عرض مشاركة واحدة
  #4  
قديم 2015-06-08, 08:43 AM
Nabil Nabil غير متواجد حالياً
مشرف قسم التاريخ الإسلامى
 
تاريخ التسجيل: 2009-08-07
المشاركات: 2,686
افتراضي كتاب صور من تأذي النبي في القرآن/د.عثمان قدري مكانسي

كتاب صور من تأذي النبي صلى الله عليه وسلم في القرآن الكريم
(من المنافقين والكفار وأهل الكتاب وضعاف الإيمان من المسلمين)

الدكتور عثمان قدري مكانسي

(3) سورة البقرة / [ الآيات 217- 218]

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
{ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (217) إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللهِ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (218)}.

- "حصاة يجعلُ منها أعداءُ الله قُبّةٌ ".
- "وقَشّةٌ – على ظنهم – قَصَمَتْ ظَهْرَ البَعيرِ ".
أوليس الذي فعل هذا بعضُ المسلمين على حسن نيّةٍ؟!
فليضعها المشركون تحت المجهر وليكبروها ما شاء لهم أن يكبروا، وليجعلوها سَمَرَ الناس وأحاديثهم لينالوا من المسلمين ونبيهم.. وحين نزل القرآن ذهبت هذه الحملة الظالمة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أدراج الرياح، فالشمس حين تَسْطعُ تختفي الدياجير، والنور إذ ينبثق تأوي الخفافيش إلى جحورها.
هذا دأب الباطل يزهو منتفشاً فإذا ظهر الحق ذاب الباطل.. كأن شيئاً لم يكن.
.. وإليك القصة..

جاء في روايات متعددة أنّ سريةٌ لعبد الله بن جحش رضي الله عنه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بعثه في ثمانية من المهاجرين، ليس فيهم أحد من الأنصار باتجاه مكة، ومعه كتاب مغلق، وكلّفَهُ أن لا يفتحه حتى يمضي ليلتين.. لماذا لا يفتح الكتاب إلاّ بعد ليلتين؟!.. تدريبٌ على الانضباط والجندية، فلما فتحه وجد فيه:
إذا نظرتَ كتابي هذا فامض حتى تنزل ببطن نخلة، بين مكة والطائف، ترصد قريشاً وتعلم لنا من أخبارهم ولا تُكرهَنَّ أحداً على المسير معك من أصحابك ".
فالرصد ومتابعة أخبار العدو يجعل الجيش المسلم أقربَ إلى تقدير الموقف الصحيح لقوة الأعداء ويبث الثقة في الجندي المسلم، كما أن الأمر لا يُؤتي أُكُلَه إلاّ إذا كان القائم عليه مختاراً له طائعاً من نفسه لايُكْرَهُ عليه، فالإنسان إذا أكرهَ على أمرٍ لم يحسنه، وتفلّت منه ما استطاع إلى ذلك سبيلاً.
لما نظر عبد الله بن جحش في الكتاب قال: سمعاً وطاعة.. والمسلم إذا أتاه أمرٌ من الله ورسوله قال سمعتُ وأطعت، هذا هو الإيمان الحق، ولا يكون مسلماً إلا بهذا التسليم وهذه الطاعة، ثم قال لأصحابه قد أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أمضي إلى بطن نخلة أرصُد بها قريشاً حتى آتيه منها بخبر، وقد نهى أن أستكره أحداً منكم، فمن كان يريد الشهادة ويرغب فيها فلينطلق، ومن كره ذلك فليرجع، فانا ماضٍ لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
تخيير.. فالأمر يتطلب تحمل المسؤولية والشعور بعظمة تحمل التباعات، والجهادُ أمانة لا يحملها إلاّ القادر الراغب.. أما الذي يساق دون رغبة منه فلا يمكنه تحمَّل تلك المسؤولية.. ومع التخيير تحريك للعواطف وشحذ للهمم.

إنها- والله- للشهادة التي تطلبون، ولقاء الله الذي ترغبون، وإليه تسعون.. وقال الجميع: نحن لها فقد آتت هذه القيادة الحكيمة أُكُلَها.. لم يتخلف أحدٌ منهم.. حتى إذا كانت السرية ببطن نخلة مرَّت عيرٌ لقريش تحمل تجارة، فيها عمرو بن الحضرمي وثلاثة آخرون، فقتلت السرية عَمْراً بن الحضرمي، وأسرت اثنين، وفَرّ الرابع، وغنمت العير، وكانت تحسب أنها في اليوم الأخير من جمادى الآخرة، فإذا هي في اليوم الأول من رجب- الشهر الحرام- الذي تعظِّمه العرب وبقيةَ الأشهر الحرم، وقد عظمها الإسلام وأقرّ حرمتها.
فلما قدمت السرِيَّة بالعير والأسيرين على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام " فوقف العيرَ والأسيرين وأبى أن يأخذ من ذلك شيئاً، فلما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم سقط في أيدي القوم وظنوا أنهم هلكوا، وعنّفهم إخوانهم من المسلمين.
أما أبواق الكفر فإنها بدأت تعزف لحن التشهير برسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين.. قد استحل محمدٌ وأصحابُه الشهر الحرام.. سفكوا دماء الآمنين.. أسروا الرجال المسالمين.. سلبوا الأموال.. فعلوا عكس ما ادّعوا من حرمة الأشهر الحرم.. إنهم يدْعون إلى السلام ويشنُّون الغارات..
أما اليهود فرقصت طرباً، وشهّرَتْ بالمسلمين، وتفاءلت بذلك على محمد صلى الله عليه وسلم فقالت: قتل الحضرميَّ عبد الله بن واقد: وقدت الحرب.
وعَمروٌ: عمرت الحرب- والحضرمي: حضرت الحرب.

وتسارعت الدعاية المضللة تُروِّج للحادثة في البيئة العربية، وتُظهر محمداً وأصحابَه بمظهر المعتدي الذي يدوس مقدسات العرب وينكر مقدساته هو عند ظهور المصلحة!! ونسي هؤلاء المشركون أنهم بدأوا المسلمين العداء، وفعلوا بالمسلمين الأفاعيل.. وصدق قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم:
" يرى أحدكم القذى في عين أخيه ولا يرى الجذع في عين نفسه ".
نسوا أنهم عذّبوا المسلمين، وآذَوهم، وقتلوا كثيراً ممن آمن منهم ! وألجأوهم إلى الهجرة، وحجزوا دورهم وأموالهم، ومنعوا الضعفاء من السفر، وأذاقوهم الهوان ألواناً.. نسوا أنهم كذَّبوا نبيهم، وألَّبُوا العرب عليه، ووصفوه بشتى الصفات القبيحة .. شانهم شأن أعداء الله في كل مكان وكل زمان، فهم نسخة تتكرر على مر العصور،وكَرِّ الدهور، لا يَرْعَوُنَ إلَّاً ولا ذمة.
ونزلت الآية الكريمة تشد أَزْرَ المسلمين وتُقرَّر أن القتال في الشهر الحرام كبيرة، نعم! لا شك في ذلك.. لكنَّ صدَّ المشركين المسلمين عن البيت الحرام ،والصدُّ عن سبيل الله والكفرُ به وإخراجُ المسلمين من مكة.. أكبرُ عند الله، وما فعله المشركون فتنة كله.. والفتنة أشد من القتل.

إن المشركين بغاة، انتهكوا المقدسات، واعتدوا على حرمات الله، وآذَوا أولياءه فهم المعتدون ابتداءً، وكان على المسلمين قتالهم، أنَّى ثقفوهم.
وكان على المسلمين ألا يَدَعوهم يحتمون بستار زائف من الحُرمات التي لا احترام لها في نفوسهم ولا قداسة!!.
لقد كانت كلمة المشركين التي شددت النكير على المسلمين في قتل الحضرمي وأَسْرِ رفيقه كلمةَ حقٍ أُريد بها باطل- وكان التلويحُ بحرمة الشهر الحرام مجردَ ستارٍ يحتمون خلفه لتشويه موقف الجماعة المسلمة، وإظهارها بمظهر المعتدي.

"إن التاريخ يعيد نفسه فاليوم يشن أعداء الإسلام حملة شعواء على الملتزمين بدينهم، الداعين إلى تحكيم شرع ربهم، المنافحين عن عقيدتهم، الباذلين دماءهم وأموالَهم وراحتهم لدين الله، ويَصِموُنهم بأقذعِ الكلمات، ويَصفونهم بأسوأ الصفات، ويتناسون أنهم هم قد انحرفوا عن دين الله، وباعوا أنفسهم للشيطان والمشركين من أهل الكتاب.
والقرآن يقرر أن أعداء الله، مجتمعين، مصممون على قتال المسلمين، وإيذائهم، ليردُّوهم عن دينهم.. إن استطاعوا.. ولكن هيهات أن يعود من ذاق حلاوة الإيمان، وامتزج بنور اليقين، وعرف سعادة التقوى، هيهات أن يعود المبصرُ أعمى، والسميعُ أصمَّ، والسليمُ سقيماً، فلن تستطيع قوة الأرض مجتمعة أن تنال من عقيدة المؤمن أو تزحزحه عنها.
أما ضعاف الإيمان والمتعلقون بأوهام الدنيا، وأوضار المادة، إن سقطوا في حمأة الكفر، فإن مصيرهم نارٌ تلظى لا يصلاها إلَّا الأشقى.
إن المؤمنين الذين هجروا الدنيا وملذاتها، وتشوقوا للجنة ونعيمها، وجاهدوا في الله حق جهاده يضعون نصب أعينهم رضا الله ورحمته، فيسلَّمون أمرهم إليه، ويتوكلون عليه، وهو الرحيم بهم، الغفور لسيئاتهم، البَرُّ بهم.. وما أعظمَ أن يلجأَ الإنسان في مسيرته إلى الله.. أن يلجأ .. إلى الله..
ولم يقصر عبد الله بن جحش، رضي الله عنه، في توبيخ أعداء الله فيرد عليهم رداً استقاه من القرآن الكريم فأدى وأحسن:

تعُدُّون قتلاً في الحرام عظيمةٌ * وأعظمُ منه لو يرى الرشدَ راشدُ

صدُودُكمُ عما يقول محمدٌ * وكفرٌ به، والله راءٍ وشاهدُ

وإخراجُكم من مسجدِ اللهِ أهلَهُ * لئلا يُرى لله في البيت ساجدُ

فإنَّا وإنْ عيرتمونا بقتله * وأرْجف بالإسلامِ باغٍ وحاسدُ

سقَيْنَا من ابن الحضرمي رماحنا * بنخلةَ لما أوقد الحربَ "واقد"

دماً وابنُ عبد الله عثمانُ بيننا * ينازعه غُلٌ من القِدِّ عاندُ (1)

(1) الأبيات من تفسير القرطبي، الجزء الثالث، الصفحة 46.

يتبع

آخر تعديل بواسطة Nabil ، 2015-08-15 الساعة 11:04 AM
رد مع اقتباس