عرض مشاركة واحدة
  #13  
قديم 2020-10-31, 01:04 AM
Nabil Nabil غير متواجد حالياً
مشرف قسم التاريخ الإسلامى
 
تاريخ التسجيل: 2009-08-07
المشاركات: 2,686
افتراضي رد: سلسلة من لطائف القرآن الكريم / الشيخ صالح التركي

سلسلة من لطائف القرآن الكريم

الشيخ صالح بن عبد الله التركي


بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وبعد

{ سُبْحَانَهُ } ، { سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ } ، { سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَىٰ }*



بدايةً { سُبْحَانَهُ } مصدر معناه التنزيه ، لا يستعمل إلا مضافا { سُبْحَانَ الله } ويعرب مفعولا مطلقا لفعل محذوف تقديره : أسَبـِّح
قال الزجاج في معاني القرآن : وسبحان في اللغة تنزيه الله، عز وجل، عن السوء ، وقيل: تنزيه الله تعالى عن كل ما لا ينبغي له أَن يوصف
ومعنى { تَعَالَىٰ } : التعالي في اللغة هو الارتفاع ، أي ارتفعت عظمتك ،قال عز من قائل : { وَأَنَّهُ تَعَالَىٰ جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا (3) [الجن] ، أي مكانته ومنزلته وعظمته

وإذا تأملنا في كتاب الله تعالى نجد الآيات التي جاءت بلفظة { سُبْحَانَهُ } تضمنت الحديث عن نسبة الولد أو الصاحبة لله وإلصاق هذه التهمة والصفة به سبحانه وقد جاءت أكثر من تسع آيات بهذا الشأن وهذا الوصف من المشركين فرد الله سبحانه عليهم بقوله { سُبْحَانَهُ } وإليكم بعض هذه الآيات :
قال تعالى في سورة البقرة :
{ وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ ... (116)} ، وفي سورة يونس :
{ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ ... (68)} ،
فرد الله تعالى بقوله : { سُبْحَانَهُ } أي يتنزه عن الوصف والنسبة هذا جل جلاله
وقال في سورة النساء : { ... إِنَّمَا اللَّهُ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ ... (171)}
فنزّه الله نفسه عن الولد ، وأنه واحد لا ثان له
وفي سورة براءة (التوبة) قال تعالى :
{ ... وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَـٰهًا وَاحِدًا لَّا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (31)}
بعد أن ذكر قول اليهود والنصارى في الآية السابقة لها :
{ وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ (30)}
وقال في سورة النحل :
{ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ (57)} ، فجاء بلفظ { سُبْحَانَهُ } فقط عند نسبة الولد له
وقال في سورة مريم ردًا على زعم النصارى في عيسى عليه السلام :
{ مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ (35)}
وقال الله عز وجلّ في سورة الأنبياء :
{ وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَـٰنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ (26)}
وفي سورة المؤمنون مثل ذلك حيث قال جل ثناؤه :
{ مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَـٰهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (91)}
وفي سورة الصافات لما نسب الكفار { الجِنَّة } لله سبحانه :
{ وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا ... (158) رد عليهم بقوله : { سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (159)}
وقال تقدست أسماؤه في سورة الزمر :
{ لَّوْ أَرَادَ اللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا لَّاصْطَفَىٰ مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ } ثم عقّب بقوله تعالى { سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (4)}

وإذا صرفنا أنظارنا وولينا وجوهنا نحو الآيات التي جاءت بقوله تعالى { سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ } وتأملنا فيها وجدناها في سياق اتخاذ الشريك مع الله تعالى
وقد جاء قوله : { سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ } ستة مرات كلها في نفي الشريك عن الله سبحانه وتعالى وهي :
قال تعالى في سورة يونس :
{ ... قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ (18)}
وذلك في اتخاذ الكفار شفعاء لهم عند الله ، وقد جاء في معرض الآية الآنفة : { وَيَقُولُونَ هَـٰؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ }
جاء عند ابن جرير : وذلك هو الآلهة والأصنام التي كانوا يعبدونها ، فرد الله عليهم : { قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ ... سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ } تقدس اسمه وتنزه وتعالى كل العلو عن نسبة الشريك له ،
وفي سورة الأنعام كذلك هو سياق شرك حيث جاء في الآية قوله تعالى :
{ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ } ، فقال بعدها : { سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ (100)} ،
وفي سورة سبحان (الإسراء) قوله تعالى :
{ قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَّابْتَغَوْا إِلَىٰ ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (42)} ثم قال بعدها :
{ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (43)} ،
وفي سورة الروم يتضح ذلك من قراءة الآية :
{ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَّن يَفْعَلُ مِن ذَٰلِكُم مِّن شَيْءٍ ... } ثم قال عز وجلّ بعدها : { ... سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ (40)} ،
وفي سورة الزمر قال جل ثناؤه :
{ ... سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ (67)} ،
حيث جاءت في سياق الشرك ، ألا ترى إلى قوله عز وجلّ قبلها :
{ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (65)}
وقال تعالى في بداية سورة النحل :
{ أَتَىٰ أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ (1)} ، { خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ (3)} ،
ولو قرأنا الآية (96) من السورة السابقة لها وهي سورة الحجر لوجدنا قوله تعالى :
{ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَـٰهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ } .

وجاء قوله { سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَىٰ } مرة واحدة في سورة القصص :
{ ... سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ (68)} بعد قوله عز وجلّ قبلها :
{ وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ ... (64)} ،
كذلك في نفي الشريك عن الله سبحانه وتعالى.

وصفوة الكلام أنه في سياق نسبة الولد والصاحبة يأتي لفظ { سُبْحَانَهُ } وفي سياق الشريك ونسبة الشريك لله يأتي : { سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ } كما رأيتم من الأمثلة ، بقي تساؤل ألا وهو : ما هو الأعظم من هذين القولين أعني بهما (نسبة الولد ، ونسبة الشريك) في ذات الله ! لا جرم أن اتخاذ الشريك مع الله أعظم جرما من نسبة الولد لله لقوله تعالى لأنه الشرك بعينه : { إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ ... } [النساء] ، لذا في سياق الشرك يأتي قوله : { سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ } وفي سياق الوصف بالولد والصاحبة يأتي قوله { سُبْحَانَهُ } والزيادة في المبني تدل على الزيادة في المعنى

أسأل الله تعالى بمنه وكرمه أن يرفعنا بكتابه الكريم
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

* بتصرف بسيط
رد مع اقتباس