عرض مشاركة واحدة
  #10  
قديم 2013-04-14, 12:45 PM
Nabil Nabil غير متواجد حالياً
مشرف قسم التاريخ الإسلامى
 
تاريخ التسجيل: 2009-08-07
المشاركات: 2,686
افتراضي سلسلة دروس في فقه الجهاد والقيادة الراشدة/د. أبو بكر الشامي/ق9

سلسلة دروس في فقه الجهاد والقيادة الراشدة

الدكتور أبو بكر الشامي

القسم التاسع

القدوة الجهادية الراشدة والنزاهة المالية




إن من أهم الصفات التي يتميّز بها القائد الناجح ، هي صفة القدوة ، فبها يكسب قلوب جنوده وثقتهم ، وبها يأسر ضمائرهم ، ويقودهم على طريق المكرمات حيث يريد ..

ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قدوة لأصحابه في كل شيء ، وطيلة حياته المباركة .
ولعل من أروع أمثلة القدوة لهذا الرسول الكريم ، صلى الله عليه وسلم ، هي : تقديم نفسه الشريفة وآل بيته الأطهار ، في المغرم ، وعفتهم في المغنم ..
فقد كان صلى الله عليه وسلم ، قدوة لأصحابه في المحن ، و كان يدرِّب آل بيته الأطهار على ذلك أيضاً ، فقد كلَّف ابن عمه عليّ كرّم الله وجهه ، للمبيت في فراشه ليلة هجرته الشريفة ، في أروع عملية استشهاد فدائية في ذلك العصر، وكذلك هو الحال في المرحلة المدنية…
فأول غزوة في سبيل الله ، قادها النبي الكريم صلى الله عليه وسلم بنفسه ، وهي غزوة وَدّان ، التي حدثت في صفر ، على رأس اثني عشر شهراً من مقدمه المدينة المنورة .
وأول سريّة في الإسلام ، كلَّف بها رجلاً من آل بيته ، وهو عبيدة بن الحارث ، وفي رواية حمزة بن عبد المطلب ، رضي الله عنهما .
وأول مبارزة في الإسلام ، ندب لها مجموعة من آل بيته الأطهار .

قال ابن اسحاق متحدثاً عن معركة بدر : ثم خرج عتبة بن ربيعة بين أخيه شيبة بن ربيعة ، وابنه الوليد بن عتبة ، حتى إذا فصل من الصف دعا إلى المبارزة ، فخرج إليه فتية من الأنصار ثلاثة ، هم : عَوْف ، ومُعَوِّذ ، ابنا الحارث _ وأمهما عفراء _ ورجل آخر ، يقال: هو عبد الله بن رواحة ،
فقالوا : من أنتم ؟
قالوا : رهط من الأنصار .
قالوا : ما لنا بكم حاجة ،
ثم نادى مناديهم : يا محمد ، أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا ؛ وفي رواية ، قالوا لهم : أكفاء كرام ، إنما نريد قومنا .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قم يا عبيدة بن الحارث ، وقم يا حمزة ، وقم يا عليّ . هشام 1 ( 625 )

بل يجب أن نعلم أيضاً ، بأن حمزة رضي الله عنه ، هو أول من قاتل في بدر ، حتى قبل أن تنشب المبارزة!
قال ابن اسحاق متحدثاً عن بدر أيضاً : وخرج الأسود بن عبد الأسد المخزومي ، وكان رجلاً شرساً سيء الخُلُق ، فقال : أعاهد الله لأشربنَّ من حوضهم ( يعني المسلمين ) ، أو لأهدمنَّه ، أو لأموتنَّ دونه .!
فلما خرج ، خرج له حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه ، فلما التقيا ، ضربه حمزة فأطنَّ قدمه بنصف ساقه وهو دون الحوض ، فوقع على ظهره تشخب رجله دماً نحو أصحابه ، ثم حبا إلى الحوض حتى اقتحم فيه ، يريد ( زعم ) أن يبرَّ بيمينه ، وأتبعه حمزة فضربه حتى قتله في الحوض . هشام 1 ( 625 )

وهكذا بالنسبة لبقية المعارك والمشاهد ، التي وقفنا على بعضها في الصفحات السابقة ،فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وآل بيته الأطهار رضوان الله عليهم ، أكثر الناس حضوراً ، وأعظم الناس تضحية ، وأشد الناس بلاءً ، هذا في المغارم ..

وأما في المغانم ، فلقد كانوا أعفَّ الناس ، وأزهد الناس ، وأكرم الناس .
قال ابن اسحاق ، يحدّث عن أموال هوازن وسباياها ، وعطايا المؤلفة قلوبهم ، وإنعام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وآل بيته رضوان الله عليهم ، على الناس فيها : ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حين انصرف عن الطائف ، وكان معه من سبي هوازن ، ستة آلاف من الذراري والنساء ، ومن الإبل والشَّاء ، ما لا يُدرى ما عدّته .!

قال : ثم إن وفد هوازن أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد أسلموا ، فقالوا : يا رسول الله ، إنا أصلٌ وعشيرة ، وقد أصابنا من البلاء ما لا يخفى عليك ، فامنن علينا منَّ الله عليك ، فأعاد إليهم نساءهم وذراريهم ثم قسّم الأموال والغنائم بين أصحابه وهو يقول : والله أن لو كان لكم بعدد شجر تهامة نَعَمَاً لقسمته عليكم ، ثم ما ألفيتموني بخيلاً ولا جباناً ولا كذّاباً ، ثم قام إلى جنب بعير ، فأخذ وَبَرَة من سنامه ، فجعلها بين أصبعيه ، ثم رفعها ، ثم قال : (( أيها الناس ، والله ما لي من فيئكم ولا هذه الوبرة ، إلا الخُمُس ، والخُمُس مردود عليكم )).!

ولم يكتف بذلك ، بل حرَّم الصدقة على نفسه الشريفة ، وعلى آل بيته الأطهار رضوان الله عليهم .
فلقد أورد ابن هشام في رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أهل اليمن قوله : (( وأن الصدقة لا تحل لمحمد ، ولا لأهل بيته ، إنما هي زكاة يُزكى بها على فقراء المسلمين ، وابن السبيل )). هشام 2 ( 590 )

ولقد اقتدى بهذه الأخلاق الربانية ، آل بيته الأطهار رضوان الله عليهم ، فكانوا قدوة للمسلمين في العفة والترفع .
قال ابن هشام : إن عقيل بن أبي طالب رضي الله عنه ، دخل يوم حُنَيْن على امرأته فاطمة بنت شيبة بن ربيعة ، وسيفه يقطر من دماء المشركين ، فقالت : والله إني قد عرفت أنك قد قاتلت ، فماذا أصبت لنا من أموال المشركين !؟ فقال : دونك هذه الإبرة تخيطين بها ثيابك ، فدفعها إليها ، فلما سمع منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من أخذ شيئاً فليرده ، حتى الخياط والمخيط ، رجع عقيل إلى زوجته وقال لها : والله ، ما أرى إبرتك إلا قد ذهبت ، فأخذها ، وألقاها في الغنائم .!!! هشام 2 ( 492 )

فمن يقتدي برسول الله صلى الله عليه وسلّم ، وأصحابه الكرام ، وآل بيته الأطهار ، فيتقدّم الصفوف عند البذل والتضحية والعطاء ، ويتأخر ويعفّ عند الأخذ وتقاسم الكعكة كما يقولون ، وهل هناك كعكة في الوجود أعظم من الجنّة ...!!!؟

بسم الله الرحمن الرحيم
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴿10﴾ تُؤْمِنُونَ بِاللَّـهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿11﴾ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴿12﴾ وَأُخْرَىٰ تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّـهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ﴿13﴾ }(الصفّ) .
صدق الله العظيم

يتبع

عن موقع رابطة أدباء الشام
رد مع اقتباس