كتاب صور من تأذي النبي في القرآن/د.عثمان قدري مكانسي
كتاب صور من تأذي النبي صلى الله عليه وسلم في القرآن الكريم
(من المنافقين والكفار وأهل الكتاب وضعاف الإيمان من المسلمين)
الدكتور عثمان قدري مكانسي
سورة آل عمران (2) / [الآيات 59 - 61]
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
{ إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (59) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (60) فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (61)}.
المباهلة: الملاعنة، والاجتهاد في الدعاء :
قد ينساق الإنسان وراء فكرة فتملك عليه لبه، وينافح عنها ويتخذها عقيدة.. وإلى هنا لا يوجد ضررٌ كبيرٌ من ذلك، إلَّا إذا كانت عقيدة، ينتج عنها مواقف تمسُّ الدين والمبدأ، وتخالف المألوف، وتعاكس المنطق والعقل.. إذ ذاك يجب توضيح الأمر، وبسط القول فيه، ليعود الإنسان
إلى صوابه، فإن توضح له الحق وعرف أنه كان على خطأ وجب عليه العودة إليه، والفَيْءُ إلى جادة الصواب، فإنْ فعل، عفا الله عمّا مضى وبدأت صفحة جديدة مضيئة تجُبُّ ما قبلها.. وانْ ركب الإنسان رأسه بعدما ظهر الحق، فهنا الطامة الكبرى.
فحين زار رفد نصارى نجران مدينةَ النبي صلى الله عليه وسلم، قابلوه عليه الصلاة والسلام، وحادثوه، وحين قال في حق عيسى عليه السلام: إن عيسى عبد الله وكلمته،
أنكروا عليه ذلك، فعيسى لا أب له، وهو بذلك، على حد زعمهم، ليس كالبشر وانْ خرج من بطن امرأة وما دام عيسى كلمةَ الله، فهو- حاشاه- ابنه، وحسبوا أنهم على حق وأنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم غَمَطَ أخاه عيسى حقه، فبدؤوه قائلين: أرنا عبداً خلق من غير أب؟!. . سبحان الله..
وهو القادر على كل شيء.. كان سؤالهم هذا محرجاً.. نعم محرجاً لهم، لا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد أجابهم بسؤال أشد وقعاً على نفوسهم من النبال.. قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: " آدم من كان أبوه؟ أعجبتم من عيسى لا أب له؟! فآدم ليس له أب ولا أم ".
إنَّ على عقولهم القاصرة التي اعتقدت أن عيسى ابن الله لكونه لا أب له، أن يجعلوا من آدم عليه السلام إلهاً - والعياذ بالله- فلا أب له ولا أم.. ولم يهتدوا إلى أن الله إذا أراد شيئاً قال له كن، فيكون.
وذلك قوله تعالى: { وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ ـ أي عيسى ـ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ ـ أي آدم ـ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (33)}(الفرقان) .
بُهِتَ القوم فما حاروا جواباً.. وأنَّى لدعاة الباطل أن ينطقوا إذا تجلى صوتُ الحق.. وهذه طريقة "الذكر الحكيم " في مخاطبة الفطرة بالمنطق الفطري البسيط في أعقد القضايا.. هكذا وبسرعة وبساطة تتجلى حقيقة عيسى وحقيقة آدم.. كيف ثار الجدل حول عيسى؟ وهو جَارٍ وفق السنةِ
الكبرى في يسرٍ ووضوحٍ؟! سنة الخلق والنشأة جميعاً؟!!
إنها النفخة الإلهية، والروح الإلهي، والأمر الإلهي لكلا النبيَّيْن سلام الله عليهما، فلا شبهات، ولا تلبيس، ولا ضلالات..
وحين دعاهم صلوات الله وسلامه عليه إلى الإسلام قالوا متبجحين: قد كنا قبلك مسلمين.. أيُّ صفاقة هذه؟ أليس في إنجيلكم صفة النبي صلى الله عليه وسلم وكنتم- معشر يهود- تنتظرونه لتؤمنوا به؟ ها هو قد جاء، وعرفه سيدكم وكبيركم - العاقب-.
فما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن جابههم مؤكداً ضلالهم:
" كذبتم، يمنعكم من الإسلام ثلاث:
ا- قولكم اتخذَ اللهُ ولداً
2- وأَكْلَكُمُ الخنزيرَ
3- وسُجُودُكم للصليب ".
ومن الافتراء على الله أن يولد له ولدٌ، وأن يقتله اليهود، وأن يرضى بما فعلوه دون أن يدافع عن ولده.. حاشاه فهو الواحد الأحد، الفرد الصمد.
وتعجبني هذه الأبياتُ :
عجباً للمسيحِ بينَ النصارى * والى اللهِ والداً نسبوهُ
أسْلَموه إلى اليهودِ وقالوا * إنَّهم بعد قَتْلِهِ صلبُوهُ
فإذا كانَ ما يقولون حقاً * فسلوهم وأين كان أبوهُ؟
فإذا كان راضياً بقضاهم * فاشكروهم لأجلِ ما صنعوهُ
وإذا كان ساخطاً بقضاهم * فاعبدوهم لأنَّهم غَلبُوهُ
وما زال الناس حتى يومنا هذا يجادلون في الخنزير، وهو بذاته مُنَفِّر للطبع القويم، وقد حرَّمه الله تعالى قبل أن يكشف العلم الحديث أن في دمه ولحمه وأمعائه دودة شديدة الخطورة (الدودة الشريطية)، وأنه يأكل القاذوراتِ والفضلات الآدميةَ، وأنه دُيوث، إن أراد مواقعةَ أُنْثَاهُ دَعَا كلَّ الخنازير إليها فإن فرغت منها أتاها.
وقد أثبت الطبُّ أن الإنسان يتأثر بلحم ما يأكله سلباً وإيجاباً.
وهذا الصليب يعلق على صدور النصارى ويُتبارك به وهو علم على كنائسهم وشعار لأعلامهم، وكأن الرائي يحسب أنهم فرحون بصلبه، وهو لم يصلب وسيكسر الصليب، ويُقاتل أهله، ويحكم بشريعة الإسلام آخر الزمان.
ولعلم الله تعالى أن النصارى مُجادلون مُمارون، طلب إلى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يتجنب المماراة، وما كان صلى الله عليه وسلم ممترياً ولا شاكاً فيما يتلوه عن ربه في لحظة من لحظات حياته، وإنما هو التثبيت على الحق للرسول ولأمته من بعده.
ولكي ينهي القرآن الكريم الجدلَ والمناظرةَ حول هذه القضية، أمر اللهُ فيه الرسول الكريم أن يدعو النصارى إلى المباهلة، فيجمعَ الطرفان أبناءهم ونساءهم، ويقفا متقابلَيْن.. جمع النصارى أمام آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، إن كان النصارى موقنين بصدق دعواهم وهم ليسوا كذلك.. فيجأر الجميع بالدعوة إلى الله أن يحفظ الفريق الصادق، ويبيد الكاذبين.. فريق المشركين الضالين الذين أساءوا إلى الذات الإلهية، فوصفوها بالضعف حيث أحاجوها إلى ولدٍ يعضد أباه ويساعده.وفريق المؤمنين الذين يعرفون حق المعرفة ربَّهم بأسمائه الحسنى وصفاته العظمى. وحين أَزِفَ موعد المباهلة ورأى المشركون أنهم قاب قوسين أو أدنى من الهلاك، وأن الوادي سيضطرم عليهم ناراً، فمحمدٌ نبي مرسل، هكذا اعترف أحبارهم، وأنه قد جاء بالفصل في أمر عيسى تركوا المباهلة، ورضوا أن يَسلموا في الدنيا، ويسلمَ لأحبارهم جاهُهم وسلطانهم، ولو كانوا في الآخرة حطبَ جهنم.. رضوا بالسلامة في الدنيا على أن يدفعوا لرسول الله الجزية عن يدٍ وهم صاغرون.
وهذا دأب المشركين، فهم حين يحاربون المسلمين ينفسون عليهم إيمانهم لأنه نور يهدي إلى الدرب القويم، وينفسون عليهم طمأنينتهم وهدوءهم لأنها نتاج التسليم إلى الله.. وهم حين يحاربون المسلمين يدافعون عن سلطانهم ومصالحهم الدنيوية ومطامعهم وأهوائهم.
يتبع
آخر تعديل بواسطة Nabil ، 2015-08-15 الساعة 11:10 AM
|