قرائن إضافية على مشروعية سفور وجه المرأة
القرينة الخامسة:
أن المشقة تلحق ستر الوجه والتيسير في كشفه:
قال تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من حرج}
ومن القواعد الفقهية التي يذكرها العلماء ((المشقة تجلب التيسير)).
وورد في المغني لابن قدامة: ( قال بعض أصحابنا : المرأة كلها عورة لأنه قد روي عنه صلى الله عليه وسلم : (المرأة عورة) لكن رخص لها في كشف وجهها ويديها لما في تغطيته من المشقة).
وإذا كان ابن تيمية يقول: ( وتغطية هذا في الصلاة فيه حرج عظيم) وهو يقصد تغطية الوجه واليدين , وابن الجوزي وهو من مفسرى الحنابلة يقول عن كشف وجهها فى الصلاة: (أن في تغطيته مشقة فعفى عنه) ، فنحسب أنه من باب أولي أن يكون هناك حرج عظيم في تغطيتهما خارج الصلاة , وقد يطول زمن التغطية أحيانا أضعاف زمن الصلاة.
قال الشيخ الحبيب بن طاهر: فإن الشأن في علل الأحكام المعقولة المعنى أن تكون مضطردة؛ والعلّة هنا ملحوظة في الصلاة وخارج الصلاة, أي في مزاولة المرأة شؤونها الحياتية ومعاملاتها الاجتماعية, بل هذه العلّة أولى بالاعتبار خارج الصلاة؛ فأمر الصلاة هيّن وأخف من قضاء المرأة ساترة وجهها وكفيها سائر يومها وجزءا من ليلها, في الحر والبرد وفي الضوء والظلام, وفي عملها وتعلّمها, وفي بيعها وشرائها, وفي قضاء شؤونها وشؤون أبنائها وشؤون من تقوم على رعايتهم من أقاربها وأقارب أزواجها مّمن تضطرّها العلاقة الزوجية وصلة الأرحام إلى مخالطتهم, لا تضع عنها ذلك الساتر إلاّ في قعر بيتها عند نومها؛ فأيّ المحلّين أولى باعتبار المشقّة فيه, الصلاة أم خارج الصلاة؟.
قال سفيان الثوري: (إنما العلم عندنا الرخصة من ثقة، فأما التشديد فيحسنه كل أحد).
فالتشديد في حقيقته هو الاجتهاد الأسهل وليس الاجتهاد الأفضل.
قال الألباني في "الرد المفحم":
التشدد في الدين شر لا خير فيه. وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد قال: " الخير لا يأتي إلا بالخير". متفق عليه، فكذلك الشدة شر لا تأتي إلا بالشر، ولذلك تكاثرت الأحاديث، وتنوعت عباراتها في التحذير منها.
...
وإذا كان الأمر كذلك، فلا بدَّ أن القراء الكرام لاحظوا هذا التشدد مجسماً فيما حكينا من أقوالهم وآرائهم منها قولهم:" حتى ظفرها"، وفي الصلاة أيضاً! وما تكلفوا به من رد الأدلة القاطعة بجريان العمل بكشف الوجه في القرون المشهود لها بالخيرية، وشهادة فضلاء الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين بجواز ذلك، وما قول الإمام مالك دار الهجرة ببعيد عن ذاكرة القارئ، وهو: أنه يجوز- أو لا بأس –أن تأكل المرأة مع غير ذي محرم ، وغير ذلك من أقوالهم الصريحة بأن الوجه ليس بعورة.
...
وإني لأعتقد أن مثل هذا التشديد على المرأة لا يمكن أن يخرج لنا جيلاً من النساء يستطعن أن يقمن بالواجبات الملقاة على عاتقهن في كل البلاد والأحوال مع أزواجهن وغيرهم، ممن تحوجهم الظروف أن يتعاملن معهم، كما كن في عهد النبي صلي الله عليه وسلم ، كالقيام على خدمة الضيوف، وإطعامهم، والخروج في الغزو، يسقين العطشى، ويداوين الجرحى، وينقلن القتلى، وربما باشرن القتال بأنفسهن عند الضرورة، فهل يمكن للنسوة اللاتي ربين على الخوف من الوقوع في المعصية إذا صلت أو حجت مكشوفة الوجه والكفين أن يباشرن مثل هذه الأعمال وهن منقبات ومتقفزات؟ لا وربي، فإن ذلك مما لا يمكن إلا بالكشف كما سنرى في بعض الأمثلة الشاهدة لما كان عليه النساء في عهد النبي صلي الله عليه وسلم :
• أم شريك الأنصارية التي كان ينزل عليها الضيفان.
• امرأة أبي أسيد التي صنعت الطعام للنبي صلي الله عليه وسلم ومن معه يوم دعاهم زوجها أبو أسيد يوم بني بها , فكانت هي خادمهم وهي عروس.
• الربيع بنت معوذ التي كانت تنفر مع نساء من الأنصار, فيسقين القوم ويخدمنهم ويداوين الجرحي ويحملن القتلي إلي المدينة.
• وأم عطية التي غزت معه صلي الله عليه وسلم تخلفهم في رحالهم وتصنع لهم الطعام وتداوي الجرحي وتقوم على المرضي.
• وأم سليم أيضا التي اتخذت يوم حنين خنجرا.
وجرى الأمر على هذا المنوال بعد النبي صلي الله عليه وسلم :
• فهذه أسماء بنت يزيد الأنصارية قتلت يوم اليرموك سبعة من الروم بعمود فسطاطها.
• وسمراء بنت نهيك الصحابية بيدها سوط تؤدب الناس وتأمربالمعروف وتنهي عن المنكر.اهـ