلا بتقرير ما قد تواطأت النبوة على تقريره من وجوب اتصافه ، جل وعلا ، بالكمال المطلق ، ووجوب إفراده بالألوهية ، كما تقدم في مواضع سابقة من قوله تعالى : (مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (79) وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) ، فما كانوا إلا ربانيين ، وما أمروا غيرهم إلا بهذا ، فذلك من تمام نصحهم لأممهم ، فالأنبياء ، عليهم السلام ، أعلم وأفصح وأنصح الخلق للخلق ، فإذا أحسن الظن بربه ، جل وعلا ، أحسن القول والعمل لزوما فاكتمل البناء الإيماني بعلم الجنان الباطن ، وما يواطئه لزوما لا انفكاك فيه ، من قول اللسان وعمل الأركان ، فالإيمان مركب ثلاثي العناصر : علمي باطن ، وقولي ناطق ، وعملي ظاهر ، فلا انفكاك بينها إلا في الأذهان ، فالذهن قد يجرد أحدها عن الآخرين ، فيجرد علما بلا عمل ، أو عملا بلا علم .... إلخ ، ولكن الواقع في الخارج يباين ذلك ، فلا انفكاك ، كما تقدم مرارا ، بين الظاهر والباطن ، فتلك من المسلمات الإيمانية ، بل والشعورية الضرورية التي يجدها كل مكلف في نفسه ، فلا تصدر منه حركة ظاهرة من : قول أو عمل إلا تأويلا لحركة قلبية باطنة ، فأول العمل : علم ، فهم ، فإرادة جازمة يكون بها القول أو الفعل لزوما إن صحت آلات النطق والعمل ، فإذا صح هذا التصور لمعنى الإيمان في نفوس الأفراد ، انضم إلى التصور العام على مستوى الجماعات ، فإن الجماعة التي تحسن الثناء على ربها ، جل وعلا ، بما هو له أهل ، فتعظمه بأوصاف الكمال ، وتقدسه عن كل نقصان ، فهي قد بلغت مرتبة المراقبة لأمره ونهيه ، فأقامت في نفسها حكمه الذي أرسل به رسله عليهم السلام ، فلم تجد في نفسها حرجا من قضائه ، كما يجده كثير من الزنادقة في كل عصر ومصر ، فليس الدين عندها : وجدانيا لا أثر له في الحياة ، بل له من السلطان على الأحوال والأقوال والأفعال ما يدل يقينا على كمال المعرفة بمحامده ، جل وعلا ، فيكون تأويل تلك المعرفة : الرضا بما رضيه لنا من العلوم النافعة والأقوال والأعمال الصالحة ، فله الحمد على أن بعث الرسل عليهم السلام بذلك ، فأقاموا أعدل ملك ، فلا ملك أعدل منه ، ولا حال أكمل من حاله وحال ما كان على شاكلته من خلافات الرشد وممالك وإمارات العدل ، فتأويل حمده العلمي في الواقع العملي في دار الابتلاء : التعبد له بمقتضى تلك المحامد أفرادا وجماعات ، فلا يرضى الفرد إلا بما رضيه الرب ، جل وعلا ، له ، ولا ترضى الجماعة إلا بما رضيه الرب ، جل وعلا ، لها ، فتلك حقيقة الإيمان الذي تحصل به النجاة فــ : (لَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) .

ومع حمده في دار الابتلاء بتأويل ما جاء به الأنبياء ، عليهم السلام ، من محامده ، تصديقا بخبره وامتثالا لحكمه ، فذلك دليل صدق الحامد ، فــ : (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) ، فلن يكون له الحمد كما أراد ، إلا من طريق النبوات ، فلا طريق يوصل إلى مراده الشرعي ، جل وعلا ، إلا هي ، ولا نجاة إلا بسلوك سبيلها فــ : (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) ، فتلك سبيل المؤمنين ، وأما سبيل المجرمين فسبيل : (وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (67) رَبَّنَا آَتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا) ، مع هذا الحمد ، يكون حمده في دار الجزاء ، فيحمده المؤمن على فضله بالثواب ، ويحمده الكافر على عدله بالعقاب ، فكل قد حمد ، فحذف الفاعل في قوله تعالى : (وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) : مئنة من العموم فيحمده كل خلقه ، وتحمده ملائكتة على كمال وصفه ، وعظيم فضله ، وتمام عدله : (وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ) .
فــ : "أخبر عن حمد خلقه له بعد فصله بينهم والحكم لأهل طاعته بثوابه وكرامته والحكم لأهل معصيته بعقابه وإهانته : {وَقُضِى بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيْلَ الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الزمر : 75] .
وأخبر عن حمد أهل الجنة له وأنهم لم يدخلوها إلا بحمده ، كما أن أهل النار لم يدخلوها ًإلا بحمده ، فقال أهل الجنة : {الْحَمْدُ للهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِي لَوْلا أَنْ هَدَانَا الله} [الأعراف : 43] ، و : {دَعْواهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سلامٌ، وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَن الْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمِينَ} [يونس: 10]" . اهــ
ص155 .


واعترف أهل النار بعدله ، فــ : "قال عن أهل النار : {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ الّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ وَنَزَعْنَا مِن كُلّ أُمّةٍ شَهِيداً فَقُلْنَا هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوَاْ أَنّ الْحَقّ لِلّهِ وَضَلّ عَنْهُمْ مّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} [القصص : 74- 75]، وقال : {فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لأَصْحَابِ السَّعِيرِ} [الملك : 11] .
وشهدوا على أنفسهم بالكفر والظلم وعلموا أنهم كانوا كاذبين فى الدنيا مكذبين بآيات ربهم مشركين به جاحدين لإلهيته مفترين عليه ، وهذا اعتراف منهم بعدله فيهم وأخذهم ببعض حقه عليهم وأنه غير ظالم لهم وأنهم إنما دخلوا النار بعدله وحمده وإنما عوقبوا بأفعالهم وبما كانوا قادرين على فعله وتركه ، لا كما تقول الجبرية" . اهــ
ص156 .

فلم يكلفهم جبرا ، ولم يرسل الرسل عليهم السلام عبثا ، ولم يظلمهم بأن كلفهم بما لا يطيقون فعله ، بل فعلوا ما فعلوا مختارين ، بإرادة خلقها الله ، عز وجل ، فيهم ، فليسوا بمجبورين ، ولم تخرج تلك الإرادة المخلوقة ، كما تقدم مرارا ، عن إرادته الكونية العامة ، فتلك مشيئته النافذة في كل خلقه ، فذكر لــ : (لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ) ، ولن يحصل المراد : (إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) .

والله أعلى وأعلم .


 
مهاجر
   
شارك May 16 2010, 07:51 AM مشاركة #135

عضو ذهبي
********
المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 918
التسجيل: 27-October 08
رقم العضوية: 17,154
  
يقول ابن القيم رحمه الله :
"وتفصيل هذه الحكمة مما لا سبيل للعقول البشرية إلى الإحاطة به ولا إلى التعبير عنه، ولكن بالجملة فكل صفة عليا واسم حسن وثناءٍ جميل وكل حمد ومدح وتسبيح وتنزيه وتقديس وجلال وإكرام فهو لله عز وجل على أكمل الوجوه وأتمها وأدومها، وجميع ما يوصف به ويذكر به ويخبر عنه فهو محامد له وثناءٌ وتسبيح وتقديس ، فسبحانه وبحمده لا يحصى أحد من خلقه ثناءً عليه بل هو كما أثنى على نفسه وفوق ما يثنى عليه خلقه ، فله الحمد أولاً وآخراً حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه ، كما ينبغى لكرم وجهه وعز جلاله ورفيع مجده وعلو جده" . اهــ
ص156 .

فلا سبيل للعقل المحدود إلى إدراك حكمة الرب ، جل وعلا ، على جهة الإحاطة ، فحسبه ، إن كان مسددا مستضيئا بنور الوحي الهادي ، أن يدرك طرفا منها ، فكثير من الأقدار الكونية لا يظهر الخير الكامن فيها لحظة انبعاث الشر الطارئ عليها ، فيكون الشر وصفها لا وصف مقدرها في الغيب ومجريها في الشهادة ، عز وجل ، وإجمال القول في ذلك : أن له ، عز وجل ، ما علمنا وما لم نعلم من أوصاف الكمال الذاتي والفعلي ، فذاته أقدس الذوات ، وأسماؤه أحسن الأسماء ، وصفاته أكمل الصفات ، وأفعاله أحكم الأفعال ، فله الحمد الذاتي اللازم للزوم أوصاف الكمال الذاتية لذاته ، وله كمال الحمد المتعدي إلى غيره بما يظهر من آثار أوصاف جماله من نعم وآلاء ، بها يظهر فضله ، جل وعلا ، وآثار أوصاف جلاله من نقم وعقوبات كونية مقدرة بها يظهر عدله ، جل وعلا ، فحمده كما يقول ابن القيم رحمه الله :
"حمد الصفات والأسماء . والنوع الثانى : حمد النعم والآلاءِ ، وهذا مشهود للخليقة برها وفاجرها مؤمنها وكافرها ، من جزيل مواهبه وسعة عطاياه وكريم أياديه وجميل صنائعه وحسن معاملته لعباده وسعة رحمته لهم وبره ولطفه وحنانه وإجابته لدعوات المضطرين وكشف كربات المكروبين وإغاثة الملهوفين ورحمته للعالمين وابتدائه بالنعم قبل السؤال ومن غير استحقاق بل ابتداءً منه بمجرد فضله وكرمه وإحسانه ودفع المحن والبلايا بعد انعقاد أسبابها وصرفها بعد وقوعها" . اهــ
ص156 .

فحمد النعم والآلاء : حمد عام ، من جهة الكون ، فآلاؤه الكونية : عامة قد ظهرت آثارها في كل الخلائق ، فلكل منها نصيب ، حتى الجامد الأصم ، فالرب ، جل وعلا ، قد أوجده ، والإيجاد ، في حد ذاته ، منة أي منة ! ، فلا يستوي المعدوم والموجود ، فالثاني أشرف ، وإن لم تكن ثم فيه حياة ظاهرة ، فكيف وفيه حياة لا ندرك آثارها ، وله من الوظائف الشريفة ما قصر فيه كثير من البشر المكلفين على جهة الاختيار ، فــ : (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا) .
وأما حمد الهداية الخاصة في الأولى : (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) ، وفي الآخرة : (وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ) ، فهو أشرف أنواع الحمد فصاحبه قد وفق إلى حمد الرب ، جل وعلا ، بمقتضى أسمائه وصفاته ، فلم ينته إلى آثار صفات جماله في الكون المشهود من النعم الدنيوية ، فتلك ، كما تقدم ، مرتبة يشترك فيها عموم الخلق ، وإنما اختص بقدر زائد من الحمد هو حمده ، جل وعلا ، على نعمه الدينية ، ولازم ذلك تعظيمه بأحسن الأسماء وأكمل الأوصاف ، فذلك : حمد الصفات والأسماء ، ولا يكون ذلك ، بداهة ، إلا بتوقيف من الشارع الحكيم ، عز وجل ، فذلك من الخبر الذي لا يستقل العقل بإدراك بيانه ، وإن أحاط به على جهة الإجمال ، فلا يتلقى بيانه إلا بخبر الوحي ، ولا يكون ذلك بداهة إلا من طريق النبوة ، فهي ، كما تقدم مرارا ، أعظم النعم الدينية فبها ينتظم المعاش برسم : (فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ) ، و : (الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) ، فتلك السعادة المعجلة في دار الكدر ، التي تعقبها السعادة الآجلة برسم التأبيد في دار الفرح ، دار : (فَرِحِينَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (170) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ) ، فأتباع النبوات الصحيحة أكمل الناس عقولا إذ جمعوا بين الحسنيين ، فلم يصرفوا نهمتهم إلى متاع الدنيا فأورثهم ذلك غفلة عن متاع الآخرة ، ولم ينسوا نصيبهم منها ، فاستعانوا به على تحصيل المراد الأعظم من جنس النعيم الأشرف ، فحالهم حال مبتغي الولد الصالح بوطء يلتذ به ، فتلك نعمة معجلة برسم التأقيت فسرعان ما تنقضي ويزول أثرها ، لتعقبها نعمة مؤجلة برسم التأبيد فلا انقضاء لها ، إن حمد صنعه رب العبيد تبارك وتعالى .

وإلى طرف من هذه الهداية الشرعية الخاصة أشار ابن القيم ، رحمه الله ، بقوله :
"ولطفه تعالى فى ذلك بإيصاله إلى من أراده بأحسن الألطاف ، وتبليغه من ذلك إلى ما لا تبلغه الآمال ، وهدايته خاصته وعباده إلى سبل دار السلام ، ومدافعته عنهم أحسن الدفاع وحمايتهم عن مراتع الآثام ، وحبب إليهم الإيمان وزينه فى قلوبهم وكرَّه إليهم الكفر والفسوق والعصيان ، وجعلهم من الراشدين وكتب فى قلوبهم الإيمان ، وأيدهم بروح منه وسماهم المسلمين قبل أن يخلقهم ، وذكرهم قبل أن يذكروه وأعطاهم قبل أن يسألوه وتحبب إليهم بنعمة مع غناه عنهم وتبغضهم إليه بالمعاصي وفقرهم إليه، ومع هذا كله فاتخذ لهم داراً وأعد لهم فيها من كل ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين ، وملأها من جميع الخيرات وأودعها من النعيم والحبرة والسرور والبهجة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، ثم أرسل إليهم الرسل يدعونهم إليها ، ثم يسر لهم الأسباب التى توصلهم إليها وأعانهم عليها ، ورضي منهم باليسير في هذه المدة القصيرة جداً بالإضافة إلى بقاءِ دار النعيم ، وضمن لهم إن أحسنوا أن يثيبهم بالحسنة عشراً وإن أساءوا واستغفروه أن يغفر لهم، ووعدهم أن يمحو ما جنوه من السيئات بما يفعلونه بعدها من الحسنات" . اهــ
ص156 ، 157 .

فحبب إليهم الإيمان فضلا ، ولو شاء لبغضهم فيه عدلا ، فصرفهم عن آياته كما صرف الذين يستكبرون في الأرض بغير الحق ، فللإيمان اصطفاهم فهداهم : هداية الدلالة وهداية الإلهام ، وعن الكفر صرفهم ، فالقلوب بيده ، جل وعلا ، يصرفها كيف يشاء ، فييسر لكل أسباب ما قدره عليه أزلا ، فقد علم ، تبارك وتعالى ، المحال صلاحا وفسادا ، فأمد كلا بما يلائمه ، فــ : (كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا) ، فكتب في قلوبهم الإيمان أزلا قبل خلقهم ، فلما خلقوا ، أيدهم بروح منه شرعي وكوني ، فذلك من جملة الأسباب التي يسروا بها إلى ما خلقوا له من الإيمان والطاعة ، فمن روحه الشرعي : الآيات التي نزل بها روح القدس على قلب النبي الأمين صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فبثها صلى الله عليه وعلى آله وسلم في نفوس أصحابه ، فأحيى بها القلوب وأنار بها العقول ، فدينه دين الفطرة الإيمانية والطريقة البرهانية ، فزاده أنفع زاد للقلب ، وحجته أقوى حجة للعقل ، ومن روحه الكوني : ما اطرد من نصره لرسله وأتباعهم ، فالسنة المطردة : نصر المؤمنين فــ : (كَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) ، فعلق الحكم على وصف الإيمان ، ولا يكتب في القلب إلا بمداد النبوات ، فليس ثم علم نافع أو عمل صالح في باب الشرعيات : إلهيات علمية أو حكميات عملية إلا من طريق النبوات الهادية ، فالروح منه ، جل ، نصر وتأييد بالشرع والكون ، فابتداء غايته منه ، فمنه روح هو من وصفه ككلماته الشرعيات الحاكمات ، فليست بمخلوقة ، ومنه روح هو من خلقه ، كنصر المؤمنين ، فهو من قدره فبكلماته الكونيات كان ، وهو من فعلهم بمباشرة الأسباب ، برسم : (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ) ، فهي أسباب مخلوقة ، وبذلهم إياها من فعلهم القائم بذواتهم ، على جهة الاختيار ، فهو تكليف يتعلق به الثواب فعلا والعقاب تركا ، فالفاعل وفعله كلاهما : مخلوق للرب ، جل وعلا ، فهو الذي خلق الذوات ، وهو الذي خلق فيها الإرادات الاختيارية ليقع بها ما قد شاءه أزلا ، فلا تخرج عن حد مشيئته العامة ، وهو الذي خلق فيها الأفعال ، فقامت بها قيام الفعل بفاعله ، على جهة الاكتساب بقدرة مؤثرة لا تخرج ، كما تقدم ، عن قدرة الرب ، جل وعلا ، العامة ، فكل ذلك من روحه ، فمبتدى كل ذلك : كلماته الكونيات التي أنشأ بها الخلق ، وأجراه على سنن الكون المحكم ، ثم بعث إليه الرسل بسنن الشرع الملزم ، فمن آمن بالتصديق والامتثال ، فقد نال حظه من عطاء الشرع وعطاء الكون فهو أسعد الناس حظا ، وأقومهم طريقة : (وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا) ، فلو استقاموا على طريقة الشرع لنالهم حظهم من عطاء الكون ، فــ : (وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ) ، و : (لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) .

ومع تحببه إليهم بالنعم الكونية في دار الابتلاء ، وتبغضهم إليه بالذنوب والمعاصي ، حلم وصبر ، فحلم على التائب ليراجع ، وصبر على المارق فوفاه أعماله في هذه الدار ، ثم امتن بعظيم فضله وكرمه ، تبارك وتعالى ، على من لا حاجة لهم فيه أو في عمله ، فــ : (مَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) ، فأعد لهم جنات ذات روضات ، فيها ما يلتذ به البدن من لذات الحس ، وما تلتذ به الروح من لذات العلم ، وأشرف أجناس النعيم في دار السلام ، النظر إلى وجه السلام ، جل وعلا ، فالدار داره ، والنعيم نعيمه ، فامتن بالحسنى وزيادة ، فالجنة دار النعم الناصحة من الأكدار ، فلا نصب فيها ولا وصب ، ولا هم فيها ولا حزن ، ولا تكليف إلا بالتسبيح والتحميد ، فــ : "فَيُلْهَمُونَ التَّسْبِيحَ وَالتَّحْمِيدَ كَمَا يُلْهَمُونَ النَّفَسَ" ، كما في حديث جابر ، رضي الله عنه ، مرفوعا عند أحمد ، رحمه الله ، في مسنده .
فخلق الجنة وأعدها ، فهي تتزين لأهلها شوقا إلى مجيئهم ، ثم بعث الرسل هداة إليها ، فأرشدوا إلى سلوك الجادة وبينوا معالمها بيانا لا إجمال فيه لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ، فما تركوا خيرا إلا بشروا به ، ولا شرا إلا نفروا عنه ، ثم يسر لهم أسباب الهداية بما ركز فيهم من فطر سوية ، فلا تجد حرجا مما جاءت به النبوات ، فما بعثت إلا لإكمالها ببيان ما أجمل منها وتقويم ما اعوج ، ثم أعان من اصطفى منهم بمقتضى علمه وحكمته ، إعانة كونية خاصة ، فخلق فيه معرفة الحق بدليله ، وحبه واتباعه ، وقوة الثبات عليه ، والتجرد من حظ النفس فذلك مما يصد عنه ، فكثير يعرف الحق ولكنه يكرهه ويكره أهله لفوات حظ نفسه من جاه أو رياسة بظهور أعلامه ، فذلك ممن أقيمت عليه الحجة الرسالية بتيسير أسباب الهداية البيانية ، فتلك من جملة العطايا العامة ، فليس له نصيب من العطايا الإيمانية الخاصة فــ : (مَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) ، ورضي منهم صبر ساعة ، ليفوزوا بعدها بالسعادة الأبدية ، فمن صبر على قيد التكليف في دار الابتلاء ، فقد أعتق رقبته من قيد العذاب في دار الجزاء .

يقول ابن القيم رحمه الله :
"وذكرهم بآلائه وتعرف إليهم بأسمائه ، وأمرهم بما أمرهم به رحمة منه بهم وإحساناً لا حاجة منه إليهم ، ونهاهم عما نهاهم عنه حماية وصيانة لهم لا بخلاً منه عليهم وخاطبهم بألطف الخطاب وأحلاه ونصحهم بأحسن النصائح ووصاهم بأكمل الوصايا وأمرهم بأشرف الخصال ونهاهم عن أقبح الأقوال والأعمال .
وصرف لهم الآيات وضرب لهم الأمثال ووسع لهم طرق العلم به ومعرفته وفتح لهم أبواب الهداية وعرفهم الأسباب التى تدنيهم من رضاه وتبعدهم عن غضبه" . اهـ
ص157 .

فأنعم عليهم بالعلم النافع فلا أنفع للمكلف في دينه ودنياه من التعرف على ربه ، جل وعلا ، بأسمائه الحسنى وصفاته العلى ، وأنعم عليهم بالعمل الصالح فأمرهم رحمة ونهاهم شفقة ، فما أمر إلا بما فيه صلاح الدين والدنيا ، وما نهى إلا صيانة للقلوب والأبدان ، فما من معصية إلا ولها أثر في القلب فــ : "إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا أَخْطَأَ خَطِيئَةً [B]نُكِتَتْ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ فَإِذَا هُوَ نَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ وَتَابَ سُقِلَ قَلْبُهُ وَإِنْ عَادَ زِيدَ فِيهَا حَتَّى تَعْلُوَ قَلْبَهُ وَهُوَ الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ : { كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}" ، وشؤم في البدن ، فإن : "إن للحسنة نورا في القلب وزينا في الوجه وقوة في البدن وسعة في الرزق ومحبة في قلوب الخلق وإن للسيئة ظلمة في القلب وشينا في الوجه ووهنا في البدن ونقصا في الرزق وبغضة في قلوب الخلق"[/B] ، وهو عند أبي نعيم ، رحمه الله ، من حديث أنس ، رضي الله عنه ، موقوفا : "وجدت الحسنة نورا في القلب ، وزينا في الوجه ، وقوة في العمل ، ووجدت الخطيئة سوادا في القلب ، ووهنا في العمل ، وشينا في الوجه" ، فالمعصية مظنة الفساد العاجل والآجل ، فشؤم في الدنيا بحرمان التوفيق ، وشؤم أعظم في الآخرة بحرمان النعيم ، ولو على سبيل التأقيت ، فأي مصيبة تلك التي يحرم فيها العبد دخول دار النعيم ابتداء ، فكيف إن كان له حظ من العذاب ، ولو مؤقتا ، وكيف لو كان كافرا أو منافقا مخلدا في نار السموم ؟! .
وأمره ونهيه جار على مقتضى قياس العقل الصريح ، فلا يأمر إلا بالحسن ، ولا ينهى إلا عن القبيح ، فالحسن والقبح الشرعي قد جاء مواطئا للحسن والقبح العقلي الذي يستند إلى قياس العقل الصريح الذي لا يعارض خبر النبوة الصحيح على ما اطرد مرارا من التوافق التام بين النقل الصحيح والعقل الصريح ، ففي العقل قوة التحسين والتقبيح إدراكا ، وليس له التحسين والتقبيح شرعا ، فذلك منصب النبوة التي يخضع لها العقل ، فهو التابع المقلد لخبر الوحي ، فلا نجاة إلا بالاعتصام بالتنزيل ، فهو : (حبل الله) ، فــ : (اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا) ، فذلك من خطاب المواجهة لمن نزل عليه الوحي ، وخطاب المتابعة لمن آمن به واقتفى آثار رسالته ، فهي معدن الخير والفلاح فقولوا : "لا إله إلا الله فأشهد بها لكم عند ربكم وتدين لكم العرب وتذل لكم بها العجم" ، فملك الدنيا ، وجنة الآخرة ، فــ : (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ) .
وليس له ، جل وعلا ، حاجة إليهم ، فما خلق ليُطْعَم أو يُرْزَق ، وإنما خلق ليُطْعِم ويَرْزُق ، فأمره ونهيه من إحسانه إلى خلقه ، فهو العليم بأحوالهم ، فالخالق أعلم بخلقه ، والصانع خبير بدقائق صنعته ، فــ : (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) ، وهو الحكيم ، جل وعلا ، فشرع لهم ما يصلح أحوالهم ظاهرا وباطنا ، فلا يحكم شرع في قلب أو بدن إلا أصلحه ، فآثار الوحي عليه بادية ، فما : "ما أسر أحد سريرة إلا أظهرها الله على صفحات وجهه وفلتات لسانه" ، فلسان مقال ابن سلام ، رضي الله عنه ، لما رأى صاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "عَرَفْتُ أَنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ" ، ولسان دعاء المؤمن : "اللَّهُمَّ اجْعَلْ لِي فِي قَلْبِي نُورًا وَفِي لِسَانِي نُورًا وَفِي سَمْعِي نُورًا وَفِي بَصَرِي نُورًا وَمِنْ فَوْقِي نُورًا وَمِنْ تَحْتِي نُورًا وَعَنْ يَمِينِي نُورًا وَعَنْ شِمَالِي نُورًا وَمِنْ بَيْنِ يَدَيَّ نُورًا وَمِنْ خَلْفِي نُورًا وَاجْعَلْ فِي نَفْسِي نُورًا وَأَعْظِمْ لِي نُورًا" ، ولسان حاله في يوم الفصل : (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (38) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ) ، فالوحي يورث القلب رسوخا ويقينا ، فيخشع الظاهر فــ : (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) ، فليس ذلك من جنس ما يصيب أصحاب السماع من طرب تستخف به النفوس ، فتتمايل الأبدان ميوعة ، فالأمر مطرد منعكس ، فبالوحي الرحماني يصلح الباطن والظاهر طردا ، وبالوحي الشيطاني يفسد كلاهما عكسا .

يقول ابن القيم رحمه الله :
"ويخاطبهم بألطف الخطاب ويسميهم بأحسن أسمائهم كقوله : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ} ، {وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ} [النور : 31] ، {يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ} [الزمر : 53]، {قَل لِعِبَادِى} [إبراهيم : 31] ، {وإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي} [البقرة : 186] ، فيخاطبهم بخطاب الوداد والمحبة والتلطف كقوله : {يَأيّهَا النّاسُ اعْبُدُواْ رَبّكُمُ الّذِي خَلَقَكُمْ وَالّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلّكُمْ تَتّقُونَ * الّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِرَاشاً وَالسّمَاءَ بِنَآءً وَأَنزَلَ مِنَ السّمَآءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثّمَرَاتِ رِزْقاً لّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ للّهِ أَندَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة : 21 _ 22] .............." . اهــ
ص157 ، 158 .
فذلك من كمال عنايته ، عز وجل ، بعباده ، فإكرام بالفعل وإكرام بالقول ، فخطاب الإيمان أشرف خطاب ، ومرتبة العبودية على جهة النسبة إلى الرب ، جل وعلا ، أشرف مرتبة ، وخطابه ، عز وجل ، في كتابه :
خطاب عام لا أعم منه ، كما مثل لذلك ابن القيم ، رحمه الله ، بقوله تعالى : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) ، فـ : "أل" في "الناس" جنسية استغراقية لعموم ما دخلت عليه .
وخطاب عام باعتبار الوصف فهو من قبيل العام الوارد على سبب ، فعموم الأول مخصوص بالوصف ، وعموم الثاني مخصوص بالسبب ، فيرد العموم باعتبار الوصف :
إما : مدحا كخطاب المؤمنين في آي التنزيل فــ : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) .
وإما : ذما كعموم السارق في قوله تعالى : (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) ، فــ : "أل" موصولة ، والموصول من صيغ العموم ، وعمومه يفتقر إلى صلته فتخصص عمومه بالمعنى الذي اشتقت منه ، وهو السرقة ، فيعم كل من قام به هذا الوصف من ذكر أو أنثى ، فالنص على الأنثى يرفع احتمال التخصيص ، ولو مرجوحا ، فذلك أليق بسياق التشريع ، فالأصل فيه العموم لكل أفراده ذكورا كانوا أو إناثا .
وخطاب خاص أريد به العموم ، كخطاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في نحو قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ) ، فالخطاب خاص أريد به عموم المكلفين بقرينة : (طلقتم) ، فالخطاب خاص باعتبار المواجهة ، عام باعتبار المتابعة ، فالحكم عام في النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وفي أتباع رسالته ، وإنما خص بخطاب المواجهة لورود العموم على سبب النزول ، فهو خاص بواقعة جرت له ، فنزل الشرع العام عليها .
وخطاب عام أريد الخصوص ، كعموم "الناس" في نحو قوله تعالى : (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) ، فــ : "أل" في "الناس" الأولى عهدية ذهنية تشير إلى معهود بعينه هو أبو سفيان ، رضي الله عنه ، وكان إذ ذاك مشركا ، فجاء الفعل منسوبا إلى واو الجماعة بالنظر إلى معنى الجمع للجند ، و "أل" الثانية عهدية ذهنية ، أيضا ، تشير إلى معهود ثان هو نعيم بن مسعود ، رضي الله عنه ، وكان إذ ذاك أيضا على الشرك .
وخطاب خصوص لا أخص منه ، كقوله تعالى : (وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) ، فأريد به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مواجهة وحكما ، فذلك من خصائصه فلا يشركه فيها غيره ، فحسن النص على ذلك فهو خلاف الأصل في التشريع العام .

يقول ابن القيم رحمه الله :
"........ {وَإِذَا قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوَاْ إِلاّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبّهِ أَفَتَتّخِذُونَهُ وَذُرّيّتَهُ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوّ بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلاً} [الكهف : 50] .

فتحت هذا الخطاب : إنى عاديت إبليس وطردته من سمائي وباعدته من قربي إذ لم يسجد لأبيكم آدم ، ثم أنتم يا بنيه توالونه وذريته من دوني وهم أعداءٌ لكم .
فليتأمل اللبيب مواقع هذا الخطاب وشدة لصوقه بالقلوب والتباسه بالأرواح وأكثر القرآن جاء على هذا النمط من خطابه لعباده بالتودد والتحنن واللطف والنصيحة البالغة ، وأعلم سبحانه عباده أنه لا يرضى لهم إلا أكرم الوسائل وأفضل المنازل وأجل العلوم والمعارف .
قال تعالى : {إِن تَكْفُرُواْ فَإِنّ اللّهَ غَنِي عَنكُمْ وَلاَ يَرْضَىَ لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُواْ يَرْضَهُ لَكُمْ} [الزمر : 7] ، وقال تعالى : {الْيَومَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِيْنَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً} [المائدة : 3] ، وقال : {يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة : 185] ، وقال : {يُرِيدُ اللّهُ لِيُبَيّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَاللّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الّذِينَ يَتّبِعُونَ الشّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيماً يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً} [النساء : 26 - 28]" . اهــ
ص158 .
فذلك من عظم تودده ، عز وجل ، إلى عباده ، فالودود كما يقول البقاعي رحمه الله : "الذي يفعل بمن أراد فعل المحب الكثير المحبة فيجيبه إلى ما شاء ويلقي على صاحب الذنب الذي محاه عنه وداً أي محبة كبيرة واسعة ويجعل له في قلوب الخلق رحمة ، ومادة « ود» تدور على الاتساع" ، فيتودد إليهم مع ما تقدم مرارا ، من عظم استغنائه عنهم ، فالقياس البشري : ألا يعيرهم اهتماما ، فلا حاجة له عندهم ، ولكن قياس فعل الله ، عز وجل ، الكامل على فعل العبد الناقص : قياس فاسد الاعتبار لوجود الفارق ، وأي فارق ! ، بين الغني على جهة اللزوم ، والفقير على جهة اللزوم ، فإن صح تبادل المنافع بين البشر ، فذلك لما ركز في نفوسهم من الحاجة والنقص الذاتي ، فلا يستغني من هذا حاله عمن يكمل نقصه ، وهذا أمر ظاهر في سنة الزوجية ، التي تنزه عنها رب البرية ، جل وعلا ، من هذا الوجه ، فالزوج يفتقر إلى زوجه ليكتمل بناؤه النفسي ، وذلك معنى منتف في حق الله ، عز وجل ، بداهة ، فإذا جاز هذا التبادل بين العباد ، فهو بين رب العباد ، جل وعلا ، وبينهم : محال ، فليس كل ما صح في حق الرب ، جل وعلا ، يصح في حق العبد ، وليس كل ما صح في حق العبد يصح في حق الرب ، جل وعلا ، والشاهد ، أنه ، جل وعلا ، قد انتصر لآدم وقبيله من إبليس وذريته ، فطرد إبليس ولعنه لما أبى تكريم آدم بالسجود له ، فغار الرب ، جل وعلا ، لخلق يديه ، وقضى كونا بإرسال إبليس وجنده الجني والإنسي على عباده فتنة وابتلاء ، ليتمحض معدن آدم ، فكير الابتلاء بالوساوس الشيطانية ينصح الجبلة البشرية ، فينتفي خبثها بالتوبة والاستغفار ، وتزداد مع ذلك رفعة درجة عند الرب ، جل وعلا ، فما كانت لتبلغها لولا أن عصت فمن عليها تبارك وتعالى بتوبة نصوح ، فعملت لها من الأعمال الصالحة ما لم تكن لتعمله لولا أن أذنبت ، فإن الذنب يورث صاحبه إنكسارا أحب إلى الرب ، جل وعلا ، من عجب وصولة الطائع .

والرب ، جل وعلا ، لا يرضى لخلقه إلا المنزلة العالية والدرجة الرفيعة ، فلا يرضى لهم الكفر ، و : "إِنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلَاثًا وَرَضِيَ لَكُمْ ثَلَاثًا رَضِيَ لَكُمْ أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَأَنْ تَنْصَحُوا لِوُلَاةِ الْأَمْرِ وَكَرِهَ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ وَإِضَاعَةَ الْمَالِ وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ" ، فلا يصلح لجواره إلا أصحاب الإرادات الشريفة والهمم السامية ، وإن عظمت المشقة والنفقة فـ :

لولا المشقة ساد الناس كلهم ******* الجود يفقر والإقدام قتال .


فلولا المشقة ما ساد أبو بكر وعمر ، ولو الجود ، ما ساد عثمان وابن عوف ، ولولا الطعان ما ساد علي وخالد والزبير ، ولولا الصبر ما ساد عمار وخباب وبلال ، ولولا الصبر على طلب العلم ما ساد ابن عباس وزيد ، ولولا الصبر على عداوة الآباء والإخوان ما ساد أبو عبيدة ومصعب ، ولولا أن صبر أبو حنيفة على سجن المنصور وتضييقه ما ساد ، ولولا أن صبر مالك على الضرب حتى خلعت كتفه ما ساد ، ولولا أن صبر أحمد في المحنة ما صار إمام أهل السنة ، ولولا أن صبر الشافعي على سكنى البوادي ما صار لسانه حجة ، ولولا أن صبر الخليل في كوخه عن الدنيا وزينتها وقد أكلها غيره بكتبه ما صار آية للمخلصين ، ولولا أن صبر صلاح الدين على رباط الثغور ما أصلح الرب جل وعلا به الدين والدنيا ، ولولا مشقة فتح القسطنطينية ما صار السلطان محمد : محمدا الفاتح ، ولولا مشقة الصبر على كيد يهود وأعوانهم ما جرت الألسنة بالثناء على السلطان عبد الحميد آخر رجال آل عثمان العظام ، ولولا المشقة ما دخل عبد الرحمن الأندلس فشيد ملكا من العدم ، ولولا المشقة ما اجتمع الناس لعد خصال ابن المبارك ، ولولا المشقة ما صار الفضيل عابد الحرمين ، ولولا مشقة البحث عن الحق ما نجا أبو حامد فصار علما على الإخلاص ، ولولا المشقة ما صار ابن تيمية شيخ الإسلام ، ولولا المشقة ما انطلقت الحناجر بالتكبير من على جماجم أعداء الدين في الزلاقة ، ولولا المشقة ما ساد صاحب البيت نفسه ، فصار شاعر الدنيا وشاغل الناس بأبياته .


يقول ابن القيم رحمه الله :
"ويتنصل سبحانه إلى عباده من مواضع الظنة والتهمة التي نسبها إليه من يعرفه حق معرفته ولا قدره حق قدره : من تكليف عباده ما لا يقدرون عليه ولا طاقة لهم بفعله ألبتة ، وتعذيبهم إن شكروه وآمنوا به ، وخلق السموات والأرض وما بينهما لا لحكمة ولا لغاية ، وأنه لم يخلق خلقه لحاجة منه إليهم ، ولا ليتكثر بهم من قلة ولا ليتعزز بهم كما قال : {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ} [الذاريات : 56 - 57] ، فأخبر أنه لم يخلق الجن والإنس لحاجة منه إليهم ، ولا ليربح عليهم ، لكن خلقهم جوداً وإحساناً ليعبدوه فيربحوا هم عليه كل الأرباح كقوله : {إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ} [الإسراء : 7] ، {وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ} [الروم : 44] ، ولما أمرهم بالوضوءِ وبالغسل من الجنابة الذى يحط عنهم أَوزارهم ويدخلون به عليه ويرفع به درجاتهم ، قال تعالى : {مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [المائدة : 6] ، وقال في الأضاحي والهدايا: {لَنْ يَنَالَ الله لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ} [الحج : 37] ، وقال عقيب أمرهم بالصدقة ونهيهم عن إخراج الرديء من المال : {وَلاَ تَيَمّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ وَاعْلَمُوَاْ أَنّ اللّهَ غَنِيّ حَمِيدٌ} [البقرة : 267] .
يقول سبحانه : إني غني عما تنفقون أن ينالنى منه شيء ، حميد مستحق المحامد كلها ، فإنفاقكم لا يسد منه حاجة ولا يوجب له حمداً ، بل هو الغني بنفسه الحميد بنفسه وأسمائه وصفاته وإنفاقكم إنما نفعه لكم وعائدته عليكم" . اهــ
ص159 .
فتنزه ، تبارك وتعالى ، عن أن يكلف عباده بما لا يطيقون ، فلا حاجة له في عملهم ليشق عليهم ببذل ما لا تقدر عليه نفوسهم من جهد ، فالملك الجائر هو الذي يشق على رعيته ليستأثر بثمرتها ، وذلك ، كما تقدم في أكثر من موضع ، مئنة من الفقر الذاتي اللازم ، فيفتقر ملوك الدنيا إلى ممالك بعضهم ، فيقهر القوي الضعيف على أرضه ، ويفتقرون إلى ممتلكات رعيتهم ، فيقهرونهم عليها بمكوس الجور ، كما هي الحال في زماننا ، وتلك صور يظهر بها الفارق بين ملك الملوك ، جل وعلا ، وسائر الملوك ، فهو حكيم لا يفعل إلا ما يصلح به أمر خلقه ، وإن بدا لهم خلاف ذلك ، لقصور مداركهم عن الإحاطة بحكمة بارئهم ، جل وعلا ، وغيره من ملوك البشر ، في أغلب أحوالهم ، سفهاء لا ينظرون إلا إلى المنافع العاجلة ، وإن كانت عاقبتها مفاسد آجلة ، كما هي حال أغلب ساسة زماننا ممن ساروا على طريقة البراجماتية الانتهازية ، فلا عاصم من دين أو حتى خلق ، وإنما رقة ديانة وفساد خلق يستبيح صاحبه الكذب والغش للرعية ، فهو من أهل الوعيد في حديث معقل بن يسار ، رضي الله عنه ، مرفوعا : "مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللَّهُ رَعِيَّةً يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ إِلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ" ، و : "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ، ولا يزكيهم ، ولا ينظر إليهم ، ولهم عذاب أليم : شيخ زان ، وملك كذاب ، وعائل مستكبر" ، وهو سبحانه وتعالى ، رحيم بعباده ، لا يريد بمجموعهم الحرج شرعا ، وإن قضى بوقوعه لأفراد منهم كونا ، فالحرج مرفوع شرعا ، والضرورة تبيح المحظور بقدرها ، والمشقة تجلب التيسير ، فتلك كليات جامعة في الشريعة الخاتمة ، بها تظهر عناية الرب ، جل وعلا ، بالمكلفين ، وهو سبحانه : غني حميد ، له وصف الغنى الذاتي ، وله الحمد فذلك لازم غناه ، فيحمد لذاته وأسمائه وصفاته ، بخلاف ملوك الدنيا الذين يطلبون الحمد بأعطياتهم ، فيتألفون القلوب الساخطة لترضى ، فبقاء عروشهم ببقاء حشودهم التي ترضى إذا منحت وتسخط إذا حرمت ، فلا تغضب إلا لدنياها ، وتلك حال بطانة السوء في أي ملك جائر ، فنفاق وانتهازية ، ودنو نفس وخسة همة ترضى بالدون من فتات الدنيا وإن بذلت دينها ثمنا له ، كما هي حال علماء السوء في الأعصار المتأخرة .


والله أعلى وأعلم .


 
مهاجر
   
شارك May 21 2010, 07:16 AM مشاركة #136

عضو ذهبي
********
المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 918
التسجيل: 27-October 08
رقم العضوية: 17,154
  
يقول ابن القيم رحمه الله :
"ومن [المتعين] على من لم يباشر قلبه حلاوة هذا الخطاب وجلالته ولطف موقعه، وجذبه للقلوب والأرواح ومخالطته لها أن يعالج قلبه بالتقوى، وأن يستفرغ منه المواد الفاسدة التى حالت بينه وبين حظه من ذلك، ويتعرض إلى الأسباب التى يناله بها، من صدق الرغبة واللجإِ إلى الله أن يحيى قلبه ويزكيه ويجعل فيه الإيمان والحكمة، فالقلب الميت لا يذوق طعم الإيمان ولا يجد حلاوته ولا يتمتع بالحياة الطيبة لا فى الدنيا ولا فى الآخرة ومن أَراد مطالعة أُصول النعم فليسم سرح الذكر فى رياض القرآن، وليتأمل ما عدد الله فيه من نعمه وتعرف بها إلى عباده من أول القرآن إلى آخره حين خلق أهل النار وابتلاهم بإبليس وحزبه وتسليط أعدائهم عليهم وامتحانهم بالشهوات والإرادات والهوى لتعظم النعمة عليهم بمخالفتها ومحاربتها" . اهــ
ص160 .

فلا يبلغ أحد هذه المرتبة العلية بإدراك واستحضار محامد الرب ، جل وعلا ، إلا المسددون ، لا سيما في أزمنة المحن فلا تخلو لمن سدد نظره من منح فيحمد جل وعلا على قدره الكوني فذلك حمد المكروه الذي لا يكون إلا للرب جل وعلا ، ويحمد على عطائه فلم يخل محنة من منحة ، ولم يخل بلية من عطية ، قد يدق وجهها فلا تدركه إلا عقول المسددين ، فقلوب أهل الإيمان التي استغنت بجمال وجلال وصف الرب ، جل وعلا ، فهي بها غانية ، في سعة من العيش ، فزادها آي الكتاب العزيز ، وفيه من وصف الرب ذي الجلال والإكرام ما يسد كل فاقة ، ويفرج كل كربة أو ضائقة ، وأما قلوب غيرهم فهي فقيرة تحيى الضنك ، فلا حظ لها من سعة الدنيا أو الآخرة ، وإن كان لأبدان أصحابها حظ من النعيم الظاهر ، فذلك قدر ضئيل لا تمتنع فيه الشراكة ، فالمؤمن والكافر فيه سواء ، بل المؤمن ، عند التدبر والنظر ، أسعد حالا من الكافر ، فإن أي لذة ظاهرة إن لم تكن النفس مطمئنة هانئة ، لا تغني عن صاحبها شيئا ، فعيشه نكد ، وإن ظهرت عليه أمارات اللذة العارضة ، فسعادة مشوبة بالكدر ، ولذة يعقبها الألم والندم ، فجملة المنغصات تكدر صفو المنعمين والمتنعمات إن لم يكونوا على طريقة النبوات ، فمن وجد في قلبه فاقة فليسدها بالتنزيل ، فإنه خير زاد في سفرالهجرة إلى الله ، عز وجل ، عبادة ، وإلى رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم متابعة .

يقول ابن القيم رحمه الله :
"فلله على أوليائه وعباده أتم نعمة وأكملها فى كل ما خلقه من محبوب ومكروه، ونعمة ومحنة وفى كل ما أحدثه فى الأرض من وقائعه بأعدائه وإكرامه لأوليائه، وفى كل ما قضاه وقدره، وتفصيل ذلك لا تفي به أقلام الدنيا وأوراقها ولا قوى العباد، وإنما هو التنبيه والإشارة" . اهــ
ص160 .
فله ، جل وعلا ، النعم الظاهرة والباطنة ، فهي من السبوغ وصفا والكثرة قدرا بمكان ، فلا يطيق عقل إحصاءها ، ولا حساب عدها ، فنعم كونيات عامة ، ونعم شرعيات خاصة ، ونعم في نقم ، ظاهرها العذاب والألم ، وباطنها الرحمة واللذة ، وتلك لا تكون إلا لأصحاب النفوس الكبيرة ، التي ألفت الصبر فهو غذاؤها المريء في أزمنة الشدة ، وليس ذلك مما يناله المغتذي بالكلام ، وإنما الأصل فيه : سؤال الرب ، جل وعلا ، العافية ، فلا يعدل بعطائها عطاء ، فهي مظنة فراغ النفس مما يشغلها بل يذهلها من العوارض والصوارف الكونية ، وما أكثرها في الأعصار المتأخرة ، فإذا فرغ العاقل فلينصب ، فذلك تأويل الأمر في قوله تعالى : (فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (7) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ) ، فذلك حال المسددين في أزمنة الرخاء والهدنة ، فإن جاءت الشدة ونقضت الهدنة ، فلا مناص من اللجوء إلى الرب ، جل وعلا ، برسم : "اللهم مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ" ، ليصرف قلبه على طريقة الثبات في أحوال تذهل فيها العقول وتزلزل فيها النفوس وتسوء فيها الظنون فلا يصمد لها إلا المسددون ، فتكون الشدة في حقهم رخاء سخاء بما يحصل لهم من الثواب ، فعبادات الشدة مئنة من الإخلاص ، والإخلاص مادة صلاح أي عمل ، وهو كالصبر ، عزيز ، لا تناله إلا النفوس الكبيرة ، فقد جبلت على طلب المعالي ، ويسرت لها أسباب تحصيل الفضائل ، فتأنف من الدنايا ولا ترضى بالنقائص ، وكل ميسر لما خلق له ، فــ
على قدر أهل العزم تأتي العزائم ******* وتأتي على قدر الكرام المكارم

يقول ابن القيم رحمه الله :
"ومن استقرئ الأسماء الحسنى وجدها مدائح وثناءً تقصر بلاغات الواصفين عن بلوغ كنهها ، وتعجز الأوهام عن الإحاطة بالواحد منها ومع ذلك فلله سبحانه محامد ومدائح وأنواع من الثناء لم تتحرك بها الخواطر ولا هجست فى الضمائر ولا لاحت لمتوسم ولا سنحت فى فكر .
ففى دعاء أعرف الخلق بربه تعالى وأعلمهم بأسمائه وصفاته ومحامده : "أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِى كِتَابِكَ أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَداً مِنْ خَلْقِكَ أوْ اسْتأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الغَيْبِ عِنْدَكَ أَن تَجْعَلَ الْقُرْآن رَبِيع قَلْبِي وَنُورَ صَدْرِي وَجَلاءَ حُزْنِي وَذَهَابَ هَمِّي وَغَمِّي" .
وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم في حديث الشفاعة لما يسجد بين يدي ربه قال : "فَيَفْتَحُ علي مَنْ مَحَامِدهِ بِشَيءٍ لا أُحْسِنُهُ الآن" ، وكان يقول فى سجوده : أعوذ برضاك من سخطك وبعفوك من عقوبتك أَعُوذُ بِكَ مِنْكَ ، لا أُحْصِى ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْت عَلَى نَفْسِكِ" ، فلا يحصي أَحد من خلقه ثناءً عليه ألبتة ، وله أسماءٌ وأوصاف وحمد وثناءٌ لا يعلمه ملك مقرب ولا نبى مرسل ، ونسبة ما يعلم العباد من ذلك إلى ما لا يعلمونه كنقرة عصفور في بحر" . اهــ
ص160 ، 161 .

فتعرف إلينا الرب ، جل وعلا ، بما تطيقه عقولنا من كمالاته الذاتية والوصفية والفعلية ، وحجب عنا ما لا تطيقه ، فمن ذا الذي يطيق إحاطة بوصف الرب جل وعلا .
فلا نعلم إلا ما علمنا ، وإذا كان لسان مقاله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "لا أُحْصِى ثَنَاءً عَلَيْكَ" ، فكيف بحال من جاء بعده ، وإن كان أوسع الناس علما وأعظمهم تقى ؟! .

يقول ابن القيم رحمه الله :
"فإن قيل : فكيف تصنعون بما يشاهد من أَنواع الابتلاءِ والامتحان والآلام للأَطفال والحيوانات ومن هو خارج عن التكليف ومن لا ثواب ولا عقاب عليه ؟ وما تقولون في الأَسماءِ الدالة على ذلك من المنتقم والقابض والخافض ونحوها ؟ قيل : قد تقدم من الكلام في ذلك ما يكفي بعضه لذي الفطرة السليمة والعقل المستقيم وأَما من فسدت فطرته وانتكس قلبه وضعفت بصيرة عقله فلو ضرب له من الأَمثال ما ضرب فإِنه لا يزيده إِلا عمى وتحيراً ونحن نزيد ما تقدم إيضاحاً وبياناً إِذ بسط هذا المقام أَولى من اختصاره فنقول : قد علمت أن جميع أسماء الرب سبحانه حسنى وصفاته كمال وأفعاله حكمة ومصلحة، وله كل ثناءٍ وكل حمد ومدحه وكل خير فمنه وله وبيده، والشر ليس إليه بوجه من الوجوه . لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله ولا في أسمائه، وإن كان في مفعولاته فهو خير بإضافته إليه وشر بإضافته إلى من صدر عنه ووقع به. فتمسك بهذا الأصل ولا تفارقه فى كل دقيق وجليل، وحكمه على كل ما يرد عليك ، وحاكم إليه واجعله آخرتك التى ترجع إليها وتعتمد عليها" . اهــ
ص161 .
فذلك من شؤم قياس فعل الرب ، جل وعلا ، على فعل العبد ، فيرى صاحب هذا القياس الفاسد ، فعل الرب ، جل وعلا ، في عباده بصفات الجلال ، يراه من جنس فعل العبد بالظلم لغيره ، فابتلاء الرب ، جل وعلا ، بصنوف الآلام ، وظهور آثار صفات جلاله ، ليس من جنس إفساد العباد بالظلم ، فإن الرب ، جل وعلا ، الغني على جهة الإطلاق ، فانتفاء الظلم في حقه واجب ، فيأمن العبد ظلمه ، وإن لم يأمن مكره ، وأما العبد فهو على الضد : فقير فقرا ملازما لذاته ، فالظلم فيه سجية : (إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) ، فيظلم غيره بإيصال الضر إليه على جهة الإفساد ، لافتقاره إلى ما عنده من مال أو متاع ، فالرب ، جل وعلا ، يبتلي بالألم ليذكر ويمحص ويرفع درجة المبتلى إن كان صالحا ، ويهلك الظالم فيشغله بنفسه ويري من ظلمه فيه آية واعظة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ، وكم توجع طغاة بعد أن زأروا متوعدين ! ، فكان توجعهم عاجل البشرى بالعذاب الأليم ! ، فكيف صح في الأذهان قياس خلق الرب ، جل وعلا ، للشر بإرادته الكونية النافذة ، لما يتولد منه من الخير الآجل ، فذلك تأويل حكمته ، جل وعلا ، كيف يقاس ذلك على فعل العبد للشر مخالفة للإرادة الشرعية الحاكمة ، فذلك من الفساد بمكان ، بل هو عين الإفساد بمخالفة ناموس شريعة العدل والإصلاح .
فالشر ليس لله ، عز وجل ، فعلا ، وإن كان له خلقا ، فهو في المقدور لا في القدر ، فيراد لغيره ، فليس مرادا لذاته ، فبه يتولد خير يفوق مفسدة وقوعه ، وذلك ، كما تقدم ، مئنة من حكمة الرب جل وعلا .
والأمر كما يقول ابن القيم ، رحمه الله ، دائر بين الفضل بإظهار آثار أوصاف جماله في أوليائه ، والعدل بإظهار أوصاف جلاله في أعدائه .

يقول ابن القيم رحمه الله :
"واعلم أن لله خصائص فى خلقه ورحمة وفضلاً يختص به من يشاءُ ، وذلك موجب ربوبيته وإلهيته وحمده وحكمته ، فإياك ثم إياك أَن تصغي إلى وسوسة شياطين الإنس والجن والنفس الجاهلة الظالمة أنه : هلا سوَّى بين عباده فى تلك الخصائص وقسمها بينهم على السواءِ ، فإن هذا عين الجهل والسفه من المعترض به ، وقد بينا فيما تقدم أن حكمته تأْبى ذلك وتمنع منه . ولكن اعلم أن الأمر قسمة بين فضله وعدله ، فيختص برحمته من يشاء ُ ويقصد بعذابه من يشاءُ وهو المحمود على هذا ، فالطيبون من خلقه مخصوصون بفضله ورحمته ، والخبيثون مقصودون بعذابه ، ولكل واحد قسطه من الحكمة والابتلاءِ والامتحان ، وكل مستعمل فيما هو له مهيأَ وله مخلوق ، وكل ذلك خير ونفع ورحمة للمؤمنين فإنه تعالى خلقهم للخيرات فهم لها عاملون ، واستعملهم فيها فلم يدركوا ذلك إلا به ولا استحقوه إلا بما سبق لهم من مشيئته وقسمته" . اهــ
ص161 ، 162 .

فالأمر ليس على طريقة أهل العدل في زماننا ، الذين ضلوا في معنى العدل فقالوا بالتسوية المطلقة من كل وجه برسم المساواة ، وإن اختلفت الأوصاف والخصائص ، على طريقة دعاة التسوية بين الجنسين ، بمنح كل خصائص الآخر ، فلا تعرف ذكرا من أنثى ، فكلهم سواء ! ، وذلك تسوية بين ما فرق الرب ، جل وعلا ، كونا ، فليست خلقة الذكر وخصائصه الجسدية والنفسانية ، كخلقة الأنثى وخصائصها الجسدية والنفسانية ، وشرعا ، فالأصل في التكليف التسوية إلا ما اختص به كل جنس من الأحكام ، فالتباين كائن في أحكام انفرد بها كل جنس ، كالجهاد والنفقة للرجال ، وأحكام الحيض والولادة والنفاس والرضاع ... إلخ للنساء ، وفي أحكام اشتركا فيها مع وقوع التباين في حظ كل منها كأحكام المواريث ، فالتباين في التشريع فرع عن التباين في التكوين ، فمن آمن بالرب ، جل وعلا ، ربا خالقا ، قد خلق كل جنس على نحو يلائم ما اختص به من الوظائف الكونية والشرعية ، آمن به ربا مشرعا يشرع لكل جنس ما يلائمه من الأحكام ، فهو العليم الخبير بأحوال عباده وما يصلح به حالهم من الأحكام ، فتكوينه وتشريعه فرع عن علمه الأول بالكائنات ، فالتسليم لحكم الشرع في هذا الباب : مئنة من كمال علم العبد بوصف الرب الخالق الحكيم ، فخلق الجنسين بقدرته ، وصور كلا على هيئة تخصه ، وشرع له من الأحكام ما يلائمه ، فذلك مئنة من حكمته البالغة جل وعلا .

والله أعلى وأعلم .


 
مهاجر
   
شارك May 30 2010, 11:08 AM مشاركة #137

عضو ذهبي
********
المجموعة: الأعضاء
المشاركات: 918
التسجيل: 27-October 08
رقم العضوية: 17,154
  
يقول ابن القيم رحمه الله :
"فكذلك لا تضرهم الأدواءُ ولا السموم ، بل متى وسوس لهم العدو واغتالهم بشيء من كيده أو مسهم بشيء من طيفه تذكروا فإذا هم مبصرون ، وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون وإذا وقعوا في معصية صغيرة أو كبيرة عاد ذلك عليهم رحمة وانقلب فى حقهم دواء وبدل حسنة بالتوبة النصوح والحسنات الماحية ، لأنه سبحانه عرفهم بنفسه وبفضله وبأن قلوبهم بيده وعصمتهم إليه حيث نقض عزماتهم وقد عزموا أن لا يعصوه ، وأراهم عزته فى قضائه ، وبره وإحسانه فى عفوه ومغفرته ، وأشهدهم نفوسهم وما فيها من النقص والظلم والجهل ، وأشدهم حاجتهم إليه وافتقارهم وذلهم ، وأنه إن لم يعف عنهم ويغفر لهم فليس لهم سبيل إلى النجاة أبداً" . اهــ
ص162 .
فذلك من تمام عنايته ، عز وجل ، بعباده المؤمنين ، فيحفظهم من نوازع الشر وخواطر السوء ، فإذا وقعوا في المعصية بمقتضى ما قدر من الأزل ، فذلك مئنة من كمال قدرته ، انقلبت المحنة بالمعصية في حقهم منحة ، فاستغفروا وأحدثوا من الطاعات ما يفوق جرم المعصية ، فصارت الحكمة باعتبار المآل : وقوع المعصية ، وإن لم تكن مرادة شرعا ، فذلك من كمال حكمته ، عز وجل ، أن أخرج من الشر خيرا ، فجعل مساخطه معدن مراضيه بالتوبة منها والندم على اقترافها ، وانكسار القلب بين يديه ، فذلك كما تقدم في أكثر من موضع ، أحب إلى الرب ، جل وعلا ، من صولة الطائع ، فقدره ، عز وجل ، كله خير ، وإن كان ثم شر ففي المقدور الكائن ، لا في القدر المكوِّن ، فالمقتول ظلما ، إن كان من أهل الإيمان ، فوزره على من قتله ، فحصل له بالخوف العاجل : أمن آجل في دار الجزاء ، وحصل لأهله إن صبروا من عظيم العطاء ما لم يكن ليحصل لولا أن ابتلوا بقتله ، فذلك من القدر الكوني النافذ ، فامتثلوا أمر القدر الشرعي الحاكم : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) ، فاصبروا ولازموا الصبر على جهة المفاعلة للنفس ، فهي العدو الملازم وللعدو المباين من أجناس الكفارة والطغاة ، وكم صبر مظلومون على الابتلاء فصاروا من أهل : (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) ، وقل مثل ذلك في كل ابتلاء ينزل بأهل الإيمان ، فذكر القتل تحديدا لكونه من أعظم المصائب الكونية التي تنزل بابن آدم ، فليس بعد زهوق النفس مصاب ، فإن الميت أو المقتول لا يهتم بما خلف وراء ظهره ، فإذا أدخل قبره ، انقطعت صلته بدار الابتلاء فصار من أهل دار أخرى ، فلا يعنيه أمور كانت قبل موته بلحظات : شغله الشاغل ، فقد مات وانتهى الأمر جملة وتفصيلا ! ، فالتأسي يكون في بقية المصائب من باب أولى ، وسؤال العافية ، كما تقدم مرارا خيرا من تمني الابتلاء ، فلا يطلبه إلا غافل متعد ، ولا يخشاه أو يخشى الجزع حال وقوعه إلا عاقل ، ولا يصبر حال وقوعه إلا مسدد ، فذلك من تنويع الرب ، جل وعلا ، في أوصاف العباد ، ليظهر بتفاوت صورهم الظاهرة والباطنة : كمال قدرته أن خلق الشيء وضده ، فخلق المؤمن والكافر ، والبر والفاجر ، والصابر والجازع ، والعالم والجاهل ..... إلخ ، وأرى العباد قدرته بعقد هممهم وفسخها ، فكم من ناو توبة قد فسخت همته فعاود المعصية ، ليعلم ضعف نفسه إن وكل إليها ، فلا عاصم من أمر الله ، عز وجل ، إلا هو ، فإن شاء ثبت فضلا وإن شاء أزاغ عدلا ، فوجب اللجوء إليه على جهة الافتقار ، والتوجه إليه بالدعاء على جهة الذلة والصغار ، فالذل له كمال العز ، والافتقار إليه تمام الغنى ، فلا يملك العبد من أمر نفسه شيئا ، وإن كان مكلفا مختارا ، فإن إرادته ، مهما عظمت ، لا تخرج عن إرادة خالقه ، جل وعلا ، فهو الخالق للذوات وما يقوم بها من إرادات وأفعال ، فلا يتحرك بإرادته المقيدة إلا إذا شاء الرب ، جل وعلا ، له الحركة بإرادته المطلقة .

يقول ابن القيم رحمه الله :
"فإِنهم لما أعطوا من أنفسهم العزم أن لا يعصوه وعقدوا عليه قلوبهم ثم عصوه بمشيئته وقدرته، عرفوا بذلك عظيم اقتداره وجميل ستره إياهم وكريم حلمه عنهم وسعة مغفرته لهم برد عفوه وحنانه وعطفه ورأْفته، وأنه حليم ذو أناة لا يعجل ورحيم سبقت رحمته غضبه، وأنهم متى رجعوا إليه بالتوبة وجدوه غفوراً رحيماً، حليماً كريماً، يغفر لهم السيئات ويقيلهم العثرات ويودهم بعد التوبة ويحبهم" . اهــ
ص162 .

فعرفوا بذلك عظيم وصف جلاله ، أن قدر عليهم بعدله الوقوع في المعصية وقد عزموا يقينا ألا يقعوا فيها ، ولو شاء لعافاهم بفضله ، ثم عرفوا بعد الندم والتوبة عظيم وصف جماله ، فوجدوه غفورا يستر الذنب ، رحيما بعباده المؤمنين لا سيما التائبين فمحبتهم مقدمة على محبة المتطهرين فــ : (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) ، فالتواب قد وقع له من الذل والانكسار ما صيره أقرب إلى الرب ، جل وعلا ، فالخضوع والذل مظنة الاقتراب ، فــ : (كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ) ، فالسجود مظنة الذلة ، والذلة طريق الاقتراب الواسع من الرب ، جل وعلا ، على جهة الرضا فهو من جنس التقرب في قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا" ، وقد لا يجد الطائع ، بل غالبا ما لا يجد ، أثر هذا الذل النافع ، فهو معدن العزة ، بتوحيد الرب ، جل وعلا ، بعبادة الاستغفار والتوبة فــ : "عَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي فَلْيَعْمَلْ مَا شَاءَ" ، فليس ذلك بمسوغ للوقوع في الذنب وإنما هو أمان لمن تاب وأناب بصدق فليس بلاعب بتوبة قد بيت النية على نقضها ! ، فلم يشرك معه غيره في هذا الوصف الذي اختص به الرب ، جل وعلا ، فلا يغفر الذنوب إلا هو ، فليس ثم وسيط أرضي يغفر إذا اعترف المذنب أمامه ، فتلك فضيحة لا يرضاها الرب ، جل وعلا ، لعباده فـــ : "مَنْ أَصَابَ مِنْ هَذِهِ الْقَاذُورَاتِ شَيْئًا فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّهِ فَإِنَّهُ مَنْ يُبْدِي لَنَا صَفْحَتَهُ نُقِمْ عَلَيْهِ كِتَابَ اللَّهِ" ، وفي إسناده انقطاع ، وهو عند الحاكم ، رحمه الله ، في مستدركه من حديث ابن عمر ، رضي الله عنهما ، مرفوعا : "اجتنبوا هذه القاذورة التي نهى الله عنها فمن ألم فليستتر بستر الله وليتب إلى الله فإنه من يبد لنا صفحته نقم عليه كتاب الله عز وجل" ، فلا يكون بوح بالذنب إلا لمن يقدر على غفرانه ، كما لا يكون بوح بالحزن الذي تضيق به النفوس إلا لمن يؤمن جانبه فليس بشامت أو متشف ، فالأصل : التجلد لمن أقدره الرب ، جل وعلا ، عليه ، فلسان حال صاحبه :
و تجلدي للشامتين أريهم ******* أني لريب الدهر لا أتضعضع

فمن لم يستطع ، فهو لا بد بائح ، فليكن بوحه لقريب أو خليل لا تخشى غوائله ، وما أقل هذا الصنف في زماننا ، فلا يسع العباد بعلمه ، وسمعه ، فهو المجيب لمن دعاه بشرح الصدور وتفريج الكروب ، ورحمته ، فهو أرحم بالعبد من نفسه ، لا يسعهم إلا من خلقهم تبارك وتعالى ، فــ : (إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) ، فله سعة الذات عظمة فلا تماثلها ذات ، وسعة الصفات كمالا فلا تماثلها صفات ، فليس كمثله شيء وهو السميع البصير ، و : (رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا) ، فذلك من سعة وصفه ، جل وعلا ، فوسع العباد برحماته الكونيات العامة فبها قيام المخلوقات فهو القيوم المقيم لها بأسباب الإيجاد والإبقاء ، ورحماته الشرعيات الخاصة ، والنبوة ، كما تقدم مرارا ، أعظمها وصفا وقدرا ، فلا يحظى بها ، والضمير راجع على الرحمات الشرعيات لا النبوات فهي منصب لا كسب فيه بل لا ينال إلا بالاصطفاء ، لا يحظى بها إلا الصابرون الموقنون ، فتلك هي الذرائع إلى الإمامة في الدين : إمامة نبوة فتلك لا تنال بكسب أو فتوة ، وإمامة علم ، فتلك إمامة : (وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) ، فيرون ما لا يرى غيرهم من أصحاب الجهالات البسيطة والمركبة ، لا سيما إن اقترنت بالجحود والتعصب ، فلا عذر لأصحابها ، وإمامة عمل ، فــ : (قُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) .

يقول ابن القيم رحمه الله :
"فتضرعوا إليه حينئذ بالدعاء وتوسلوا إليه بذل العبيد وعز الربوبية فتعرف سبحانه إليهم بحسن إجابته وجميل عطفه وحسن امتنانه فى أن ألهمهم دعاءه ويسرهم للتوبة والإنابة وأقبلوا بقلوبهم إليه بعد إعراضها عنه، ولم تمنعه معاصيهم وجناياتهم من عطفه عليهم وبره لهم وإحسانه إليهم فتاب عليهم قبل أن يتوبوا إليه ، وأعطاهم قبل أن يسألوه فلما تابوا إليه واستغفروه وأنابوا إليه تعرف إليهم تعرفاً آخر : فعرفهم رحمته وحسن عائدته وسعة مغفرته وكريم عفوه وجميل صفحه وبره وامتنانه وكرمه وشرعه ، ومبادرته قبولهم بعد أن كان منهم ما كان من طول الشرور وشدة النفور والإيضاع فى طرق معاصيه ، وأشهدهم مع ذلك حمده العظيم وبره العميم، وكرمه فى أن خلى بينهم وبين المعصية فنالوها بنعمته وإعانته، ثم لم يخل بينهم وبين ما توجبه من الإهلاك والفساد الذى لا يرجى معه صلاح ، بل تداركهم بالدواء الشافي فاستخرج منهم داء لو استمر معهم لأفضى إلى الهلاك ، ثم تداركهم بروح الرجاء فقذفه فى قلوبهم وأخبر أنه عند ظنونهم به" . اهــ
ص162 .

فدعاؤهم في حد ذاته طاعة يجوز بل يحسن التوسل بها إلى استجابته وقبول توبته عليهم ، فتوسلوا إليه بصفات جماله ، فذلك مما يحسن في مقام الطلب ، فهم طلاب المغفرة التي لا تكون إلا من الغفور الرحيم ، جل وعلا ، وتوسلوا بإظهار الذل في مقام يحسن فيه الإمعان في الخضوع والخشوع ، فوصف الخضوع الكوني ثابت على الدوام لسائر الخلائق ، ووصف الخضوع الشرعي ثابت على الدوام لخاصة الخلق من المؤمنين ، وإنما يزيد الوصف شدة في مواضع التوبة والاستغفار فهي من المواضع التي يظهر فيها عجز العبد فلم يملك إلا أن وقع في المعصية لنفاذ الأمر الكوني فيه ، فذلك من قهر الرب ، جل وعلا ، لعباده ، فقد قهرهم بالقدر الكوني الذي لا يلامون على وقوعه مما يعرض للبشر من النوازل من قبيل الموت والنوم والجوع والعطش ..... إلخ من عوارض النقص ، وقهرهم بمخالفة القدر الشرعي باختيارهم وإن لم يخرج ذلك عن إرادته الكونية العامة ، فلا يطيع طائع ، ولا يعصي عاص ، كما تقدم مرارا ، إلا بمشيئة الرب ، جل وعلا ، فظهر لهم ما يعتريهم من الضعف ، فالأبدان قد ظهر نقصانها بورود الأدواء عليها ، فامتاز وصف الكمال الثابت للذات الإلهية القدسية من وصف النقصان الثابت للذات الأرضية الناقصة ، وذلك مما يبطل قول من زعم مخالطة الكامل للناقص ، باتحاد كاتحاد النصارى ، أو حلول ، فذلك من وصف النقص المطلق الذي تنزه عنه الرب ، جل وعلا ، شرعا وعقلا وحسا وفطرية ، وامتازت الأوصاف الإلهية لا سيما القدرة النافذة ، فهو المقتدر إثباتا ، فــ : (مَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا) نفيا ، من الأوصاف البشرية التي ظهر عجزها فلم تصبر عن المعصية فوقعت فيها فحصل لها من ذل العبودية ما يقابل عز الربوبية ، كما أشار إلى ذلك ابن القيم رحمه الله ، بقوله :
"فأشهدهم بالجناية عزة الربوبية وذل العبودية ، ورقاهم بآثارها إلى منازل قربه ونيل كرامته ، فهم على كل حال يربحون عليه ، يتقلبون في كرمه وإحسانه ، وكل قضاءٍ يقضيه للمؤمن فهو خير به يسوقه إلى كرامته وثوابه ، وكذلك عطاياه الدنيوية نعم منه عليهم ، فإذا استرجعها أيضاً منهم وسلبهم إياها انقلبت من عطايا الآخرة ما قيل : إن الله ينعم على عباده بالعطايا الفاخرة ، فإذا استرجعها كانت عطايا الآخرة" . اهــ
ص163 .

فلو شهد العباد مقام الجلال ، فالله ، عز وجل ، شديد العقاب ، ما التذوا ابتداء ، ولو كانوا أهل طاعة ، فكيف بأهل المعصية ، فمن رحمة الرب ، جل وعلا ، بنا ، أن تعرف إلينا بما تطيقه عقولنا من أسمائه الحسنى وصفاته العلى ، وإلى ذلك المعنى أشار ابن القيم ، رحمه الله ، بقوله :
"والرب سبحانه قد تجلى لقلوب المؤمنين العارفين وظهر لها بقدرته وجلاله وكبريائه ومضي مشيئته وعظيم سلطانه وعلو شأْنه وكرمه وبره وإحسانه وسعة مغفرته ورحمته وما ألقاه فى قلوبهم من الإيمان بأسمائه وصفاته إلى حيث احتملته القوى البشرية ووراءه مما لا تحتمله قواهم ولا يخطر ببال ولا يدخل فى خلد مما لا نسبة لما عرفوه إليه" . اهــ

فتجلى صورة علمية باطنة في قلوب العارفين ، فرؤيتهم له بعين البصيرة معنى ، لا بالعين الباصرة ذاتا ، فلا يرى ، عز وجل ، على جهة الحقيقة ، بذاته القدسية وصفاته العلية ، إلا في دار النعيم ، رؤية التنعم لا الإحاطة ، فجاءت الرسالات ببيان تلك الصورة ، فهي من آكد الصور العلمية ، بل هي آكدها ، وعنها تتفرع آكد الصور العملية : صورة توحيد الألوهية ، صورة : لا إله إلا الله ، ففيها التوحيد الاعتقادي بإفراده جل وعلا ، بمعاني وحدانية الذات وأحدية الصفات والأفعال ، فلا شريك له في وصفه ، ولا شريك له في ملكه ، فهو المدبر لسمائه وأرضه ، بكلماته الكونيات النافذة ، وهو المشرع لخلقه ما به صلاح معاشهم ومعادهم ، فتلك كلماته الشرعيات الحاكمة ، فذلك الوجه الثاني من توحيد الألوهية : توحيده ، جل وعلا ، بالأعمال باطنة كانت كالتوكل والخشية فــ : (تَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ) ، و : (لَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ) ، أو ظاهرة كالصلاة والزكاة ، فــ : (أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ) ، واجبة كانت كالصلوات المكتوبات ، أومندوبة كسائر نوافل العبادات ، فعلا كانت كالصلاة ، أو تركا كالصيام ، بدنية كانت كالصلاة ، أو مالية كالزكاة أو مركبة منهما كالحج والجهاد ....... إلخ من تقسيمات العبادات الاصطلاحية .

يقول ابن القيم رحمه الله :
"فاعلم أن الذين كان قسمهم أنواع المعاصي والفجور ، وفنون الكفر والشرك والتقلب في غضبه وسخطه وقلوبهم وأرواحهم شاهدة عليهم بالمعاصي والكفر مقرة بأن له الحجة عليهم وأن حقه قبلهم ، ولا يذكر أحد منهم النار إلا وهو شاهد بذلك مقر به معترف اعتراف طائع لا مكره مضطهد ، فهذه شهادتهم على أنفسهم وشهادة أوليائه عليهم والمؤمنون يشهدون فيهم بشهادة أخرى لا يشهد بها أعداؤه ، ولو شهدوا بها وباؤا بها لكانت رحمته أقرب إليهم من عقوبته ، فيشهدون أنهم عبيده وملكه وأنه أوجدهم ليظهر بهم مجده وينفذ فيهم حكمه ويمضى فيهم عدله ، ويحق عليهم كلمته ويصدق فيهم وعيده ويبين فيهم سابق علمه ، ويعمر بهم ديارهم ومساكنهم التي هى محل عدله وحكمته .

وشهد أولياؤه ، (في مقابل شهادة أعدائه) ، عظيم ملكه وعز سلطانه وصدق رسله وكمال حكمته وتمام نعمته عليهم وقدر ما اختصهم به ومن أي شيء حماهم وصانهم، وأي شيء صرف عنهم" . اهــ
بتصرف من : ص163 ، 164 .

فشهدوا على أنفسهم بالجناية ، فذلك من كمال عدله ، عز وجل ، فيهم ، فــ : (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ) ، فتسلط الاستفهام على النفي مئنة من الإثبات ، فقد جاءكم رسل منكم باعتبار المجموع لا الجميع ، فمن البشر رسل قد عمت رسالاتهم ، فبعث النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى الثقلين ، فلسان مقال الجان : (يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآَمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) ، فقامت عليهم الحجة الرسالية في دار الابتلاء ، وأنطق منهم ، جل وعلا ، الشاهد عليهم ، في دار الجزاء فذلك ، أيضا ، مئنة من كمال عدله ، فــ : (قَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) ، فذلك من قياس الأولى ، فمن خلق ابتداء قادر على الإنطاق انتهاء ، فأولئك شهود وصف الجلال ، وفي مقابلهم شهود وصف الجمال ، من عباده المؤمنين فشهدوا على كمال حكمته وتمام نعمته ، فلسان مقالهم : (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ) ، فأقروا له بالفضل فلولا ما سبق في علمه بنجاتهم ما نجوا ، وإنما فعلوا ما فعلوا من خير ، بما يسره الله ، عز وجل ، لهم من الأسباب الشرعية والكونية فـــ : (لَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ) ، فحبب إليهم طرائق الخير ، بما آتاهم من قوى العلم النافع ، ويسر لهم سلوكها بما آتاهم من قوى العمل الصالح ، وبغض إليهم في المقابل : أسباب الشر فصرفهم عنها ، وثبطهم عن مباشرتها ، فذلك من فضله ولو شاء لابتلاهم بها عدلا ، فالعافية منه في الدين والدنيا : فضلا لا عن سابق حق ، والابتلاء منه : عدل فلا يظلم ربك أحدا .

يقول ابن القيم رحمه الله :
"وأنه لم يكن لهم إليه وسيلة قبل وجوده يتوسلون بها إليه أن لا يجعلهم من أصحاب الشمال وأن يجعلهم من أصحاب اليمين ، وشهدوا له سبحانه بأن ما كان منه إليهم وفيهم مما يقتضيه إتمام كلماته الصدق والعدل قوله وتحقق مقتضى أسمائه فهو محض حقه .
وكل ذلك منه حسن جميل له عليه أتم حمد وأكمله وأفضله ، وهو حكم عدل وقضاءٌ فصل ، وأنه المحمود على ذلك كله فلا يلحقه منه ظلم ولا جور ولا عبث ، بل ذلك عين الحكمة ومحض الحمد وكمال أظهره فى حقه وعز أبداه وملك أعلنه ومراد له أنفذه كما فعل بالبدن وضروب الأنعام أتم بها مناسك أوليائه وقرابين عباده ، وإن كان ذلك بالنسبة إلى الأنعام هلاكاً وإتلافاً، فأعداؤه الكفار المشركون به الجاحدون أولى أن تكون دماؤهم قرابين أوليائه وضحايا المجاهدين فى سبيله ، كما قال حسان بن ثابت :
يتطهرون يرونه قربانهم ******* بدماءِ من علقوا من الكفار" . اهــ
ص164 .

فتحقق في المؤمنين معاني أسماء الجمال فهو : الغفور الذي ستر الذنب ، الرحيم الذي اختص المؤمنين برحماته الخاصة في دار الجزاء ، وأعظمها دار النعيم فــ : "أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي" ، وتحقق في الكافرين معاني أسماء الجلال ، فهو العزيز القهار ، شديد العقاب لمن عصاه ، فعذب أعداءه بيد أوليائه ، فــ : (ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ) ، فلو شاء لأهلكهم بكلمة كونية واحدة ، فــ : (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) ، ولكنه شاء أن تظهر في مدافعة عباده بعضهم : آثار حكمته الباهرة ، فأعز جنده ، وجعل أعداءه قرابين تذبح وضحايا تهدى فــ : (قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (14) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) ، فأوليائه عقوبته العاجلة لأعدائه ، إن أمضوا السنة الشرعية ، بشهر سيوف الحق دفعا وطلبا ، والمسلمون ، على الجانب الآخر ، فتنة لأعدائه إن سلطهم عليهم بذنوبهم ، كما هي الحال في زماننا ، فهي الحال التي استعاذ منها المؤمنون ، فــ : (رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) ، فقد صار الموحدون هم القرابين ، فذلك ، أيضا ، من كمال عدله وحكمته ، فلا ملاطفة في السنة الكونية ، ولا مجاملة لمن فرط في السنة الشرعية ، وإنما الشأن : مباشرة السبب توصلا إلى مسبَّبِه ، فجهاد أولياء الشيطان مظنة العزة ، والقعود برسم التثاقل إلى الأرض أو الخيار الاستراتيجي الوحيد : سلام الجبناء ! ، مظنة الذلة وتسلط الأراذل ، وتعطيل سيف الشريعة فلا ينال من الزنادقة ، ذريعة إلى التطاول على أصول الديانة ، فالطاعن في مأمن ، فلا ينفذ فيه هذا السيف إلا بأمر سلطان عام ، له من ولاية الحسبة ما ليس للأفراد ، وسلاطين زماننا إما فاجر لا يقيم للدين وزنا فلا يغضب إلا لملكه ، وإما عاجز يخشى تبعة ذلك ، فمنظمات حقوق الإنسان في الكفر والعصيان لا يسلم من تحرشها إلا من سار على سننها ! ، فقلت غيرته على المحارم الشرعية بل والفطرية التي تغار عليها البهائم ، وإنما الشأن في الزمان الأول :
"لما ضحى خالد بن عبد الله القسري بشيخ المعطلة الفرعونية جعد بن درهم ، (حامل لواء مقالة نفي الأسماء والصفات الإلهية) ، فإن خطبهم فى يوم أضحى ، فلما أكمل خطبته قال : أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم ، فإني مضح بالجعد بن درهم ، إنه زعم أن الله لم يكلم موسى تكليما ، ولم يتخذ إبراهيم خليلاً ، تعالى عما يقول الجعد علواً كبيراً ، ثم نزل فذبحه، فكان ضحيته . وذكر ذلك البخاري في كتاب خلق الأفعال" . اهــ
ص164 .

وذلك مما حمد به ولاة بني أمية على ما كان عليهم من مآخذ شرعية ، لا سيما في مسائل كتأخير الصلاة وتقديم العرب برسم العصبية ..... إلخ ، فقد عرفوا بالحرص على حماية جناب الشريعة فأعملوا سيف الشريعة في كثير من رءوس البدع التي أطلت بعد ذهاب القرن الأول ، فهم الأمان لهذه الأمة فــ : "أَصْحَابِي أَمَنَةٌ لِأُمَّتِي فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ" .

يقول ابن القيم رحمه الله :
"فهذا شهود أوليائه من شأن أعدائه ، ولكن أعداؤه فى غفلة عن هذا لا يشهدونه ولا يقرون به ، ولو شهدوه وأقروا به لأدركهم حنانه ورحمته ، ولكن لما حجبوا عن معرفته ومحبته وتوحيده وإثبات أسمائه الحسنى وصفاته العليا ووصفه بما يليق به وتنزيهه عما لا يليق به صاروا أسوأ حالاً من الأنعام وضربوا بالحجاب ، وأبعدوا عنه بأقصى البعد وأخرجوا من نوره إلى الظلمات ، وغيبت قلوبهم فى الجهل به وبكماله وجلاله وعظمته فى غابات ، ليتم عليهم أمده ، وينفذ فيهم حكمه ، والله عليم حكيم، والله أعلم" . اهــ
ص164 .
فإنما أتي من أتي منهم لجهله بكمال أوصاف الرب ، جل وعلا ، فله صفات الكمال : جلالا وجمال : ثبوتا ، وله التنزيه بسلب أوصاف النقصان ، فلا يعتريه نقص في ذاته أو وصفه أو فعله ، فهو الأول على جهة الإطلاق ، بكمال الذات والوصف ، وهو الآخر على جهة الإطلاق ، فمن غيب عن هذا المقام الشريف بسبق قضاء الرب ، جل وعلا ، فيه ، فحكمه ، جل وعلا ، بالعدل فيه ماض ، كما أن من أحضرت نفسه هذا المقام ، ففضله ، جل وعلا ، فيه كائن ، فالعباد ، كما تقدم مرارا ، في مأمن من ظلم الغني ، تبارك وتعالى ، فبين فضله وعدله يتقلبون ، فلا حجة لأحد من الخلق عليه ، بل عطائه محض إحسان ، ومنعه عدل لا جور فيه ، فقد تنزه عن الفقر إلى ما منح عباده ، فلا يظلم ربك أحدا .

والله أعلى وأعلم .


 
  • موضوع جديد
  • إضـافـة رد

 

عدد القراء الحاليين لهذا الموضوع:1 | الأعضاء: 0 | الزوار:1 | المتخفين:0

  طباعة الموضوع
إرسال الموضوع لصديق
  تنزيل / طباعة هذا الموضوع
 
« الموضوع السابق · المنتديات العامة · الموضوع التالي »


الوقت الآن: 7th September 2010 - 12:17 AM