كتاب صور من تأذي النبي في القرآن/د.عثمان قدري مكانسي
كتاب صور من تأذي النبي صلى الله عليه وسلم في القرآن الكريم
(من المنافقين والكفار وأهل الكتاب وضعاف الإيمان من المسلمين)
الدكتور عثمان قدري مكانسي
(2) سورة البقرة / [ الآيات 146- 147]
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
{ الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (146) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ }(147)
معرفة الناس بأبنائهم هي قمة المعرفة، وهي مثل يُضرب في لغة العرب على اليقين الذي لا شبهة فيه .
وروي أن عمرَ رضي الله عنه قال لعبد الله بن سلام : أتعرف محمداً صلى الله عليه وسلم كما تعرف ابنك؟ قال: نعم، وأكثر .
بعث الله أمينه في سمائه إلى أمينه في أرضه بنَعْته، فعرفته ، وابني لا أدري ما كان من أمه.
فإذا كان أهل الكتاب على يقين من الحق الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم فلم يكذبونه؟! ولم يكتمون الحق الذي جاء به
وهم يعلمون صِدقه وصدق ما جاء به، فلئن أمرهم أن يجعلوا قبلتهم الأولى القدسَ لقد صدق فيما أمره به ربُّه ولئن أعادهم إلى القِبلة الثانية لقد صدق فيما أمره به ربه، بقي على المسلمين أن يعرفوا الحكمة من ذلك :
{ وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ (143)}(البقرة) .
فالتوجه إلى القبلة الأولى- المسجد الأقصى- كان اختباراً لإيمان المسلمين من العرب! الذين لا يرضَون عن المسجد الحرام بديلاً إلَّاّ إذا أخلصوا دينهم لله، فإنْ فعلوا ذلك نجحوا في الاختبار وصاروا أهلاً لحمل دينه ونشره في بقاع الأرض، واللهُ تعالى يعرف إخلاصهم قبل أن يختبرهم فهو يعلم السر وأخفى، ولكنه تعالى يريد أن يظهر المكنون من الناس حتى يحاسبهم عليه ويأخذهم به . فهو - لرحمته بهم- لا يحاسبهم على ما يعلمه من أمرهم بلْ على ما يصدر منهم بالفعل.
ولن يستطع الانسلاخ من الرواسب الشعورية إلاّ المخلصُ في عبوديته لله، المنصهر في دعوته.. وقد نجح المسلمون في هذا الاختبار فأعيدوا إلى قبلتهم الأولى ليس لأنها الأولى، إنما لأنها الرمز الجديد والقبلة الجديدة لهذا الدين العظيم.
إذاً فالحق من الله . والمؤمن لا يمتري ولا يجادل فيما يأمره الله به، والنهي عن الامتراء للمؤمنين يدنيهم من الرضا والسكينة، وقد خوطبوا في شخص نبيهم العظيم، وحاشا لرسول الله أن يمتري أو يشك يوماً، فحين قال له ربه في آية أخرى :
{ فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (94)}(يونس) .
قال لا أشك ولا أسأل.
فلا ينبغي لمسلم أن يتأثر بأباطيل اليهود وأحابيلهم وليس له أن يأخذ من هؤلاء الذين يستيقنون الحق، ثم يكتمونه شيئاً من أمر دينهم الذي يأتيهم به الصادق الأمين.
إنّ اليهود خاصة وأهل الكتاب عامة يدسّون السموم في دراستهم لقرآننا وسيرة نبينا وشريعة ديننا.
فكيف نتلقى عنهم تاريخنا الذي شوهوه، ونأمنهم على القول في تراثنا وسيرة أوائلنا، ونرسل إليهم طلابنا يدرسون على أيديهم علم الإسلام، ويتخرجون في جامعاتهم تم يعودون إلينا مدخولي العقل والضمير .
إنّ القرآن يحذرنا منهم ومن تخرصاتهم، ويصرفنا عن الاستماع إليهم والثقة بهم، فلنا طريقنا ولهم طريقهم .
يقول سيد قطب رحمه الله في ظلال القرآن، المجلد الثاني، ص 1061 :
إنّ أهل الكتاب يعلمون جيداً الحقيقة في هذا الدين، ويعرفونه كما يعرفون أبناءهم، وهم -جيلاً بعد جيل- يدرسون هذا الدين دراسة عميقة، ويُنقِّبون عن أسرار قوته، وعن مداخله إلى النفوس ومساربه فيها، ويبحثون بجدٍ كيف يستطيعون أن يفسدوا القوةَ الموجِّهة في هذا الدين ؟ كيف يُلقونَ بالريب والشكوك في قلوب أهله ؟ كيف يحرِّفون الكلم فيه عن مواضعه؟ كيف يصدُّون أهله عن العلم الحقيقي به؟ كيف يحولونه من حركةٍ دافعةٍ ، تحطم الباطل والجاهلية، وتسترِدُّ سلطانَ الله في الأرض، وتطارد المعتدين على هذا السلطان، وتجعل الدين كله لله، إلى حركة ثقافية باردة، والى بحوث نظرية مّيتةٍ، وإلى جدل لاهوتي أو فقهي أو طائفي فارغ ؟ كيف يفرِّغون مفهوماته في أوضاع وأنظمة وتصورات غريبة عنه، مدمِّرة له، مع إيهام أهله أنَّ عقيدتهم محترمة مصونة؟
كيف، في النهاية، يملأون فراغ العقيدة بتصورات أخرى ومفهومات أخرى واهتمامات أخرى ليُجْهِزُوا على الجذورِ العاطفية الباقية في العقيدة الباهتة؟
إن أهل هذا الكتاب يدرسون هذا الدين دراسة جادة عميقة فاحصة، ليس لأنهم يبحثون عن الحقيقة، كما يتوهم السُذَّجُ من أهل الدين! ولا ليُنْصِفُوا هذا الدين وأهلَه، كما يتصور بعضُ المخدوعين حين يرون اعترافاً من باحث أو مستشرق بجانبٍ طيب من هذا الدين: كلا! إنما هم يقومون بهذه الدراسة الجادة العميقة الفاحصة لأنهم ييحثون عن مقتلٍ لهذا الدين ! لانهم يبحثون عن منافذه ومساربه إلى الفطرة ليسدُّوها، أو يُميعوها! لأنهم يبحثون عن أسرار قوته ليقاوموه منها !! لأنهم يريدون أن يعرفوا كيف يبني نفسه في النفوس ليبنوا على غراره التصورات المضادة التي يريدون ملء فراغ الناس بها !
وهم من أجل هذه الأهداف والملابسات كلها يعرفونه كما يعرفون أبناءهم!
ومن واجبنا نحن أن نعرف ذلك .. وأدن نعرف معه أننا نحن الأوْلى بأن نعرف ديننا كما نعرف أبناءنا!!
يتبع
آخر تعديل بواسطة Nabil ، 2015-08-13 الساعة 07:39 PM
|