عرض مشاركة واحدة
  #33  
قديم 2012-07-06, 06:17 PM
Nabil Nabil غير متواجد حالياً
مشرف قسم التاريخ الإسلامى
 
تاريخ التسجيل: 2009-08-07
المشاركات: 2,686
افتراضي سلسلة تأملات في آيات من القرآن الكريم/أ.د أحمد محمد عبد الدائم/31

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمـَنِ الرَّحِيم
سلسلة تأملات في آيات من القرآن الكريم
الأستاذ الدكتور أحمد محمد عبد الدايم عبدالله


31 - قال تعالى: { فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (15) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (16) وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (17) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (18) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (19﴾}(التكوير).

هذه الآيات الكريمة ردٌّ فاصل على قول الكفار، وادِّعائهم زورًا وبُهتانًا بأنَّ الرسول الكريم مجنون، إنهم يعلمون أنهم كاذبون، ولكنَّه الحسد الذي أعمى قلوبهم؛ قال تعالى : { فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (46﴾}(الحج).

ومن هنا، فإنَّ الله سبحانه يُقسِم تشريفًا وتكريمًا لرسوله الكريم بأنه: { لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ }؛ أي: جاءه به ملكٌ كريم من عند ربٍّ كريم؛ أي: إنَّ هذا القرآن الذي يتلوه محمد صلَّى الله عليه وسلَّم ليس من عنده، وإنما بلَّغه به من ربِّه ملكٌ شريف، له مكانة عند الله ومنزلة رفيعة، وهو جبريل عليه السلام.

ولقد أقسَم الله على ذلك: { بِالْخُنَّسِ * الْجَوَارِ الْكُنَّسِ } ،
الخُنَّس: هي النجوم، تَخنِس بالنهار - أي تختفي - وتظهر بالليل؛ كذا رُوِي عن علي رضي الله عنه حيث قال: "هي النجوم تَخنِس بالنهار، وتظهر بالليل" (أخرَجه ابن جرير) ، وتَبِعه في ذلك ابن عباس، ومجاهد، والحسن.

{ الْجَوَارِ الْكُنَّسِ } ؛ أي: الجواري التي تجري في مجاريها المحدَّدة لها ليلاً، وهي كُنَّس حين تختفي نهارًا، ومنه قول العرب عن الظبي حين يختفي: "أوى الظبي إلى كِناسه"؛ أي: أوى إلى مَخبئه، كما أقسَم سبحانه بالليل { إِذَا عَسْعَسَ } ؛ أي: إذا أدبَر، وبالصُّبح ﴿ إِذَا تَنَفَّسَ ﴾؛ أي: إذا بثَّ ضياءَه، ونفَثَ نوره.

وقد وَرَد هذا المعنى في قول الشاعر القديم:
حَتَّى إِذَا الصُّبْحُ لَهَا تَنَفَّسَا * وَانْجَابَ عَنْهَا لَيْلُهَا وَعَسْعَسَا
سبحانك ربي، ما أجمل ألفاظ القرآن وما أعذبَها!

{ وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ }، ما أجمل التناسق بين الليل بظلامه الدامس ولفظ { عَسْعَسَ } ؛ أي: اختفى هذا الظلام عَسْعَسةً؛ أي: تدريجيًّا، وتلاشى شيئًا فشيئًا!

{ وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ } ، كأنه كان نائمًا، ثم أخَذ يتثاءَب ويَتفتَّح شيئًا فشيئًا؛ حتى يَستيقظ ويَنشط، فيعمَّ ضياؤه الدنيا بعد رُقاد ليلٍ طويل.

سبحانك ربي، أفلا يتدبَّرون؟!

أفلا ينظرون ويتأمَّلون قوله تعالى:
{ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (71) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (72﴾ }(القصص) .

لقد كان عند الله ذلك مُمكنًا أن يجعل الدنيا نهارًا مستمرًّا دون ليلٍ، أو يجعل الليل مستمرًّا دون نهارٍ، لكن رحمته بنا وعِلْمه بحالنا جعَل الليل والنهار متعاقبين، لكنَّهم لا يسمعون ولا يُبصرون، ولا يتدبَّرون.

يتبع

عن موقع شبكة الألوكة الشرعية
رد مع اقتباس