
2020-10-24, 11:02 AM
|
|
مشرف قسم التاريخ الإسلامى
|
|
تاريخ التسجيل: 2009-08-07
المشاركات: 2,686
|
|
رد: سلسلة من لطائف القرآن الكريم / الشيخ صالح التركي
سلسلة من لطائف القرآن الكريم
الشيخ صالح بن عبد الله التركي
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وبعد :
سورة القَمَر
عندما نتدبر سورة القمر ونتأملها ونتجول بين فصولها ومشاهدها نجد أنها تتميز بجزالة ألفاظها ، وفخامة معانيها ، وقوة مقاطع صوتها ، وشدة نبرتها ، وهذا لا جرم ولا ريب أنه ضرب من ضروب الإعجاز ولون من ألوان التحدي وجهه الله لمن تربع على عرش اللغة العربية ولفرسان البيان وجهابذة الفصاحة ، واستعراض فريد غير مسبوق له في ميدان التحدي لأهل العربية.
وفي الوقت ذاته هي سورة تحمل صبغة التهديد وطابع الوعيد بين طياتها ، وتصور نهاية التجبر وعاقبة الاستهتار، ومصارع المكذبين ، لمن استخف برسل الله تعالى ، مع استعراض صور الدمار والهلاك ، وتعيد المرة تلو المرة وتذكر وتعظ المشركين الذين كذبوا برسالة النبي صلى الله عليه وسلم وتحذرهم عذاب الله : { فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُر }
واللافت في سياق السورة عند قراءتها أنه ربما يجد القارئ عناء ومشقة في قراءتها لأول مرة ، وفي نطق بعض كلماتها كقوله :
{ وَدُسُر } ، { كُفِر } ، { مُّدَّكِر } ، { وَسُعُر } ، { أَشِر } ،
حيث تتسم بطابع الشدة في لفظها – كما أسلفت – وهي تمثل أنموذجا ومثالا للقرآن المكي الذي يمتاز عن القرآن المدني بقوة أساليبه ووقوع خطابه في نفسية قارئه ، ويرجع هذا إلى نوعية المخاطبين من أئمة الكفر والجبروت والاستكبار ، ولا يتناسب معهم إلا هذا النوع من الخطاب
وتعتبر السورة بهذا الأسلوب المحكم الرفيع من أقوى السور المكية في كتاب الله تعالى ، بل من أقوى السور على الإطلاق من حيث قوة الخطاب
ومع هذا كله فإن ربنا جل في علاه لم يذكر أنه يسر القرآن وسهله من جميع نواحيه وجعل أمره في متناول الناس على اختلافهم ألسنتهم وألوانهم إلا في سورة القمر ، حتى لا يتسلل لذهن قارئ القرآن وينطبع في خلده أن أمر هذا القرآن شاق عسير، وأنه من الصعوبة بمكان أن يقرأ أو أن يفهم ، أو يحفظ شيء منه ، فقد جاء في ثنايا السورة قوله تعالى : { فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُر } خمس مرات لتكون تذكرة للقارئ في هذه السورة ، على أن هذا القرآن ميسر من قبل ربنا جل جلاله ، وهذا التيسير الذي عناه الله تعالى لا يتوقف عند حد أو يقيده أمر بل أن التيسير يشمل جميع مسائل هذا التنزيل فهو تيسير في القراءة وتيسير في الفهم وتيسير في الحفظ وتيسير في النطق حتى لغير العرب ...
ولا شك أن القراءة هي على رأس هذا التيسير كله وإلى هذا ألمح القرآن بقوله عز وجلّ :
{ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ } لم يقل (الكتاب) إشارة إلى سهولة قراءته وجريانه على كل لسان مهما اختلفت لغته ، فنجد أحيانا مسلمين من أصقاع المعمورة يقرؤون كتاب الله تعالى بأحسن صوت وأعذبه وأجمله ، وفي الوقت نفسه قد لا يستطيع الواحد منهم النطق ولو بكلمة أو لفظ من اللغة العربية بشكل سليم ، فسبحان من يسر كتابه وسهل نطقه !!!
|