عرض مشاركة واحدة
  #48  
قديم 2010-02-04, 06:23 PM
نورالاسلام نورالاسلام غير متواجد حالياً
عضو متميز بمنتدى أنصار السنة
 
تاريخ التسجيل: 2009-07-12
المكان: china
المشاركات: 2,306
كتاب

اهديكم اجمل ماقرات موخرا من اشعار
لَكَ الحَمْدُ (قصيدة سفر أيوَّب) للسَّياب ....

قصيدة (سفر أيوب) التي كتبها الشاعر بدر شاكر السياب أيام مرضه الغامض بعد أن تيّقن الموت .. ربما أصعب اللحظات على المرء أن يرى الموت يقترب منه يوماً بعد يوم و لا يستطيع إلا انتظاره !! ..
القصيدة تقع في 10 مقطوعات وهي عبارة عن يوميات شعرية تنفث الألم والشوق من لندن .... وتبث الحنين للوطن البعيد.... ولعل هذه القصيدة من أروع ما كتب السياب .....
وهنا سأنقل المقطوعات كاملة من دون اختصار وذلك لروعتها ولترابطها .....

(1)
لك الحمد مهما استطال البلاءْ
ومهما استبدَّ الألمْ،
لك الحمدُ، إن الرزايا عطاء
و إنّ المصيبات بعضُ الكَرَمْ.
ألم تُعطني أنتَ هذا الظلامْ
و أعطيتني أنتَ هذا السَّحَرْ؟
فهل تشكر الأرض قَطْرَ المطر
و تغضبُ إنْ لم يَجُدْها الغمام؟
شهورٌ طوالٌ و هذي الجراحْ
تمزِّق جَنبيَّ مثلَ المُدى
و لا يهدأ الداءُ عند الصباح
و لا يمسح اللَّيلُ أوجاعه بالردى.
و لكنَّ أيُّوبَ إن صاح صاح:
((لك الحمدُ، إن الرزايا ندى،
وإن الجراحَ هدايا الحبيبْ
أضمُّ إلى الصَّدر باقاتِها،
هداياكَ في خافقي لا تغيب،
هداياك مقبولةٌ. هاتِها! ))
أشدّ جراحي وأهتف بالعائدينْ:
((ألا فانظروا واحسدوني، فهذي هدايا حبيبي.
وإن مسَّت النارُ حُرَّ الجبين
توهَّمْتُها قُبلةً منكَ مجبولةً من لهيبِ.
جميلٌ هو السُّهدُ أرعى سماكَ
بعينيَّ حتى تغيبَ النجومْ
ويلمسَ شبَّاكَ داري سناكْ
جميلٌ هو الليل: أصداء يوم
وأبواقُ سيارةٍ من بعيد
وآهاتُ مرضى، وأمّ تُعيد
أساطيرَ آبائها للوليد.
وغاباتُ ليل السُّهادِ، الغيوم
تحجِّبُ وَجْهَ السماءْ
وتجلوه تحت القمر.
وإن صاح أيُّوبُ كان النداءْ:
((لك الحمد يا رامياً بالقَدَرْ
ويا كاتباً، بَعْدَ ذاكَ، الشَّفاء!))
لندن 26 - 12 -1962
(2)
من خللِ الثلجِ الذي تنثّهُ السماءْ
من خللِ الضبابِ و المطرْ
ألمحُ عينيكْ تشعَّان بلا انتهاءْ
شعاع كوكبٍ يفيب ساعة السّحرْ
وتقطران الدمّعَ في سكونْ
كأنَّ أهدابهما غصون
تنطّف بالندى مع الصباح في شتاء.
من خللِ الدخانِ و المداخن الضخامْ
تمجّ من مغارِ قابيل على الدروب و الشَّجرْ
ذراً من النجيع و الضّرام
أسمع غيْلان يناديكِ من الظلام
من نومْهِ اليتيم في خرائب الضجرْ.
سمعتِ كيف دقّ بابَنا القَدَر؟
فارتعَشت على ارتجاف قرعِهِ ضلوعْ؟
و رقْرقت دموع؟
فاختلس المسافرُ الوداعَ و انحدر؟
و قبلةٍ بين فمي وخافقي تُحار
كأنّها التائهُ في القفار
كأنّها الطائرُ إذ خرَّب عشَّه الرياح و المطرْ،
لم يحوها خدّ لغيلان ولا جبينْ
و وجْه غيلان الذي غاب عن المطار!!
وأنتِ إذ وقفتِ في المدى تُلوّحين !!
إقبالُ …إنّ في دمي لوجهكِ انتظار
وفي يدي دَمٌ ، إليكِ شدّهُ الحنين
ليتكِ تُقبلين
من خللِ الثلج الذي تنثّه السماء،
من خلل الضباب و المطر !
لندن 27 - 12 - 1962
(3)
بعيدا عنك في جيكور عن بيتي و أطفالي
تشدّ مخالب الصّوان و الأسفلت و الضّجر
على قلبي تمزّق ما تبقّى فيه من وتر
يدندن يا سكون الليل يا أنشودة المطر
تشد مخالب المال
على بطني الذي ما مرّ فيه الزاد من دهر
عيون الجوع و الوحدة
نجومي في دجى صارعت بين وحوشه برده
و إن البرد أفظع لا كأنّ الجوع أفظع لا فإنّ الداء
يشلّ خطاي يربطها إلى دوّامة القدر
و لولا الداء صارعت الطوى و البرد و الظلماء
بعيدا عنك أشعر أنني قد ضعت في الزحمة
و بين نواجد الفولاذ تمضغ أضلعي لقمة
يمر بي الورى متراكضين كأن على سفر
فهل أستوقف الخطوات ؟ أصرخ أيها الإنسان
أخي يا أنت يا قابيل خذ بيدي على الغمّة
أعني خفّف الآلام عني و اطرد الأحزان
و أين سواك من أدعوه بين مقابر الحجر
و لولا الداء ما فارقت دراي يا سنا داري
و أحلى ما لقيت على خريف العمر من ثمر
هنا لا طير في الأغصان تشدو غير أطيار
من الفولاذ تهدر أو تحمحم دونما خوف من المطر
و لا أزهار إلا خلف واجهة زجاجّي
يراح إلى المقابر و السجون بهنّ و المستشفيات
ألا ألا يا بائع الزهر
أعندك زهرة حيّة
أعندك زهرة مما يربّ القلب من حبّ و أهواء؟
أعندك وردة حمراء سقّتها شموس إستوائيّة؟
أأصرخ في شوارع لندن الصّماء هاتوا لي أحبائي
و لو أنى صرخت فمن يجيب صراخ منتحر
تمرّ عليه طول الليل آلاف من القطر ؟
لندن 28 - 12 - 1962
(4)
يا ربَّ أيوبَ قد أعيا به الداءُ
في غربةٍ دونما مالٍ ولا سَكَنِ
يدعوك في الدُّجَنِ
يدعوك في ظَلَموتَ الموت : أعباءُ
نادَ الفؤادُ بها، فارحمه إن هتفا.
يا مُنجياً فُلكَ نُوحٍ مزِّق السُدفا
عنّي. أعدنْي إلى دَاري، إلى وَطنْي !
أطفالُ أيّوب مَنْ يرعاهمُ الآنا ؟
ضاعوا ضياعَ اليتَامى في دُجىً شاتِ .
يا ربّ أرجع على أيّوبُ ما كَانَا :
جَيكورَ و الشمسَ و الأطفال راكضةً
بين النخيلات
و زوجة تتمرّى و هي تبتسم
أو ترقبُ البابَ، تعدو كلما قَرَعا :
لعلّه رجعا
مشّاءةً دون عكازٍ به القَدَمُ !
في لندنَ الليلِ موتٌ نزْعُهُ السّهرُ
و البرْدُ و الضَّجرُ
وغربة في سواد القلب سوداء
يا رب يا ليت أنى لي إلى وطني
عود لتلثمني بالشمس أجواء
منها تنفست روحي : طينها بدني
وماؤها الدم في الأعراق تنحدر
يا ليتني بين من في تربها قبروا.
لأنه منك ، حلو عندي المرض
حاشا ، فلست على ما شئت أعترض .
و المال ؟ رزق سيأتي منه موفور
هيهات أن يذكر الموتى وقد نهضوا
من رقدة الموت كم مصّ الدماء بها دود
ومد بساط الثلج ديجور !
آني سأشفى ، سأنسى كل ما جرحا
قلبي ، وعرّى عظامي فهي راعشة و الليل مقرور،
وسوف أمشي إلى جيكور ذات ضحى !
لندن 29 - 12 - 1962
(5)
نازلاً نازلاً من صحارى السماء
من عصور جليديّة من قبور
نام فيها الهواء
أيها الثلج يا حشرجات الدهور
و انتحاب المساكين في كل كهف يغور
في جبال السنين
كن لهيبا على أوجه العابرين
قنّع الخوف فيها بلون الرجاء
أيّها الثلج رحماك إني غريب
في بلاد من البرد و الجوع سكرى
ان لي منزلا في العراق الحبيب
صبيتي فيه تعلك صخرا
آه لولاك يا داء ما عفتُ داري
ما تركت الزهور التي فتحت في جداري
و العصافير في ركن بيتي لهن اختصام
مر يومٌ ، فشهرٌ ، فعامُ
و الزمان ارتماءٌ بدون انتهاءْ
تزفر الأرض عنه و تبكي السماء
رب هل لي إلى منزلي من رجوع
كم أمد الذراع و أهدم سقف الضلوع
لا أمسّ المدى أو أصيب الزمانا
فهو شيء على الروح يسعى هباء و ظلمه
ليت عصر النبوّات لم يطو حلمه
وشت المعجزات الحواشي فكانت و كنا
ليتني العازرُ انفضّ عنه الحِمام
يسلك الدرب عند الغروب
يتمهّلُ لا يقرع الباب من ذا يؤوب
من سراديب للموت عبر الظلام
لن تصدِّق أنّي ستهوي يداها
عن رتاج و تصفرّ لي وجنتاها
ثم تركض مذعورة تشدّ بخيط الدروب
نحو قبري و تطويه حتى تمسّ الضريح الحطام
إيه إقبال لا تيأسي من رجوعي
هاتفا قبل أن أقرع الباب عادا
عازر من بلاد الدجى و الدموع
سورها كان ملحا نجيعا رمادا
قبليني على جبهة صكّها الموت صكّا أليما
حدّقي في عيون شهدن الردى و المعادا
عدت لن أبرح الدار حتى لو أنّ النجوما
دحرجت سلّما من ضياء و قالت
تخطّ السديما
لندن 31 - 12 - 1962
(6)
خيال الجسد العاري
يطلّ عليّ محمولا على موج من النار
من المدفأة الحمراء ذاك الرحم الضاري
لكل تقلب من موجها خفق من القلب
تدحرج عرّي النهدان بان الجيد و الساق
تدحرج لي على الجنب
تدحرج ثم صكّ أضالعي و تثار أعراق
ويطفر للجبين دم و يعروني
دوار منه تصطكّ النواجذ خوف بحّار
يطلّ فيبصر التيّار يزفر مثل تنين
و يصرخ آدم المدفون فيّ رضيت بالعار
بطردي من جنان الخلد اركض إثر حوّاء
أريدك يا سرابا في خيالي ليس يسقيني
أريدك ثم تطوى موجة و تطير أشلاءا
فقاعات من النيران من شوق و تذكار
و جاء الجسد العاري
خيالا جاء محمولا على موج من النار
من المدفأة الحمراء ذاك الرحم الضاري
يميل عليّ كيف أشاء أعصره كما أهوى
و لا يقوى
على رفضي على تهديم عرش من لظى وار
أتوّج فوقه الآمال راعشة القوى شهوى
بحار بيننا ليلان من مدن و أمطار
و إنّك منك أقرب أنت بعض دمي
خيالي أنت أمنيات عمري كل أمنيّة
بعاطفتي تحرّك لا عواطفك الأنانّية
علام مددت بحرا بيننا دنيا جليديّة
أعانق في دجاها جسمك العاري
يطلّ عليّ محمولا على موج من النار
ممن المدفأة الحمراء من وهمي و أفكاري
لندن 31 - 12 -1962
(7)
البرد و هسهسة النار
و رماد المدفأة الرّمل
تطويه قوافل أفكاري
أنا وحدي يأكلني الليل
و يخب المركب إلى داري
برق يتلامح في الآفاق يعرّيها
و يذرّيها
كرماد المبخرة الثكلى
في مقبرة تهب الليلا
ألوان الموت و آهات الموتى فيها
يا ليل لكم طال الدّرب
تعب الركب
و عراقي شط و سمّاري
ناموا و بقيت و لا زاد
عندي و ظمئت و لا ماء ظمى القلب
لا سقيا غير شظيات البرق الواري
يا أغصان الليل انهمري ثمرا إذ يؤكل يزداد
السلة منه سأملأها حتى إن عدت إلى داري
فرح الأطفال به هتفوا بابا
يا برق أما تخبو
فيغيب الدرب و لا يبدو
كم منه على الساري بعد
البرد وهسهسة النار
و رماد المدفأة الرمل
تطويه قوافل أفكاري
أنا وحدي يأكلني الليل
لندن 1 - 1 - 1963
(8)
ذكرتك يا لميعة و الدجى ثلج و أمطار
و لندن مات فيها الليل مات تنفس النور
رأيت شبيهة لك شعرها ظلم و أنهار
و عيناها كينبوعين في غاب من الحور
مرييضا كنت تثقل كاهلي و الظّهر أحجار
أحن لريف جيكور
و أحلم بالعراق وراء باب سدّت الظلماء
بابا منه و البحر المزجر قام كالسور
على دربي
و في قلبي
و ساوس مظلمات غابت الأشياء
وراء حجابهن وجف فيها منبع النور
ذكرت الطلعة السمراء
ذكرت يديك ترتجفان من فرق و من برد
تنز به صحارى للفراق تسوطها الأنواء
ذكرت شحوب وجهك حين زمر بوق سيّارة
ليؤذن بالوداع ذكرت لذع الدمع في خدّي
ورعشة خافقي و أنين روحي يملأ الحارة
بأصداء المقابر و الدجى ثلج و أمطار
لندن 2 - 1 - 1963
(9)
بالعضل المفتول و السواعد المجدولة
هرقل صارع الردى في غارة المحجّب
بظلمة من طحلب
و قام تموز بجرح فاغر مخضّب
يصك ( موت ) صكّة محجّبا ذيوله
و خطوة الجليد بالشقيق و الزنابق
و انخطف الموت علي كانخطاف الباشق
على العصافير أحال ظهري
عمود ملح أو عمود جمر
أحرّك الأطراف لا تطيعني مشلولة
مات الدم الفوّار فيها أطفي الشباب
و امتدّ نحو القبر درب باب
من خشب الصليب فالمسيح
مات و في الطوفان ضلّ نوح
و أغضيت نواظري الذليله
لعلّها تعتاد من دجاها
على دجى غطاؤها الضريح
أي سلاح ؟ آه أيّ ساعد ؟
أيّة أزهار تمدّ فاها
لتأكل الموت ؟ و أيّ ناصر مساعد ؟
سللت من قصائدي
سيفا كأن البرق حدّاد رمى أصوله
وصبّ مقبضا له و شفره
بالشّعر بالمبرق بالمجلجل المدوّي
رميت وجه يهوي نحوي
كأنه الستار في رواية هزيلة
رميت وجه الموت ألف مرّه
إذا أطلّ وجهه البغيض
كأنه السيرين يسعى جسمي المريض
نحو ذراعيه بلا تردد
فأنتضي من سيفي المجرد
و يقطر الشّعر و لا يغيض
لأنني مريض
أودّع الحياة أو أشدّ بالحياة
بخيطة الموروث عن أموات
لم يدفع الشّعر مناياهم وقد
جاءت إليهم غيلة
لندن 2 - 1 - 1963
(10)
يا غيمة في أوّل الصباح
تعربد الرياح
من حولها تنتف من خيوطها تطير
بها إلى سماوة تجوع للحرير
سينطوي الجناح
ستنتف الرياح ريشة مع الغروب
يا غيمة ما أمطرت تذوب
فأبرقي و أرعدي و أرسلي المطر
و مزقي ذوائب الشجر
و أغرقي السهوب
و أحرقي الثمر
سترجحنّ بعدك السنابل الثقال بالحبوب
و تقطف الورود و الأقاح
صبيّة يؤج في وجنتها الجنوب
و أنت ذرة من الدماء و الجراح
و أنت يا شاعر واديك أما تؤوب
من سفر يطول في البطاح
تراقص النّهر
و تلثم المطر
أما سمعت هاتف الرواح
خام وزنبيل من التراب
و آخر العمر ردى و يطلع القمر
فأبرق ارعد أرسل المطر
قصائد احتوى مداها دارة العمر
يا غيمةً في أول الصباح
يا شاعراً يهم بالرواح
و ودِّع القمرْ !
لندن 2 - 1- 1963
__________________
مصطفي عبدالرحمن احمدنور
رد مع اقتباس