عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 2015-06-07, 01:05 AM
Nabil Nabil غير متواجد حالياً
مشرف قسم التاريخ الإسلامى
 
تاريخ التسجيل: 2009-08-07
المشاركات: 2,686
افتراضي كتاب صور من تأذي النبي في القرآن/د.عثمان قدري مكانسي

كتاب صور من تأذي النبي صلى الله عليه وسلم في القرآن الكريم
(من المنافقين والكفار وأهل الكتاب وضعاف الإيمان من المسلمين)
الدكتور عثمان قدري مكانسي

(1) سورة البقرة/ الآيات [104- 108]


بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (104) مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (105) مَا نَنْسَخْ مِنْ آَيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (106) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهَ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (107) أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (108)}.


تذكر الروايات أن السبب في نهي الله تعالى المؤمنين أن يقولوا للنبي صلى الله عليه وسلم "راعنا"، أن اليهود كانوا يُميلون ألسنتهم في نطق هذا اللفظ وهم يوجهونه للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم حتى يؤدي معنى آخر مشتقاً من الرعونة والطيش، فقد كانوا يخشون أن يشتموا النبي صلى الله عليه وسلم مواجهة فيحتالون في سبه- صلوات الله عليه وسلامه- عن هذا الطريق الملتوي الذي لا يسلكه إلاّ صغار السفهاء، ومن ثم جاء النهيُ للمؤمنين عن اللفظ الذي يتخذه اليهودُ ذريعة، وأمروا أن يستبدلوا به مرادفه في المعنى { انظرنا }، الذي لا يملك السفهاء تحريفه وإمالته فيفوّتون على اليهود غرضهم الدنيء، الذي يدل على مدى غيظهم وحقدهم ويشي بسوء أدبهم وخِسّة وسيلتهم وانحطاط سلوكهم.

والنهيُ الوارد بهذه المناسبة يوحي برعاية الله تعالى لنبيه وللجماعة المسلمة ودفاعه- سبحانه- عن أوليائه من كل كيد وقصدٍ شرّير من أعدائهم الماكرين، فقد اختص الله تعالى المسلمين بفضل عظيم هو الإيمان به والعمل في سبيله ونشر شريعته فامتلأتْ صدورُ اليهود بالحقد عليهم والعداء لهم، فليحذروا أعداءهم وليتمسكوا بما يحسدهم عليه هؤلاء الأعداء من الإيمان وليشكروا فضل الله عليهم ويحفظوه.
ويجمع القرآنُ بين أهل الكتاب والمشركين في الكفر، وكلاهما كافر بالرسالة الأخيرة، فهما على قَدَمٍ سواء من هذه الناحية، وكلاهُما يُضمر للمؤمنين الحقد والضغينة ولا يود لهم الخير، وأعظم ما يكرهونه للمؤمنين هو هذا الدين وأن يختارهم الله لهذا الخير، وينزل عليهم هذا القرآن، ويَحْبُوهم بهذه النعمة، ويعهد إليهم بأمانة العقيدة في الأرض، وهي الأمانة الكبرى في الوجود، ونرى اليهود لخبثهم ودهائهم يشكِّكون برسالة محمد عليه الصلاة والسلام، ويشكِّكون بقبول الله تعالى لصلاتهم وعبادتهم قائلين: هذا نبيكم فرض عليكم الصلاة إلى المسجد الأقصى سنةً ونصف السنة أو أكثر ثم رأى أن تتجهوا إلى مكة حيث البيت الحرام، فلعل صلاتكم السابقة إلى القدس غيرُ مقبولة. وقد رأى محمدٌ - متردداً- أن يحصرها أخيراً في المسجد الحرام فها أنتم معشر المسلمين ضيّعتم زمناً من عمركم في صلاتكم إلى المسجد الأقصى.

ويبدو أن هذه الحملة الخبيثة آتتْ ثمرتها الكريهة في نفوس بعض المسلمين، فأخذوا يسالون رسول الله صلى الله عليه وسلم في قلق وزعزعة، ويطلبون الأدلة والبراهين، الأمر الذي لا يتفق مع الطمأنينة المطلقة إلى القيادة، والثقة المطلقة بمصدر العقيدة، فنزل القرآن يبين لهم أن نسخ بعض الأوامر والآيات يتبع حكمة الله الذي يختار الأحسن لعباده، ويعلم ما يصح لهم في كل موقف، ويبين لهم أن هدف المرجفين من اليهود ردّهم عن دينهم إن استطاعوا .

ويحرك الله تعالى نفوس المؤمنين وقلوبهم للاتجاه في الطريق الصحيح الذي يُرضي الله تعالى وهو الإذعان لأوامر الله وعدم إزعاج رسوله الكريم بكثرة الأسئلة التي اتسم اليهود بالإكثار منها لرسول الله موسى : { أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ } ؟

فهو استنكارٌ لتشبّه بعض المؤمنين بقوم مرسى في تعنتهم، وطلبهم للبراهين والخوارق، وإعناتِهم لرسولهم كلما أمرهم بأمر أو كلفهم بتكليف، على نحو ما حكى القرآن عنهم في مواقفَ كثيرة.
فكثرةُ القيل والقال والإلحافُ بالسؤال يبدل الإيمان كفراً وهو الضلال البعيد :
{ وَمَن يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ }.
وما أشده من تحذيرٍ، وما أسوأ الضلال من نهاية، هده النهاية التي صار إلها بنو إسرائيل،
نسال الله تعالى الهدى والعافية

يتبع

آخر تعديل بواسطة Nabil ، 2015-08-13 الساعة 07:36 PM
رد مع اقتباس