
2020-11-07, 05:05 PM
|
|
مشرف قسم التاريخ الإسلامى
|
|
تاريخ التسجيل: 2009-08-07
المشاركات: 2,686
|
|
رد: سلسلة من لطائف القرآن الكريم / الشيخ صالح التركي
سلسلة من لطائف القرآن الكريم
الشيخ صالح بن عبد الله التركي
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وبعد
الدلالة البيانية للحرفين { نَعَمْ } ، { بَلَىٰ } في القرآن الكريم
{ نَعَمْ } حرف جواب يفيد الإثبات والتوكيد والإقرار للسؤال المثبت نحو : هل وصل محمد فلما تقول نعم إذن أقررت وصوله ، ويفيد النفي والتوكيد للسؤال المنفي نحو : أما قرأت الرسالة ، فإن قلت نعم فالجواب نعم ما قرأتها ، وهو حرف لا محل له من الإعراب من حيث الإعراب النحوي
وقد وردت { نَعَمْ } في القرآن الكريم أربع مرات نحو قوله تعالى
{ ... فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ ... (44)} [الأعراف] فأكدوا وأقروا جوابهم والتقدير: نعم وجدنا
وقوله سبحانه في سورة الأعراف : { وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (113) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (114)} ، فأكّد فرعون كلامهم بقوله (نَعَمْ) موافقة لطلبهم
وقوله عز وجلّ في سورة الشعراء : { فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (41) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَّمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (42)} فأجاب فرعون بقوله (نعم) توكيدًا لكلامهم وطلبهم
وقوله تقدست أسماؤه في سورة الصافات : { قُلْ نَعَمْ وَأَنتُمْ دَاخِرُونَ (18)} وهو جواب يؤكد للكفار البعث في الآخرة الذي أنكروه بقولهم : { أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (16) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (17)} [الصافات]
أما { بَلَىٰ } فهي حرف مؤنث لا محل له من الإعراب ، وردت في القرآن الكريم في اثنين وعشرين موضعًا ، وأصلها (بل) وقيل الألف زائدة للتأنيث
و{ بَلَىٰ } لها موضعان :
أحدهما : تكون ردًا على نفي سبقها نحو قوله تعالى في سورة البقرة : { وَقَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَةً ... (80)} فكان جواب هذا النفي { بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ ... (81)}
ومثله قوله سبحانه : { وَقَالُوا لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ ... (111)} [البقرة] فكان جواب هذا النفي بقوله : { بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ ... (112)} [البقرة]
ونظير ذلك قوله عز وجلّ : { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ ... (3)} [سبأ]
كذلك قوله تقدست أسماؤه : { ... فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ بَلَىٰ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (28)} [النحل]
وقوله جل ثناؤه : { أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَىٰ وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (80)} [الزُخرف] فجاء جواب النفي بقوله : { بَلَىٰ وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ } .
الثاني : أن تكون جوابًا لسؤال دخل على نفي فتبطل هذا النفي وتقلبه للإيجاب ، لأن نفي النفي إثبات ، ومن أمثلة هذا الضرب
قوله تعالى : { ... وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَىٰ شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا ... (172)} [الأعراف] فجاءت { بَلَىٰ } جوابا لسؤال منفي فقلبت هذا النفي لإثبات والتقدير : بلى أنت ربنا ، فهنا { بَلَىٰ } أبطلت النفي
قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : لو قالوا نعم لكفروا ، لأنهم بذلك يقرون النفي بقولهم : نعم لست بربنا
ونظير ذلك قوله سبحانه : { وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُوا عَلَىٰ رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَـٰذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَىٰ وَرَبِّنَا ... (30)} [الأنعام] فكان الجواب للسؤال المنفي بقولهم { بَلَىٰ } والتقدير: بلى هذا هو الحق
كذلك قوله عز وجلّ : { يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ قَالُوا بَلَىٰ ... (14)} [الحديد] فجاء الجواب بقولهم { بَلَىٰ } التي قبلت النفي (ألم نكن) للإثبات ، والتقدير : بلى كنتم معنا
ولو جاء الجواب في آية الحديد بقولهم (نَعَمْ) لكان المعنى : نعم لم تكونوا معنا
وقوله تقدست أسماؤه : { زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (7)} [التغابن] فكان الجواب بقوله { بَلَىٰ } التي قبلت النفي { أَن لَّن يُبْعَثُوا } إلى إثبات
وقوله عزّ من قائل في سورة يس : { أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَىٰ وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (81)} فكان الجواب للنفي المسبوق باستفهام بقوله { بَلَىٰ }
وقوله جل وعلا : { وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا قَالُوا بَلَىٰ وَلَـٰكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (71)} [الزمر] إذ لو كان جوابهم بنعم لكان التقدير : نعم لم تأتنا ، وهذا خلاف ما وقع !
ومن هذا النوع قول جحدر بن مالك وهو أحد الصعاليك يخاطب زوجته بعد أن وقع في قبضة الحجاج
أليس الليل يجمع أم عمرو * وإيانا فذاك بنا تداني
بلى وترى الهلال كما أراه * ويعلوها النهار إذا علاني فقال في جواب النفي المستفهم بلى
ختاما : رأيتم إخوتي الفرق بين الحرفين { نَعَمْ } ، { بَلَىٰ } حيث لا يمكن إحلال أحدهما مكان الآخر في نظم القرآن الكريم ،
وبالتالي فإن لكل حرف سياقه ودلالته البيانية
|